الإمام الصادق المهدي – عبقرية القيادة
عروة الصادق
علمتنا السنن الكونية أن الحياة تستوجب انتخاب قيادة زمانية ومكانية لكافة الأجناس الحية والمشاهدة، وكذلك تلك التي لا نراها من عوالم المايكرو والميتافيزيقيا، وما أكدته التجربة أن أفضل تلك المجتمعات فلاحا هي التي جعلت لنفسها من ذاتها قيادة، وأكثر الأمم نجاحا تلك التي تجاوبت مع معطيات الزمان والمكان بتقديم القيادة الرشيدة، ففي بلقيس ملكة سبأ يتجلى مشهد الفلاح والصلاح ومن ثم النجاة والنجاح، كما جاء في سورة النمل: (قَالَتْ يَٰأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُاْ أَفْتُونِى فِى أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ) ، حتى قادت أهلها للإيمان مع نبي الله سليمان عليه السلام لله رب العالمين، كما قادت النملة في نفس السورة أمتها للنجاة من التحطيم.
التمهيد للقيادة:
ومما علمناه عن الإمام الصادق المهدي (نور الله وجهه وأرضاه) أنه منذ ميلاده في 25 ديسمبر 1935م، الموافق الأول من شوال 1354هـ كان قد حاز التهيئة الزمانية والمكانية للقيادة، فمكانيا؛ قد ولد في وقت كانت بلاده موطوءة من المستعمر، وأسرته الخاصة وكيانه العام ووطنه قد خرجوا من قاع أفظع الحروب ضد الإنسانية التي شهدتها القارة الإفريقية، وزمانيا؛ فقد كانت تشرئب أعناق الأمة للخلاص من ربقة الاستعمار والاستبداد.
استقبال القائد:
فأول ما نزل من رحم أمه (رحمة) وحملوا بشراه إلى جده الإمام عبد الرحمن المهدي (طيب الله ثراه) طلبه إليه، وقيل أن الجد كان يقرأ سورة إبراهيم، وعزم على تسميته إبراهيم عندما جاءه الخبر، ولكن أشار إليه الأنصار بأن يمنحه اسما من أسمائه وكان الجد ينادى بعبد الرحمن الصادق، وبذلك صار اسمه الصادق، ولعل هذه التسمية كانت سببا لاحقاً إحدى أهم سمات القيادة لدى الإمام الصادق.
نشأة القائد:
نشأ (الحقاني) فتى كسواد جيله الأعظم درس في الخلاوى ولعب (شليل- كركعت- شدت.. الخ)، وليس كما يصوره كثيرون أنه ولد ونشأ في كنف الدعة والنعيم، وهذه النشأة أهلته لأن يكون مدركاً للسودان كوطن مترامي اطراف ومتعدد الأعراق، لأن الجزيرة أبا وأم درمان مثلتا جماع أهل السودان ففي كلا البلدتين اجتمعت ثقافات السودان من الشرق والغرب والشمال والجنوب، هذه النشأة جعلته شخصا ملما بفلكور البلاد وطبغرافيتها وجغرافيتها.
رأي القائد:
كانت حياته عبره، فقد تمرد منذ نشأته على مؤسسات المستعمر التعليمية ورفض ترديد ما يمجد المملكة المتحدة وملكها، وهذا المسلك جعله يختار طريقه التعليمي الخاص، ومثلت استجابة الأسرة لرغبته حافزا للمضي قدما في انتهاج طريقه الذي يريد، وذلك لأنه كان رغم صغر سنه شخصًا يُستشار ويُستمع إليه ويُوثق به،ويعتد برأيه، وهذه أهم سمات القائد الناشيء.
قيادة مكتسبة:
مع تقدم الأيام حتى ذهابه للدراسة بأكسفورد لم يتبناه أحد أو يقدمه شخص كقائد سياسي أو وطني أو فكري أو ديني رغم أن البيوتات الدينية في السودان تعمد أبناءها بالوراثة، ولكنه اختط نهجة في كلية القديس يوحنا بأكسفورد بصورة فريدة وفرض بامكانياته الزمكانية تموضعا قياديا، وسط مختلف المجتمعات المغتربة والغربية فجعل منه ذلك قياديا في عدد من الاتحادات الطلابية والعربية والإسلامية والافريقية طوال فترة الدراسة (الأعوام 1954-1957م) وهو أمر لا يمكن اكتسابه إلا بالجد والاجتهاد فلا يمكن أن يكون القائد في تلك الظروف معينًا وإنما لابد أن يكون منتخباً فكان الحقاني (زعيماً منتخباً)، وكانت هذه إحدى الروافع التي درجته ودربته وأهلته للقيادة.
قائد واعد:
فور عودته للبلاد كان عمله موظفا بوزارة المالية أمراً مستغربا ومستنكراً، كيف لا؟ وهو حفيد إمام أكبر طائفة دينية وأبوه يرأس أكبر صرح اقتصادي وقتها (دائرة المهدي)، ولكن تلك الأيام كانت كفيلة بتعريفه بدولاب الحكومة إذ مثلت وزارة المالية في السودان ولا زالت تمثل قلب كل حكومة منذ الاستقلال حتى تاريخنا هذا.
بزوغ النجم:
فجيعته بوفاة والده الإمام الصديق المهدي (رحمه الله) جراء ذبحة صدرية سببها له الانقلاب على أولى الديمقراطيات السودانية في انقلاب نوفمبر 1957م، كانت أكبر دوافعه للاهتمام بالسياسة السودانية وبدأ حملات التصدي والمقاومة للدكتاتورية في الظهور لأول مرة كأحد قيادات حزب الأمة.
وقد انتبه لبزوغ نجمه كقائد العديد من الساسة السودانيين قدحاً ومدحاً، وفي ذلك كتب كثيرون كمحمد أحمد المحجوب وأمين التوم ساتي ومؤخراً منصور خالد وغيرهم. هكذا لاحت بوارقه كأحد "العظماء" القادمين، ولسوء الحظ، لم تكن أولى تجاربه القيادية حاكما ناجحة، وعلل خصومه أن ذلك مرده لحداثة سنه وقلة تجربته. إلا أنه اتضح أخيرا أن طموح ذلك الجيل استصغر (الحقاني) الذي لم يتجاوز عمره العقد الثالث فكان من الصعب القبول به بكقائد لهم ومثلت هذه السمة المشتركة لمناوئيه الذين اجتهدوا لإفشاله ووضع النصوص الدستورية لعرقلة تقدمه، وكانت هذه التجربة كفيلة بتثبط همة أي قائد إلا أنه وثب متقدما ومقدماً نفسه لرصفائه من أبناء ذلك الجيل مؤسسا لنهج جديد في ذلك الحزب.
القائد المقبول:
ما جعل منه القائد المقبول في ذلك الزمان أنه تحلى بالعديد من أوجه التشابه الجيلية وسمات كالذكاء الحاد والفهم العالي، والمعين المعرفي الوفير، والمظهر المبهر، وثقة عالية بالنفس، وشجاعة منقطعة النظير وما إلى ذلك. لكن لم تكن تلك الصفات وحدها كافية للاستحواذ على موافقة الجميع فسطوة الإمام الدينية وقتئذ وآراء الأسرة كانت هي المهيمنة فكان الإمام الهادي المهدي (طيب الله ثراه) المنافس الأول لـ(الحقاني) يليه في ذلك كوكبة السياسيين والمثقفين الحزبيين ورواد الحركة الاستقلالية في الأحزاب الأخرى، واستمر الأمر حتى قاد الحزب والمعارضة مفاوضا الجنرال إبراهيم عبود عقب ثورة أكتوبر 1964م، والذي صاغ ميثاقه بيده.
القائد الظرفي:
كانت الخطوة الفارقة في قيادة (الحقاني) عقب فوزه بالانتخابات في (1966م) وإقصائه في (1967م) ومن ثم الانقلاب الثاني في (1969م)، فوجد نفسه معتقلا تحيط به المهالك إحاطة السوار بالمعصم حتى استشهاد عمه الإمام الهادي في (1970م)، وقد أدركته القيادة إدراكا ظرفيا وكانت تلك هي "القيادة الظرفية" التي أملتها ظروف الانقلاب والتضييق المايوي. ووفقا لها، تم إنشاء خوارزمية القيادة الجديدة التي تصدت للإنقلاب وتدرجت من الحوار باللين إلى قيادة العمل المسلح الذي بلغ ذروته في حراك (2 يوليو 1976م). وفي تلك الفترة أستطيع أن أقول أن (الحقاني) لم يحتكر القيادة في يده وإنما وزعها لعدة مراكز مدنية، سياسية، مهنية، عسكرية، دبلوماسية، تحالفية، جعلت منه القيادة الملهمة التي يستمع إليها الجميع، وكان ذلك النموذج القيادي فعالا في وقته رغم توزيع مركز القيادة لأن العمل المقاوم لم ينقطع بغياب (الحقاني) في المنفى أو السجن. ورغم تخلف وسائل الاتصال والتواصل وقتئذ إلا أن المهام والأولويات كانت توضع وتوضح بدقة متناهية. اتضح لي ذلك جليا وأنا أقرأ سيرة أبطال يوليو 1976م الذين نفذوا مخططا خطيراً ومحكماً إلا أن الظرف لم يكن مواتٍ للنصر. هنا اختتم (الحقاني) القيادة الظرفية بتحمل المسؤولية لوحدة حاملاً روحه في كفيه ليقابل قائد الإنقلاب (النميري) في البحر الأحمر (7/7/1977م) ومثلت تلك الحادثة في نظري أعلى درجات الفدائية والتضحية والاعتدال والأفضلية، لأن الطاغية لم تكن تؤمن بوائقه، ونظر (الحقاني) بنظرة القائد التي استنكرها كثيرون في حينه إلا أنه كان يركز على إنشاء الوضع الملائم لاستعادة النظام الديمقراطي والإطاحة بالطاغية وقاد العمل المعارض ممنشئا بذلك أكبر جبهة سياسية مدنية معارضة للنظام تسندها قوى طلابية ومهنية هيأت الوضع لانتفاضة إبريل (1985م).
القائد الموسوعي:
تشهد له مؤلفات وخطبها ومحاضراته وكلماته بذلك فقد مثل (الحقاني)، أغزر السودانيين عطاء فكريا، وإسهاما أدبيا، واجتهادا دينيا، فقد تناول بالبحث والدراسة والنقاش احتياجات الإنسانية العشرة: (الروحية، الخلقية، المعرفية، المادية، الاجتماعية، الفنية، العاطفية، البيئية، الرياضية، الترفيهية)، أهله لذلك اطلاعه المستمر دون انقطاع على المجلدات والمراجع والبحوث والمقالات والصحف اليومية والمدونات بمختلف اللغات، فقد كان يحرص على الاطلاع والكتابة حتى وهو في أحلك الظروف فكانت فترات السجن والاعتقال والمنفى أخصب سنوات عطائه لما خطه من مؤلفات مثلت مرجعيات سياسية كتحديات التسعينيات، ودينية كالعقوبات الشرعية والمرجعية الاسلامية، وتوثيقية كميزان المصير الوطني، وملهمة كأيها الحيل، ورؤيوية كالديمقراطية عائدة وراجحة، وترفيهية كالفكاهة ليست عبثا، ودولية كأصم أم يسمع العم سام ومحاضرات التجربة النجيرية وغيرها.
القائد الديناميكي:
الطور اللافت للنظر هو الطور القيادي (1985-1989م) فقد طور (الحقاني) أنظمة القيادة في كل من مرحلتي الحكم والمعارضة فالرجل قاد المعارضة وصاغ ميثاق الانتفاضة حتى حاز فوزا بالأكثرية في انتخابات (عام 1986). هنا أجد أن سرعة الانتقال من ذروة المعارضة مرورا بمرحلة انتقالية قصيرة صعودا لذروة الحكم استوجبت ديناميات عمل سياسي مختلفة كثييرة ومهمة وكبيرة. في تلك اللحظة بذل (الحقاني) جهدا فكريا وسياسيا واجتماعيا لتشبيك شتات (حزب الأمة) ويجعل منه أقوى كتلة انتخابية في السودان، بالمقابل مثل عنفوانه كسياسي وجها استقطابيا أخاذاً فقد هوت إلى عضوية الحزب في تلك الفترة مئات العقول والقلوب الطلابية والشبابية والنخب الفكرية وتمدد الكيان التقليدي في أوساط يرى أنها حديثة، ومنذ ذلك الوقت صار يُنظر إلى حزب الأمة على أنه تنظيم محكم بنظام، وتمارس القيادة تنظيم العلاقات بين تلك المكونات بصورة مؤسسية، في فترة وجيزة جدا أثمرت قيادة (الحقاني) لحزب الأمة حضورا سياسيا، وقيادته للحكومة رئيسا للوزراء جعلت من السودان بؤرة ضوء ديمقراطي مبهرة في إفريقيا والعالم العربي، يتحرك رئيس وزراؤه بديناميكية بلغت الشرق الأقصى فاستقطبت اليابانيين ونالت اعجاب السوفيت، وأثارت حفيظة الغرب وأمريكا، فسارعت دوائر التآمر لإخمادها، وجندوا أياديهم الغادرة وتدبير محاولات تعطيل تلك الديناميكية بالإنقلاب في 1989م.
القائد المضياف:
تشبع (الحقاني) بالسمت السوداني وأخلاق المروءة والنجدة والشهامة وإكرام الضيف، ومثل داره محط رحال كل راحل وملاذ كل محتاج وبيت كل لاجي، ومنتهى كل باحث، ودوحة كل متلظٍ بنيران البطش ومأوى كل طريد، ومثل وجه السودان المشرق في استقبال ووداع البعثات الدولية والدبلوماسية، فقد كانت دعوات الاستقبال التي تنظم للسفراء أعظم عرابين المحبة الشعبية التي وثقت عرانا مع الأمم والشعوب.
القائد الشبكي:
مثل (الحقاني) حلقة الوصل العظمى لوجدان أنصاره في السودان وخارجه فأحبوه بصورة فاقت الوله الافلاطوني، ومثل أهم حلقات الربط بين سودان نخبة المثقفين والجماهير، فجعل من امكانياته سبيلا للتشبيك بين الصحافة والسياسة، والسياسية والرياضة، والسياسة والفن، فارتبط بالاعلاميين السودانيين، وشارك الحقوقيين في صياغة مشاريع مهمة، وقاد الراي العام السوداني بضرورة الوعي البيئي، وارتبط بالفن والمجموعات الفنية، واستضافته مؤسسات ومعاهد ومنصات مختصة ليدلي بدلوه فكان حاضرا في كل المناسبات والمحافل، كما مثل شبكة تعاون في العالم العربي والافريقي والإسلامي برئاسته للمنتدى الوسطية الإسلامية الذي يضم صُحاة الأمة، وعضويته في عدد من المنتديات الخاصة بالحياة والديمقراطية ونادي مدريد الذي جمعه بجميع رؤساء الدول والحكومات المنتخبين ديمقراطيا، ويكاد يكون السياسي الأول الذي ربط بين سودان الداخل وسودان المهجر وقد زار أغلب الجاليات والفرعيات في دول العالم المختلفة.
والسودان اليوم أحوج ما يكون لأحد يتمتع بمثل هذه العلاقات خاصة مع إثيوبيا وارتريا شرقا وتشاد والنيجر ومالي وغانا ونيجيريا غربا وساعٍ للتوأمة بين السودان وجنوب السودان وجيرانه جنوبا.
المبدئية القاتلة:
كانت مبدئيته مذهلة تجاه قضية التجديد ومحاربة الإنكفاء والغلو والتطرف والتبعية والاستلاب، وكذلك وقف بصرامة لترسيخ مباديء الحكم الراشد: (المساواة، والمساءلة، والشفافية وسيادة حكم القانون)، وتصدى بحزم لفض الاشتباكات الثيوقراطية العلمانية لوضع حد لها في السودان وفي الفكر الإنساني، وكادت مبدئية (الحقاني) أن تودي به عدة مرات، وذلك لإصراره على قول كلمة الحق مهما كلفت أثمانها، وقد أشرنا لموقفه في 1977م، ومن بعدها ما جرى له من محاولات تصفية مع جماعة الانقاذ، وموقفه الثابت حتى وافته المنية من القضية الفلسطينية، ورفضه للتطبيع والتقطيع والتركيع.
القيادي الأب:
اتخذ (الحقاني) كأب نهجا تربويا فريدا، فكان القدوة لعشرة من أبناء الدم والرحم، وغيرهم عشرات من أبناء الروح، فهو لم يطلب من أبنائه الانخراط في سلكه إرغاماً وإنما اختياراً، فاختاروا المضي معه للاصطلاء بجحيم الشموليات وتحلقوا حوله في المنفى والسجون وصفوف المعارضة ونالت بناته قبل بنيه ما نلن من التعريض والتعذيب والتجريح، وشكلت تلك الطريقة حافزا لأن يختار بعضهم غير خياراته فقابلهم بالنصح والإحسان.
القائد المستقل:
مثلت استقلالية (الحقاني) أعظم ملامح شخصيته المستقلة وعند نضوجها عنده، سعى بجد لعكس تلك الاستقلالية على مؤسساته الحزبية والدينية، ومؤسسات حكومة بلاده في الخدمة المدنية والمؤسسة القضائية، والبرلمان الديمقراطي، والقوات المسلحة التي كانت تختار قيادتها دون تدخل من أحد، وكان يريد أن يكون السودان بلدا مستقلا عن التبعية والتمحور وكان ذلك سببا للسخط عليه قد لإسقاط حكومته لرفضه جعل مياه السودان في البحر الأحمر موطئاً لقوات الحرب الباردة، وكان ذلك الاستقلال السياسي مزعجا للجارة مصر وحلفائها والتي لم تتعود على من يتحدث معها بندية.
قائد ديمقراطي في نظام استبدادي:
عندما أطلت الدكتاتورية الثالثة برأسها في يونيو 1989م، مارست قيادتها نهجا تسلطيا استبداديا آحاديا، قابلها (الحقاني) بمعاني ديمقراطية وقدم مذكرة لقادة الانقلاب بأن (معكم القوة ومعنا الشرعية)، وناداهم لكلمة سواء إلا أنهم استكبروا واختاروا أن يسدروا في غيهم حتى أوردوا أنفسهم موارد الهلاك، وهنا تجلت ملامح القائد الديمقراطي في الآتي:
1. التصميم القيادي، ففي اللحظة التي اعتقل فيها الانقلابيون (الحقاني) حاولوا إرغامه على تسجيل اعتراف بأن النظام الديمقراطي فاشل ولا يصلح لحكم السودان فرفض بعناد وصرامة وردد أن: "الديمقراطية عائدة وراجحة".
2. القيادي الموهوب، فقد مثل المعين السياسي والفكري بيت الخبرة والموهبة القيادية فعكف (الحقاني) يتولى كافة الأمور بنفسه، باذلا ماله دون ادخار، ومقدما أبناءه للمغارم دون المغانم، ومضحيا بنفسه وصحته، وصار يصدر المكاتبات والتوجيهات ويصوغ المشاريع ويكتب الأفكار ويبحث مع الباحثين ويحرر الأوامر، وهيأ لذلك مكاتبا خاصة بالداخل والخارج أعانه في ذلك كثير من الرجال والنساء.
3. القيادي المشارك، في كل الأعمال والأنشطة الحزبية والوطنية حتى استغرب البعض في كيفية توفير (الحقاني) لكل هذا الوقت. فتجده يشارك قيادات حزبه الاجتماعات ويتقاسم معهم وقته في مناقشة الأجندة واتخاذ القرار، وتجده محاضرا في واحدة من الجامعات والمراكز البحثية، وتجده محلقا يجوب الكرة الأرضية مشاركا فرقا إفريقية عربية أو إسلامية أو أقليمية أو دولية تناقش أمورا وأجندات تؤرق المضاجع كـ( الغلو والتطرف، والإرهاب، والحكم الراشد، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، وقضايا المرأة، والمياه، والمناخ، وغيره) وهو بهذا النمط التشاركي أسس لمنهج جديد في حزب الأمة القومي وكيان الأنصار سهل التعاطي مع الأزمات ويسر حل المشكلات والإنتاج والإسلام الوطني كمصفوفة الخلاص، وجعلت هذه المشاركة (الحقاني) يحافظ على علاقات أكثر دفئًا وتواصلا للدرجة التي يظن أي شخص ممن شاركوه أمراً أنهم أقرب الناس إليه وأكثرهم محبة له. إلا أن هذا السلوك التشاركي والذي صار نهجا حزبيا مثل معوقا في اتخاذ القرارات التي حرص (الحقاني) أن تكون بالتوافق وهو ما يسميه الديمقراطية التوافقية.
4. وقد كانت له القدرة على قيادة جماهير الأنصار وحزب الأمة القومي برغبة ومحبة لا برهبة وإكراه، وقد تطوع للخدمة في سلك مؤسساته الآلاف في الداخل والخارج بعضهم لم يلتقيه ولم يعرفه إلا من وراء صفحات الكتب. فقد امتلك بقلبه قلوب كثيرين وكانت الكاريزما والقوة الطبيعية هي المؤثر الأكبر في قيادته لتكوينات اجتماعية لا يمكن أن يجمع بينها جامع واحد، لاختلافات ثقافية ودينية واثنية وطبقية.
5. حاز (الحقاني) بثقته التي أولاها لجماهير حزبه وكيانه حيزا كبيرا من الثقة بالمقابل جعلته في موضع سلطة قوية حتى وهو في صفوف المعارضة السودانية، فلم تمر على السودان فترة أو محنة أو منحة إلا وكان رأيه حاضرا فيها.
6. التجرد سمة غالبة: حتى وافته المنية ظل باذلا حياته وأسرته وماله وجهده ووقته للاهتمام بالشأن العام ومصالح الناس متجردا ومضحيا، وليس لتحقيق مكاسب شخصية ولم يدخل في نوازع ذتية أو نزعات شخصية.
7. الوقوف مع الذات،مما عكف عليه نور الله وجهه وأرضاه في مثل هذه الأيام من كل عام هو الاعتكاف لكتابة (وقفة مع الذات)، فقد كان يراجع مواقفه وله القدرة على الاعتراف بالأخطاء ودوما ما كان يبدي الرغبة في تحمل المسؤولية ولا يتهرب منها أو يحملها لغيره وتشغله أخطاؤه الشخصية عن أخطاء الناس فلا يتتبعها أو يترصدها لذلك كان من أقسى الناس على نفسه وأرأفهم بغيره.
8. أغرب ملامح ديمقراطية (الحقاني) أنه يستشير الناس حتى في كتاباته وآرائه الشخصية، وكان يستأنس برأي عدد كبير من المفكرين والإعلاميين والساسة والكوادر والتراجم، فإن اقتنع برأيهم صحح فكرته وإلا فمضى فيها بجرأة وشجاعة يبتغي أجر المجتهد متحملاً المسؤولية كاملة أمام الناس والله رب العالمين.
9. العفة كانت سلاحه الأمضى فقد كان (الحقاني) عفيف اليد واللسان، فجميع الأنظمة الاستبدادية كانت عقب كل انقلاب تقلب صحائفه لتجد عليه شبهة فساد تدينه بها، بل ظل زاهداً حتى في مرتبه ومخصصاته الدستورية وفي كل مرة يخيب سعيهم لأن يجدوا عليه مأخذاً، ولم يستخدم يوما سلطته للبطش والتنكيل بشعبه وإهدار الحريات العامة.
10. شراسته معارضا جعلته عدو الانقلابيين الأول وسخرت له أنظتهم أموال وأجهزة وصحف النيل منه، وقد جرد الأنظمة الأيديولوجية من ادعاءاتها الإسلاموية والتعددية، وقدم أرصن المرافعات التي سيخلدها التاريخ كحجج دامغة على بطلان التجربة الاستبدادية الثالثة.
ختاما: أستطيع تأكيد أن (الحقاني) كان مدرسة تجلت فيها عبقرية القيادة وكانت له الحكمة والحنكة والقدرة والاجتهاد والمثابرة والجهاد والجرأة والشجاعة الفائقة على اتخاذ قرارات مسؤولة وصعبة، وكتابة مواقف وآراء واجتهادات مثيرة وحاسمة، وقد كان على الاستعداد لتحمل المسؤولية الناجمة عنها، ونال ما نال جراءها من إساءة وسباب وصل حد التكفير من بعض الغلاة، استبان السوانييون الكثير من آرائه بعد رحيله فاتخذه البعض حالة للدراسة لفردانيتها ونبوغها وبفقده فقد السودان حكيما عالما فاضلا صالحا عادلا.
اللهم ارض عنه وأرضه وهيء لسوداننا سبل الرشاد