الخميس، 31 مارس 2022

رحيل القدير قدور


بقلم: عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
رحل "سر" الكلمة المرتبة المترابطة الصاعدة الرصينة والعبارة المنظومة المقفاة، والجملة الجميلة الحكيمة المحكمة المنتقاة، والألحان الرقيقة الدافئة الدافقة العذبة الشجية، والنفس الرحبة المرحابة السمحة الأبية.

رحل قدور الذي ضحك وأضحك خلقا كثيرا، وها نحن ننعاه ونبكيه دمعا غزيرا، تودد إلى شعبه باللطف والغناء، وعمل بجد وتفان للارتقاء والسمو بالوجدان السوداني، كتب وألف ولحن وأنشد وقدم فتقدم على أقرانه بعطائه، وسيحزن عليه إذاعيون وإذاعات وإعلاميون وصحفيون وقنوات وسيظل مكانه يملأه الشغور المؤلم في الصحف والمجلات والقنوات والإذاعات وقاعات المحاضرات، رحل "المريخابي العجوز"، والذي سيفتقده أهل العرضة جنوب.

رحل وما بعد أن أحيا ما اندرس من أشعار وأغاني ومدائح وأناشيد، مجددا ممجدا للوطن الأبي وشعرائه، وفيا لشموخ فنانيه وشعرائه وملهما لإنسانه، واضعا أساسا متينا وإطارا مرجعيا فنيا للتواصل الثقافي والترابط الوجداني بين أبناء وبنات الوطن الذاخر بالتنوع، فسيظل برنامجه (أغاني وأغاني)، هو المرجع والمكتبة والإرشيف لذخائر الفن والفنانيين السودانيين. وستظل أعماله المسرحية مشاعل وعي متقدم في الاهتمام بالمسرح والآداب وقضايا المجتمع والزراعة والبيئة والجمال.

رحل بعد أن خلد وطنه بالشعر وصار السودان «أرض الخير» التي تغنى بها الكاشف، ومجد جمال فتاته «ست البنات» بصوت صلاح ابن البادية واشتكى الشجن وكتب «حنيني إليك» لمحمد ميرغني، وأصر أن يقر بحبه وهواه للمحبوب قائلا: «أنا بهواك» والتي صدح بها صلاح محمد عيسى وأهدى العاقب محمد الحسن أجمل لقاء حينما كتب «إتلاقينا مرة». وغنى له القلع عبد الحفيظ «لاموني فيك الناس» وأيمن دقلة «فرح الليالي». كما غنت له الفنانة وردة الجزائرية قصيدته «أسألوا الورد». وقامت المطربة السورية زينة افطيموس بتجديد أداء قصيدتة «أسمر جميل» التي غناها إبراهيم الكاشف.

ويظل الموت حقيقة الحقائق التي قال عنها الحميد المجيد: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)، والذي يتقيه الجميع وفي ذات الوقت يرتجيه، حقيقة نعرفها جيدا إلا أنها تفاجئنا في كل حين، إن لم نتفهم أسراره؛ فسنرث الحزن الذي يلازمه؛ الهم، والكدر، والعجز، والجبن، والبخل، والكسل، الذي يقود لغلبة الدين وقهر الرجال والعياذ بالله. وعلينا الإيقان بالفناء لجميع الأغيار (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ)، فكل ما سواه غير هالك إلا وجهه، والبقاء لعظمة الجبار وحده (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ).

اللهم ارحم عمنا السر قدور رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناتك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وألهم أهله الشاعديناب بنهر النيل وبناته بجمهورية مصر الصبر الجزيل، واجعل البركة في عقبه وأحبابه وحياته وكيانه وسودانه الذي تغنى لأجله، و أحسن آخرتنا ومن صحينا ومن أحبنا على حب نبيك صلى الله عليه وسلم.

@orwaalsadig

الأربعاء، 23 مارس 2022

الحوجة لإطار دستوري جديد لصناعة وصياغة الدستور الدائم

الحوجة لإطار دستوري جديد لصناعة وصياغة الدستور الدائم

لنجب بادئ ذي بدء عن الحوجة لإطار دستوري وما الذي زجنا في هذا الوضع اللادستوري، الإجابة القاطعة هي الإنقلاب المشؤوم في 25 أكتوبر 2021م والذي مزق الوثيقة الدستورية وهو الأمر الذي جعل من الرجوع إليها أمرا مستحيلا، لذلك بادرت العديد من الجهات والمؤسسات بتقديم رؤى انتقائية بإرجاع الوثيقة الدستورية واستكمال مسار الانقال على هدي التعديلات التي أدخلها الإنقلاب، وهناك رؤية استبدالها بدستور 2005م مع إجراء بعض التعديلات، وهناك رؤية تقول باستحداث وثيقة دستورية جديدة، وجميع الرؤى المطروحة تكاد تجمع على ثوابت وطنية لا خلاف حولها، إلا أن المعضلة الرئيسية هي محاولة المؤسسة العسكرية إقحام نفسها شريكا سياسيا "مدسترا" بنصوص دستورية، وهو الأمر الذي ترفضه رؤى غالبية القوى السياسية ولجان المقاومة المناهضين للإنقلاب والذين يرون أن أي دور مستقبلي للمؤسسة العسكرية يجب أن يقتصر على المهام المنصوص بها في قانون القوات المسلحة والمتعارف عليه في كل الدساتير بحماية الأرض والدستور ونظام الحكم، وأن تنأى المؤسسة بنفسها عن دولاب الحكومة التنفيذية.
أي دستور مقترح أو مسودة لوثيقة دستورية ينبغي تتضمن الآتي: 
١. أن تكون إطار للتطوير الدستوري المستمر لتحقيق التوافق السياسي ومجاراة الحوادث السياسية المتجددة تمهيدا لترسيخ القناعات الدستورية وصناعة وصياغة الدستور الدائم.
٢. أن تضع المسودة الدستورية ترتيب القيم السودانية في سقف أولوياتها الدستورية وتضعها ضمن أطر دستورية لا يتجاوزها أي كان مدنيا أو عسكريا.
٣. وأن يكون الدستور هو مرجعية الإطار الإداري المتطور باستمرار وأن يحكم سيطرته على التشريعات اللائحية والتنظيمية لكافة مؤسسات الدولة وعدم إغفال أي دور من الأدوار أو كيان من كيانات الدولة.
٤. لابد أن تمثل ملامح الدستور الإطار الجامع لسواد أهل السودان، وأن يسلط الضوء على الدور التشريعي والرقابي المرجو ويحدد ماهيته.
٥. لابد أن يكسب الدستور المؤسسات العدلية والحقوقية والقانونية والقضائية استقلاليتها وأن يكون له بعدا أخلاقيا يعزز دور المؤسسة القضائية كوصي أوحد على القيم الدستورية وحارس لها تلتزم بكلمته كافة مؤسسات الدولة.
على أن تكون أهم مهام الدستور القادم هي:
١. أن يهيء نصوص حاكمة لمفهوم نظام الحكم  الذي يقوم على النزاهة والكفاءة ويحدد الأدوار الأساسية والرئيسية للسلطة التنفيذية  أو الحكومة.
٢. أن يمنع تجاوز الأجندة الأحكومية أو التغول على سلطاتها من أي سلطة من السلطات الثلاث (التشريعية، التنفيذية، القضائية).
٣. أن يكفل هذا الدستور حرية الإعلام ودوره الرقابي ويحمي ويحرس حقوق الإنسان ويجرم الانقلابات والاستعلاءات الثقافية والدينية والإثنية والعرقية. 
ولا بد من الاعتراف بالأخطاء السابقة التي وقعنا فيها في تشريع وكتابة الدستور ومن الأخطاء الكارثية التي وقعنا فيها سابقا الآتي:
١. أن الوثيقة الدستورية كتب وصيغت صياغة ولم تصنع صناعة دستورية، فاكتسب سمت كاتبيها الذي لم يلبي أشواق صناع الدستور الذين كان يمكن أن تتم مشاورات دستورية معهم في حرم القيادة العامة إبان الاعتصام والتواصل معهم عبر لقاءات كانت ممكنة ومتاحة بالمركز والولايات والمهجر في ذلك الوقت قبل التوقيع على الوثيقة الدستورية، وهو الأمر الذي جعل منها وثيقة قاصرة تشوبها الكثير من النواقص.
٢. وقعت في أكبر خطأ وهو إقحام العسكر في السلطة بمحاصصة أعاقت عمل الفترة الانتقالية، كما أنها لم تراع التغيرات الهيكلية في نظام الحكم التي طرأت جراء التحول من نظام جمهوري رئاسي إلى نظام لم تتحدد ملامحه إلى انقلاب 25 أكتوبر فلم يكن النظام رئاسيا ولا برلمانيا ولا مختلطا وهو أمر اصطدم كثيرا بدولاب الحكومة الموروث من النظام الرئاسي البشيري المباد.
٣. كما أن تجربتنا الدستورية السابقة تؤسس هيكلًا واضحًا للسلطة بشكل كافٍ يراع التنوع الذي تحظى به البلاد، فقد أسهم عجز التنفيذ في تشويه التجربة الدستورية من خلال عدم تحديد الاختصاصات للمؤسسات وإهمال الفتاوى المرجعية المحددة لتلك الاختصاصات وإهدار الكثير من الحقوق الدستورية.
٤.  كما أنها لم تحد من السلطات العسكرية ولم تحمي الحريات التي بطشت بها تلك المؤسسة حتى عند الفترة الانتقالية وسقط جراء ذلك ضحايا ببنادق تلك القوات.
٥. قد كانت الوثيقة غالبًا منحازة للمركز ومتجاوزة للولايات في كثير من الأشياء إذ أنها حلت وعقدت في كثير من الأمور في الخرطوم ولم يتم تضمين استشارات الولايات والأقاليم وهو ما انعكس لاحقا في تكييف أوضاع الحكم الاتحادي هل هو نظام إقلمي أم ولائي أم إتحادي بنظام المحافظين.
٦. أن كثير من القوى والمجموعات همشت عند صياغة الوثيقة وهو ما حفز كثير من تلك القوى أن تجد في الانقلاب وسيلة لسماع صوتها ونجح الانقلابيون في استقلال تلك الأصوات لصالحهم. 
ختاما: أرى أن أي مسعى لكتابة الدساتير وليس صناعتها سيعقد الأزمة ولن يحلها وسيوقعنا في ذات الأخطاء التي ارتكبتها العديد من الأنظمة السياسية المتعاقبة على البلاد، وهنالك فرصة لـ(الصناعة) ويمكننا تصميم دستور مرن قابل للتحديث والتطوير وذلك بتجميع كافة النصوص الدستورية المقترحة والتي تتجاوز الخمسين مسودة، ومشاريع الدساتير الدائمة المقترحة من بعض الكليات والأكاديميين والقانونيين والمختصين وتضمينها ضمن إطار دستوري موحد يفتح للنقاش وتجمع الآراء حولة للوصول لخلاصة موحدة تستهدي بها البلاد، وإلا فإن حالة اللادستور الحالية ستضييع مكتسبات البلاد داخليا وتربك دولاب الدولة وتهدد العلاقة بين المؤسسات وتبدد سبل التواصل الإقليمي والدولي، وحينها ستتناحر مؤسسات الحكومة فيما بينها وتضيع حقوق المواطن الدستورية كما نرى في شوارع ومدن البلاد، وأيضا سيفتح هذا الأمر كثير من دول العالم منح صفات تمثيل السودان لشخصيات ومؤسسات وأجهزة لا صلة دستورية لها بالبلاد وربما نشهد فوضى تمثيل خارجي واعتراف واعتراف مضاد في ظل الاستقطاب الدولي الحاد. 


عروة الصادق

الاثنين، 21 مارس 2022

الإنهيار السريع المدمر لقطاع المقاولات والسودان

*الإنهيار السريع المدمر لقطاع المقاولات والسودان*

كتبه: عروة الصادق
في: ٢١ مارس ٢٠٢٢م

□ أي دولة تنشد التطور والنمو تحافظ على قطاعاتها الاستراتيجية والحيوية والخدمية والمهنية، سواء كان ذلك في القطاع العام أو الخاص، وقطاع المقاولات يعتقد البعض أنه غير مرتبط بحياة الناس بصورة مباشرة وأنه من القطاعات المرتبطة بالبرجوازيين وأبناء المدن، والحديث عنه مجرد رفاهية في ظل الحديث عن فعاليات الثورة. 

□ منذ أن حدث الانقلاب ٢٠٢١م، تناقشنا كثيرا وبعض الزملاء المهندسين في شتى المجالات المساحة والمدنية والمكانيكا والزراعة فرادى وجماعات، وتساءلنا عن تأثير الانقلاب على حيواتهم ومن يعمل معهم أو يعملون معه،  وطفق الجميع يعدد ما خسرناه من مكاسب على الصعيد الدولي والمحلي وعلى المستوى الشخصي والأسري، وما نجم عنه من كوارث وأزمات وانتهاكات انسانية وتراجع في ملف الحريات، وهي أمور من البديهي جدا تزامنها مع أنماط الحكم الاستبدادي الآحادي. 

□ وانهار تبعا لذلك، قطاع التعليم الأساس والعام والعالي، وقطاع الصحة، والقطاعات الخدمية والمهنية والفئوية الأخرى تباعا، ولكن قطاع المقاولات اتضح أنه القطاع الأسرع إنهيارا والأكثر تأثرا بتبعات الإنقلاب، والأكثر تأثيرا على قطاعات المجتمع الهندسية والمهنية والحرفية ورجال الأعمال والبنوك وحتى المؤسسات الحكومية. 

□ جراء الانقلاب تبددت كل الخطط العامة والخاصة وبرامج العمل الانشائية والمدنية والزراعية والصناعية، حتى تلك الخطط الحكومية لتهيئة البنى التحتية وصيانة مرافق ومؤسسات الدولة، وعلى سبيل المثال وقف أعمال التشييد في عدد من المرافق كالطرق والجسور، وتشييد المشافي والمراكز الصحية والمدارس، وتعطيل أعمال إكمال بعض الكباري التي كتن مقررا إكمالها خواتيم هذا العام، حتى مشاريع التوطين المرتبطة بمساهمات دولية وإقليمية جميعها اصطدمت بحاجز التردي الاقتصادي والاجراءات المضطربة لوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي. 

□ منذ الانقلاب توقفت العطاءات الحكومية التي تمثل أكبر مشغل لقطاع المقاولين، وذلك لتعطيل جميع خطط الحكومة الانتقالية قصيرة وطويلة المدى، وتم تبديد الأموال المرصودة لذلك بصورة لم يشهدها السودان من قبل، فضلا عن إيقاف كافة التدفقات المالية الخارجية من منح وهبات ومعونات وودائع واختلال النظام المصرفي السوداني بعد خروجه من نظام التحويلات العالمية. 

□ كما أن أولويات الانفاق الحكومي اختلت واختلفت، فالصرف الحكومية تبدلت أجندته منذ صباح الانقلاب في ٢٥ أكتوبر، وصارت أولوياته الاستعداد الأمني، والصرف على الاحتياجات والمهمات العسكرية، بصورة تضاعفت باضطراد إلى أن أرهقت كاهل الاحتياطي النقدي للبلاد، وأضعفت أوجه الانفاق الحكومي على الصحة والتعليم والخدمات، وجعلت هذا القطاع يفقد فرصا حكومية تنعشه وتطوره وتكفل تشغيله دون توقف. 

□ أدى ذلك لتوقف أعمال الانشاءات والبناء والتشييد التي تشغل قطاعا لا يستهان به من المهندسين، والفنيين، والتقنيين، والعمال، والحرفيين، بل حتى الخفراء، جميع هؤلاء، مهددون بالعطالة والتسريح، لعدم مقدرة قطاع كبير من المقاولين على دفع استحقاقاتهم المالية التي تسد رمقهم وتسهل لهم سبيل الوصول إلى مقر العمل "السايد" بلغتهم. 

□ ومعلوم أن كل ذلك ينجم عنه تعطل المشروعات وبذلك تتوقف عملية بيع وشراء المشروعات، التي يتأثر بها بصورة مباشرة تجار العقارات وأصحاب الملك الحر والمغتربين والسماسرة والمهندسين والمساحين والمحامين، بل حتى الشهود الذي يحضرون للتوقيع على عقد ما، وبالتأكيد تتوقف عمليات الشراء أو الاستئجار من الأجانب الذين ينتون الاستثمار في السودان، بالتالي يفقد السودان سيلا من العملات الصعبة وتقفد كثير من الشركات فرص العمل، وهذا سيؤدي إلى إغلاقها وتسريح الآلاف المؤلفة من موظفيها وعمالها، وبالتالي قطع أبواب الرزق للكثير من الأسر في المركز والولايات. 

□ كما سيؤثر هذا القطاع ويتأثر بارتفاع أسعار مواد البناء، ومدخلات العملية الانتاجية، وهو الأمر المرتبط بقطاع الصناعة والانتاج والتعدين والتسليح والمناجم والمحاجر وصغار المنتجين بل حتى أصحاب الكمائن على ضفاف النيل وخيران السودان الجارية سيتأثرون بذلك الأمر، بالتالي ارتدادات الانقلاب ستسرع من انهيار هذا القطاع وتؤثر على عمل إمرأة لديها كمينة طوب في أقاصى شنقلي طوباي. 

□ وهذا سيجعل قطاعا آخر يسارع باللحاق في الانهيار، وهو قطاع المستوردين، لأن الامدادات المستوردة لقطاع المقاولين ستتوقف، تبعا لاستحالة القدرة الشرائية على الإيفاء بأسعار تلك المستلزمات بدءًا من حديد التسليح وصولا للمبات الإضاءة وأسلاك التوصيل وأنابيب الPPR ومتعهدي الزجاج والدهانات والأصباغ والمفارش والأثاث، وغيرهم، وهذا الارتداد سيوسع دائرة الكساد في المصانع وأماكن البيع بالتجزئة من دكاكين ومستودعات ومغالق، وهو ما سينعكس على محمد أحمد سيد الكارو الذي يقف أمام المغلق، لنقل الاسمنت والطوب والرمل. 

□ وستعاني القطاعات السكنية تبعا لذلك لعدة شهور ولربما عدة أعوام فإيقاف العمل في هذا القطاع سيقلل تشييد المساكن والمجمعات السكنية الخاصة والعامة، وسيزج بكثيرين لاستئجار المنازل وربما الغرف التي بدورها ستتضاعف أثمانها بصورة جنونية وتقل فرص الحصول على سكن، وحينها سنشهد الكثير من الاختلالات الاجتماعية والاضرابات النفسية وعمليات العدوان والطلاق، سيسأل سائل الطلاق علاقته شنو بالمقاولات؟!.

□ على الصعيد العام ستخرج الكثير من البنوك وشركات التأمين والمحافظ التمويلية من هذا القطاع، وستتراجع الأرباح وستحل الخسائر محلها، وسيقتات القطاع من رأسماله بصورة تآكل مريع وسريع، وربما سيعلن بعضها إفلاسه، أو سيضطر العملاء لبيع أصولهم العقارية والمنقولة والثابتة المرهونة لدى البنوك، وفي حالة العجز سنشهد اكتظاظا في سجون السودان لكثير من المقاولين ورجال المال والأعمال والمهندسين والمواطنين الذين بدأوا مشروعات لها ارتباط بالمقاولات. 

□ وبلا أدنى شك سترتفع الشكاوى في وزارة ومكتب العمل وستكتظ المحاكم بالمتظلمين، وهو ما سيوقف فرص التعيين والتوظيف والعمالة في أدنى المشروعات، أو أننا سنجد المهندسين والعمال والفنيين يعملون في ظروف مجحفة وهو ما سيحفز على السرقات والجريمة،  وحينها سيصطدم الجميع وسيفر كثير من المشكو ضدهم، وستفر رؤوس الأموال أو تغلق الشركات والمصانع والمزارع والمؤسسات ونشهد تضاعف مضطرد في عدد الفارين من البلاد عبر إحصاءات إدارة السجل المدني والسيطرة الهجرية. 

□ أما خارجيا فللأسف الشديد تعطلت جميع الشراكات التي كان يرجى تفعيلها في مجالات الكهرباء النظيفة والمياه والطاقة والتعدين والزراعة والطرق والانشاءات لتراجع مواقف مجالس الأعمال المشتركة، السودانية الخليجية، السودانية الأوروبية، السودانية الأسيوية،.. الخ، وهذا لابد من قراءته مع ارتفاع أسعار النفط عالميا الذي المضاعف سعره محليا وهو ما سيؤثر حتى على حصة المهندس الذي يمر على المواقع بصورة يومية، وما سيخلفه تأثير هذا الانقلاب على قطاع المقاولين أكثر بكثير مما فعلته جائحة كورونا في أطوارها المتلاحقة، وسيكون التعافي المادي والصحي والنفسي والاجتماعي والاقتصادي منه باهظ الثمن. 

□ لذلك فلا مجال لبقاء الانقلابيين ولا لمن قدم لهم الاستشارة الفنية أو الإسناد السياسي، لا مجال ولا مبرر لبقائهم يوما واحدا في السلطة، وإلا فسنشهد أزمات ونحصد صراعات ستبدأ بالكلام ولكنها ستنتهي باللطام لا قدر الله، وعلى المقاولين الذين يجالسون أؤلئك المخربين أن يناصحوهم لأن نار الإنقلاب أكلت مصالحهم وانتقلت إلى عقر دارهم، لأن هذا الإنهيار الذي يحدث بسرعة الضوء في قطاع المقاولات سيدمر معه قطاعات أخرى حية وستتدمر البلاد.

□ أمام البرهان ودقلو ومن شايعهم من السدنة عليهم أن يؤوبوا عن فعلتهم ويبتعدوا عن السلطة وتسليمها اليوم قبل الغد لهذا الشعب الذي لم يكل ولن يمل في التصدي لهذا الانقلاب ودفع لأجل ذلك أثمانا يسترخصها الإنقلابيون ويحسبونها هينة، ولكنها عند الله عظيمة، ولم تتوقف الدماء عن الاستباحة إلى هذه اللحظة فقد ارتقى شهيد آخر في كوكبة التضحية والفداء مستبشرا بعمة وفضل من الله، وليبشر قتلته بدمدمة ذنبهم عليهم وما فعلوه سيجازيهم به الله.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله

السبت، 19 مارس 2022

العدوان الهمجي على ندوة الحزب الشيوعي

العدوان الهمجي على ندوة الشيوعي

● في فترات خلت كان أمنجية المؤتمر المحلول يعتدون على أنشطتنا السياسية والطلابية، بل حتى مناسباتنا الاجتماعية، بغرض إفساد الحياة كنهج وسياسة تنظيمية وإجراءات أمنية، ووصل الأمر لدرجة شراء الذمم واستئجار ضعاف النفوس لفض المناسبات والفعاليات والاجتماعات، ووصل الأمر للعداون بالسلاح الأبيض على المواكب.

● دفع حزب الأمة القومي أبهظ الأثمان جراء الاعتداء عليه وعلى قادته، وعكف كثير من الرفاق شامتين، يصفقون للمعتدين ويشيرون إليهم بأنهم أحسنو صنعا في محاربة الطائفية والكهنوت الحزبي، مدفوعين بغبائن تاريخية لا مجال للانتصار فيها عبر العنف ومنطق القوة، وإنما محلها وحلها حيث قوة المنطق.

● وقد ظل الرفاق في الحزب الشيوعي السوداني يغضون الطرف عن الاعتداءات على أنشطة زملائهم في القوى السياسية سيما حزب الأمة القومي، بل حتى أن بعضهم اجتهد لوضع فيتو سياسي على الحزب ومحاولة الاعتداء عليه عبر بعض واجهاتهم، ورددنا حينها أن هذه الزراعة سيحصدها الرفاق، وقد كان.

● لذلك علينا أن نعي أن السودان في حوجة لرشد سياسي بعيد عن الغبائنية وأن ما حدث للشيوعي في ندوته مرفوض، وغير مقبول ومدان، وإذا لم يوقف نهائيا سيجعل من حياتنا السياسية جحيما لا يطاق.

● كنا في الحركة الطلابية نتواثق على مواثيق الشرف ومواثيق نبذ العنف ونلتزم بها جميعا، اللهم إلا التنظيمات والواجهات ربيبة الحزب المحلول والحركة الاسلاموية، واستطعنا بذلك اجتياز العنف، وانجاز ساحات تضج بالحوار الهادف والبنا إلى أن وصلنا ذروتنا بالتنافس الديمقراطي ورسخنا دعائم أكثر من ٣٠ اتحاد طلابي منتخب بصورة أثبتت أن قوة المنطق راجحة على منطق القوة.

● إذا القوى السياسية ولجان المقاومة ومكونات الحراك المدني السوداني هي أحوج ما تكون لميثاق شرف يضبط العلاقة بينها ويكيف الممارسة السياسية الراشدة ويحكم الخطاب الموضوعي والمنطقي المعاير لأخلاق وسمت الشعب السوداني، والذي يعزل كل ممارس للعنف اللفظي او المادي، ويحرم ويجرم خطابات الاستعلاء والكراهية والعنصرية، ويمنع الاستغلال للدين والجهوية والأطفال في الممارسة السياسية.

● ما لم نصل لذلك فنحن موعودون بتنامي ظواهر العنف المصممة في أقبية جهاز الأمن والمستلهمة من تجارب عنيفة في المنطقة والمحيط العربي والإقليمي الذي فرخ الإرهاب ويريد أن يجعل من السودان حاضنة له.

● أرجو من كافة قيادة العمل السياسي في البلاد ولجان المقاومة الاسراع في اجتراح هذا الميثاق ولدينا رؤية اقترحها الحقاني رضوان الله عليه قابلة للجرح والتعديل فقد كان رحمه الله مهموما بتعافي الممارسة السياسية في البلاد، وظل يردد دائما أن الممارسة السياسية الحزبية يجب أن تقوم على الأخلاق، وأن السياسة ليست لعبة قذرة، وإنما هي فن الممكن، وفي ذلك تحمل كافة الإساءات والنقد والاعتداء والتجريح مردا مقولة إيمانويل كانت: (إن أفضل وسيلة عرفتها الإنسانية للبناء هي النقد)؛ والذي لا يتأتى إلا بالتدافع وقبول الآخر وإلجامه بالحجة.

دقلو في الشرق

دقلو في الشرق

◇ شرق السودان أحد أهم أعمدة الاستقرار الأمني والاقتصادي والاجتماعي والسياسي والترفيه السياحي، هذا على الصعيد الوطني والإقليمي، وكذلك الإهتمام العالمي لأهميته الاستراتيجية وتموضعه الجيوسياسي الفريد.

◇ كاذب من قال بأن شرق السودان فقير، وأن أهلنا في القضارف وكسلا وأروما وجبيت وهيا وسنكات وسواجن وصمد وحلايب وبورتسودان وشلاتين وغيرها يستحقون تلك العيشة الضنكى.

◇ لشرق السودان موارد أستغلها العالم مرتين لتلافي أكبر الكوارث الاقتصادية، وأولاها: عند الأزمة المالية العالمية أسهم ذهب أرياب المستخرج عبر الشركات الفرنسية في وضع فرنسا ضمن أكثر الدول تصديا للأزمة الاقتصادية وأسرعها في التعافي والانتعاش الاقتصادي وكانت كلمت السر ذهب السودان، وإلى يومنا هذا لم يعرف السودانييون كم الذهب الذي استخرج من أرياب وما حصة السودان منه، وكيف آل امتياز أرياب إلى شركات تتبع للقوات النظامية وبأي وجه حق؟؟!!، وثانيها: توفير أكبر احتياطي من الذهب لتلافي خطر أكبر حظر عالمي مضروب على أكبر أقطاب العالم، فتم استغلال المنافذ في بورتسودان وشرق السودان لتهريب الآلاف المؤلفة من كيلوجرامات الذهب، تحت مرأى ومسمع السلطات.

◇ وما لا يعلمه كثيرون أن هنالك دولة جارة مشاطئة تريد أن تتقاسم معنا ثروات البحر الأحمر في موقع (اتلانتس ٢) والتي تقدر بحوالي ٢٠ مليار دولار، وقد بدأت عمليات استكشافها منذ التوقيع على اتفاقية تعاون مشترك بين البلدين في العام ١٩٧٤م، وقد عبث فيها النظام السابق عبر رأس الحركة الاسلامية الراحل وقتها وزيرا للمالية وبعض المتنفذين، ولكن السودان الآن لا يملك كافة تقاريرها الفنية، وحتى الذين كلفهم من موظفين لمتابعة الملف أحدهم تم منحه التابعية وانتقل للاستقرار بمصر ومات هناك، والآن الملف يدار بصورة لا يعلمها حتى أهل الاختصاص.

◇ وسيظل ملف أراضي الفشقة أحد أهم بواعث التنافس الداخلي والطمع الخارجي، وسيكون المدخل له عبر بوابة الاستثمار أو زعزعة الأمن وتمنيات الاستقرار التي ستجعل المزارع يضخي بأرضه مقابل الاستقرار، وهو أمر تنخرط فيه أحلاف سياسية وأمنية وتحركات دولية وكارتيلات اقتصادية وعسكرية.

◇ لكل هذا تزيد مطامع نافذي الداخل للتنافس والسيطرة على شرق السودان أرضا وشعبا وسلطات، وهذا التنافس نراه الآن بين ممسكي الملف، الجيش بقيادة الكباشي، والدعم السريع بقيادة دقلو، وهذا الأخير له إلتزام خارجي روسي إماراتي لضمان مصالحهم في ساحل البحر الأحمر والقرن الإفريقي، فالإمارات لا تخفي رغبتها في الهيمنة على كل المواني المشاطئة لهذا الساحل من باب المندب وزنجبار والحديدة وممبسا ومصوع وصولا لسواكن ودقنة وبورتسودان، والروس ظل حلمهم حتى قبل انهيار الاتحاد السوفيتي باستباق الأمريكان لوضع قاعدة عسكرية في البحر الأحمر.

◇ هذا إذا أخذنا في الحسبان  ما فعله المخلوع بفتح الباب في أواخر أيامه للأتراك لوصع أرجلهم الأمنية والاستخباراتية في شرق السودان، ومن قبلهم جميعا سماحهم للحرس الثوري الإيراني باستغلال مياهنا وأراضي شرق السودان لتسليح قطاع غزة.

◇ ومثل شرق السودان أهم عوامل المساومة والابتزاز الدولي في ملفات كتجارة وتهريب السلاح والاتجار بالبشر، وتشوين المخدرات العابرة للقارات، وكانت "عملية الخرطوم" مبنية على التعاون بين حكومة السودان والاتحاد الأوروبي والتي أوكل البشير ملفها لدقلو، الذي دوما ما يذكر العالم بأنه أوقف تدفق عمليات الهجرة ومعلوم في كل الدول أن هذا الأمر تتولاه وزارة الداخلية عبر إدارات الهجرة والسيطرة وأجهزة الشرطة، ولكن هذا الملف حاضر في اتخاذ شرق السودان مسمار جحا في المناسبات الدولية.

◇ واليوم يسارع دقلو لضمان تلك المصالح والتي تتعارض مع مصالح منافس داخلي وطامع خارجي، وصار بذلك شرق السودان مكانا للأجندة التنافسية والأطماع الدولية، ولا يخفى على شخص أن هنالك مخطط كبير أفصح عنه خافي ديختر مسؤول مخابراتي إسرائيلي في ٢٠٠٨م أنهم عازمون على تقسيم السودان ومن ضمن التقسيم دولة في شرق السودان، وأسهمت في ذلك الإجراءات الأمنية التي اتبعها المخلوع بالتضييق على أهل الشرق حتى دفعهم لحمل السلاح، ومن ثم التفاوض مع من حملوا السلاح وإدخال الشرق في صراع إثني وقبلي مرير دفعت الفترة الانتقالية كلفة باهظة جراءه، واليوم دقلو يسير في ذات الخطوات ويزور ذات الزيارات التي قام بها المخلوع، وهو أمر يندرج في زبادة الاستقطاب والاستقطاب المضاد، وأن الشرق ما أزمت أوضاعه إلا تلك التحشيدات التي تقابل بضدها، وهو ما اندلع عقب توقيع مسار الشرق ولم يتوقف إلى يومنا هذا.

◇ دخل دقلو للشرق من هذا الباب، باب الاصطراع، فكانت قواته في طليعة القوات المتقدمة لمحاصرة اضطرابات كسلا وبورتسودان، وتمركزت بصورة كبيرة في ذلك القطاع، ومن بعدها تولى رئاسة ملف أزمة الشرق والتي بدأها بانحياز لا ينبغي أن يكون عليه من يريد حلا ولكنه صور نفسه بمن يريد أن يكون حلفا، وبذلك صار يملك عصا القوات، وجزيرة تحشيد الجماعات القبلية.

◇ كل هذا يبين لنا أننا في أمس الحوجة العاجلة لإبعاد دقلو الجنرال، ودقلو الامبراطورية، ودقلو القوات من الشأن السياسي السوداني، ومن يقف حوله من عملاء لدول أخرى يحركونه كالدمية لروسيا والإمارات ويمررون به أجندة تقحم السودان في صراع دولي لا ناقة له فيها ولا جمل، ويبددون موارده الثمينة مقابل حفنة من الرشا والمنح والهبات، ونعلم أن هذا الراي يجبن عن قوله كثيرون رهبة من البطش أو رغبة في ذهب دقلو وقربه ورضاه، ولكن ما عند الله خير وأبقى، وواجب الدين والوطن يوجب رفض هذا البيع للبلاد وثراوتها وجعلها منصة لإدخال جماعات الإرهاب وعصابات الدول ومافيا التخريب والانقلابات في دول الجوار الافريقي.

◇ أختم بالقول أن شرق السودان هو باب للاسقرار في السودان والقارة الافريقية ومنطقة القرن وكذلك ما يقابلنا من دول الخليج، ومتى ما تم احكام السيطرة عليه أمنيا استقرت البلاد، وهو الهدف الرئيس من زيارة دقلو لأنه يعلم أن انقلابهم لم يكن ليرى النور لولا إغلاق الشرق الذي تولى أمره الناظر ترك الذي هتف بالأمس جوار الجنرال دقلو "عسكرية بس حكم عسكري".

◇ إلا أن واقع الشرق وإنسانه لن يقبل أن يكون رهينة للخارج وأطماعه وقد رأينا تمسك أهل الشرق وقادته و"كلات" الموانيء بحقوقهم وأصالتها السودانية لا وكالتها الخارجية، وهو ما سيكون حجر عثرة أمام كل من يريد بيع أرض ومياه السودان في شرقه.

◇ إذا علينا أن نتمسك بشرقنا الحبيب ونجعل ملفه حاضرا في سقف أجندتنا الوطنية صنوه صنو ترس الشمال ومشروع الجزيرة، واهتمامنا كوارث دارفور، وأزمات النيل الأزرق، وفظائع جنوب كردفان، وإلا فسنحتاج إلى تأشيرة دخول لعبور معابر الخياري وهيا للدخول للأراضي الشرقسودانية، فقد فرط النظام البائد في حلايب وشلاتين، فلا تفرطوا في كل شرق السودان.