ما لا شك فيه أن العسكر قدروا وقرروا وفكروا في الانفراد بتكوين الحكومة منذ أيام خلت وحاولوا أيجاد حواضن أشمل وأوسع وأرفع من مجموعة القصر الانقلابية "البائسة" و"الرخيصة"، وفي سبيل ذلك تنافسوا فيما بينهم واصطرعوا، فالجيش له تحالف يتخلق كحاضنة، والدعم السريع له نفس الشيء كذلك، وللأسف كلا التحالفين تحالف تخالف أضداد، لا انسجام فيه، ولا برنامج مشترك له، ولا ميثاق ملزم به، وسيكون التشكيل مدني "صوريا"، كما هو الحال في مجلس السيادة الانقلابي الحالي، ولكنه سيظل "داجنا" عسكريا يتلقى توجيهاته من العسكر أمرا ونهيا، وفي سبيل ذلك استمرت رحلات مكوكية بين مندوبي العسكر وقيادات الأحزاب للإيقاع بها في فخاخ الإنقلاب المعطوبة والمثقوبة وترويض بعضهم للمشاركة في هذه الخطوة ترغيبا وترهيبا.
وهذا الأمر ظل الوصفة السحرية لمستشاري العسكر من الخبراء الاستراتيجيين الذين ظلوا يوحون بهذا الأمر لقائد الإنقلاب مرارا ويسدونه زخرف القول غرورا، وترددوا كثيرا في تنفيذه، وهم على علم أنهم إذا أقدموا على هذه الخطوة لن ينالوا تأييدا شعبيا، ولن يجدوا رضا إقليميا، ولا اعترافا دوليا، خاصة بعد خطواتهم المتعجلة في استحضار فلول النظام السابق من عناصره الإخوانية المتشددة وجماعات العمل الجهادوي والعمليات الخاصة والأمن الشعبي وغيره من المسميات والواجهات التنظيمية، وهو الأمر الذي أجمعت قوى الثورة على رفضه وتتصدى له كل يوم وتتزايد وتيرة الحراك الرافض له، إلا أن الأنقلابيين حاولوا شق قوى الثورة بالتواصل مع بعض الأحزاب السياسية ولجان المقاومة في محاولة لتقسيمها واصباغ شرعية على خطواتهم القادمة، وكل تلك المحاولات وجدت حوائط صد منيعة من مؤسسات القوى السياسية، ومن مناعة رفض قاطعة بالوعي المتعاظم والمقاوم في اللجان.
ومن المؤكد أن غياب الحكومة التي وعد قائد الانقلاب بتكوينها منذ الأسبوع الأول ونحن نناهز اليوم ١٧٠ يوم أي بالتمام دون حكومة تنفيذية وهو ما انعكس على استفحال الأزمات الداخلية، وإزهاق الأرواح، وانهيار الخدمات، وانفراط الأمن، وتردي مستوى المعيشة، وازدياد الكوارث وغياب سلطة الدولة، وكذا الخارجية؛ قد فقدنا مكاسب كبيرة جدا أهمها ما يرتبط بالاستقرار الاقتصادي وغيابنا عن مؤسسات تحل وتعقد في شؤوننا ونحن غياب، واستباحة أرضنا ومياهنا وأجواءنا وتهربب ثرواتنا، فضلا عن تراجع الثقة في حكومة السودان، وهو ما يمكن أن يعرقل جدولة وإعفاء الدين الخارجي، واستدعاء الجماعات التي أدخلتنا في قوائم الإرهاب حتما سيعيد السودان لجحر العقوبات والقوائم السوداء والدول الراعية للارهاب، وأمامنا حتى نهاية يونيو القادم إما أن نستعيد المسار الديمقراطي ومكتسباته، أو سينهار الوضع كليا وستزداد الأزمات تباعا، وسيجد الانقلابيون أنهم محاصرون ومؤسساتهم، وشركاتهم، وبنوكهم، وأسرهم، بعقوبات دولية ستجعلهم يلجأون لسياسات النظام السابق التي ستخنق البلاد وتنعكس على المواطن، وأخشى ما أخشاه هو انفراط عقد الأمن أكثر وأكثر، فالفاعل في الفوضى الآن أفراد وعصابات صغيرة ومحدودة ووارد جدا أن يتسع ليشمل جيوش ومليشيات وحينها سيشهد السودان حالات تصفيات كالتي حدثت في عهد المشير المخلوع.
فالمنظومة التي تدير الأزمة هذا دأبها وما نشهده من تفلتات متقطعة هو بوادر لتلك الطامة التي يمكننا تلافيها بإجراء واحد وسهل وسلس يبدأ بعودة الانقلابيين عن انقلابهم (كما كنت) وذلك بالتنحي الفوري وإبطال قرارات ٢٥ أكتوبر وما ترتب عليها من إجراءات، واعتذار حاضنتهم (جماعة القصر)، من قوى مدنية وحركات كفاح عن سوء فعلتهم هذه، وأن تعلن قوى الثورة وحدتها وميثاقها وبرنامجها وحكومتها التوافقية الكفوءة المستقلة المحددة بآماد زمنية حتى انعقاد الإنتخابات العامة، وإلا؛ فسنجد أنفسنا في حالة اللادولة المستمرة, واللامسؤولية، واللااستقرار، واللاعطاء، واللاقرار، وحتما لن نجد وقتئذ وطنا نصطرع عليه.
أي دعوات أو ادعاءات أو خطوات أو تصريحات أو توجهات بتكوين حكومة "داجنة" تكون "حاضنة" للانقلاب من "السدنة" وتحالف الأضداد و"الخوالف" و(جناير) الفلول، ستكون محض أهواء هواة واهمة سترتد عليهم خطواتها عاجلاً غير آجل، كما حدث عند عودة د. حمدوك، وهو الأمر الذي سيجعل من الخروج من أزمات السودان أمرا مستحيلا.
وأكرر: لا سبيل سوى الرحيل