محاكمة توباك ورفاقه
• المحاكمة التي ستكون من السوابق الجنائية القانونية التاريخية التي سيدرسها ويدرسها أساتذة القانون الجنائي، والقانون الإنساني، وقانون القوات النظامية، وتبحثها كليات الحقوق، وتتناولها المحاكم السودانية، وذلك لارتباطها بقضية شغلت الرأي العام السوداني وتشابكت فيها الجوانب الجنائية، والسياسية، والاجتماعية، والأمنية، ورغم وضوح وهن خيوط القضية وأدلتها منذ الوهلة الأولى للحادث، إلا أن إصرار السلطة الانقلابية ومستشاريها وخبرائها الذين اوعزوا لها الضلال والتضليل، وأوحوا للرأي العام بأن الشباب السوداني الثائر ما هم إلا زمرة من "البلطجية" والقتلة، واجتهدوا لإدانة توباك وزملائه إعلاميا رغم يقينهم التام باللازمة القانونية التي تقول: (أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته)، وتورطوا جميعا كما تورط سلفهم في النظام السابق باتهام الشاب عاصم عمر وسجنه لما يقارب الثلاث سنوات لاتهامه بقتل شرطي في تظاهرات أمام جامعة الخرطوم، جميعهم تورطوا في إدانة هؤلاء الشباب إعلاميا قبل أن يقدموا حتى للتحري، وكانت موجة التجريم أقوى حتى من موجة الترحم على الفقيد رحمه الله والذي ينتمي لسلك مؤسساتهم.
• ولأن الأنظمة الاستبدادية تقرأ من كتاب واحد وتستنسخ أجهزتها من كتب الشاباك والموساد والكي جي بي والبوليس السري اليوناني، وغيرها من الأنظمة التسلطية، تراهم يستخدمون ذات الأسلوب بمختلف السوانح الزمكانية، فيختلط عليهم سوء التخطيط برداءة التنفيذ، وتتكشف خطورة بقائهم يوما إضافيا في السلطة وكارثية سيطرتهم وهيمنتهم على الأجهزة النظامية والعدلية والحقوقية، وهو الأمر الماثل أمامنا بأن الانقلاب الحالي يمثل ذروة الانتهاك السافر لحقوق الإنسان في السودان، وقمة اللامبالاة بالدم السوداني، فالذين يحاول النظام جاهدا تقديمهم قربانا لروح فقيد الشرطة لدمائم ذات حرمته، ولكن الأوجب في هذه القضية هو توقيف كل من أشارت إليه أصابع الاتهام وتحريز كافة أدوات الجريمة سيما وأن هناك أشخاص تم تصويرهم مباشرة يوم الحادثة، وإن كانت السلطة حريصة لرأيناهم اليوم في قفص الاتهام مع توباك ورفاقه، وهناك معلومات تقول بأن أحدهم وضع في حراسات الشرطة الأمنية.
• ولكي لا يضيع دم توباك ورفاقه هدرا وكذلك عميد الشرطة، ولينعم أهله بالقصاص فإن قفص الاتهام اليوم منقوص، ومن فيه هم بعض المتهمين الذي تم انتقاؤهم وليسوا كلهم، وهذه التهمة تحت المادة (١٣٠/٢١) ليست بالتهمة التي يمكن التغاضي عنها أو التقاضي فيها في يوم او اثنين أو شهر و شهرين وهو ما يمكن أن يضيع مستقبل هؤلاء الشباب ويحرمهم من فرص الحياة الكريمة والنجاح العلمي والعملي.
• أتحدث في هذا الأمر وقد جربته وعايشته جورا وظلما في عام ٢٠١٦م وظللت أتأرجح وأخي عماد الصادق في (التونسية) العربة الناقلة للمتهمين من سجن كوبر إلى المحكمة لحوالي عام كامل في تهمة تصل عقوبتها للإعدام، وقد ذقت تضييع العمر، ومرارة السجن وذل السجان، وضاعت منا فرص حياتية لا تعوض بثمن، كل هذا يجعلني أشعر بما يشعر به هؤلاء الشباب وأسرهم التي ترى أن أبناءهم في كنف نظام مستبد، وآلة قمعية باطشة تم تفعيلها بامتياز وترويض أدواتها لإذلال الثوار والنشطاء. إلا أني أقول أنهم في رحمة الرحيم الذي حرم الظلم على نفسه ومهما مكر المستبد فإن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
• رغم قساوة هذه المحكمة وتداعياتها على أهل وذوي المتهمين وعبثيتها في نظر أولياء الدم إلا أنها ستكشف وحشية نظام ٢٥ أكتوبر الذي استعان بكل أدوات القمع والتعذيب التي ظل يستخدمها نظام الإنقاذ، بل واستجلب لذلك نفس الشخوص من مسرحي النظام البائد، سيظهر ألتعذيب النفسي والبدني، والقهر الذي تعرض له المتهمون، وهو ما يذكرني بتعذيب شباب منطقة الجريف المتهمون باغتيال مدير شركة الاقطان ولا زالوا رهن السجن وقد تم التنكيل بهم وتعذيبهم وإرغامهم على تدوين اعترافات بالجريمة وتمثيلها.
• هذه المحاكمة ستكون بداية النهاية لترويض القانون والعدالة ومؤسساتها من قبل الأنظمة الاستبدادية، مقرونا ذلك بانبلاج فجر جديد لأولئك الذين دفن شبابهم في زنازين سجون كوبر ودبك وشالا والهدى وبورتسودان وغيرها، وستكون المحاكمة مدخلا لمراجعة كافة الأحكام التي طالت أبرياء وقدموا قرابين كالتسعة الذين تم اعدامهم في قضية مقتل الصحفي محمد طه محمد أحمد.
• إن مثل هذه المحاكمات ستكون مزعجة لوزارة الداخلية وأجهزتها وإداراتها، ومرهقة للنظام وهي نوع من أنواع الاستنزاف، وكلما تتالت الجلسات احترس السجانون في معاملة مسجونيهم بل سيصلون لدرجة التودد إليهم ومصالحتهم في السجن، لأنهم سيوقنون ببراءتهم قبل النطق بالحكم، كما أن هذه المحكمة ستمثل أهم عوامل التنسيق الميداني بين اللجان وأسر الشهداء وأسر المعتقلين والمجموعات الحقوقية ووسائل الإعلام، ولذلك لا يستطيع إنسان تزوير وقائعها أو العبث بأدلتها وحشو مضابطها بالزور والبهتان.
• وقفة اليوم مثلت دفعة معنوية عالية للشارع الذي اطمأن على أبنائه، ومثل طعنة نجلاء في صدر كل من قال وراهن على كسر عزيمة الشباب الأشاوس، فابتساماتهم كانت كافية لاستبانة تفاهة هذا النظام وتهافته على الدم الحرام، كما أن شارات النصر التي لوحوا بها أكدت أن النصر الذي نراه بعيدا قد دقت ساعته وأزفت لحظته.
ختاما:
√ رجائي من هيئة الدفاع التنسيق العالي لإخراج هؤلاء الشباب من القفص بأسرع فرصة، لأن بقاءهم في السجن إذا استطال رغم ثباتهم فسيدمر جزءا من حياتهم، وسينعكس بؤسا على حياة أسرهم وزملائهم، واجبنا التصدي بقوة وواجبكم نقض الغزل القانوني الواهي والواهن الذي حاكته هيئة الاتهام، ونحن نرجو من الله ما لا يرجون.
√ أما حديثي لأولياء الدم من أهل الفقيد القتيل رحمه الله رحمة واسعة وإلى أحبائه وخاصته وزملائه وقبيلته، لا تفرطوا في دم ابنكم ولا تعلقوه في أعناق الأبرياء، واحرصوا أن تزنوا بالقسطاس المستقيم ويقيني أن فيكم خلص اوفياء يخافون الله في النفس والدم الحرام، ولا يخافون في الحق لومة لائم وسيأتي يوم يحصحص فيه الحق وتستبين فيه حقيقة القتلة والمجرمين، وما ذلك على الله بعزيز.
√ كما يرجى أن تشارك كافة الوسائل الإعلامية والمنصات الحقوقية في حضور المحاكمة، وأن يبتعث مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان من يتابع وقائع الجلسات كما فعلت بعض السفارات عبر مكاتبها الحقوقية، ولا أعتقد أن مفوضية حقوق الإنسان آبهة للأمر لأن الشكاوى والوقفات الاحتجاجية وصلتها وشكت لها بؤس الحال إلا أنها مشغولة بشاوغل أهم من التحقيق والوقوف على الانتهاكات والفظائع وسادرة في تدريب وتجميل صورة قوات تنتهك حقوق الإنسان صباح مساء.
@orwaalsadig