الأربعاء، 28 سبتمبر 2022

تهديدات وتحذيرات جبريرهان

تهديدات وتحذيرات جبريرهان

■ اقترح د. جبريل إبراهيم إبقاء الشراكة بين العسكر والمدنيين على شكلها الراهن بمجلس السيادة دون تكوين مجلس أعلى للقوات المسلحة ينتزع الصلاحيات الأمنية والدفاعية والعلاقات الخارجية وغيرها، يريد بذلك أن يكون برهاويا أشد من البرهان وأذياله، واسترسل منتقداً المطالبة بعودة الجيش للثكنات متناسيا كل ما ظل يردده طوال سني نضاله بمدنية السلطة والدولة.


■ ومضى إلى أن الجهة الوحيدة التي تحدد ذلك هي الجهة المنتخبة وهو الذي شارك في انقلاب قطع الطريق أمام المضي محو الانتخابات وظل على الدوام حجر عثرة أمام تكوين المفوضيات التي من بينها مفوضية الانتخابات.


 ■ وكذلك حذّر رئيس حركة العدل والمساواة اللجنة الرباعية إن هي أقدمت على إعادة السيطرة لتحالف قوى إعلان الحرية والتغيير بتوهم ظل يردده منذ أن اتهم الحرية والتغيير بالهينة على سلطة هو وزير ماليتها.


■ كما حذر من مغبة المساس باتفاق السلام الموقع بين الحكومة والحركات المسلحة في عام 2020م والذي شاركت بموجبه الحركات في الحكم، متناسيا أن السودانيين جميعا ارتضوا فتح الوثيقة الدستورية لتضمين هذا الاتفاق فيها، وهذا الحديث سيصور للقادمين لاحقا لتوقيع اتفاق السلام بأن هذا الباب مسدود بأنانية وذاتية جبريل وزمرته.


■ إن تصريحات د. جبريل إبراهيم غير مستغربة فالرجل صاحب مشروع الإنقلاب وذو أشواق شمولية وأخلاق إخوانية، لا يتحرك بصورة عشوائية وإنما يسير وفق مخطط مرسوم مع حلفائه من قادة الإنقلاب من عسكر وساسة ومجموعات النظام البائد الإخوانية.


■ إن إصراره على بقاء العسكر في السلطة ظنا منه أنهم أكبر القوى المرجحة للقرار السياسي، وأنهم سيوفرون له ما عجز الساسة من توفيره، كما أن هناك شراكة مصير بينه وبين العسكر، فذات الأصوات التي تلاحق الجنرالات لانتهاكهم حقوق الإنسان في دارفور، تلاحق جبريل مثلها، الأمر الذي يمنعه لأربع سنوات خلت من زيارة الإقليم.


■ أما تذرعه بأن الحرية والتغيير تسعي لاستعادة الهيمنة عبر الثلاثية أو الرباعية فهو محض أكاذيب وتخرصات وقد بات معلنا ومؤكدا أن الحرية والتغيير لا ترغب في أي مشاركة في السلطة في أي مستوى من المستويات وزاهدة كل الزهد، ولكن مشروعها قائم على إسقاط الإنقلاب وإبطال قراراته وإجراءاته والتي يتحمل جبريل جزء كبير من تلك القرارات الارتدادية.


■ وترغب الحرية والتغيير في سلطة مستقلة تقود لانتخابات حرة ونزيهة في مدى زمني لا يتجاوز ال١٨ شهر ويرغب جبريل ومن معه من مجموعات وحركات في استطالة الفترة الانتقالية وتمديد آمادها لتمكين ما تبقى من منسوبي حركتهم وحلفائهم واستعادة ضبط التنظيم والحركة المعلولين وإعادة تنصيب واجهاتهم لاستكمال مشروع متفق عليه.


■ كل هذا يجعل من جبريل متترسا بالعسكر والبندقية ومهددا بعصا الحرب والخراب، ويرفض توجهات الانتقال المدني التي تطالب بدمج وتسريح تلك القوات والتوجه نحو جيش قومي موحد الأمر الذي يرفضه جبريل ويقاومه ويتذرع بعدم توفر موارد مالية كافية لعملية الدمج والتسريح.


■ وتظل أهم الأجندة المرفوعة في سقف قوى الثورة والحرية والتغيير هي قضية التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية التي يتمنع جبريل من المطالبة بالامتثال إليها وتسليم الجناة لها، وهو ما وافق هوى العسكر، الأمر الذي يمثل عقبة كؤود أمام مشروع الحركة في إقليم دارفور.


■ ختاما:

١. لا ينتطح عنزان أن الإنقلاب في ٢٥ أكتوبر جريمة عدوان وما ترتب عليه من عمليات اعتقال وقتل وسحل واغتصاب وتعذيب جرائم وفظائع إنسانية تستوجب المساءلة الجنائية والدولية.

٢. ويقع برهان جبريل وسدنة الانقلاب من عسكر ومدنيين تحت طائلة الاتهام بارتكاب تلك الجريمة، لأنهم ضيقوا بجريمتهم تلك على الشعب وضيعوا مكتسباته ودمروا مشروعاته.

٣. وقد أوقفوا حتى مشروعات بناء السلام التي كانت تستهدف جموع النازحين واللاجئين، بل أوقفوا حتى الإعلانات المباشرة التي تصل لملايين الفقراء والمعوزين.

٤. هذا يوجب الاقرار بالذنب وعدم (المكابرة)، والغطرسة التي يمارسها الإنقلابيين، والركون إلى الحق وإدراك أن هذا الشعب لن تسطو على حقوقه عصابة أيا كانت مدنية أو عسكرية.

٥. وباب التراجع عن الإنقلاب وإبطال إجراءاته وقراراته هو المدخل الوحيد للاستقرار في البلاد، فها هما قائدي الإنقلاب يتراجعون إلى الوراء ولكن السدنة وجماعات الفلول يدفعونهم للمضي قدما في عسكرة الدولة.

٦. هذا هو المطلوب والمأمول وما سوى ذلك مجرد سياسات خاطئة مدفوعة بأجندة وأيدلوجيات واهمة ستقود لتمزق إجتماعي وحرب أهلية ليس فيها منتصر.

الثلاثاء، 27 سبتمبر 2022

حبيبي محمد ﷺ

حبيبي محمد ﷺ

(١)

هذا الحبيب المنتجب ﷺ، والصفي المنتخب ﷺ، لم يحُز بشرٌ على وجه البسيطة أو تحتها، ممن سبق أو لحق مجده أو سؤدده، ولم تخف على الخلق خافية عنه منذ ميلاده ونشأته وحياته وبعثته حتى مماته ﷺ، فكان هو الشخص الوحيد الذي ضُبطت أقواله وأفعاله، وأُحكم نسبه وأهله وصحابته وأزواجه وعياله، وعُرف كُتّابه وسفراؤه وحراسه وخدامه، وصُورت ثيابه وسيوفه ورماحه ودوابه ومشربه وطعامه، جميعها رُصدت بصورة متسلسلة متواترة محكمة النصوص ورسمت بدقة في التراث الموروث، حتى من حاول التقول عليه ﷺ جعل بينه وبينهم قولا قطعيا لوزن تقولاتهم فقد ال ﷺ: ( إذا سمعتُمُ الحديثَ عني تعرفُه قلوبُكم ، و تَلينُ لهُ أشعارُكم و أبشارُكم، و تَرون أنَّهُ منكُم قريبٌ، فأنا أولاكُم به، و إذا سمِعتُمُ الحديثَ عني تُنْكِرُه قلوبُكم، وتنفِرُ منه أشعارُكم و أبشارُكم ، وترون أنَّهُ منكُم بعيدٌ ، فأنا أبعدُكم منهُ) ١.




(٢)
وقد تم التأريخ والتوقيت زمكانيا لكل تفاصيل حراكه وسكونهﷺ، بالعام والشهر واليوم، ومهما تباينت الآراء ووجهات النظر حول موقف من المواقف إلا ووجد قولا راجحا لا يقبل الجرح ولا التعديل عن حياته ﷺ، فاستحق بذلك أن يكون الإنسان الأول الموثوق، المصدوق، موثق السيرة، وصادق السريرة، وحافل المسيرة، لم تطمس الأيام كتبه وكتاباته المسطورة، ولم تدرس الأيام سيرته المحفوظة والمنشورة، رغم محاولات أصحاب الملل والنحل والمستشرقين والطامسين والدول والممالك والإمبراطوريات الحثيثة والخبيثة لطمس صحائفه وتشويه تاريخه ﷺ.



(٣)
كانت ولا زالت حقيقته ﷺ ظاهرة لأولي الألباب والأخيار، ومحبته محفورة في لُبّ الشجر والحجر والأفلاك والدواب والمدر قبل استقرارها في سويداء قلوب البشر، لا يمر يوم أو لحظة أو ساعة أو دقيقة أو ثانية دون ذكره من إنسان لم يره ولم يسمعه ولم يقابله أو يصدح باسمه آذان بطول خطوط الأرض ودوائر عرضها، فجميع من في الكون من ملته اليوم لم يقابله منهم أحد، إلا أنهم يصدقونه ويمجدونه ويتبعونه ويصلون عليه ﷺ، تختلف الألسن، وتتباين اللغات إلا أنهم جميعا يلهجون بحبه ﷺ في كل أركان المعمورة دون توقف وكأن ساعة الزمان ضبطت دقاتها على ذكره تردد محمد محمد ﷺ.



(٤)
ظل التباري في مدحه ﷺ ووصفه وإظهار محبته وتخليد آثاره دأب كل أمة وكل جيل، وتنافس المتنافسون، وتبارى الكتاب والشعراء والمؤرخون، في تعداد مآثره، وتحبير فضله وذخائره، وتقدم المتقدمون بالشهود على ذلك ولحقهم المتأخرون، فلم يقتصر التدوين على صحابته وتابعيه وأبناء عمومته وأهله وخاصته وملته، بل شهد بذلك العجم الذين جعلوه في صدر أعظم العظماء وأول شخص في قائمة عظماء الكون المائة كما قال بذلك مايكل هارت ٢، وقيل عنه :( إن ﻫﺬا اﻟﺮﺳﻮﻝ اﻟﻌﺮﺑﻲ ﻋﻈﻴﻢ «ﻭﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻧﻮﻓﻴﻪ ﺣﻘﻪ ﻣﻦ اﻟﺘﻜﺮﻳﻢ، ﻭﻟﻮ ﺟﻌﻠﻨﺎ ﻣﺎء اﻟﺒﺤﺮ ﻣﺪاﺩا ﻟﻜﻠﻤﺎﺗﻨﺎ؛ إلى قوله، ﻫﺬﻩ اﻟﺸﺨﺼﻴﺔ اﻟﻤﻌﺠﺰﺓ اﻟﺘﻲ اﺳﺘﻄﺎﻋﺖ ﻓﻲ ﺳﻨﻮاﺕ ﻣﻌﺪﻭﺩﺓ، ﺃﻥ ﺗﺘﻐﻠﺐ ﻋﻠﻰ ﻓﻮاﺭﻕ اﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ، ﻭﻋﺼﺒﻴﺎﺕ ﻗﺒﻠﻴﺔ» ﻭﻣﻌﺘﻘﺪاﺕ ﺩﻳﻨﻴﺔ ﻭﺛﻨﻴﺔ، ﻭأﻋﺮاﻑ ﻭﻋﺎﺩاﺕ ﻣﺘﻮاﺭﺛﺔ، ﺿﺮﺑﺖ ﺟﺬﻭﺭﻫﺎ ﺟﻤﻴﻌﺎ ﻓﻲ ﺃﻋﻤﺎﻕ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﻘﺒﻠﻲ اﻟﺠﺎﻫﻠﻲ ﻣﻨﺬ ﻣﺌﺎﺕ اﻟﺴﻨﻴﻦ» ٣، وجمع البشرية من طنجه إلى جاكرته مُنهيا الإثنية والوثنية وهو لعمري الأمر الذي لا زالت البشرية تحاول الوصول إليه لتذيب تلك الفوارق ولتهذيب النفوس وتحقق المساواة بين الآدمية لكونهم من نسل آدم عليه السلام.



(٥)
وهذا كله لم يُلغ إجتراء البعض من التبغض عليه وان يَلِغ بعضهم ذما وقدحا وإساءة، منذ عهده ﷺ، إلى حوادث عصرنا هذا وأشهرها وأقساها وأمراها وأنكاها ما نشر في صحيفة جيلاندز - بوستن من صورة كاريكاتورية في سبتمبر 2005م قيل أنها للحبيب ﷺ حاشاه ومن بعدها ما نشر في شارلي أيبدو الفرنسية وغيرها، مما اتخذتها بعض الأحزاب في بعض الدول تحت ذريعة الحرية للأساءة له ﷺ ولديننا الحنيف ولكن الارتدادات التي ترتبت على ذلك كانت أقسى عليهم مما شعرنا نحن به، فارتدت الأوضاع عليهم سياسيا واقتصاديًا واجتماعيا وفي بعض الأحيان أمنيا، فهو وعد بذله الحق ﷻ لسيد الخلق ﷺ ، إذ قال : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) ٤، ولا زالت العصمة متواصلة ماثلة حتى يومنا هذا وستستمر بأمر ربها إلى يوم يبعثون.



(٦)
لذلك ظلتُ على الدوام يتملكني يقيني الراسخ بأن هذا الحبيب ﷺ مهما ادعينا الانتصار إليه والذود عنه، نجد أن ألسنتنا أقصر وأيادينا أعجز وأقلامنا أدنى من أن تذُب عنه شيئا، بل في كثير من الأحيان نكون نحن أحوج الخلق لينصرنا ﷺ ويدافع عنا المولى عز وجل، فنجد بين ظهرانينا ما تركه فينا ﷺ قوله تعالى: ( ۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍۢ كَفُورٍ) ٥، وسيظل دأب الخونة والكفار الإساءة إليه إلى يوم الدين : ( وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) ٦، والتحدي ضدهم قائم وجوديا أزليا سرمديا بيننا وبينهم ودائم بدوام قوله تعالى: (فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ) ٧.



(٧)
وستبقى رسالته وحقيقة نبوءته كالشمس في رابعة النهار لا ينكرها إلا خفاش، تومض في عقول العالمين ووتزهر في قلوب أولي الأبصار وتزدهر في ربوع الكون، وسيجد الباحثون عن الحقيقة في نصوص الزبر والأناجيل والألواح والعهدين إليها سبيلا إذا جدوا، فمهما طرأ على كتبهم من تحريف وتجريف وتخاريف سيجدون بين سطوره ما يشير إليه ﷺ، أولم يؤكد ذلك المولى القدير في قوله: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ٨؟، وسيصل لهذه الحقيقة عنه ﷺ كل منكر كذاب وكل ومتكبر مرتاب، ومن فتح الله عليه من أهل الكتاب في أناجيلهم بل حتى اليهود الذين قيل فيهم: ( وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) ٩.




(٨)
كما سيخلد رب العالمين نظما لم يقله بشر في مخلوق سواه، يؤكد محبة العالمين له وما أدركوه عنه من عظمة قدر وجلال مقدار وعظيم حكمة وهداية ورحمة وبركة، كما قال الحكيم:

ﺟﺰﻯ اﻟﻠﻪ ﺭﺏ اﻟﻨَّﺎﺱ ﺧﻴﺮ ﺟَﺰَاﺋِﻪِ ... ﺭَﻓِﻴﻘَﻴْﻦِ ﻗَﺎﻻَ ﺧَﻴْﻤَﺘﻲ ﺃﻡ ﻣﻌﺒﺪ
ﻫﻤﺎ ﻧﺰﻝ ﺑِﺎﻟْﻬﺪﻯ ﻭاﻫﺘﺪﺕ ﺑِﻪِ ... ﻓﻘﺪ ﻓَﺎﺯَ ﻣﻦ ﺃَﻣْﺴَﻰ ﺭَﻓِﻴﻖ ﻣُﺤَﻤَّﺪ
ﻓﻴﺂﻝ ﻗﺼﻲ ﻣَﺎ ﺯﻭﻯ اﻟﻠﻪ ﻋَﻨْﻜُﻢ ... ﺑِﻪِ ﻣﻦ ﻓﻌﺎﻝ ﻻَ ﺗﺠﺎﺯﻯ ﻭﺳﻮﻭﺩ
ﻟِﻴﻬﻦ ﺑﻨﻲ ﻛَﻌْﺐ ﻣَﻜَﺎﻥ ﻓَﺘَﺎﺗﻬﻢْ ... ﻓَﺈِﻧَّﻜُﻢ ﺇِﻥ ﺗﺴﺄﻟﻮا اﻟﺸَّﺎﺓ ﺗﺸﻬﺪ
ﺩَﻋَﺎﻫَﺎ ﺑِﺸَﺎﺓ ﺣَﺎﺋِﻞ ﻓﺘﺤﻠﺒﺖ ... ﻟَﻪُ ﺑِﺼَﺮِﻳﺢ ﺻﺮﺓ اﻟﺸَّﺎﺓ ﻣُﺰْﺑِﺪ

ومهما عظمناه ومدحه أصحابه فقد ظل ﷺ يؤكد بشريته وسمعنا من تبار في وصف شمائله وتنافس في تبجيله هديهم قوله تعالى: ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)  ١٠، حتى رددوا قول ﻫﺮﻡ ﺑﻦ ﺳِﻨَﺎﻥ:
ﻟَﻮ ﻛﻨﺖ ﻣﻦ ﺷَﻲْء ﺳﻮﻯ ﺑﺸﺮ ... ﻛﻨﺖ اﻟﻤﻀﻲء ﻟﻠﻴﻠﺔ اﻟْﺒَﺪْﺭ

ﻭَﻓِﻴﻪ ﻳَﻘُﻮﻝ ﻋَﻤُّﻪ ﺃَﺑُﻮ ﻃَﺎﻟﺐ:
ﻭﺃﺑﻴﺾ ﻳﺴﺘﻘﻰ اﻟْﻐَﻤَﺎﻡ ﺑِﻮَﺟْﻬِﻪِ ... ﺛﻤﺎﻝ اﻟْﻴَﺘَﺎﻣَﻰ ﻋﺼﻤَﺔ ﻟﻷﺭاﻣﻞ
ﻳﻄﻮﻑ ﺑِﻪِ اﻟﻬﻼﻑ ﻣﻦ ﺁﻝ ﻫَﺎﺷﻢ ... ﻓﻬﻢ ﻋِﻨْﺪﻩ ﻓِﻲ ﻧﻌْﻤَﺔ ﻭﻓﻮاﺿﻞ
ﻭﻣﻴﺰاﻥ ﺣﻖ ﻻَ ﻳﺨﻴﺲ ﺷﻌﻴﺮﻩ ... ﻭﻭﺯاﻥ ﻋﺪﻝ ﻭَﺯﻧﻪ ﻏﻴﺮ ﻋﺎﺋﻞ

إلى قول صاحب البُرده عليه الرحمة ١١: 

ﻭﻛﻴﻒ ﺗﺪﻋﻮ ﺇﻟﻰ اﻟﺪّﻧﻴﺎ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﻣﻦ ... ﻟﻮﻻﻩ ﻟﻢ ﺗﺨﺮﺝ اﻟﺪّﻧﻴﺎ ﻣﻦ اﻟﻌﺪﻡ
ﻣﺤﻤّﺪ ﺳﻴّﺪ اﻟﻜﻮﻧﻴﻦ ﻭاﻟﺜّﻘﻠﻴﻦ ... ﻭاﻟﻔﺮﻳﻘﻴﻦ ﻣﻦ ﻋﺮﺏ ﻭﻣﻦ ﻋﺠﻢ
ﻫﻮ اﻟﺤﺒﻴﺐ اﻟﺬﻱ ﺗﺮﺟﻰ ﺷﻔﺎﻋﺘﻪ ... ﻟﻜﻞّ ﻫﻮﻝ ﻣﻦ اﻷﻫﻮاﻝ ﻣﻘﺘﺤﻢ


(٩)

ولم يكن ﷺ ذلك الإنسان الذي يطربه أي مدح أو ينتشي لمغالاة في الإطراء، وقد نبه صحابته عليهم الرضوان بقوله: (لا تُطْروني كما أَطْرَتِ النَّصارى ابنَ مريمَ؛ إنّما أنا عبدُهُ، فقُولُوا: عبد الله ورَسُولُه) ١٢، لذلك لم ينكروا بشريته وفاقوا من صدمة موته ﷺ سريعا واستذكروا قول الله تعالى: (  إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) ١٣،  وهي من المحاذير التي يقع فيها كثير منا مغالاة للانتصار إليه ﷺ وهي أمور توردنا الانتحار والإساءة لجنابه الكريم لا الإضاءة على محيا نهجه الرحيم ﷺ.



(١٠)
لم يدع ﷺ يوما أنه يمنع الشر ويمنح الخير، وظل دوما يقدم ما خصه الله به من فضل وفضائل وتفضيل ويرجعه إلى بارئه ذي الجلال والإكرام ويردد :( قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ١٤، ولم يبتدع ﷺ أو يجترح أمرا، فما من قول أو فعل أتى به إلا وقد أوحاه إليه الله أو ألهمه إياه: ( قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ) ١٥، وظل ﷺ نذيرا مبينا واختار كثيرون منا اليوم أن يجترئوا عليه ويتجاوزوا كل ذلك ليوهموا الخلق بأنهم يضرون وينفعون واتخذوا لأجله سُبلا وتضليلا.




(١١)
لقد جعل الحبيب ﷺ حياته نبراسا لنا للاقتداء والإهتداء فما نهانا عن شيء إلا وابتدأ به نفسه منتهيا وممتثلا لأمر الله: (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۚ قُل لَّا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) ١٦، واليوم تجد أئمة المسلمين وعامتهم يتناهون عن أمور ويبتدرون فعلها، وبعضهم يتوجهون إلى غير شرعه وشريعته ويبتغون إلى غير ذي العرش سبيلا، متناسين توجيهه ﷻ إلى حبيبه الأعظم ﷺ: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ١٧.



(١٢)
وقد جاءنا هذا الحبيب ﷺ ببصائر ربنا وحدد مصائرنا أننا لله وأنا إليه راجعون، وبين لنا أن من استجاب لدعوته على بصيرة فقد هدي، ومن أعمى الله بصره وبصيرته فقد ضل ضلالا بعيدا، وليس هناك ما يمنعنا من الحق واتباعه إذ هو آخذ بنواصينا وأيدينا، فمنا المحرومين ومنا المرحومين، وكذلك المسعفين  والمسفوعين، ليس هناك يومئذ حميم ولا شفيع يرفع مقت الله وغضبه عنا إذ ضللنا وليس هناك من يمسك رحمتها إن تولنا: ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ) ١٨.




(١٣)
واجبنا ونحن نظن ظنا حسنا أننا في خيرية أمته ﷺ ليس استلال السيوف وإرغام الخلق على الإيمان برسالة الحق، ولا ذبح الأعناق وضرب الرقاب والدق، ض٩١حتى يذعن الناس لدينه ويدفعوا الجزية كما يصور البعض، فنحن ملة الرحيم الذي فرض علينا مناجاته ومصافاته في اليوم (١٧ مرة) ونحن نردد اسم إلهنا "الرحمن الرحيم"، ليس من واجبنا سلب الحرية وإكراه الخلق على امتثال نهجه ﷺ، فقد بين ذلك صاحب الشأن الذي لا يشغله شأن عن شأن في قوله:  (لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ١٩، لذا ينبغي علينا الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن عن معرفة وعلم وفقه وتدبر في آياته سبحانه الله أو الرحمن، واتباع طريقته وحكمته ﷺ، وأن تكون دعوتنا إلى سبيله جل جلاله على بصيرة لا عن تنطع وجهالة كما يفعل كثير ممن اعتلوا منابر خلافة الحبيب ﷺ وجلسوا على كرسيه يعظون، وعلينا أن نتمثل قوله ﷻ: ( قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ٢٠.



(١٤)
ختاما: هذه المقالة من عروة الصادق وهو عبد مفتقر إلى ربه حقير ذليل يرجو نوال الله وكريم عطائه، ويبتغي بها وجهه الكريم وصحبة نبيه الرحيم ﷺ، فإن طابق ما فيها الحق فهو من فضل الله على هذا المتبتل المتذلل، أما إن جانبته إلى الخطأ فهو تقصير  مؤمل ولممٌ يتضرع صاحبه لغفران ربه وكريم عفوه سبحانه، ما أرجوه وأطلبه من كل قاريء/ة وقع في عينيه مقالي هذا أن يكتب ما شاء الله له عن حبيبنا الأعظم ﷺ تعريفا عنه وتشرفا به، بأي لغة علمها إياه ربي وينشر ويرسل ما كتب لأستهدي به في سكة التعرف على الحقيقة الكاملة عن هذا النبي الأكرم، وهو ما أبتغيه منكم من أجر ولا أؤحو سواه: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) ٢١.


الدعاء: 
اللهم اجز حبيبنا محمد ﷺ أفضل ما جازيت نبيا عن أمته يا مجيب وصل عليه صلاة دائمة بدوام نور وجهك الكريم، وأعنا ومن صحبنا ومن أحبنا على اتباع سكته حتى نلقاك على صفاء ويقين، وارحمنا وارحم آباءنا وأمهاتنا واهدنا واهد أبناءنا وبناتنا، وارزقنا وإياهم لذة النظر إلى وجهك الأنور وصحبة رسولك الأطهر ﷺ وآله مع التسليم.

آمين




الثلاثاء:  ١ ربيع الأول ١٤٤٤ ه
الموافق: ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٢م

______________________
الهوامش: 
١. أخرجه الإمام أحمد.
٢. مايكل هارت ‏ هو فيزيائي فلكي يهودي أمريكي، صاحب كتاب الخالدون المئة.
٣. ﻛﺘﺎﺏ ﺭﺳﺎﻟﺔ اﻻﺳﻼﻡ، اﻟﺮﺳﻮﻝ اﻟﻌﺮﺑﻲ، اﻟﻌﻤﺎﺩ ﻣﺼﻄﻔﻰ ﻃﻼﺱ.
٤. سورة المائدة - الآية ٦٧.
٥. سورة الحج - الآية ٣٨.
٦. سورة يوسف - الآية ٥٢.
٧. سورة المرسلات - الآية ٣٨.
٨. سورة الأعراف - الآية ١٥٧.
٩. سورة الأعراف - الآية ١٥٩.
١٠. سورة القلم - الآية ٤.
١١. الشيخ العلامة ﺷﺮﻑ اﻟﺪﻳﻦ ﻣﺤﻤﺪ اﻟﺒﻮﺻﻴﺮي.
١٢. أخرجه الإمام البخاري.
١٣. سورة الزمر - الآية ٣٠.
١٤. سورة الأعراف - الآية ١٨٨.
١٥. سورة الأحقاف - الآية ٩.
١٦. سورة الأنعام- الآية ٥٦.
١٧. سورة الأنعام - الآية ٧٩.
١٨. سورة يونس- الآية ١٠٨.
١٩. سورة البقرة- الآية ٢٥٦.
٢٠. سورة يوسف - الآية ١٠٨.
٢١. سورة ص - الآية ٨٦.

براءة على محمود ومحاكمة وداد

براءة على محمود ومحاكمة وداد
(١)
● تمت تبرئة القيادي بالحزب المحلول علي محمود وزير مالية أسبق في النظام البائد، فيما عرف بقضية تجاوزات النقل النهري التي دونت ضده فيها البلاغات (89/92/177/178) من القانون الجنائي و(19/20/21/22) من قانون الإجراءات المالية والمحاسبية، في محاولة لطي صفحة فساد الرجل الذي طمست بلاغات أخرى في مواجهته لدى نيابة الثراء الحرام والمشبوه.


(٢)
 ● والتي اشتكى فيها المحامي معاوية خضر الأمين ضد على محمود ووزير الأوقاف الأسبق عصام أحمد البشير، وحيثيات القضية موجودة ومنشورة إذ اشترى فيها على محمود بيتا في شروره الأولى بالوزارة قيمته حوالي مليوني دولار، وتمت التعمية والتغطية على القضية، وهاهو اليوم يظفر ببراءة تمهد لبيع أصول النقل النهري وتسليمها لعامل اللحام المصري يسري فاضل.


(٣)
● أما السيدة وداد يعلم الجميع أنها متزوجة من ضابطين في القوات المسلحة السودانية أحدهما قتل في الجنوب في حادثة حريق طائرة البونج الشهيرة والآخر يقبع في السجن الاتحادي، و معاشهما مجتمعا لمدة خدمتهما الطويلة الممتازة كما يقال في الجيش، بالإضافة لمخصصاتها كسيدة أصبحت الأولى بعد زواجها من المخلوع، لا يمكن أن تأتي لها بمعشار ما وجد عندها وما رصد في مضابط البلاغات وما لم يتم الإعلان عنه إلى الآن.


(٤)
● وهناك ملفات عملت عليها لجنة التفكيك وضبطت أحد المشتبه بهم وابنه أقر بأنه يقوم بعمليات شراء صورية لعقارات باسم المخلوع وزوجته، كما أن هناك عشرات العقارات ومخططات كاملة مملوكة لهذه السيدة مسجلة باسم أحد كبار رجال الأعمال، فإن كانت تعلم مصدر تلك الهدايا فتلك مصيبة وإن كانت لا تعلم فتلك كارثة.

(٥)
● لأن هناك عقارات ومزارع مسجلة باسم أبنائها من زوجها الأول، فكيف لإنسان سوي يدخل نفسه وزوجه وأسرته في ممتلكات مجهولة وعمليات تتم عبر واجهات كمنظمة سند الخيرية التي كانت تشرف عليها هذه السيدة، وهذه السيدة جزء من منظومة فاسدة رأسها زوجها.


(٦)
● وما تقوله في المحكمة ليس حديثا عفويا وإنما عمل منظم لهيئة استشارية من قانونيين بعضهم تلاحقهم قضايا فساد وثراء حرام مشابهة، لذلك سيستميتون في محاولات تبرئتها لأن في ذلك تبرئة للتنظيم والحركة المحلولين، وألفت الإنتباه لأن السودان مرت عليه حوالي العشرة سيدات أول لم يذكر التاريخ لهن أن اغتنين أو فحش ثراؤهن، وبعضهن رحلن إلى الدار الآخرة وهن في بيوت أزواجهن ومضين من هذه الدنيا لا يملكن إلا السيرة العطرة.


(٧)
● فتأتي سيدة زوجيها ضابطين في القوات المسلحة أحدها رئيس مخلوع مهما كانت مخصصاته لا يمكنها امتلاك كل هذه الأملاك، المرجو أن تصل المحكمة لأصل هذه الهدايا وإجراءات تحويل الملكية التي تمت لتلك الأصول الثابتة والمنقولة وما تبعها من عمليات وإجراءات، فالمنظومة التي كانت تعمل ما المخلوع وأسرته كانت متغلغلة في دواوين الدولة ومؤسساتها وتعبث حتى بالقرار الحكومي.



● ختاما: إن هذه المحاكمات هي محاولات استنقاذ لرموز الحزب والحركة المحلولين واستطهارهم من دنس الفساد والإفساد وتهيئتهم للعب أدوار سياسية لصالح الحركة والحزب وواجهاتهم، يتواطأ في ذلك منظومة عدلية فاسدة تأتيها الإملاءات من أروقة القصر والمكاتب السيادية وتفر لهم الأجهزة المعنية الغطاء الأمني والسياسي، وهو الأمر الذي لن ينطل على فطنة السودانيين، وستظل إرادة هذا الشعب وقواه الحية متجهة بإصرار وهمة وعزيمة لتفكيك زمرة الفساد والاستبداد واسترداد الأموال التي بددها الحزب المحلول وقادته وأسرهم وواجهاتهم.

الاثنين، 26 سبتمبر 2022

إضراب تجار السودان

إضراب تجار السودان

كل يوم يمر من أيام انقلاب ٢٥ أكتوبر يثبت أن الحكم العسكري أضحى ضربا من المستحيل استمراره، حتى وإن ساندته وسادنته مجموعات التملق المدنية وكونتونات الاستثمار في الأزمات وكارتيلات الفساد الإقتصادي، ومافيا التدمير والتخريب للدول، وتجار الحروب والبشر والممنوعات، وهو ما يؤكد حتمية سقوط النظام الدكتاتوري ومعه الأقنعة التي يوفرها له مدنيون وحركات مسلحة، الأمر الذي اتضح جليا من خلال الآتي:


● أولا: هناك أزمة اقتصادية ماثلة تحاول الحكومة الحالية تجاهلها، والإمعان في اتخاذ سياسات وإجراءات اقتصادية خاطئة، بتضخيم ضريبة الدخل ومضاعفتها، وكذلك الجمارك ورسوم الخدمات والمحليات، كل تلك الممارسات أودت بالنظام السابق إلى غياهب السجون، وقد ترتب على ذلك اتخاذ قطاعات اقتصادية وتجارية واسعة خطوات احتجاجية تتدرج شيئا فشيئا، تبدأ بالإضرابات الجزئية وصولا للعصيان المدني الشامل.



● ثانيا: انتظمت عشرات الأسواق في مدن السودان المختلفة وآلاف التجار والباعة وصغار المستثمرين في إضرابات كبيرة أوقفت عجلة التجارة والتداول اليومي ما عطل حركة البنوك والوكالات المالية والمرافق التجارية.



● ثالثا: سلاح الإضراب أرقى أسلحة المناهضة المدنية والاحتجاجات السلمية وهو كذلك من أمضى الأسلحة التي جربتها النقابات والكيانات المطلبية والتنظيمات الفئوية، وإضرابات تجار السودان في الأسواق المختلفة هي جرس إنذار للولايات والحكومات الاتحادية والولائية وللمنظومة الاقتصادية والبنك المركزي، ووزارات القطاع الاقتصادي جميعها.



● رابعا: قد ثبت أنه بمقدور هذه التكتلات التجارية النقابية التي تدعو إلى إعلان الاضراب وتنفذه بنسبة ١٠٠% وبدون ضجيج أو إخلال مع السماح للمرافق التجارية الخدمية بالعمل وعدم الإضرار بحياة المواطنين، هذا يؤكد تزايد الوعي المطلبي للقطاعات الحية في السودان، وأن إجراءات ٢٥ أكتوبر تسببت في إلحاق أذى بالغ بهم، وهو ما دفعهم لاتخاذ هذا الطريق.



● خامسا: بعض أصحاب هذه المحال والأسواق طالب الجهات المسؤولة بالاستجابة لمطلوباتهم، وقدم بعضهم طلبات لمقابلة مسؤولي وزارة المالية وديوان الضرائب والجمارك ووزارات القطاع الاقتصادي، إلا أن جميع مطالباتهم قوبلت بالتجاهل والتسفيه، وبعضهم تعرض للتهديد والوعيد ومنهم من وصلته رسائلة مباشرة ومبطنة بالتصفية أو الإفقار، وهو ما يعني غياب الأمان المالي والحماية الشخصية.



● سادسا: الاضرابات التجارية هي حلقة من سلسلة إضرابات متواصلة بدأها موظفو القطاع الحكومي ولحقتها بنوك ومؤسسات خدمية وقطاع الكهرباء والصحة، وهاهو الآن القطاع التجاري يدخل حيز التنفيذ، في حال استمر النظام بصورته الحالية وأصر البرهان وسدنته للمواصلة في الانقلاب العسكرى وعدم التنحي الفعلي من السلطة سيتواصل التصعيد وصولا لإغلاق شامل يشمل قطاعات أخرى مهمة وحيوية وصولا للعصيان المدني الشامل.



● سابعا: الانتفاضة الحالية للتجار خطوة تكلفتها المالية عالية والنفسية والاقتصادية والاجتماعية تستحق أن يستجاب لها لأن أي عبث في هذا القطاع سيهدد الاستثمار والتجارة ونمو الأسواق الناشئة وخروج الآلاف من سوق العمل وربما دخولهم للسجون جراء الخسائر المترتبة عليهم.



● أخيرا: نحن مهددون بارتفاع أسعار العملات والذهب لأن عدد من هؤلاء التجار سيتخلص من السيولة التي تفقد قيمتها يوما بعد يوم، وكذلك هيمنة فئات جديدة على الاقتصاد واحتكار السيولة النقدية خارج المنظومة المصرفية ما سيولد أزمات جديدة تترتب على هذا التضييق الممنهج على التجار.



● ختاما: أمام القوى السودانية الحية المناهضة للإنقلاب مساندة بعضها البعض والتوحد التنسيقي إن لم يتمكنوا من الوحدة التنظيمية والتوجه نحو العصيان المدني الشامل الذي لا ينبغي أن يتجاوز تنفيذه ذكرى ٢١ أكتوبر المجيدة، لأن هذه التحركات المطلبية تحتاج إلى غطاء سياسي وشعبي ودبلوماسي وحماية بعزل أذرع النظام الأمنية وتشتيت جهودها واضعاف قوتها، وسيكون حينها النظام وسدنته في خانة (الميت)، كل ذلك دون ضجيج أو اعتداء، فقد أثبت الشعب أن سلميته أقوى من كل أسلحة القتل والتهديد والتدمير.

الخميس، 22 سبتمبر 2022

*قراءة في ثنايا خطاب البرهان ما قاله وما لم يقله أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة

قراءة في ثنايا خطاب البرهان ما قاله وما لم يقله أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة:




بعد عام من الانقلاب:

١. يشير البرهان لاتفاقات ومعاهدات عطل بانقلابه الإيفاء بها وجمد عضوية السودان في مؤسساتها كما فعل الاتحاد الإفريقي.

٢. يشتكي البرهان الديون الخارجية التي عطل جدولتها وقطع الطريق أمام إعفائها بانقلابه المشؤوم، بل وأوقف حتى تعديلات التشريع وهيكلة الاقتصاد وأوكلها لجماعات التخريب الإخوانية في وزارة المالية والبنك المركزي والشركات الرمادية التي تقع تحت حمايته.

٣. بعد عام كامل يقر البرهان بعجزه عن نزع السلاح وإدماج الجيوش، وتسرب كميات كبيرة منه في أيادي مليشيات قبلية أسهم هو شخصيا في تسليحها إبان عمله في دارفور، ولم يذكر البرهان أن ضحايا هذه الأسلحة المنتشرة وصلوا لما يزيد عن الألف قتيل وعشرات الآلاف من النازحين.

٤. تجنب الحديث عن القضايا الإقليمية وتحاشى الحديث في تحديد موقف السودان من أهم شواغل الأمم المتحدة كسد النهضة، والإرهاب في القارة والإنقلابات التي أعادت الجنرالات لقطع الطريق أمام الديمقراطية.

٥. تحاشى التعرض للقضايا العربية كالقضية الفلسطينية ولم يشر حتى لموقفه من التطبيع، وقضية الانتهاكات المتكررة على القطاع والضفة، ولم يمر من قريب أو بعيد نواحي قضية الانتهاكات المتكررة على المسجد الأقصى.

٦. لم يقو على إيراد سطر واحد عن أهم القضايا الدولية التي تشغل العالم وموقف السودان من انتهاكات حقوق الإنسان المترتبة عليها والحرب الروسية على أوكرانيا، ولم يبدي حتى أسفه أو يعرب عن قلقه إزاء التهديدات الأممية للسلم والأمن الدوليين.

٧. حسنا فعل بتكراره الحديث عن الانتخابات الحرة والشفافة وضرورتها لنقل السلطة وتأكيده على النأي بالجيش عن الحوار والعملية السياسية وأن الجميع سيشتركون في الحل عدا حزب المؤتمر الوطني، إلا أنه عمليا مكن دهاقنة التنظيم وعتاة الإخوان من مفاصل السلطة في البلاد وسمح لقادة جماعات متطرفة بالعمل والنشاط في مؤسسات الدولة، بل أعاد تنظيم الإخوان في القوات المسلحة.

● ختاما: لم يفتح الله عليه يذكر كلمة واحدة عن الثورة السودانية وشهدائها، ولم يروى القصة كاملة كما قال أبو هاجة، لأنه يعلم بأن الله يسمع ويرى، وأن جميع ما ارتكب من فظائع وانتهاكات وقتل وتعذيب وتشريد واغتصاب وسحل وترويع جميعه مسطور، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.

• وقد دمدم الله على هذا الجنرال بذنبه ويسره للعسرى وهي آخر غمراته وسكراته وفي ذلك يسر له البطانة المشؤومة التي لا تريه إلا ما يرى، ولا تهديه سبيل الرشاد، فكلهم ضالون مضلون، ستلاحقهم لعنات الشعب والناس أجمعين.

خالد مقلد

الاثنين، 19 سبتمبر 2022

خلافات العسكر ومناورة تسليم السلطة

خلافات العسكر ومناورة تسليم السلطة


● باتت خلافات العسكر حقيقة ماثلة تتصاعد وتهبط وكذلك خلافاتهم مع المدنيين، وقد حدثت الشقة فعلا وتزايدت الخلافات بين الثنائيات المدنية والثنائيات العسكرية والثنائية المزدوجة بينهما، وأولى الأسباب التي قادت لذلك هو تحفيز جهات مدنية للمؤسسة العسكرية بعدم الإيفاء بالتزاماتها في انتقال السلطة المدنية في نوفمبر ٢٠٢١م، وحثهم على الانقلاب في أكتوبر ٢٠٢١م، وصوروا لها بأنهم بمقدورهم عزل من سموهم مدنيين متسلطين مسيطرين على السلطة وإقامة نظام أوسع بصورة تكفل مشاركة الجميع لم يقووا على تكوينه بعد سنة تامة.


● انتهى بهم الأمر بدكتاتورية آحادية قابضة لا شريك لها سوى موظفي السلطة الانقلابية، الأمر الذي قاد لما نحن فيه من خراب وتردي معيشي وانهيار في منظومة الدولة والاقتصاد والأخلاق والقيم والمثل.


● الأمر الثاني هو التضليل الذي مارسه مدنيو وعسكر النظام البائد بحملات منظمة اكتشفتها الحكومة الانتقالية وخاطبت بها منصات دولية كفيسبوك لإغلاقها، الأمر الذي قاد لفتن بين العسكر فيما بينهم، والمدنيين فيما بينهم، وقسم الولاءات القومية لتتجزأ وتصبح ولاءات أولية إثنية قبلية ضيقة محتربة.


● هنا لم يدخر أصحاب الأموال والفساد جهدا بمحاولاتهم صناعة واقع جديد فيه اصطفافات داخل هذه المؤسسات المدنية والعسكرية واستغلال حمية القبلية والاثنية لتوسيع شقة الخلاف، الأمر الذي وصل لدرجات التصريح العنصري، والتحشيد القبلي المسلح.


● الحالة الآن فوضوية وعلى شفير اندفاع الجميع نحو مواجهات عدمية واندلاع مواجهات خاسرة بين أطراف عسكرية تمدنت وأخرى مدنية تعسكرت، سيضيع بين ججري رحاها مواطنون عزل وأبرياء.


● الحديث عن تسليم السلطة في السودان أضحى واحدة من كروت المناورة السياسية التي يتم بها خلط الأوراق السياسية كلما ضاق الخناق على العسكر، وهنالك من المدنيين من يوعزون للعسكر بعدم تسليم السلطة لأن هذا الإجراء مسألة حياة أو موت، وأن الأقدام على هذه الخطوة بمثابة انتحار وتقديم رؤوس العسكر للمشانق.


● ولذلك رأينا مناورات بدأت منذ سبتمبر ٢٠٢١م، بأن التسليم لن يكون إلا لجهة منتخبة ومن ثم أتى الانقلاب، وتدرج الأمر وصولا إلى عدم التسليم إلى لحكومة متوافق عليها، وها نحن نشهد اليوم تكرار ذات العبارات بنبرات تتفاوت حدتها.


● لقد صرح رئيس مجلس السيادة في ٤ يوليو بأنه سينأى بالمؤسسة العسكرية عن الحوار، ولكنه أوغل في العملية السياسية والتنفيذية في الحكومة باتخاذ إجراءات وقرارات ليست من اختصاص العسكر، وصرح مباشرة لرئيس حزب الأمة القومي المكلف بأنه لن يسلم السلطة إلا لجهة منتخبة.


● إلا أن نائبه ظل يؤكد على الدوام بضرورة التسليم للسلطة والانسحاب كليا من العملية السياسية برمتها، وهو ما زاد من حدة التوتر والخلاف بينهما، وهو الأمر الذي يؤكد أن تسليم السلطة للمدنيين تقاومه عدة جهات منها: قيادة الجيش، وسدنة الانقلاب من قوى اعتصام القصر، وفلول النظام السابق، وبعض أجهزة مخابرات الدول والشركات التي يحتفظ قادة الانقلاب لهم بمصالحهم في السودان.


● ختاما: ما ينبغي العمل عليه بمهة والسير نحوه بجد هو خروج العسكر بالتمام والكمال والعدة والعتاد والمهام والمهمات من العملية السياسية، وكذلك وجوب إخراج كوادر سياسية أقحمها التنظيم المباد في المؤسسة العسكرية تهدد الآن وتتوعد الشعب، ووجوب كف أيادي الساسة ومخابرات الدول الذين يحاولون تقديم العسكر للعب دور سياسي واستغلالهم بصورة انتهازية نشهد فيها إصرارهم على ضرورة شراكة العسكر في السياسة.

السبت، 17 سبتمبر 2022

بيع أصول النقل النهري قتل لقطاع النقل وتدمير للبلاد

بيع أصول النقل النهري قتل لقطاع النقل وتدمير للبلاد


● تسبب نظام ٣٠ يونيو ١٩٨٩م في تبديد أصول البلاد الاقتصادية وتدمير بناها التحتية ما ألحق ضررا بالغا في قطاعات عدة، أكثرها تأثيرا قطاع النقل الذي تأثر ببيع الخطوط الجوية وخط هيثرو وتدمير أطول خط سكك حديد في القارة، وخصخصة الخطوط البحرية السودانية والعبث بالنقل النهري للدولة الذي يربط شمالها بجنوبها في أطول المجاري والمحطات المائية الأفريقية ما تسبب في ضيق مواعين النقل النهري والسكة الحديدية وانعدام الطائرات والسفن الوطنية.


● عكفت حكومة الفترة الانتقالية على ملاحقة تلك الأصول الثابتة والمنقولة وتتبع إجراءات تمليكها للغير، الأمر الذي قاد إلى العثور على عمليات فساد تقف عليها مؤسسات وشركات وأفراد بعضهم من السودان وآخرين أجانب، وفور استرداد تلك الأصول واستخلاصها من جماعات تدمير الإقتصاد الوطني شرعت الحكومة في وضع مشروع لتجديد السكك الحديدية والخطوط البحرية والنقل الجوي والنقل النهري، كل ذلك كان غاية منتهاه تطوير قطاع النقل.


● فيما يخص النقل النهري وجدت لجنة التفكيك أن أصوله قد تم الاستحواذ عليها لصالح شركة لا سجل وطني لها ولا أجنبي، امتلكت جميع أصوله بموجب عقود مجحفة وصفقات فاسدة، وقد أودع النائب العام لجمهورية السودان وقتئذ توصية بضرورة اتخاذ قرار باسترداد أصول هذا القطاع المنقولة والثابت والأرصدة، الأمر الذي عنى للبلاد والعاملين في النقل النهري استعادة شريان من شرايين الحياة ورحبوا به غاية الترحيب وأكدوا على الفوائد التشغيلية والاقتصادية التي تحققت من خلال استخدام النقل النهري، واستعادة أصوله وتشغيله.


● تدفقت عمليات الترحيل لدولة جنوب السودان بعقود تدر على البلاد ملايين الدولارات جراء نقل الأدوية والأغذية والوقود، الأمر الذي شمل التأثير على إمدادات الزراعة والصناعة في البلدين ونقل المواد الخام والتقاوى والمحاصيل والأسماك والمواد السمية لمكافحة الآفات من وإلى البلدين.


● كما أدى تشغيل هذا القطاع واسترداد أصوله إلى الانتعاش تجاريا وبصورة رسمية الأمر الذي أدى لتقليل عمليات التهربب للسلع الاستراتيجية ونشاط التجارة الحدودية  الرسمية بين البلدين ما انعكس على تجديد وتوطيد الصلات مع جوبا وملكال، ناهيك عن الآثار الاقتصادية التي كانت مترتبة على هذا العزل، فقد كانت هائلة ومدمرة لنمو القطاع، وأعاقت التطور في البلدين.


● وقد وفرت عمليات النقل النهري الكثير من الوقود والتكاليف وقطع الغيار، والمحروقات لأنها أرخص كثيرا من العمليات الجوية والبرية، وتعتبر وسيلة أكثر فعالية فيما يتعلق بالنقل، في ضوء انعدام البنى التحتية للطرق البرية المناسبة بين السودان وجنوب السودان.


● وقد مثلت عودة النقل النهري فرصة للاستفادة من الأسطول الموجود في نقل الإغاثة التي يقدمها برنامج الغذاء العالمي لدولة جنوب السودان، إذ تعاقدت الحكومة السودانية مع الأمم المتحدة لنقل المواد الغذائية والإغاثية التي توفرها الأمم المتحدة لدولة الجنوب ما يحقق مكاسب مادية للبلدين، ويكفل تيسير وصول الطواقم الأممية والعاملين في مجال تقديم المساعدات الإنسانية وإيصال الإمدادات الجديدة بصورة مستمرة ومتواصلة لا تتأثر بأي ظرف من الظروف الطبيعية أو المناخية.


● كما أن عددا من المشروعات الاستراتيجية في الجنوب وخصوصا شركات النفط تعتمد في ترحيل المعدات والأدوات والمواد الخام على أسطول السودان النهري، الأمر الذي يحقق أحد أهم الموارد المالية بالنقد الأجنبي للاقتصاد السوداني، ويسهم في تسريع عمليات التطور ونقل معينات تشييد المشاريع الاستراتيجية في دولة الجنوب.


● وقد ساهم تشغيل النقل النهري في تطوير المجاري المائية الداخلية وتوفير أعلى درجات الأمان للناقلين، بحيث ازدادت المحطات التشغيلية على طول المجرى المائي الأمر الذي أدخل قطاعات عمالية جديدة في كافة عمليات النقل من تقنيين، وميكنة، وتشغيل، وعمال، وكلات شحن وتفريغ، ومرافق خدمية تشغل الآلاف على طول مجرى النيل الأبيض من البلدين.


● ختاما: إن محاولات إرجاع تلك الأصول لعامل اللحام المصري يسري فاضل ليبيعها بدوره كخرده لصهرها، ما هي إلا محاولة لتصفير جهود الحكومة الانتقالية في تطوير قطاع النقل والتي عكف عليها الوزيرين السيدين هاشم ابن عوف وميرغي موسى، ما يعني تدمير البلاد وبنيته التحتية، وإرجاعه إلى عهود العزلة الإقليمية والارتهان للخارج، وهو محاولات لتمكيل أسطول النقل البري المصري للوصول من أقصى شمال البلاد إلى جنوبها للتحكم استراتيجيا في مدخلات انتاج البلدين، لأن هذا سيقطع الطريق أمام اتفاقات تعاون إقليمي ودولي في مجال الأمن المائي والعلوم والتكنولوجيا والطاقة والنقل النهري وصيد الأسماك عكف الوزيران على تطويرها، وهو ما سيوقف تسريع التكامل السياسي والاقتصادي بين بلدينا التوأم السودان وجنوب السودان، وربما أدى ذلك لانتعاش التجارة السوداء خارج الاطر الرسمية وتوفير فرص التهريب والتهرب الضريبي وتمكين جماعات مجهولة من السيطرة على التجارة الحدودية وقطع الغوث الإنساني الدولي لجنوب السودان، وهو ما سيدفع دولة الجنوب لاتخاذ طرق ومعابر ووسائل لا صلة لها بالسودان، حينها سيخسر السودان ريعان ماديا وعمقا استراتيجيا وجوارا أخويا.

الثلاثاء، 13 سبتمبر 2022

المحاولات البرهاوية لكسر الإرادة القوية

المحاولات البرهاوية لكسر الإرادة القوية


مدخل:

● يروى أن أحد الأنصار كان يعمل طهارا يختن الأطفال، وعندما أسلم سلاطين باشا قام بتطهيره، إلا أنه بعد عودته غازيا مع جيش كتشنر أول ما أمر به سلاطين هو حلاقة سعر رأس ذلك الطهار "صلعة"، الأمر الذي قابله الطهار بسخرية قائلا: " يا سليطين النعيل، الزينتها ات بتقوم لكن الزينتها أنا للقيامة ما بتقوم". قلنا المُلحة دي ليه؟؟


● وجاء كتشنر من بعدها فمنع لبس الجبة والعمامة الأنصارية وحظر قراءة الراتب وقال هذه كلها دفنتها مع المهدي وخليفته، ومن يفعلها أو يرددها سأدفنه معها، واليوم بعد مائة وأربعة وعشرين عاما، ترفرف رايات تلك الدعوة وتتعالي الهامات بالعمائم، ويصدح الأنصار بالراتب، ويتزيا الشباب بالجبة كأزهى حلة حتى ممن هم غير أبناء الأنصار، وهاهم صامدون ضد الطغيان والبطش والاستبداد ودكتاتورية كتشنر الأسمر.


● في الوقت الذي تُدجج فيه قوات مختلطة تضم أرتالا من الأجهزة النظامية الإنقلابية، وتملأ خزانات مركبات الدفع الرباعي بالوقود لتزدحم بهم طرقات العاصمة، وتجهز أسلحتها الخفيفة والمتوسطة، والمضادة، وتصرف لهم نثريات المهمة والاستعداد، كل ذلك من أموال مقتطعة من قوت هذا الشعب، وهناك من يئن مدهوسا تحت إطاراتها، أو مصابا بطلقاتها أو مسجى في قبره شهيدا، أو في المجهول فقيدا.


● يظن الإنسان خيرا إلا أن بعض الظن إثم، يظن أن تلك القوات التي رتبها التي على أكتافها من خير أكتاف هذا الشعب، تريد أن تصون البلاد وتطهرها من جماعات الفساد والافساد، وتتجه لدك حصون العدو الذي تطأ قواته أراضينا، ولكن يرتد  الظن أسوأ مما ساء إلينا التقدير وهو حسير، لأن البرهان لا يمكن أن يصدر أوامره أو يراقب قواته إلا وهي تتجه لانتهاك حقوقه وحرماته، أولم يتلذذ بمشاهد القتل والسحل والتعذيب والاغتصاب في حرم القيادة العامة.


● قوات برهاوية تنشط بتلك الصورة العشوائية والهمجية والرعناء بالاعتداء على الشباب والمراهقين والأطفال، تنزلهم وتذلهم من المركبات العامة ومن عربات الترحيل ومن حجور أمهاتهم لتحلق لهم رؤسهم على قارعة الطريق، وتقطع طريق المارة تجز شعورهم، وتنهب ممتلكاتهم ومن ثم تدون بلاغاتهم ضد مجهول.


● القاعدة الذهبية المجربة التي علمتنا لها شوارع ومدن وحواري وطننا السودان تقول: "أن كسر الإرادة بالعنف لن يكسر إلا دائرة العنف"، فحينما جرب معنا النظام الإخواني هذا النموذج بصورة أعنف وأبذأ في معسكرات الخدمة الإلزامية والتجنيد القسري والمعتقلات والسجون، كان يحاول تعبئتنا بالعنف وتجييشنا لصالح مشروعه العنيف أو المشروع المضاد له، ولكنه فشل.


● خرجنا من تلك المعسكرات ونحن نعرف كل صغيرة وكبيرة عن أيدولوجيا المشروع الواهمة، وممارساته التافهة وسياساته العنصرية المقيتة، واتجهنا فور التخرج صوب أركان النقاش، لتفكيك تلك الفكرة وهدم أركان ذلك المشروع باستراتيجات كسر دائرة العنف باللاعنف، وهزيمة قوة السلاح بالقوة الناعمة وردع منطق القوة بقوة المنطق.


● إن لهذا الشعب جينات عزة وأنفة وشموخ وكبرياء في جنبات من ولدوا في التسعينيات وتربوا وتعلموا في كنف فرعون زمانه (عمروت)، جعلت منهم أفتك الأسلحة بالنظام الأستبداي وأمضى سلاح في أيديهم صفقات أكفهم البيضاء، وضلوع صدورهم العارية التي تتحدى الرصاص، وصيحات حناجرهم التي تشق عنان السماء تشهد الله وملائكته والناس أجمعين على حب هذا الوطن وشهدائه.



● إن أكبر العقبات التي تحول دون إبرام إتفاقات سلام أو مصالحات أو تسامح أو تعايش، هي عمليات الإذلال الممنهج والإهانة التي يتم تدريب قوات نظامية لارتكابها في حق الشعوب، لأن الأمر يخرج من كونه صراع أخلاقي حول مشروعات متضادة إلى غبائن شخصية يحمل بها المجرم ويتحملها المجني عليه، لذلك ليس لنا أن نحلم بسلم اجتماعي في القريب العاجل أو بناء سلام لنكسر به حلقات الصراع الموروثة ونكرس به قيم الإخاء والوفاء المدروسة.


● أي دولة لا تحترم إرادة شعبها الحر دحرت وغلبت وانقلبت، وأي امتهان لكرامة أي إنسان كونه من بنووة آدم عليه السلام، هو استدعاء لتجديد الحروب والنزاعات والعدوان، وها نحن نرى دعوات للتسلح كرد فعل لممارسات قوات الإنقلاب في الخرطوم، وهو أمر سيجلب للبلاد والعباد شررا مستطيرا.


● حاول هؤلاء الشباب تطهير صحائف قواتهم النظامية من الجرائم التي استغلهم المخلوع البشير بارتكابها، من قتل وحرق للقرى وقصف للمدن في دارفور واغتصاب وجرائم ضد الإنسانية النيل الأزرق وكردفان، واعتصموا في ٦ إبريل ٢٠١٩م أمام القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة التي صارت فيما بعد القيادة العامة للقوات المسلحة لتصبح (ق ش م) (ق م س)، وظن السودانيون أنهم طهروا تلك الصحائف وأودعوا مجرمها الأكبر في سجن كوبر.


● إلا أن الايام أثبتت بما نشهده من فظائع ترتكبها هذه القوات، أن هناك سياسية متبعة واستراتيجية محكمة لتبغيض جنس هذه القوات وشيطنتها في العقل الجمعي للشعب السوداني، وهو الأمر الذي سيتخذه الدكتاتوريين مدخلا للهيمنة على البلاد ومطية لنهب ثرواتها واستخدام هذه القوات أداة طيعة لتركيع الشعوب، ولكن وارد أن يأتي هذا بنتيجة في أي مكان إلا في السودان.


● ختاما: أذكر البرهان وسدنته وطباليه وصحفييه وصحّافيه، أن سلاحنا الفعال الذي هزمنا به مشروع الجبهة الإسلامية في أطوارها المتعددة هو "السلمية"، ولكنهم هاهم يحاولون جرنا لمربع "الذئاب المنفردة"، وبذر أفكار الانتقام الشخصي ممن يرتكبون الفظائع في مواجهتنا، لذلك علينا أن نعض على سلميتنا بالنواجذ، فإن هذا الشعب عصي على الكسر، وجيناته الموروثة من أسلافه أقوى من القهر ، وليعلم الجبناء أسلاف الخديوية أن يوم الحساب آت، فإنهم يرونه بعيدا ويعدون له ساعة صفر، وما علموا أن ميقات الشعب قريبا، أولم تكن إرادة الخلق من إرادة الحق؟، وأن ساعة هذا الشعب ما عادت تضبط بتوقيت جرينتش أو دبي أو القاهرة أو مكة، وإنما مضبوطة بتوقيت الثورة السودانية وإن كان ثمة ساعة صفر، فليدق الجبناء أجراسها ويتخفوا خلف البنادق ويتحسسوا أسلحتهم التي أودعوها مؤخراتهم، حينها سنقول: (داك الجمل وداك الجمالي)، ويا الحوري: (الزينها العسكرى بتقوم إلا الزينها الشعب السوداني ما بتقوم)، وطيارتها لن تحوم، وستنعق في كوبرها كالبوم.

انتهى..


عروة الصادق


التاريخ: ١٣ سبتمبر ٢٠٢٢م.
المحطة: البقعة.

___________
@orwaalsadig

الأحد، 11 سبتمبر 2022

البرهان والبحث عن مايك البشير الدولي

البرهان والبحث عن مايك البشير الدولي


● أصبحت الجمعية العامة للأمم المتحدة محفلا لاكتساب الشرعية ونيل الدعم بالإعتراف الدبلوماسي، الأمر الذي حفز طغاة العالم على مر الأيام والعصور لتحين الفرص والمشاركة في فعالياتها لنيل فردوسهم المققود، فمثلما نرى رئيس مثل الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي يشارك في اجتماعات «الجمعية العامة» متحديا عقوبات «حقوق الإنسان»، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نشاهد مدى نشوة الجنرال البرهان الذي يشارك في أعمال الدورة السابعة والسبعون من اجتماعات الجمعية العامة.


● ظل العالم يضرب حصاره على الطغاة بصورة انتقائية طوال السنوات الماضية، وقد شهدنا على تغاضيه عن للممارسات الإسرائيلة وتجاوزاتها الصارخة لمعاهدة جنيف الرابعة واستخفافها بالقرارات الدولية، ولعل ذلك ما حفز الجنرال البرهان للمشاركة في هذه الدورة، بحثا عن مايكروفون يصرخ به أمام العالم بأنه منقلب على ثورة خاطب رئيس وزرائها هذه الجمعية بفخر واعتزاز إلا أنه أودعه الإقامة الجبرية بعد الانقلاب عليه وضيق عليه وسحب سلطاته حتى خرج من البلاد نافذا بجلده.

● هذا الميكروفون ظل المخلوع الجنرال البشير يبحث عنه لثلاثين عام، حينما استعصى عليه الوصول إليه استعاض عنه بأخرى محلية، أشد صخبا وضجيجا، وظل سدنته يحشدون له البسطاء ليرغي ويزبد أمامهم، ويهدد ويتوعد الأسرة الدولية وأهمها المتحدة، ومحكمتها الجنائية، ويقل فيهم ما لم يقله مالك في الخمر، وعلى ذات النهج يسارع البرهان لتلقف هذا الميكروفون.

● وسيواجه البرهان واقعا جديدا في الجمعية العامة، ومجلس حقوق الإنسان على وجه الخصوص، إذ أن المفوض السامي لحقوق الإنسان الجديد النمساوي فولكر تورك أمامه ملفات موروثة من سلفه ميشيل باشليت مثقلة بانتهاكات برهاوية لحقوق الإنسان في السودان، وفولكر هذا ليس كفولكر بيريتس، لأنه من الذين عملوا على تأسيس المحكمة الجنائية الدولية، وله رأي أشد وضوح وصرامة فيما يخص الانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية.


● ينبغي أن تعلم الجمعية العامة للأمم المتحدة والدول المشاركة فيها، أن وفد السودان الذي يقوده الجنرال البرهان رئيس إنقلاب ٢٥ أكتوبر لا يمثل إلا سلطة الأمر الواقع، التي رفض الأفارقة التعامل معها وجمدوا عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، واستغل الجنرال رئاسة السودان لمنظمة الإيقاد في دورتها الحالية التي يرأسها السودان منذ عهد رئيس الوزراء د. حمدوك ليجعل البرهان من المنظمة سكرتارية شخصية تمهد للإنقلاب الطريق نحو الاعتراف الإقليمي.


● وقد حرم هذة الجنرال السودان من التمثيل الحقيقي، ومنعه بأن يشارك بصورة فعالة وصادقة، فلا تمثيل سوداني لجلسة الاستماع السنوية للبرلمانيين الذين يحضرون دورة الجمعية العامة، ولا حضور لوزراء بقامة السودان، ولا مشاركة تسعد السودانيين بعد فرحتهم العارمة بعودتهم المشرفة لأروقة الأمم المتحدة في عهد الحكومة الإنتقالية.


● وبهذه المشاركة يعتقد الجنرال أنه كسر الطوق، وحجم حيز الأصوات الرافضة لانقلابه، وهو إمعان في الجهالة والتجهيل للمجتمع واستغباء للأسرة الدولية، والتي يرى كثير من قادة الدول بضرورة اتخاذ قرار بالتصويت في الجمعية العامّة لطرده، ولأن الجمعية العامة يمكنها تخطي النقض الروسي في مجلس الأمن بالحصول على أغلبية، ولكني أرى أن شواغل العالم ستكون أكبر من طرد البرهان من اجتماعات الجمعية وسيظل الشأن السوداني في ذيل أولوياتهم.


● سيظل ميثاق الأمم المتحدة هو المرجعية لسلطة للجمعية العامة، وبه من النصوص ما يؤكد ضرورة تعزيز دور الجمعية العامة وسلطتها، إلا أنها ظلت رهينة للاصطراع الدولي، والتنافس الإقليمي، ومقيدة عن الإطلاع بدور فعال، وانحسر نشاطها الغوث المحدود والشجب والإدانة للانتهاكات وجرائم الإرهاب والهجمات العنيفة وجرائم العدوان على الشعوب.


● ختاما: حضور البرهان وسدنته لاجتماعات الجمعية العامة لن يغير واقع عدم شرعيته، فقد قدمت بعض دول العالم في خمسينيات القرن الماضي دعمها لجنرال انقلابي كالبرهان، الجنرال إبراهيم عبود الذي خطى عدة خطوات نرى البرهان يسيرها ويجاوزها بفظاعة الانتهاك وسوء الممارسة ومع ذلك اقتلعه الشعب بثورة شعبية في ١٩٦٤م، تلك الخطوات هي:

١. إن الجنرال عبود عطل الممارسة الحزبية بما فيها نشاط حزب الاستقلال واحتكر القرار السياسي في البلاد، وعمد البرهان إلى اعتقال كل خصومه السياسين وملأ المقابيء والسجون وأماكن الإخفاء القسري بمئات الضحايا.

٢. بعض الدول كمصر قدمت التأييد لعبود واعترفت بالانقلاب في اليوم الثالث له عبر اعترافها الدبلوماسي، لحقتها في ذاك إثيوبيا والسعودية وفرنسا والسعودية والعراق والتاريخ لا يرحم، فهاهو الأمر يعاد ومصر تبرز كأولى الدول دعما لتحرك العسكر ودعما لسلطة إنقلاب البرهان.

٣. ظل عبود يحكم بقانون الطواريء لمدة ٦ أعوام، أقال خلالها زملاء الانقلاب في المجلس العسكري منقلبا عليهم في مارس ١٩٥٩م، وفعل ذات الشيء البرهان بتجريفه المؤسسة العسكرية وتصفية عناصرها، آخرهم من نفذوا معه إنقلاب ٢٥ أكتوبر. 

٤. لقد وصل عدد الضحايا في الاحتجاجات ضد عبود طوال فترة حكمة إلى حوالي ١٠٠ شخص منهم ١٢ في مجزرة المولد الشهيرة ضد الأنصار، وتجاوز عدد الضحايا في عهد انقلاب البرهان أضعافا مضاعفة من الضحايا والمشردين والمفقودين والنازحين.


• لكل ذلك سيظل الجنرال مستمرا في لا مبالاته ومعضدا حكمة حاشدا التأييد الإقليمي والدولي، ولكنه لن يستطيع تقديم شيء مفيد للسودان، ولن يستعيد ما بدده من مكتسبات اقتصادية وسياسية ودبلوماسية، لأنه أبعد ما يكون عن التعقيدات الدولية ودليله في ذلك غربان أوردوا المخلوع من قبله قوائم الحظر الدولي، وجلبوا للبلاد عقوبات أضنت المواطنين، ووصمات جعلت الجواز السوداني حمله جريمة واتهام بالارهاب.


• إن الجمعية العامة للأمم المتحدة ليست كرسي وثير ومايكروفون وسماعات للترجمة وإنما فرصة لتقديم البلدان لما يميزها وتسويقها في المجالس الاقتصادية والاجتماعية والبيئة ومجلس حقوق الإنسان واجتراح الحلول للأزمات وتقديم التوصيات، فكيف للبرهان أن يرفع يديه الملطختين بالدمام أمام تلك الأمم، وكيف له أن يؤكد لهم أن الديمقراطية هي السبيل الأوحد لتحقيق الاستقرار في إفريقيا، وكيف له أن يعاضدهم ويتفق معهم في مكافحة الإرهاب والغلو والتطرف، وهو الذي أطلق حبل الجماعات الإخوانية والتنظيمات المتطرفة على قارب البلاد، كيف له؟ وكيف؟ ففاقد الشيء لا يعطيه.

________
@orwaalsadig

الإضراب حق

الإضراب حق

● إن حق القطاعات المهنية والفئوية والعمالية في الاضراب مكفول في السودان بموجب نصوص الوثيقة الدستورية التي حذف الإنقلاب بعض فقراتها وعطل العمل بأحكام بعض بنودها، وتحميه الاتفاقيات الدولية والصكوك الأممية.

● ويعد الإضراب أنجع الوسائل لرفض الأوضاع المهنية المهينة، وهو أهم طرق الاعتراض على تردي أوضاع بيئة العمل وتدني الأجور والمرتبات، وأنسب سبل الاحتجاج على سوء الخدمات، كما ظل الاضراب أقوى وسائل المقاومة السلمية والاحتجاج والاعتراض على عسف الأنظمة الدكتاتورية.


● إن أقوى عمليات الاضراب هي تلك الإضرابات الفئوية والقطاعية والمهنية، ويعد المعلمون والأطباء والقضاة هم رأس الرمح في عمليات الإضراب التي تؤثر بصورة مباشرة على سير العمل في دولاب الدولة، فتتأثر قطاعات كبيرة بذلك الاضراب وتختل موازين الحياة الطبيعية، وتتعطل الكثير من المرافق والمؤسسات، الأمر الذي يقود إلى شلل كامل في الدولة.

● كما أن هناك مستوى آخر من الإضرابات ويعد أخطرها وهو إضراب قطاع النقل البري والبحري والجوي والذي يؤثر في عمليات السفر والتنقل لمئات الآلاف ويشل الأنشطة التجارية والاقتصادية والاجتماعية والأكاديمة .. الخ، وهو ما سيكون حدوثه قريبا، حال استمرت السلطات في تحميل المواطن فواتير باهظة الثمن في الوقود والمحروقات والسلع.

● وتصوير المضربين بأنهم مهملون أو لا مبالون بحياة وخدمات المواطن، فهو أمر مجحف ومجاف للحقيقة، فمعلوم أن لكل إضراب أسس ووسائل ودرجات تنفيذ، بما يحقق إيصال الصوت الاحتجاجي ويحفظ انسياب الخدمة، كما ظللنا نشهد عمل خدمات الطواريء والحالات الحرجة في المستشفيات في ظل قيام الاضراب، وتشغيل محطات التحكم في قطاع الكهرباء بعناصر الطواريء.

● وباستمرار الانقلاب لن تتوقف الاضرابات الاحتجاجية فما شهدناه من إغلاق لسوق كسوق مدينة سنار وتمبول والحصاحيصا ما هو إلا قمة رأس الجليد، احتجاجا من قطاع واسع كالتجار على ارتفاع قيمة الضرائب المفروضة عليهم، وتدني خدمات الكهرباء والصحة، وما تكرر من اضراب لموظفي وزارات اتحادية وولائية لن ينته، وليس أمام السلطة إلا احترام الحق في الاضراب الذي ما زال مكفولا فيما تبقى من وثيقة دستورية ممزقة ويعتبر الحق في الاضراب محمي أيضاً بموجب الاتفاقيات الدولية أو الاقليمية التي صادقت عليها البلاد.


● فيما ستحاول السلطة الانقلابية الاستعانة بكتائب ظل النظام البائد، وتشغيلهم لسد النقص في عدد من المجالات، الأمر الذي ثمنه هو إرجاعهم للخدمة وإلقاء قرارات الفصل في مواجهتهم وتمكينهم من مفاصل الحكومة ومؤسسات الدولة، وهو الأمر الذي سيصطدم بجدر المقاومة السلمية في تلك المؤسسات وسيجعل من فلول النظام البائد أدوات عنف وانتهاكات كما شهدنا ذلك إبان عهد المخلوع.

● ختاما: ستظل سلطة الانقلاب عاجزة عن إنهاء هذا الاضراب المتصاعد، ولن تقو على إيقاف سلسلة الإضرابات القادمة لأن ليس بيدها شيء تقدمه، فنحن على أعتاب نهاية عام كامل من الانقلاب ولا زال والوضع الإقتصادي والإنساني والسياسي والأمني يتدحرج إلى الوراء، فيما تغوص البلاد في دماء الضحايا وتغرق في الأزمات التي خلفها البرهان وزمرته، وهو الأمر الذي سيحفز تلك النقابات واللجان التسييرية والتجمعات المهنية للتصعيد وصولا للعصيان المدني الشامل والاضراب السياسي العام.


________
@orwalsadig

11 سبتمبر لحظة ميلاد الدمار

11 سبتمبر لحظة ميلاد الدمار

● لقد شاهد العالم بذهول الهجمات المروعة على نيويورك في أحداث 11 سبتمر، والطريقة التي كانت تستخرج بها العظام والأجساد المحترقة في برج التجارة العالمي، ومشهد الطائرتين وهما تصطدمان بالبرج، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة تأخذ منعطفاً كبيرا  وأن تنحو لإتجاه غريب جداً على كل الأصعدة السياسية والأمنية والاقتصادية والقانونية وسياسات الهجرة والأمن الخارجي، بما في ذلك إعلان الحرب على الإرهاب.

● كما أوجدت أحداث 11 سبتمبر بعض الإهتمام بالتطرف والتعريف بالجماعات الإرهابية، ووقتئذ تم ترميز لرجالات تنظيم القاعدة، ومنحهم صيتا قويا، ما جعل لأنشطتهم متابعة كبيرة ولأصواتهم علوا ودويا، واستمر الأمر إلى أن تناسل التنظيم ليلد داعش وأخواتها، وكانت بمثابة لحظة ميلاد المشروع الذي اجتاح العالم من أفغانستان شرقا إلى اليمن في الجزيرة العربية ودرنة الليبية في المغرب العربي، وبوكو حرام النجيرية في القارة الأفريقية.

● ويمكن القول بأن هجمات سبتمبر 11 العام 2001م أسوأ أعمال الإرهاب على الأراضي الأمريكية حتى الآن، بل أشنع فعل يمكن أن ترتكبه جماعة إجرامية بعد ضرب القنبلة النووية على هيروشيما ونجازاكي.

● وقد كانت تلك الهجمات صاعقة ومباغتة، فقد صرحت مستشارة الأمن القومى - كوندوليزا رايس وقتها قائلة:   "لا أظن أن أحدا كان بأستطاعته أن يتنبأ أن هؤلاء الناس سيأخذون طائرة و يصدمونها في برج التجارة العالمى"، الأمر الذي بين قصر النظر، ومحدودية الاحتمال الأمني الأمريكي.

● وتمخض عن تلك الهجمات على نيويورك  مقتل الآلاف، الأمر الذي أدى فيما بعد إلى زيادة في حالات الإصابة بأمراض القلب وسط الأمريكان، إذ مثلت تلك الهجمات أقسى درجات الإفزاع فبعد صدمة هجمات سبتمبر 2001م خشي الجميع من انهيار الاقتصاد الأمريكي وصارت دول وشركات وأشخاص يحاولون الفرار بأموالهم منها.

● ولا تزال تلك الهجمات ماثلة في أذهان الجميع وقد غيرت 11 سبتمبر صنع النماذج الأمنية في فكر كثير من الدول والأشخاص ومراكز الأمن والتخطيط الاستراتيجي، فالهجمات الإرهابية على نيويورك وأماكن أخرى أفرزت تهديدات وتحديات عالمية جديدة.

● فقد اعتُبرت الهجمات على نيويورك وواشنطن عدواناً على السلام وأدت إلى إظهار تلقائي للتضامن الرسمي والشعبي والدولي بشأن ضرورة إعداد الآليات الأمنية والقانونية والسياسية اللازمة لمحاربة الإرهاب وإيجاد سبل التعايش المتناغم والتسامح الحقيقي بين جميع الشعوب.

● ومنذ ذلك الوقت طفق المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما يؤرخ لبداية سقوط المشروع الإسلاموي بالهجمات على نيويورك وواشنطن، وتبعه في ذلك عدد من المفكرين الذين رأوا في تنظيم القاعدة أسوأ الوصمات التي أُلحقت بالدين الإسلامي وأساءت للمسلمين، الأمر الذي يستوجب ارتفاع أصوات الصحاةمن قادة العالم الإسلامي لتبيان صورة الدين الحق، وتنقيته مما شابه من شوائب.

● وبعد تلك الأحداث فعلت الولايات المتحدة سياساتها المخبأة، وأظهرت أدواتها وأسلحتها الخفية، فلم تك هذه السياسة الأمريكية جديدة بل كانت موجودة ولكن هجمات سبتمبر عجلت بكشفها للجميع وجعلت من تفعيلها أمرا واجبا، أهمها ما قامت به الوكالات الأمنية بجمع بيانات ملايين المواطنين سرًا من على الانترنت، وبدأت استراتيجية الحرب ضد إيران وكوريا الشمالية المتهمتان بدعم تلك الهجمات.


● منذ ذلك الحين وصارت سنة الهجمات الإرهابية متبعة في عدد من المناطق والدول، أشهرها ما تم في باريس وعواصم أروبية وعربية، وعلى الرغم من الاختلافات الرئيسية في طريقة التنفيذ والوسائل المستخدمة، تشترك الهجمات في باريس ونيويورك في نفس الجوهر، فكل من المدينتين تجسدان الحلم العالمي، وكل منهما ترمز للنور والحرية، وكل منهما تنتمي للعالم وليس للبلد الذي تقع فيه فحسب، ما يعني أن أي شخص يريد أن يلفت نظر العالم لن تنحصر أنشطته في مدن أو جزر معزولة بل ستكون في قلبه، وعلى المدن التي تقع في قلب العالم اليقظة والحذر.


● ولم تتوقف الهجمات الإرهابية ولن تتوقف، فقد توالت الهجمات الإجرامية في نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا،  وشكلت تحديا للإدارة الأمريكية إلا أنها لم تقرأ في السياق الإرهابي، ومن أخطر تلك الهجمات عملية كان المشتبه به فيها يمتلك أداة نووية عالية الخطورة وصنفت بأنها لا تقل  خطورة عما أستخدم في هجمات سبتمبر، وقد فر ذلك المجرم ولم يقع في الأسر، لكن السلطات تمكت من إسترجاع سلاح نووي كان بحوذته، ومثل هذا الشخص موجود في عدد من المدن والعواصم تحركه إما نزعات شخصية، أو دوافع دينية، أو زمانة الأمراض النفسية.

● ختاما:
• ستظل نيويورك هي القبلة الأممية، والبلد المضيف لأنشطة الأمم المتحدة، والمقر لعدد كبير من وكالاتها وهيئاتها، ومثلما يحج الساسة والرؤساء لمخاطبة العالم من أروقتها، وإعلان السلم والحرب من منصاتها، لن يكف الإرهابيين من اتخاذها هدفها استراتيجيا وعدوا أمميا كونه يحارب مشروعاتهم المتطرفة


• لذلك لن تكف الإدانات الدولية والشجب والاستنكار من الساسة والعلماء والمفكرين رجال الدين، فمثلما سعت هلاري كلينتون لجمع تمويل من أجل الإصلاحات في مدينة نيويورك ولتحسين الأمن في ولايتها، على العالم جمع أموال طائلة وتوفير إمكانات هائلة لتثبيت دعائم السلم والأمن الدوليين، ومحاربة الفكر بالفكر وليس بالأسلحة، فما نشهده من حروب ضد الإرهاب قد تنامت في مجتمعات أقعدها الفقر والجوع والمرض والحروب، وللولايات المتحدة وحلفائها يد في أيلولة أوضاع تلك الشعوب لما هي فيه من بؤس وعوز ونزاعات.


• نعم؛ من أوجب الواجبات هو الحفاظ على الائتلاف الدولي القوي لمكافحة الإرهاب والذي نشأ في أعقاب الهجمات على نيويورك وواشنطن، ولكن هذا التحالف لن يكون ذو قيمة أو فعالية وتأثير ما لم ينشط معه بالتوازي تحالف إنساني يخدم المجتمعات الفقيرة التي تمثل أخصب حواضن التطرف والغلو، على أن يكون ذلك التحالف مستندا على أبعاد أخلاقية تغذي مواثيق الأمم المتحدة.


 __________
@orwaalsadig

مشارح السودان ودفن مجهولين فيها

مشارح السودان ودفن مجهولي فيها


■ الصور التي ترد من مشارح العاصمة، تثبت أن آخر شيء في أولوياتنا هو آدمية الإنسان، إذ يأتي تكريمه في قاع اهتمامنا، ويتبين أن البنية التحتية لحفظ كرامة الأموات مهترئة ومتعفنة، ومن يقومون على أمرها لا يقلون تعفنا عن تلك المرافق، فهم لا يبالون أو يأبهون لحرمة أولئك الأموات الذين قدر الله أن يكونوا مجهولي الهوية.


■ إن قضية حفظ جثمان ومن ثم دفن "الشخص المجهول" الذي عثر عليه ميتاً في الشارع أو أي مكان مجهول دون معرفة هويته، أو قضى نحبه في حادث أمر طبيعي بعد استيفاء الشروط القانونية لحفظ حق المتوفي.


■ ولكن في السودان تمثل هذه القضية شأنا استثنائيا لأنها ترتبط ارتباطا وثيقا بقضية ضحايا مجزرة القيادة العامة ومففودي فض الاعتصام، وكل الأفكار تذهب إلى أن هذه محاولة من الانقلابيين لطمس فظاعة جريمة القيادة العامة.

■ وهو أمر متجاوز للأعراف والدين والأخلاق والقانون، إذا أراد النائب العام ومؤسسات الدولة دحض ظنون الناس بأنها محاولة لطمس أدلة جريمة النظام، عليهم أن يعلو درجة الشفافية ويشركوا قضاة وأطباء سابقين وتكون لجنة من الشفافية بمكان يشارك فيها لجنة الأطباء المركزية ومحامو الطواريء ولجان المفقودين بالمركز والولايات، ونقابة المحامين وأن يباشروا استيفاء كافة الشروط القانونية المعمول بها في السودان ودوليا، وجمع كل المستندات من أجهزة الشرطة والأدلة الجنائية وأن يكون هناك محاضر استلام تحتوي أسماء وحيثيات من أتوا بهذه الجثامين للمشارح.


■ وأشدد على أنه ألا ينبغي يدفن أي جثمان ليس له صورة واضحة الملامح تسهل التعرف عليه، لأن كثير من هذه الجثامين تغييرت كثيرا ويصعب التعرف عليها وبعضها تحلل لدرجة التعفن، لذلك لا مجال لدفنها دون أخذ بينات الحمض النووي، وينبغي أن يشارك في هذه الإجراءات مؤسسات دولية كالصليب الأحمر وأطباء بلا حدود وأن تمثل الأمم المتحدة عبر بعثتها في هذه الإجراءات.

■ ختاما: ستظل أي محاولة لإهدار كرامة هؤلاء الراحلين وتضييع حقوقهم تسفيه وتجاوز لما ظل ينادي به السودانيين بضرورة إكرام الضحايا والتعرف على ذويهم من الشهداء والمفقودين وحتى أولئك الذين توفوا جراء حوادث طبيعية ووجدوا في العراء، كما أن الاستمرار في محاولات طمس أي بينات سيعقد الأمور وسيزيد حدة الاحتقان في الشارع ويؤكد الظنون والشكوك التي تقول بأنها محاولة لإخفاء حقيقة أمر ما.

الشيوعي VS الأمة القومي

الشيوعي VS الأمة القومي


● إن النضج السياسي يحتم على القوى السياسية التسامي فوق الصغائر، والتحلي بالحكمة والحنكة السياسيتين، وتجاوز نوازع الذوات، وأجندة الشخوص، وتوسيع المدارك لاستيعاب مطلوبات الممارسة السياسية الرشيدة التي تنتهج طريقا ديمقراطيا يجنب البلاد تعنت العقليات الديماجوجية.

● وقد مثل الخلاف السياسي بين السودانيين لازمة سياسية مستمرة، يتصاعد ويهبط، يتبدل ويتحول بين القوى السياسية والقيادات، تارة بين التحالف الواحد، ومرة في الحزب الواحد وأخرى بين الأحزاب والتكوينات السياسية.


● وظلت هناك منظومة إعلامية ومواقع اسفيرية تنشط في تأزيم أي خلاف بين الفرقاء السودانيين، بغية إحداث شرخ اجتماعي وسياسي يقود لإضعاف الحركة السياسية، وحقيقة ليس العسكر وحدهم من يعملون على إذكاء تلك النيران، بل تساعدهم جماعات النظام البائد وحلفائه وربائبه وغباء بعض الساسة.


● كما لا يرجى زول الخلافات السياسية بين الأحزاب لأنها ليست متوحدة أيدولوجيا أو برامجيا أو تنظيميا وما بينها فقط هو مشتركات قومية تخص الوطن ولا تتعداه إلى مآرب ذاتية.

● ليس هناك بغض أو محبة أو صراع أو خصومه بين الأمة والشيوعي بقدر ما هناك سوء فهم للمواقف والتقديرات، فحزب الأمة القومي يرى بضرورة كسر الجمود بين كافة قوى الثورة والقوى الرافضة للإنقلاب وتجسير الهوة بين كافة الفصائل السياسية السودانية الحرة، وفي ذلك يسعى الأمة جاهدا ويسعد بالتواصل والاتصال لإبداء وجهة نظره وسماع وجهة نظر الآخرين، وكل ذلك يأتي في سبيل التدافع السياسي المطلوب للخروج بالبلاد من وهدتها.

● الأمر الذي استجاب له بعض الشيوعيين كالسيد الباشمهندس صديق يوسف، فيما قابله آخرين في الحزب الشيوعي بنوع من الأنفة والتأفف والإستعلاء المقيت من بعض كوادره من المتفرغين منذ الأربعينيات، والذين يتعاملون وفق بيروقراطية الماركسية اللينينية التقليدية القابضة، ويعتقدون أن الراديكالية في التعامل هي السبيل الأوفق لتحقيق الاختراق السياسي، وما يؤسف له البيان الأخير للحزب الشيوعي الذي يطالب فيه من حزب الأمة تقديم طلب مكتوب للقائه مع تحديد الأجندة، وهو أمر سيجعل التواصل بين الحزبين عسيرا إن لم يستحل التواصل بينهما.

● وإذا استمرت القيادة المتفرغة في الحزب الشيوعي بالتعامل مع قيادة القوى السياسية والأحزاب بهذه العنجهية فسيعزل الشيوعي نفسه من العمل السياسي، وبالأخص مع حزب الأمة القومي الذي تجاوز أنصاره آلام ومآسي ومذابح تاريخية ودماء كان للشيوعي وقيادته السبب وراء ارتكابها في حق الأنصار.

● وألفت الإنتباه لأن يكون التعامل بين القوى السياسية بما يعلي المصلحة الوطنية ويحقق المخرج الآمن لنجنب بلادنا ويلات الحرب والعوز والجوع والمرض، وأن نسمو فوق الأجندة الحزبية الضيقة، ونترك الفيصل بيننا صناديق الاقتراع التي يعمد بها الشعب في المستقبل من يحكمه شيوعيا كان أو أمة أو غيرهما.


● ختاما: لن يصبح الأمة شيوعيا ولن يتخلى الشيوعي عن ماركسيته، ولكن سيظل الوطن هو الثابت الأوحد، وينبغي أن يكون التداعي لأجله فريضة سياسية، وألا يكون السعي لتفتيت قواه الحية وتمزيق تحالفاته شغلا شاغلا، وسيظل مفهوما رغبة الشيوعي في التموضع السياسي ولو بالدعاية الشيوعية المعهودة، وهو ما سيحفز العداوات ضده، وسيظل حزب الأمة يواصل دأبه في سبيل الحل السياسي الشامل، إذا استجابت قيادة الشيوعي لذلك فأهلا ومرحبا، وإذا تمنعت فنقول لهم تعلموا من ماضيكم.

الخميس، 8 سبتمبر 2022

السودان وقمة الدول المتشاطئة على البحر الأحمر

السودان وقمة الدول المتشاطئة على البحر الأحمر 


(١) مقدمة

● في 6 يناير من 2020م وقّع وزراء خارجية الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن ميثاقَ تأسيس منظمة جديدة في الرياض هدفها تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والأمني بين تلك الدول، وقد أتت هذه الخطوة لأنه لم يعد البحر الأحمر مجرد مجرى مائي يصل بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط، وإنما أصبح منطقة اقتصادية واعدة يمكنها أن تجعل عملياً خطوط المنتصف البحري بين الدول المتشاطئة جسور عبور بينها.


● ومنذ ذلك التاريخ تم إقرار عقد هذه القمة التي تضم ثماني دول عربية وإفريقية هي: السودان والسعودية والأردن واليمن وإريتريا والصومال ومصر وجيبوتي، ويأتي هذا المؤتمر لرفض أي محاولات تستهدف تدويل منطقة البحر الأحمر، وتعزيز التعاون العربي الأفريقي لتحقيق الأمن في البحر الأحمر وخليج عدن، أخذا في الاعتبار لمسؤولية الدول المتشاطئة على البحر الأحمر في تأمين سواحلها، وسبل مواجهة التهديدات التي تواجه الدول الثمان في ظل توجه قوى دولية وإقليمية إلى ترسيخ نفوذها في منطقة القرن الأفريقي وسواحل البحر الأحمر.


كما أن هناك شواغل تؤرق دول المنطقة أهمها الحرب في اليمن ورغبة المملكة استئناف أنشطتها التنموية في ساحل البحر الأحمر كمدينة نيوم، الأمر الذي يتطلب إحكام التعاون الأمني بين الدول، وهناك التدخل الروسي في السودان الذي مثل كابوسا مؤرقا للغرب وحلفائه في المنطقة، تسعى جميع هذه الدول لتحجيمه، فضلا عن الرغبة الشديدة في الاستحواز على المواني خصوصا شرقي السودان وجيبوتي وموانئ اليمن.




(٢) موقع السودان

● موقع السودان وحدود الممتدة مع سبع دول وهي: مصر وليبيا من ناحية الشمال ودولة جنوب السودان من ناحية الجنوب وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى من ناحية الغرب وإثيوبيا وإريتريا من ناحية الشرق يجعله أهم دول البحر الأحمر المشاطئة للجارة السابعة المملكة العربية السعودية، وينظر الجميع للسودان بأنه مكان استراتيجي أفريقي وعربي في آن واحد، فهو العمق الاستراتيجي لمصر مائيا وغذائيا وأمنيا، والجناح الغربي للمملكة العربية السعودية، وهو بوابة أفريقيا للعرب وبوابة الأفارقة للشمال والشرق، وأهميته لأمن البحر الأحمر لا ينازع فيها بحكم موقعه الجيوسياسي.


● هذا الموقع المميز على البحر للأحمر ظل محفزا لأطماع كثير من الدول للدخول في شراكات استراتيجية على سواحل البحر الأحمر، وقد وقّع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع الرئيس المخلوع عمر البشير، أثناء زيارته إلى السودان 13 اتّفاقاً شمل عدد من المشروعات أهمها منطقة تجارة حرّة في بورتسودان، وميناء وحوضاً للسفن العسكريّة والمدنيّة في البحر الأحمر، ومخازن للحبوب في مواقع مختلفة، وجامعة ومستشفى ومحطّات للطاقة الكهربائيّة، فضلا عن ترميم بعض المواقع الأثرية وإعادة إعمار جزيرة سواكن التاريخية على الساحل.




(٣) التهديدات المحلية والإقليمية والدولية

● يعد العنف والإرهاب والتطرف أكبر المهددات على ساحل البحر الأحمر وفي دوله، وظلت الضرورة ملحة لتعيين منسقين مختصين من تلك الدول لمتابعة أعمال وأنشطة جماعات مسلحة تنشط في البحر الأحمر وتهدد ضمان حرية وسلامة الملاحة فيه، كما أن الخطر البيئي ظل من شواغل تلك الدول ما جعلها تراقب التهديدات البيئية المحدقة بمياهه وحياته المائية، الأمر الذي يعد مسألة على درجة كبيرة من الأهمية لكافة دول المنطقة والعالم والإقليم، التزاما بالبروتوكول المتعلق بحماية البيئة البحرية من أنشطة برية في البحر الأحمر وخليج عدن، الموقع في بجده 1982م، والمعتمد في سبتمبر 2005م.


● وقد مثل كابوس الهجرة غير المنتظمة خطرا أمميا ومهددا أمنيا للدول من حدود جنوب إفريقيا والمكسيك، إلى شواطئ ماليزيا وإندونيسيا وأوروبا، ومن ليبيا إلى ناورو وصولا لشواطئ البحر الأحمر، وما تشهد به تقارير طواقم أطباء بلا حدود الطبية على القسوة التي تنطوي عليها سياسات الهجرة الحالية في هذه الدول، وهو أمر يجعل هذه الدول أمام أكبر تحدياتها، فبعضها دول تصدر الهجرة وأخرى معابر وأخيرا مستقبلة للمهاجرين.




(٤) الجزر والنزاعات

● في البحر الأحمر عشرات الجزر المهمة والاستراتيجية والتي مثلت واحدة من نقاط النزاع بين الدول، غالبيتها تقعل على سواحل المملكة، كما أن جزء كبير من هذه الجزر تشكل ما يشبه الأرخبيل بمحاذاة الشاطئ اليمني، وأبرز تلك الجزر في أرخبيل الزبير، في سلسلة صغيرة من الجزر البركانية، التي تملكها اليمن، والتي ارتفعت من البحر الأحمر بين أفريقيا وشبه الجزيرة العربية.


● وتنتشر مجموعة الجزر اليمنية في المياه الإقليمية لليمن في البحر الأحمر وخليج عدن ولها مناخها وطقسها وبيئتها الخاصة، ولها تضاريسها وتكويناتها الطبيعية وتتركز أكثرها في البحر الأحمر موزعة على محاذاة الشاطئ اليمني أهمها وأكبرها جزيرة كمران المأهولة بالسكان وبعض الحيوانات البرية النادرة بالإضافة إلى أرخبيل حنيش، والذي يعرف أيضا بحنيش - زكار الإريتري الأمر الذي قاد لخلاف يين إريتريا واليمن في 1996م نُزع فتيل الصراع بينهما بالتوصل إلى تفاهم متبادل، حول حل النزاع على الأرخبيل بالوسائل السلمية عن طريق التحكيم في ديسمبر 1999م.


● وفي السودان أهم الجزر التي يدور الحديث حول استثمارها جزيرة سنقنيب وجزيرة الريح وجزر تلا تلا وجزر بار موسي وأرخبيل جزر سواكن وأخيرا جزيرة مقريسم التي يسميها البعض قلب العالم، فيما مثلت جزيرتا صنافير وتيران نموذجا للخلاف البيني بين الدول على الجزر البحرية واتسم حله بالهدوء بين مصر والمملكة العربية السعودي، وتحتفظ مصر الآن بجزر الزبرجد نواحي ساحل برنيس و الجفتونين الكبير والصغير بالغردقة وأبو منقار وشدوان والفنادير.



(٥) الصيد والقرصنة والإرهاب

● يمثل الصيد البحري النشاط الرئيسي في جميع البحار الإقليمية الثلاثة والبحر الأحمر يمثل أهم تلك البحار، إذ تشكل سواحله أخطر وأهم حواضن وأماكن تواجد الممارسين للصيد، ويمارس هؤلاء العمال مهنا في ظاهرها بسيطة كالصيد البحري والتجارة ولكنها تمثل في بهض الأحيان غطاء لأنشطة خارجة عن القانون ومهددة للأمن القومي للدول والإقليمي للمنطقة والدولي للعالم كالاتجار بالبشر وتهريب الأسلحة والممنوعات.


● ولقد مثلت قضايا القرصنة والإرهاب أهم مؤرقات دول البحر الأحمر، فإلى جانب الإرهاب البري، هناك إرهاب من نوع آخر يهدد الملاحة والتجارة العالمية، يرتكبه قراصنة البحر في المحيط الهندي والبحر الأحمر - ذلك الخطر الذي يمارسه القراصنة وتسانــده الحركات المتطرفــة في العالم، وقد شكل أكبر مخاطر تلك الدول، ما دعا الأمم المتحدة إلى القيام باستجابة شاملة وفعالة لمشكلة القرصنة في البحر الأحمر خصوصا قبالة سواحل الصومال إلى وقت قريب.




(٦) دول غير متشاطئة ولكنها تتأثر بالبحر الأحمر

● وهناك دول غير مشاطئة للبحر الأحمر الا أنه يمثل بالنسبة لها شريان حياة فقد اعتمدت إثيوبيا على جيبوتي للوصول إلى البحر الأحمر منذ استقلال إريتريا، ويمثل السودان المنفذ البحري لدولة تشاد والذي يتحكم في وارداتها المحلية بصورة كبيرة.

● وقد تدخلت في شأن البحر الأحمر دوله كدولة الإمارات العربية المتحدة التي تقع في المنطقة المدارية الجافة التي تمتد عبر آسيا وشمال أفريقيا وتخضع في الوقت نفسه لتأثيرات المحيط لوقوعها على ساحلي الخليج العربي وخليج عمان الذي يتصل بالبحر الأحمر عن طريق باب المندب، وتعتبره عمقا استراتيجيا بالنسبة لها ولحركة السفن من موانيها.

● وقبل انفصال السودان وحتى الآن تمثل موانئ شرق السودان هي المنفذ الأهم لصادرات وواردات دولة جنوب السودان، خصوصا الصادرات النفطية التي تنساب عبر أنبوب يمتد من حقول الانتاج وصولا لميناء بشاير في شرقي السودان، وكذلك الأمر لإفريقيا الوسطى التي تردها كثير من الصادرات عبر موانيه ليتم إدخالها بالطرق البرية، فصارت الإمارات وتشاد وإثيوبيا وجنوب السودان وإفريقيا الوسطى من المتأثرين بما يجري في البحر الأحمر.




(٧) الثروات

● تظل ثروات البحر الأحمر أكبر دوافع التسابق الدولي والتنافس الإقليمي وواحدة من أسباب نشوب النزاعات بين الدول، وظلت الأمم المتحدة على الدوام تؤكد أن لكل دولة سيادة دائمة كاملة تمارسها بحرية على كل ثرواتها ومواردها الطبيعية وأنشطتها الاقتصادية، في الوقت الذي يتأثر الناتج القومي العام في تلك الدول بالانتاج الصناعي والزراعي والثروة البحرية وتتأرجح المعاملات المالية والمصرفية تبعا للاستفادة من تلك الثروات في باطن البحر الأحمر وعلى سواحله، ويعلم الجميع مدى التردي الاقتصادي في السودان نتيجة حدوث خسائر فادحة نجمت عن تعطل العمليات التجارية في موانيه بالبحر الأحمر بسبب الاضطرابات التي شهدتها البلاد.


● ولأن البحر الأحمر ليس بحراً محاطاً باليابسة على امتداده طويل جدا وبه مرابط طبيعية وعميقة تستغلها السفن، بل يمثل واحدا من أهم مستودعات التنوع البيولوجي في العالم، وهو محط ثراء اقتصادي وثقافـــي ومهد تلاقي دينـــي، وذاخر فـــي تنوعه الاجتماعي، وبه عدد مقدر من الثروات والمعادن والغاز، ويعد من أكثر البحار ثراء بالأحياء والحيوانات البحرية والشعاب المرجانية، ومحاط بتيارات تحتوي وتغلف هذه الثروة من الطحالب التي تنمو وتتكتل فيه، وهو البحر الذي يؤمن في كل الفصول ثروة من العوالق النباتية والأسماك الصدفية التي تشكل داعما أساسيا ولو لفترات قصيرة ونظاماً اقتصادياً مهما للمجتمعات المحلية في تلك الشواطئ القريبة.


● وهناك ثروات البحر الأحمر المعروفة بـ«أتلانتس2»، أو (كنز البحر الأحمر) والمقدرة عائداته، بعد انطلاقة المشروع التي كانت مقررة في عام 2020م، بنحو 20 مليار دولار. وتُقدر الثروات المعدنية داخل المشروع الواقع في أعمال البحر الأحمر في المنطقة المشتركة بين السودان والسعودية، بنحو 47 طنا من الذهب٬ ومليوني طن من الزنك٬ و500 ألف طن من النحاس٬ و3 آلاف طن من المنغنيز٬ و3 آلاف طن من الفضة٬ إلى جانب معادن أخرى، وهو الملف الذي ظل أحد ألغاز العلاقة بين البلدين إلى أن تتبعته لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو قبيل الإنقلاب في ٢٥ أكتوبر بشهرين وقطع الطريق أمام استكماله.




(٨) الموانئ

● تعد الموانيء أهم المرافق الخاصة بنقل وشحن البضائع والسلع والنفط والحيوانات وبخاصة موانينا التي تقع على سواحل الدول الثمانية، إذ يمنع للحيوان الدخول لكثير من دول العالم إلا من خلال بعض المطارات أو الموانئ البحرية، الأمر الذي يتسق تماما مع الإنتاج الحيواني الكبير في بلد كالسودان، ويؤكد على ضرورة الإهتمام بموانيه، فيما تأتي أهمية قصوى بالموانئ والمرابط وورش للصيانة كالتي في قناة السويس.


● ولقد شهدت موانئ كميناء العقبة الأردني خلال الخمسة عقود الماضية تطورا مضطردا ليصبح أحد الموانئ الرئيسية في منطقة البحر الأحمر، كذلك مواني ساحل البحر الأحمر خصوصا تلك المتعلقة بتصدير النفط ومشتقاته والتي تمثل شركة أرامكو واحدة من أهم الشركات العاملة في تطوير المواني بجانب عملها النفطي، كما أن ميناء القنفذة كان من الموانئ المهمة على ساحل البحر الأحمر حيث ساهم باستمرار في استقبال السفن الكبيرة المحملة بحاصلات اليمن والشام قبل أن تندلع الحرب في كليهما.


● وما يؤسف له الدمار الذي لحق بموانئ استراتيجية في المنطقة كالتي حدثت باليمن وصار بعضها عبارة عن موانئ عسكرية، وتأثرت بالتدخلات الإقليمية والدولية وصارت واحدة من مهددات الملاحة والتجارة الإقليمية و العالمية، وذلك لأن جميع عمليات الشحن والنقل البدائية حول العالم تتأثر بمواني البحر الأحمر إذ تمثل شريكا استراتيجيا للشحن من الصين شرقا إلى هامبورغ غربا وصولا لأي نقطة في أنحاء العالم، كما تشكل موانئ البحر الأحمر نقطة مهمة لتقديم الخدمات البحرية والصيانة للسفن.


● ولأن المواني تمثل واحدة من أخطر نوافذ انتقال عدوى الأمراض والأوبئة حول العالم للإنسان والحيوان على حد سواء نجد أنه في عام 2010م صدر إعلان جيبوتي بشأن الحركة والهجرة والسكان على امتداد موانئ البحر الأحمر وخليج عدن إزاء فيروس نقص المناعة البشرية، وهو الإعلان الذي حظي بدعم واسع من دول المنطقة المنطقة، واليوم نشهد أوبئة ككوفيد، وجدري القرود، والحمى النزفية بالنسبة للحيوانات، وهو ما يوجب تعزيز أوجه الرعاية الصحية والبيطرية في تلك الموانئ.




(٩) أمن البحر الأحمر 


● كل ما في هذه الدول الثمانية من ثروات وثورات وإضطرابات وحروب يجعل أولويتنا الأولى تأمين سواحلنا وإحكام السيطرة عليها وحماية الموانئ البحرية، وتعزيز الحصون والدفاعات البحرية، كما أنتا ملزمين بحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية ومنع انتشار المواد الكيميائية الخطرة، فقد أفادت التقارير عن تلوث البحر الأحمر من الأنشطة الزراعية عند خليج السويس في مصر، والسودان واليمن والصومال.


● وبالتأكيد أن أي دولة عظيمة ذات عزيمة تستحق قوة بحرية استراتيجبة قوية مهنية منضبطة ومدربة، لأن هذه الثروات في البحر الأحمر يراها البعض غير معقولة ومحفزة للأطماع والتدخلات والقرصنة الدولية وزعزعة الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي.


● مع أن البحر الأحمر شهد اضطرابات شديدة متأثرا بالنزاعات في الصومال واليمن إلا أنه ظل بلا استشارات أمنية أو شراكات استراتيجية على طول سواحل دوله، الأمر الذي تسبب في تسرب كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والألغام البحرية والمخدرات وتهريب الآثار والثروات.
 

● هذا التعاون إن قدر له النجاح سيعزز قدرات الدول في تنفيذ خططها الإنمائية، وبناء قدراتها الأمنية لمكافحة الإرهاب، وحماية موانيها والممرات البحرية في خليج عدن ومجرى وسواحل البحر الأحمر من القرصنة البحرية، بالإضافة إلى حماية الحدود البحرية والبرية.


● وينبغي لهذه البلدان أن تستحدث استراتيجيات متخصّصة قائمة على مكافحة الإرهاب ومنع التهريب البحري، وتنفيذ العمليات البحرية، بما في ذلك استحداث قوة استخبارات بحرية، لأجل رصد حركة السفن، وكذلك تبادل تلك المعلومات مع الحكومات الأخرى، فنحن نرى في تاريخنا الطويل أن كافة الدول التي استعمرت العالم تحركت عبر أساطيلها وقواتها البحرية.


● ونرى اليوم أن المكتب الوطني للاستخبارات البحرية ومجلس الأمن البحري في الولايات المتحدة الأمريكية من أهم المكاتب الدفاعية المتقدمة، وأن أبرز ضابط فيها هو رئيس العمليات البحرية (CNO)، وهو أميرال من فئة الأربع نجوم، يتبع لوزير البحرية مُباشرةً ويُسأل أمامه، ألا يوجب هذا الإهتمام بالقوات البحرية ومنحها وضعا خاصا في أسلحة الدول؟؟؟.


● إن ضباط الاستخبارات الذين عملوا في أسلحة البحرية سابقا، كنز ثمين ينبغي المحافظة عليهم والاسترشاد بهم، فمنهم من يمتلك ثروة من المعلومات السرية لا تقدر بثمن ومنهم من كان يرأس واحدة من أهم الأجهزة الأمنية في سواحل المنطقة، لا ينبغي أن يتسربوا إلى مناطق أخرى.




(١٠) الأوضاع الداخلية في المدن الشرقية السودانية

● في شرق السودان رغم ما ذكرنا من ذخائر وكنوز وثروات، إلا أن السكان في ولايات البحر الأحمر وجارتيها كسلا والقضارف يئنون تحت وطأة الأزمات والكوارث الطبيعية وانعدام الأمن الغذائي المزمن والفقر، فضلا عن التوترات بين عناصر المجتمعات المحلية، ما يسبب حالة من الزعزعة على البحر الأحمر ويسبب انعدام الأمن بشكل مستمر.


● وقد عانى الإقليم الشرقي للسودان من التهميش الاقتصادي والسياسي لسنوات طويلة، وهو ما أدى إلى انتشار الفقر على نحو واسع، الأمر الذي خلف كوارث وأزمات إنسانية، ورغم محاولات الحكومة الانتقالية بتوفير دعم مباشر لكل ولايات الشرق ودعم عيني وغذائي للأطفال والنساء الحوامل في الشرق، إلا أن الفجوة كانت أكبر بكثير من قدرات السودان، الأمر الذي استدعى تدخل إقليمي ودولي، وقد تابعت تدخلات إنسانية من أوكسفام بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي، في تلال البحر الأحمر في السودان، وبعض المحاولات القطرية والكويتية برعاية سفراء تلك الدول.


● وقد كانت اليونيدو بالتعاون مع معهد البحوث البحرية النرويجي تسعى لتقديم المساعدة التقنية والفنية بغرض تقييم حالة الموارد البحرية المتجدِّدة في ولاية البحر الأحمر في السودان، للاستفادة منها في تنفيذ مشاريع لتحسين سبل كسب العيش والأمن الغذائي للسكان في مجتمعات تمتد من السواحل الجنوبية حتى تلال حلايب وما حولها من مناطق شمالا.


● ورأينا أيضا التدخلات بغية رفع القدرات وتوفير الإمكانات الاقتصادية للمجتمعات المحلية التي تعتمد على صيد الأسماك، لتُنفذ اليونيدو مشروعاً مهما يقوم على التدريب وتحديث مصائد الأسماك الحرفية وإيجاد فرص تسويق جديدة في ولاية البحر الأحمر، الأمر الذي يدفع قادة هذه الدول لإلقاء نظرة على الجوانب الاجتماعية - الاقتصادية المتصلة بإدارة الأزمات والكوارث الإنسانية للمجتمعات المحلية وما يمكنها عمله.




(١١) اليهود وإسرائيل في البحر الأحمر


● لا يمثل البحر الأحمر بالنسبة ليهود العالم مجرد مجرى نُحت في تضاريس الكون، بل يرون فيه القرية التي كانت حاضرة البحر، ويذكرون عنده أهل المدينة التي كانت قريبة من البحر بين مدين وجبل الطور، تلك الأماكن التي تعدوا فيها على حدود الله، وتجاوزوها يوم السبت الذي يعظمونه، ولا يعملون فيه ويخصوصونه للعبادة.


● كما أن شق هذا البحر على يد نبي الله موسى عليه السلام، ظل الآية العظمى التي تعتمل دواخلهم بها وتمجدها عقائدهم، ونشاركهم نحن المسلمون الإيمان بحقيقتها، ولكن إسرائيل ككيان ودولة وتنظيمات سياسية وأجهزة أمنية تستغل هذه الموروثات العقائدية لتبرر بها التدخل في البحر الأحمر وشؤون الدول المشاطئة فيه بدءا من الصراع التاريخي مع مصر حول سيناء.


● لذلك نجد أن لإسرائيل تحركات عسكرية وأمنية كثيفة في البحر الأحمر بعضها دون علم هذه الدول الثمانية، وظلت تعتدي على الحدود السودانية وتنفيذ ضرباتها الجوية في مدن ساحلية على البحر الأحمر دون رقيب أو مساءلة إقليمية أو دولية.


● وهو ما يجعل بالضرورة أن تكون المسؤولية الرئيسية عن أمن البحر الأحمر تقع على عاتق الدول العربية والإفريقية المطلة عليه، وأن أي تهاون فيه سيحفز إسرائيل وغيرها لمد يدها في العمق الإقليمي لتلك الدول والعبث داخل مياهها وسمائها وأراضيها.




(١٢) توصيات


● ختاما: إن هذه القمة الجداوية لا يقع على عاتقها تحقيق الأمن والاستقرار السياسي لدول المنطقة فقط، أو العمل على حماية أجندة بعض الدول التنموية والاقتصادية، ولكنها معنية بعدد من الملفات التي تهم الشعوب قبل الحكام أهمها:

١. استلهام تاريخ الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي على دول ساحل البحر الأحمر، وجعله منصة انطلاق يشبه جمال رواشين جدة ونقاء مياه ثغر السودان الباسم في بورتسودان، ويحمل في طياته عبق وعراقة باب المندب.

٢. التأكيد للعالم أن هذه المدن الساحلية على البحر الأحمر تمثل الفرصة الاقتصادية الذهبية لدول الإقليم والمنطقة والعالم، لأنها لا تقع في موقع توافر المواد الخام والمعادن والمواشي والغاز وإنتاج المحاصيل ومصدر العمالة الزائدة فحسب، ولكنها أيضًا تقع بمحاذاة أهم طريق شحن ونقل دولي على البحر الأحمر.

٣. ضرورة رسم مشروع استراتيجي متكامل لهذه الدول، سياسيا واقتصاديا واكاديميا وامنيا، ويشمل تطوير مناطق اقتصادية خاصة على طول ساحل البحر الأحمر، ومراكز أمنية تحد من خطورة النزعات الإجرامية والإرهابية وتعنى بحفظ واستغلال الثروات البحرية في البحر الأحمر على أكمل وجه.

٤. العمل بصورة عاجلة على إصلاح وتحديث الموانئ البحرية مما ييسر نقل الأشخاص والسلع والنفط والغاز والمواشي وتسهيل الاستخدام للأنشطة المدنية، وتعزيز قدراتها العملياتية والأمنية لتقليل أطماع الدول الزاحفة نحو الهيمنة والإطباق على سواحل البحر الأحمر.

٥. العمل على إقامة آليات مشتركة بين الدول العربية المطلة على البحر الأحمر لتعزيز أمن وسلامة الملاحة فيه، ومواجهة أي احتمالات لانتقال ظاهرة القرصنة إليه، وتشكيل لجان متخصصة لوضع آليات فعالة في هذا الشأن وفي أسرع وقت لأن القراصنة ما زالوا قادرين على العمل والانتقال من وإلى باب المندب والطرف الجنوبي من البحر الأحمر خلال فترة الرياح الموسمية والمغامرة بالوصول إلى جزر المالديف عندما يكون الطقس مواتيا.

٦. ينبغي أن تؤكد جميع تلك الدول التزامها بحماية مياهها الإقليمية واستعدادها للتعاون مع الدول المعنية لتثبيت الأمن والاستقرار في منطقة خليج عدن والبحر الأحمر ومنع أي تحركات معادية لأي من الدول الثمانية عبر أراضيها.

٧. لقد كشفت وثائق بنما عن أشاء كثيرة وخطيرة حول الثروات البحرية، لكن أحدث مجموعة من التسريبات تلك التي تشير إلى حالات التهريب والإستغلال غير العادل لتلك الثروات الأمر الذي يوجب إعمال الشفافية، وتمكين الشعوب قبل الحكومات من معلومات تلك الثروات المستغلة.

٨. عدم السماح لأي من الدول ارتكاب انتهاكات لحظر توريد الأسلحة عبر وسائط نقل وطرق وموانئ بحرية لتستغل في العدوان وممارسة أنشطة إرهابية ومدمرة للمنطقة.

٩. ضررورة النظر في إمكانية إقامة مناطق اقتصادية حرة معفاة من الضرائب في الموانئ البحرية وإنشاء هذه المناطق في أماكن مستحدثة وجديدة لم يتم القيام فيها بذلك من قبل للإسهام في تنمية الدول.

١٠. على جميع هذه الدول الحرص على عدم تلوث الحوض ومراعاة التخلص من بقايا المواد الكيميائية، وألا يتم التخلص منها إلا عن طريق التعاون مع هيئات إقليمية لحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية، بالتعاون مع المؤسسات الدولية المختصة، وذلك للمحافظة على البيئة الصحية وبمعدات مجهزة لهذا الشأن.

١١. الشكوى مستمرة من رواد المناخ والجمعيات البيئية من ارتفاع درجات الحرارة في مياه البحر الأحمر بفعل التلوث وانبعاث الغازات الدفيئة الأمر الذي يهدد الحياة المائية الذاخرة فيه، وهو ما يتطلب إهتمام هذه الدول بالشأن المناخي وترفع توصياتها للقمة الدولية القادمة للمناخ المنعقدة في مصر.

١٢. معظم هذه الدول لم تعلن عن مناطق صيد الأسماك ولا مناطق اقتصادية خالصة، الأمر الذي لا يعطي إحصاءات حقيقية حول الصيد، وكذلك السماح للسفن البحرية بصيد الأسماك النادرة، ما أدى إلى أضرار بالغة باقتصاد دول الإقليم وبخطتها لحفظ الثروة البحرية.

١٣. على هذه الدول التأكيد على الأحكام الدولية اللاحقة أو السابقة في حال نشوب خلاف حدودي بينها، كالذي أعلنت عنه محكمة التحكيم المشكلة للفصل في مسألة السيادة اقليمية للجزر الواقعة في البحر الأحمر وترسيم خط الحدود البحرية الدولية بين اليمن وإريتريا في ديسمبر ١٩٩٩م بلندن.


١٤. ينبغي التأكيد على أن حكومة السودان ممثلة في هذه القمة بحكم الأمر الواقع، وأن من يمثلها هم قيادة سلطة انقلبت على الحكم في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، ومجمدة العضوية في الاتحاد الإفريقي ولا تحظى بقبول الشعب السوداني، الأمر الذي يتطلب دعم تلك الدول لاستقرار السودان واستعادة الاستقرار فيه وفي اليمن السعيد.


٨ سبتمبر ٢٠٢٢م 


الأربعاء، 7 سبتمبر 2022

كلنا لإغاثة السودان

كلنا لإغاثة السودان


● تنبه إدارة الإرصاد لارتفاع معدل خطر الفيضان في عدد من المحابس، ولن يزول هذا التهديد طوال موسم الفيضان، وكذلك نذر عدد من التقارير المحلية والاقليمية والدولية بخطر يلوح في الأفق وهو خطر المجاعة، واجبنا أن نعلي درجة اهتمامنا ببني جنسنا لكوننا من ذرية آدم عليه السلام، ونستعد لحماية أهلنا في كل ربوع السودان ولو استطعنا لكل منكوب قال : (يا أبو مرووه)

● إن أهم عمل يمكن أن يقوم به المرء والمجتمعات والكيانات السودانية هو تقديم العون و الإغاثة في حالات الطوارئ، وعند الإصلاح والتعمير والوقاية في أعقاب الكارثة الناجمة عن أمطار وفيضانات وسيول هذا العام والتي عصفت بعدد من الولايات والمناطق.


● إن ما يبذله شعب هذه البلاد وشبابها وخيريها وأطباءها ومحسنيها وقادتها الأهليين والأحزاب وتنسيقيات لجان المقاومة من جهود واسعة النطاق في مجالي الإغاثة وتقديم المساعدات الإنسانية للتخفيف من معاناة ضحايا الكارثة وتلبية احتياجاتهم الملحة، أمر يجعل الأنسان يزهو بأنه من شعب كالبنيان المرصوص ومن أمة كالجسد الواحد.

● نعم؛ هناك أيادي كثيرة امتدت بالخير يشكر أصحابها، فقد جاء في الأثر: « لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ». ولكني أردد: " ما حك جلدك مثل ظفرك"، و "ما علم بما في الدار إلا أصحابها"، و "أهل مكة أدرى بشعابها"، ولا زالت الحاجة الماسة إلى تقديم المساعدة الإنسانية وخدمات الصحية والبيئية والمزيد من الإغاثة والشروع في الخطيط لجبر الأضرار والمواساة والتعمير لما دمرته هذه الكارثة.

● وستظل (إغاثة الملهوف) و(فزع البقول يا أبو مروه) هي أرسخ عادتنا وتقاليدنا التي يجب أن نعض عليها بالنواجز وأن تنخرط المؤسسات التربوية والتعليمية في حث التلاميذ والأطفال والطلاب على تقاسم اللقمة والكراس واللباس والقلم مع إخوتهم، فسمتنا الموروث أننا: ((سريعين عن الفزع قليلين عن الطمع))، والإغاثة هي الأمر الوحيد الذي لا يُحتقر فمن يعلم غدا أين نكون وعلى أي حال وبأي كيف؟؟!!.

● نحن جزء من منظومة كونية تحتاج النجدة، ومخاطر البشرية لن تنته بعد فهذا الإنسان يصر على تدمير الكوكب ويستكبر استكبارا، وكذلك الرغبات في الحياة لن تتوقف فقد خلق هلوعا طماعا جزوعا، لذلك ستستمر نداءات الإغاثة بشتى الطرق، ففي نهاية المطاف الكل يرجو النجاة، والمصاب يمني نفسه بخلاص الروح، وصاحب اليد العليا يريد صفاء الضمير بأنه لم يقصر.

● لذلك نحن في حالة طواريء دائمة تستوجب استمرار الإغاثة والإنعاش المستمر للمنكوبين عند الصدمات، وتجنب تسييس أعمالنا الإنسانية، صونا لكرامة أهلنا وحفظا لعزة أنفس نعلم أنها تبيت (القوا) ولا تشتكي الجوع، وتؤثر اللقمة على نفسها وتطعمها لغيرها وتحرم نفسها، وإكراما لكرماء متعففون رغم فقرهم لا يأكلون الصدقات والزكاة.

● كما يُرجى أن نضع في الحسبان احتياجات أطفالنا حديثي الولادة والرضع وأصحاب زمانة المرض وأن نوفر لهم كل ما من شأنه أن يسد جوعتهم ويداوي مصابهم ويواري عراهم، كما أن لأمهاتهم وأخواتنا إحتياجات خاصة يجب أن تكون في سقف أولوياتنا.

● كما على الشباب في كل الأماكن والمهن والتخصصات التطوع لصون تلك الإغاثات وحماية طواقم العملية الإنسانية الإغاثية وتيسير سبل وصولها للمستحقين، وردع كل من تسول له نفسه المساس بها أو تبديدها أو التلاعب فيها.

● وكذلك علينا مساعدة تلك الفرق للتخطيط السليم والمسح الحقيقي الذي ستسترشد به منظمات ودول ومانحون يريدون أن يمدوا أيادي العون أثناء الكارثة وبعدها، وألا ينحصر تقييمنا للأوضاع الآنية ف، فلا بد من وضع تصورات الغد الذي يحمل في طياته أمراض وأوبئة لا قدر الله، وهناك شبح مجاعة يلوح في أفق البلاد والقارة الإفريقية وعام دراسي جل مدارسه خارج الخدمة وتلاميذه ومعلماته وأساتذته منكوبون، منهم من فقد رفيقه ومنهم من فقد قلم التصحيح ومنهن من فقدت ثوبها الأبيض والطبشور.


● كما أن التقييم الفعلي والصادق والحقيقي والتقدير المالي بما يوازي العملات الأجنبية هو الأجدى لأن البلاد تشهد حالة تضخم وأي تقديرات بالعملات المحلية ستفقد قيمتها مع مرور الأيام، وهذا أمر يقتضي مواصلة جمع التبرعات واستقطاب التمويل لجهود الإغاثة، ومراحلها اللاحقة وأن تتجه المجموعات الكثيفة التي نشطت للدعم لتوحيد مسامماتها في صندوق موحد كصندوق درء الكوارث وتنقل بالعملات الصعبة حتى لا تفقد تلك الأموال قيمتها.

● وقع على عاتق أصحاب المحلات التجارية والمرافق العامة تبني صناديق دعم في مقارهم أو حتى إلصاق بعض المنشورات التي تنبه لضرورة التضامن مع ضحايا الكوارث.


● إن الأسافير تضج بالمواقع السياسية و الإعلانية والإخبارية والفنية والرياضية.. الخ، أرجو أن يضعوا جميعا السودان المنكوب نصب أعينهم ويذكروا بعضهم بالشأن الإنساني وبخاصة وسائل الاعلام والصحفيين الذين يقع على عاتقهم رفع درجة التنيه لما تمر به البلاد، كلنا لإغاثة بلدنا.

● ختاما: يراقب العالم وينتظر التقارير اليومية التي تأتي من مناطق منكوبة سواء كانت تلك التقارير حكومية أو شعبية أو عبر طواقم إعلامية دولية ومحلية وناشطي تواصل اجتماعي، فبالضرورة أن تنشط مجموعات صغيرة بصورة راتبة، وتعكف على كتابة تقارير عن الأوضاع والاحتياجات والأضرار وأنواعها ونشرها، خصوصا أن الرصد في وقت الفاجعة لا يكون دقيقا وقد تسقط الكثير من الأشياء وتضيع الكثير من المقتنيات والممتلكات والمواشي والأشجار والزروع والفسائل والتقاوي، وكل له قيمته.


حفظ الله سوداننا أرض أجدادنا ومنبت رزقنا



الثلاثاء، 6 سبتمبر 2022

البرهان: أبعد بالجيش عن السياسية

 

البرهان: أبعد بالجيش عن السياسة


 



·       مقولة الجنرال البرهان في احتفاله في عين المكان لواقعة كرري التاريخية بعد 124 عام تذكرني بحادثة تاريخية مماثلة عام 1823م حينما أعلن "جميس مونرو" أن أي تدخل من قوى خارجية في سياسة الأمريكيتين يُعد عملاً عدائياً، ولو أنه عاش اليوم لوجد أن الأمريكتين صارت دولا وولايات بعضها له سلطات فدرالية وعلاقات دولية منفصلة عن سياسات الدولة الأم، لعل البرهان حينما حذر الساسة وطالبهم بالبعد عن القوات المسلحة والدعم السريع كان ينظر تحت قدميه، ولو أنه فعل لوجد من بين الشهداء الأحياء من قال له أن الجيش الذي تحتفي بذكراه اليوم كان على قيادته مدنيون لم يتخرجوا من الكليات الحربية ولا الأكاديميات العسكرية والمعاهد الأمنية.

 

·       الجنرال البرهان كان يتحدث مع السياسيين بتلك النبرة المستفزة، في ذات اللحظة التي كانت تقف فيها السيدة ليز تروس أمام ملكة المملكة المتحدة لتعميدها كرئيسة وزراء لتقود أعرق جيوش العالم وهي رئيسة منتخبة لأقدم الأحزاب السياسية في العالم.

 

 

·       على الجنرال أن يتذكر أن هنالك جيشا ظل متواجدا منذ العام 1922م وخاض حربين عالميتين وهو الآن تحت إمرة مدنية ديمقراطية وهو الجيش الوطني المجري الملكي يتولى قيادته ويتحكمون في قراره 11 مدنيا من حزب فيدس-  الاتحاد المجري المدني ليجعلوا من دولتهم الوليدة عقب إنهيار الاتحاد السوفيتي دولة اقتصادية قوية مؤلة لتكون عضوا في حلف شمال الأطليسي "النيتو".

 

·        بل حتى الطاغية موسيليني الذي انقلب على السلطة في سبتمبر 1923م وأسس الحركة الفاشية الإيطالية وكان الناهي والآمر رئيسا للدولة ورئيسا للوزراء ووزيرا للداخلية والدفاع والخارجية انتهى به المطاف معلقا من رجليه على أيدي المقاومين، لتستحيل إيطاليا من بعده إلى دولة ديمقراطية يرأسها اليوم مدنيون من الساسة يقفون على رأس قواتها النظامية.

 

 

·       حينما اندلعت الحرب في عام 1946م وعندما اختفى أنصار جيش التحرير الشعبي السابق وكانوا تحت سيطرة الحزب الشيوعي اليوناني وقاموا بتنظيم الجيش الديمقراطي. ونظموا كفاحه المسلح لمدة ثلاث سنوات (1946-1949)، وتأرجح الحكم في اليونان إلى أن تولى الجيش السلطة في 1967م، ها نحن نشهد اليوم الجيش اليوناني يخضع للسلطة المدنية.

 

·       وقد ظل تطلع العسكر للسلطة في نيجيريا مستمرا إلى أن استقر الأمر في أبريل 2007، حينما نظمت نيجيريا انتخاباتها الوطنية الثالثة، فعززت بذلك التحول من حكم الجيش إلى حكم ديمقراطي انطلق في عام 1999م.

 

 

·       ولو قرأ الجنرال التاريخ جيدا، لوجد أن أزمات أقل حدة من التي تشهدها الخرطوم اليوم  كانت لتدفع بالمؤسسة العسكرية إلى المسرح السياسي، كما حدث في أعوام1957م في السودان و1958م في باكستان، وكذلك عام 1969م الذي سلم فيه العسكري محمد أيوب خان بلاده للجيش أسوة بما فعله الأميرلاي عبد الله بك في السودان، الأمر الذي قاد لإنفصال بنجلاديش في 1971م، وصولا للعام 1977م، ثم العام 1999م، فلو أنه أمعن النظر ولوجد أن الجيش حكم بسياسة الأمر الواقع دولة مثل باكستان لسنوات بلغ مجموعها 33 عاماً منذ استقلال باكستان في عام 1947م، تجاوزناها نحن في السودان لتصل 52 عام من عمر استقلال السودان شارك الجنرال البرهان في 30 عام عسكرية متدرجا من وحدة إلى قطاع ألى إدارة وصولا لرئيس حزب بإحدى المحليات الولائية صعودا لرئيس مجلس عسكري ثم سيادي ثم قائدا لانقلاب آخر في 25 أكتوبر 2021م، ثم نجد أن باكستان قد رسخت الديمقراطية في أراضيها ونحن نبحث عن مجلس أعلى عسكري ليهمن على قرار البلاد والعباد.

 

·       وفي منطقة كالبوسنة والهيرسك بعد واقع عسكري دام ومستبد، نجد أنه أقرت دستوريا الجمعية الوطنية لجمهورية صربسكا مشروع قانون للإصلاح الدفاعي ينـص علـى إخضاع الجيش للسلطة المدنية للبوسنة والهرسك، بل حتى الدول التي تشظت من الاتحاد السوفيتي في 1989م وذاقت الأمرين جراء المحارق الستالينية والحروب النازية آلت إلى ديمقراطيات إما رئاسية أو برلمانية وأنظمة جمهورية تأتمر جيوشها بأمر السلطة المدنية من أكبرها كأوكرانيا إلى أصغرها كملدوفيا.

 

 

·       إلا أن الجنرال في حالة طموح جموح وجنون ويريد أن يتقمص وضعية تٍشبه ما كان عليه سلفه في المرحلة الثانية من ديكتاتوريته الجنرال ميغيل بريمو دي ريفيرا في إسبانيا، والمعروفة باسم الإدارة المدنية (1925م-1930م)، إلى أن أظهر العديد من الجنرالات وضباط الجيش خلافهم مع سياسة الحكم الدكتاتوري الأمر الذي اضطره للاستقالة والهروب إلى باريس ليتوفى بعدها بأيام قلائل، وها قد آلت اسبانيا لديمقراطية من أرسخ الأنظمة التي تأتمر فيها القوات المسلحة بأمر السلطة المدنية، وبالمناسبة أشبه الجنرالات بالبرهان شكلا وخلقا ومنطقا وقرارا فهو دي ريفيرا.

 

·       ويشبه هذا التشبث بالسلطة نموذج دويلة فيجي التي شهدت إنقلابين في العام 1987م ويشبه تصرف الجنرال برهان ما قام به القائد العسكري الأعلى الضابط البحري الكومودور فرانك باينيمارما الذي سطا على السلطة في العام 2000م، وخلف انقلابه عدد من الضحايا والدموية، الأمر الذي حدا بالمحكمة الدستورية في البلاد إصدار حكم في العام 2005م قضى بتعويض الضحايا ومساءلة الجناة، وهو ما قاد الكومودور للإنقلاب في 2006م على نفسه وحل المحكمة وتعزيز سطوته وبسط سلطته حتى يومنا هذا.

 

 

·       بل حتى إن دولة لاتينية كسورينام حينما أعيتها الدكتاتوريات والإنقلابات الشيوعية اتجهت نحو الممارسة الديمقراطية الأمر الذي أرغم رئيسها الحالي تشان سانتوخي للإنضمام إلى حزب الإصلاح القومي وهو الذي كان رئيسا للشرطة بالبلاد في العام 2005م، هذا يؤكد مقولة الراحل الإمام الصادق المهدي أنه من أراد ممارسة السياسة من العسكر فعليه التوجه نحو الأحزاب السياسية أو إنشاء حزبه.

 

·       أما جوارنا القريب فرغم ما قام به لوران كابيلا في 1997م وعزمه اقامة جيش من 600000 رجل، أي أكبر ست مرات من جيش سلفه، وعوضا عن تحسين أوضاع أمته من أمن ومعاش كرس فكره للقمع والعمليات الأمنية ليُغتال في 2001م، فقد أضعف الأمن بساساته الخاطئة وأربك حياة السكان كما كان الوضع أيام موبوتو سيسي سيكو الذي غير اسمه من جوزيف ديزيري موبوتو واسم دولته من الكنغو إلى زائير وهرب إلى المغرب، لتنهض من بعده الكونغو الديمقراطية وتصبح كنشاسا واحدة من الدول الديمقراطية في القارة السمراء ويحتكم جيشها للسلطة المدينة المنتخبة في 2018م، وفي الوقت نفسه انتظم المستشارون العسكريون في حلقة دراسية عن الجيش والديمقراطية مدتها خمسة أيام بحضور 200 مشارك من القوات المسلحة لأفريقيا الوسطى، ونظمت الرابطة النيجيرية للدفاع عن حقوق الإنسان، ولجنة الجيش والديمقراطية، والمعهد الدانمركي لحقوق الإنسان فعالية لتدريب الجيش النيجيري.

 

 

·       .حينما ذكرت الجنرال البرهان بأن مصير من يتصدى لإرادة الشعب سيكون مصيره الجلوس مع المخلوع في سجن كوبر، فغضب وأرغى وأزبد وهدد وتوعد ولكني هذه المرة سأذكره بمصير الطغاة في المنطقة ممن يريدون الهيمنة على مقاليد الأمور والتلاعب على مصائر الشعوب، وكثيرة هي الأمثال نضربها للناس، كعيدي أمين والقذافي وبن علي وشارس تايلو، ونماذج مؤلمة كمصير كابيلا، فبعد إرغام العسكر الراحل كومبا يالا إمبالو (محمد يالا) على تسليم السلطة بعد انتخابه رحمه الله بثلاث سنوات عام 2003م، تواصلت حلقة الإنقلابات في غينيا- بيساو حتى استقرت على آخر محاولة فاشلة في 2022م، ضد الجنرال المتقاعد عمر سيسيكو إمبالو الذي نجا من محاولة تصفية وإنقلاب عليه من زملائه العسكريين، في نهاية الأمر استعان هذا الجنرال بمحلس وزرائه المدني والبعثة الأممية المدنية  وانخرط في اجتماع مطول مع رئيس أركان القوات المسلحة في غينيا - بيساو، قدم من خلاله رئيس الأركان تأكيدات بعدم التدخل في العملية السياسية ما حظي بترحيب وإشادة  البعثة،  أي أن العسكر لا يأمنون أنفسهم ولا بوائقهم، وحينما يتم التضييق عليهم يلجؤون للمدنيين لاستنقاذهم كما فعل البرهان بجماعة القصر،  وهذا ما يفسر تغيير الجنرالات في خواتيم أيامهم لهيئة ورئاسة الأركان في القوات المسلحة وتبديل حلفائهم المدنيين.

 

·       وقد شاهدنا وقرأنا في صفحات التاريخ أنه عند سقوط هذه الأنظمة الدكتاتورية، قررت بعض البلدان مقاضاة مسؤولين حكوميين سابقين وجنرالات وضباط في الشرطة والجيش، استنادا على مضابط ومحاضر وإرشيف تلك المؤسسات النظامية،  وهو ما لن يمكن أيا ممن أذنب في حق الشعوب الفرار من العدالة ولو بعد حين.

 

 

·       كما أن استهانة جنرالات الأنظمة الدكتاتورية بالسلطة المدنية يسهم في تدخلات غاية في الخطورة من مجلس الأمن، وسينظر المجلس على وجه الاستعجال في الخيارات المتعلقة بالتدخل الدولي، بما في ذلك إيفاد قوة دولية دعما للتسوية السياسية، وفقا لميثاق الأمم المتحدة الذي سيتدخل بموجب الفصل السابع ويرسل بعثته ويطلب منها أن تواصل تنفيذ ولايتها بالكامل وبجميع صلاحياتها وجوانبها الإدارية والفنية والأمنية والعسكرية، وبخاصة ما تتخذه من إجراءات قوية لحماية المدنيين المعرضين للخطر وردع أي محاولة من جانب أي جماعة مسلحة تسعى إلى النيل من العملية السياسية، ولك أن تتخيل ما يقوم به البرهان ويقود إليه البلاد. كما سيجبر المجلس السلطة أن توقف فورا جميع الأعمال العدائية، وإيقاف الانتهاكات، وأن تنبذ استخدام القوة، وأن تدخل دون إبطاء في حوار سياسي يرمي للتوصل إلى مصالحة وطنية شاملة وإقامة حكومة تستند إلى تأييد واسع من شعب السودان بذات النموذج المعمول به في ليبيا الآن وأفغانستان من قبل.

 

·       وما نراه من الممارسة التي تلجأ إليها بعض البلدان الكبرى في استخدام الضغوط السياسية والجزاءات الاقتصادية وحتى الغزو المسلح للتدخل في شؤون دولة أخرى أقل حجماً برغم أنه يعد انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة وللحق في تقرير المصير إلا أن سفور العدوان الداخلي من الجيوش والأنظمة القمعية على شعوبها يبرر ذلك التدخل الذي سيمزق البلاد ويشرد مواطنيها ليصبحوا طرداء في المهاجر، أو كما قال أحمد مطر: لم يتسلل اليهود إلينا من حدودنا وإنما تسربوا كالنمل من عيوبنا. وهكذا أدى استمرار انعدام السيطرة والرقابة المدنيتين على القوات المسلحة إلى تدخل الجيش بصورة سافرة ومنهجية في العملية السياسية وفي إدارة مؤسسات الدولة، وعززوا بذلك العمل السياسي والدعاية داخل القوات المسلحة حتى صارت صحيفة القوات المسلحة نسخة من صحائف الحزب الحاكم للرئيس المخلوع.

 

 

·       نعم، يحق لأفراد القوات المسلحة المشاركة في النشاطات السياسية والانتماء إلى الأحزاب السياسية، ولكن ليس في سني الخدمة، فالأحزاب هي التي يقع على عاتقها إقرار سياسة المحافظة على أمن وسلامة وتأهيل وتدريب القوات المسلحة، على أن تلتزم بالحياد فيما يتعلق بالمسائل السياسية وتخضع للسيطرة المدنية والديمقراطية وضرورة تعزيز الرقابة الديمقراطية على قطاعات الدفاع والأمن.

 

·       ونعلم جيدا الحالة الجديدة التي تتلبس سدنة الإنقلاب للحيلولة دون أيلولة الجيش للسطة الديمقراطية، تلك الحالة التي استشاط فيها صغار الدكتاتوريين غضبا جراء تصريحات الجنرالات بضرورة خروج العسكر من السياسة، وهي تعتبر أهم الخطوات التي ينبغي اتخاذها فعليا اليوم قبل الغد لإيجاد حل وتتطلب اتخاذ إجراءات محدد تجبر الطغاة والجيش على التنحي عن السلطة وتبطل إجراءات وقرارات الإنقلاب، وهو الأمر الذي يزعج وكلاء الإنقلاب ويجعلهم يمعنون في تحريض العسر على التشبث بالمقاعد لحمايتهم وصون مصالحهم ومنع مساءلتهم.

 

·       كما أن محاولات الجنرال اليائسة لتغطية الخلاف بين العسكر (الجيش والدعم السريع)، خلال كلمته تكذبها حقائق ملموسة ومنظورة، وقد رأى الجميع تململ التحركات الثنائية المتوازية المطردة المضطربة بين القادة، وتاب الجميع تشويش قوات المدرعات للدرجة التي جعلت الجنرال برهان يهرع لزيارة السلاح وتفقد وحداته، كما نرى ونسمع الصراع مع سلاح المدفعية وسلاح الأسلحة وضباط الطيران وغيره من الأسلحة بسبب الخلاف الشديد على الإحالات والترقيات التي تمت بالصورة الأخير والتي فيها ما فيها من الأقاويل (وتجاوز أسس المهنية والجدارة والإنضباط).

 

 

·       وتظل محاولاته تصوير أن هناك عداء بين الساسة والجيش فهو تدليس وتضليل، لأن الشعب الساسة فتحوا الآفاق ليتعامل الجيش السوداني مع رصفائه، في الوقت الذي كان يتعامل فيه الجنرال البرهان مع جيش يسمي نفسه جيش الدفاع، لا يعترف بجيوش المنطقة ويسعى لتفكيكها لتتحول لسلطة عسكرية أو مليشيات قبلية أو طائفية، فقد عزز سياسيو الحكومة الانتقالية فرص التعاون الشامل مع دول أصدقاء السودان في شتى المجالات التقنية والتكنولوجية ورفعوا الحظر لتدفق للجيش قطع الغيار التي غابت عن البلاد لثلاثين عام.

 

·       ما يطمح له الساسة والمواطنون السودانيون هو أن يشهد الجيش السوداني زيادة في عدته وعتادة وعدد أفراده وقدراته وأن يتم دمج جميع الحركات المسلحة في جيش قومي مهني موحد، ويقينهم التام بأن أرسخ الديمقراطيات تحميها أعتى الجيوش، وأنه لاستدامة الديمقراطية تتزايد أهمية الجيش وضرورة تحديث أسلحته بسبب التطور السريع للتكنولوجيا الحديثة وحروب الجيل الخامس.

 

 

·       يريد  الساسة جيشا بعيدا عن الملاحقات الجنائية الدولية غير موصوم بانتهاكات في مواجهة شعبه يحترم السلام والحرية والعدالة ويحمي الديمقراطية والحكم الراشد وأن تشهد بلادنا أنشطة الندوة الدولية التي أقيمت في كوتونو عن "التحولات الديمقراطية والعنف المنظم في أفريقيا الغربية الناطقة بالفرنسية"، مع استعراض التجربة المالية في مجال: الجيش وحقوق الإنسان منذ عام 1990 إلى يومنا هذا، وهذا لن يضطلع به العسكر وإنما الساسة.

 

ختاما: إن هذه الثورة واحدة من أكبر وأعظم ثورات القرن، إذ استمر النضال فيها زهاء الأربع سنوات ولا زال التدافع فيها مستمر لخلاص الوطن وطرد طائر الشؤم الإنقلابي، وقد وكانت مثخنة بالدم والدموع والعرق، وشهدت نزاعات متقطعة مؤلمة ودموية، كما شهدت اضطرابات سياسية وتدخلات إقليمية ودولية، وظلت مشاهد إنحياز شرفاء القوات المسلحة لصفوفها ماثلة للعيان وظلت مثار فخر واعتزاز وقد إتضح لنا ذلك اليوم أن الجيش وجد في هذا الوطن وولد أبناؤه هنا لكبح الدكتاتورية لا لترسيخها وسدانتها.

وحري بالجيش أن يسلم السلطة للشعب عندما ينتهك النظام الدكتاتوري العسكري حقوق الأنسان بصورة وحشية وبشكل خطير، وحينما يتلاعب الطاغوت بمصالح الأمة ويهدر كرامة مواطنيها، ومن الأهمية بمكان أن تلتزم القوات المسلحة والشرطة السودانية المهنية وتتحلى بالحياد وتبتعد عن الانحيازات السياسية في السياق الحالي حيث لأنها هي وحدها المؤسسات المطالبة في معظم الأوقات بالتدخل لحفظ الأمن وحماية المواطن لا البطش والتنكيل به وتعذيبه.

وسيظل واجب القوات المسلحة وقادتها تنفيذ السياسات والاستراتيجيات والبرامج المتصلة بالإعداد لصون سيادة البلاد وحماية مواطنيها ودستورها، ولمكافحة الأفراد المهددين للأمن القومي، وصد الاستخبارات التي صارت تدخل أنفها في الشأن السوداني نهارا جهار، وأن تقوم قيادة الجيش بالإشراف على العمليات الحربية والتنظيم والتدريب والخدمات اللوجستية وكل ما يندرج ضمن مسؤوليات هيئة الأركان.

وينبغي أن ينحصر دور الساسة في وضع السياسات العامة وتشريع القوانين واللوائح وإجازتها عبر مؤسسات الدولة، وأيضا إسداء النصح وتقديم الإرشادات إلى كل القوات المسلحة، النظامية وغير النظامية، بعدم التدخل في أنشطة الأحزاب السياسية لحين التقاعد وممارسة النشاط السياسي من خلالها أو تكوين أحزاب أخرى.

إلى ذلك الحين يجب أن يعلم القائد العام للقوات المسلحة للقوات المسلحة، أنه في منصب بوضع اليد وسياسة الأمر الواقع ومتى ما استقر النظام مدنيا في البلاد سيكون هذا المنصب ورئيس الأركان ووزا ة الدفاع ستخضع للتعيين من رئيس وزراء مدني بموافقة بموافقة السلطة التشريعية ويخضعوا جميعا للسلطة القضائية متجردين من أي انحياز أو انتماء لقبيلة أو جنس أو دين خالي الوفاض من أي ارتباط أجنبي ووصم بالعمالة والارتزاق والتجسس لدولة من الدول..

وسيتواصل دعمنا اللامحدود والمستمـــر للجيش ووحدته ورفضنا لكل الأسلحة خارج القانون والميليشيات والجماعات الإجرامية الأخرى، لئلا نوصم مستقبلا بأننا أبدنا شعبنا ببنادق جيشنا أو تسببنا في تهجير ونزوح ولجوء الملايين من أبناء جلدتنا من دافعي الضرائب لهذا الجيش.

وأهمس أخيرا في أذن الجنرالات بما قاله وزير الخارجية البريطاني: "فنزويلا تحتاج للديمقراطية وليس للجيش الروسي"، ونحن نحتاج الحكم المدني لا عصابات فاجنر. وحذاري أيها الجنرال أن تصدق مقولة الرئيس الأمريكي جون كيري: "الجيش المصري يستعيد الديمقراطية" فنرد ما وردوه.

 

انتهى

عروة الصادق

التاريخ: 7 سبتمبر 2022م.

المحطة: البقعة.