الاثنين، 31 أكتوبر 2022

السودان (العربي) - هل يجد إهتمام (العرب)؟؟!!

 

السودان (العربي) – هل يجد إهتمام (العرب)؟؟!!

 
 

·  قمة الجزائر النوفمبرية لانعقاد أعمال جامعة الدول العربية، تأتي في ظل أوضاع سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية استثنائية في المنطقة العربية، وكذلك أوضاع إنفجارية في المحيط الدولي والأقاليم التي تتشاطرها الرقعة العربية أو تشاطئها من المحيط إلى الخليج ومن الأبيض المتوسط إلى جنوب السودان.

 

 

·  تعيش المنطقة الوسطى من العالم العربي إضرابات شديدة في كل من السودان وليبيا واليمن وسوريا والعراق، فالسودان به إنقلاب عسكري صمتت عن إدانته الجامعة العربية في الوقت الذي أدانه الاتحاد الإفريقي وجمد عضويته فيها، وليبيا بها اختلال بنيوي وإضطراب في القرار السياسي لا يقل عن الحروب الدامية في كل من سوريا واليمن والتي تم إقحام السودان فيهما برحلات روسية من بورتسودان للاذقية وتجنيد سودانيين للقتال في اليمن، أما العراق فقد هدأت نسبيا بعد تولي السوداني مهامه الرئاسية، ولكنها عرضة لارتدادات الثورة الإيرانية.

 

 

·  مثلت أجندة القمة الـ(31) شواغل قادة المنطقة، دون إيلاء أدنى إهتمام لقضايا الشعوب فالسيد أبو الغيط الأمين العام للجامعة العربية والسيد حسام زكي الأمين العام المساعد، كلاهما يسعيان للتركيز على أوضاع سياسية واقتصادية وأمنية ولم يكلفا نفسيهما إدخال بند للحريات وحقوق الإنسان في المنطقة العربية التي تضمن بين جنباتها أكبر عدد من معتقلي الكلمة والضمير من نشطاء وقادة سياسيين ودعاة ونساء وإعلاميين، وتعد مصر أكبر سجن عربي للحريات.

 

·  تصر في هذه القمة الجزائر عبر وزير خارجيتها لإقحام جند مهم وجريء وهو ترقية وتطوير دور الجامعة، الأمر الذي يراه كثيرون بأنه سيفتح الباب لإقحام أجندة شعبية وإعطاءها أولوية عن الأجندة الحكومية بخاصة إهتمام الجامعة العربية بملفات حقوق الأنسان والديمقراطية ودسترة الملكيات ومطالبة القادة الإنقلابيين في المنطقة بالتنحي عن الحكم، وتجميد عضوية الأنظمة الإنقلابية في الجامعة.

 

 

·  كما يمثل الاحتقان الدولي أهم شواغل القمة التي أثرت في سلاسل توريد الحبوب والوقود والغاز والطاقة للمنطقة العربية، تحديدا الأزمة الأوكرانية الروسية والاتفاق حول تأمين مرور الحبوب من أوكرانيا عبر البحر الأسود، ولكن استجد الوضع لمحاولات روسيا التنصل عن الاتفاق الذي يفاوض في الأتراك عن العرب، فروسيا لا تريد مرور القمح الأوكراني فقط، وإنما تريد مرور قمحها وموادها الخام التي تصدرها لتلك الدول.

 

·  في هذه الأزمة اتخذ العرب موقفا أشبه بالحياد رغم محاولات إماراتية التواصل مع روسيا، إلا أن السودان له موقف مضطرب قادت له زيارة نائب رئيس مجلس السيادة الجنرال دقلو إلى روسيا قبل ساعات من إندلاع الحرب، كما لا يخفى على الجميع تهريب ذهب السودان إلى روسيا عبر شركات أمنية لها صلة بالرئيس فلاديمير بوتن أهمها ميروقولد وفاجنر.

 

 

·  إن أزمة أوكرانيا وروسيا أثرت وستظل تؤثر الأوضاع المعيشية بصورة مباشرة، وانتبه العرب لذلك مؤخرا بعقدهم لمؤتمر الأمن الغذائي العربي، والذي يرى في الوطن العربي فرص وموارد مائية وأراضي خصبة يمكن أن تنتشله من أي أزمات غذائية، جل تلك الفرص في السودان الذي يكابد إنقلابا عسكريا مرت عليه سنة عجفاء لم تصدر فيها الجامعة العربية موقفا يظهر تضامنها مع الشعب السوداني أو يزجر العسكر ليكفوا عن الانتهاكات التي أودت بحوالي ألف قتيل وآلاف المصابين وعشرات الآلاف من النازحين، هذا الصمت العربي المخزي لن يصب في مصلحة العرب ما لم يصححوه في هذه القمة.

 

·  وتبعا لهذه الحرب شهدت المنطقة اضطرابا في الأسواق، وهو بلا شك محنة دولية كبيرة يمكن أن تمثل فرصة للمنطقة العربية التي بها من الموارد والمرافق ما يمكن أن يسد حوجة المنطقة العربية وجوارها الأسيوي والإفريقي والأوروبي وصولا لأستراليا، من حيث مبيعات الطاقة والغذاء.

 

 

·  كما ظل ملف صراع الولايات المتحدة الأمريكية والصين بخصوص تايوان أحد الأجندة الحاضرة في الطاولة العربية، لارتباط المنطقة بالصين وأمريكا، وهو صراع لا تستطيع بعض الدول العربية اتخاذ موقف محايد فيه، وهنالك دولة حليفة للولايات المتحدة وتحظى بحمايتها، الأمر الذي يستوجب ألا يتم الزج بالجامعة العربية في استقطاب صيني أمريكي، وأن يتم التعاطي مع هذا الملف بالحكمة المطلوبة.

 

 

·  ولكن الحياد غير موجود في الملف الإيراني مع إسرائيل، فالجزائر التي تستضيف الملف موقفها معلن بصورة واضحة فيما يخص القضية الفلسطينية، ولكن من ضمن المستضافين قادة وفود قادوا تطبيعا قسريا باسم دولهم مع إسرائيل، وهو الأمر الذي سيفتح الباب واسعا أمام الاشتباك العربي العربي فيما يخص القضية الفلسطينية والتطبيع مع إسرائيل.

 

·  قاتل العالم العربي مجتمعا جائحة كوفيد، ولكن ظل متفرجا في دعمه لعدد من الدول بخاصة السودان، جل الدعم الذي وصل إلى السودان في الجائحة كان من دول صديقة، وهو الأمر الذي يجعل من التعاطي مع الأوبئة المسقبلية أمرا غاية في التعقيد يوجب التعاون الحقيقي وتبادل الخبرات والمعلومات، وإذا مورست الإجراءات الانتقائية تجاه السودان في الدعم خلال الأزمات والكوارث هذا سيعزز عزل السودان من محيطه الحربة وقطعه لحلقة الإنتماء العربية.

 

 

·  وتظل قضية المناخ وملفات الألفية للتنمية المستدامة أكبر كوابيس المنطقة العربية، والذي يمكن أن تحقق فيه هذه الدول تقدما كبيرا إقليميا وعربيا ودوليا، الأمر الذي يمكن أن يلعب فيه السودان الدور الأكبر بزراعة ملايين الأشجار التي ستسهم في خفض درجة حرارة الكوكب، وذلك لما للسودان من أراضي صالحة ومياه، وهو ما سيدعم أيضا تغزير المياه والإسهام في الأمن المائي.

 

 

·  تظل قضايا النساء وأوضاعهن في المنطقة العربية من أكبر الكوارث التي يتحاشى (ذكور) القمة العربية الحديث عنها، ويتعمد بعضهم تغييبها وعدم إبراز أي دور لهن، فحتى وزيرات الخارجية اللاتي يحضرن للأجندة لا يتجاوز حضورهن كونه ترميزا خجولا من بعض الدول التي تحاول إبراز وجهها الديمقراطي الداعم للمساواة، وقد منيت نساء السودان بتنكيل وتعذيب وسحل واغتصاب ظلت الجامعة تغض الطرف عنه لفترات طويلة، ولكنهم جميعا سارعوا إلى إدانة مقتل مهسا أميني في إيران.

 

 

·  كما أن قضايا الشباب تظل مجرد عناوين عريضة لا يتم التفصيل فيها، وذلك لأن الأجسام العربية الشبابية سوادها الأعظم من أبناء وبنات أنظمة سلطوية ملكية أميرية أو دكتاتورية وفي الغالب هم من سدنة الأحزاب أو الأسر الحاكمة ولا يرجى أن يناقشوا الاهتمامات الحقيقية للشباب في المنطقة العربية:

1.  فليس منهم أحد عانة البطالة أو عرف شيئا عنه أو ذاق مرارة العوز ليتحدث عن مشاريع تطوير وتمويل الشباب.

2.   ولم يذق أحدهم مرارة الأمية ليهتم بتصفير عداد الأميين في المنطقة العربية.

3.   وليس لهم اهتمام بالإيدز كمرض مستشر في وسط الشباب العربي، ولا أحد منهم يجروء على الحديث عن العنوسة وعزوف الشباب عن الزواج لأن هذا الأمر لا يشكل هاجسا لهم.

4.   كما أنهم لا يأبهون بالفجوة الرقمية واستخدام التكنولوجيا في المنطقة العربية ولا يرون أننا متخلفون في هذا المجال ما يفقدنا حجز مقعد في المستقبل التكنولوجي.

5.  الهجرة غير المنتظمة لا تجد إهتماما من قادة الشباب العربي ولا قمة الجامعة لأن غالبية المهاجرين عبارة عن أشخاص غير مرغوب فيهم ويمثلون عبء على المنطقة العربية ومصدر إزعاج للحكام.

6.  الإرهاب وجد في هذه المنطقة شباب في حالة فراغ روحي وتيه وإهمال ففرخ مفارز متطرفة من المحيط إلى الخليج واحتضن أكبر إمارات التطرف في العالم كداعش في الشام وأنصار الشريعة في درنة والشباب الصومالي في الصومال وغيرهم من التنظيمات.

7.  من المؤكد أنه  في ٢٠٥٠م ستكون نسبة الشباب في هذه المنطقة لا تقل عن 75% وهو ما يعني أن إهمال هذا القطاع الحي هو إهمال للمستقبل وسيكون حينها الشباب العريب.

 

 

·  إن التحديات التي تواجه هذه القمة أكبر من أن تحصر في مقالة واحدة، ولكني أستطيع الجزم أن 80% من تلك التحديات لا تخرج عن الأمن والغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد، وفي المنطقة العربة من الفرص ما يمكن أن ينتشل العالم ككل، ولكن الأنظمة الحاكمة تعيق أي تصورات ورؤى مستقبلية وتهدم كل الخطط الاستراتيجية.

 

 

·  من أكبر تلك التحديات انتشار السلاح في المنطقة العربية التي مثلت بعض الدولة العربية سمسارا للدول المحظورة، ووردت مركبات وآليات وأسلحة لأنظمة أبادت شعوبها ولم تجد صوت إدانة واحد من الجامعة العربية، وعانى السودان من تلك السياسات الرعناء التي تستوجب الإعتذار للضحايا والتعويض العربي، وفي اعتقادي أن اليمن وليبيا وسوريا ستطالب بذات الأمر.

 

 

·  وتظل بنية الجامعة العربية ونظام الحوكمة المعمول به فيها مثارا للغط والجدل في ظل عالم يسعى لمأسسة المؤسسات الإقليمية والدولية على أسس الحوكمة الرشيدة، فعلى سبيل المثال نجد أن موظفي هذه الجامعة أتت بهم أنظمة بمحسوبية وصلات خاصة وهو أمر يضعها في خانة الفساد الوظيفي، والمرجو أن يكون من ضمن الإصلاحات المطلوبة فتح الوظائف في هذه الجامعة كما هو معمول به عالميا وأن يكون التقديم كما يحدث في وظائف الأمم المتحدة، فمن المدهش أن تجد خبيرا دوليا يتم قبول توظيفه في مؤسسات دولية وترفض حتى استشارته في شؤون منطقته العربية.

 

 

·  كما أن مندوبي الجامعة العربية الذين يتم إرسالهم لمناطق النزاع العربي لا يخرجون من ذات الوصف السابق، فجلهم سدنة لأنظمة دكتاتورية أو حواضن فساد، ولم يسهم مندوب واحد منهم في الوصول لتوافقات عربية في الدول التي فيها نزاع، بل بعضهم أزم الوضع بصورة مقيتة في سوريا وليبيا واليمن.

 

·  تمثل قضية التمويل للأنشطة العربية أكبر عوامل الاختلال التنموي في المنطقة ومع أنها تتلقى دعما دوليا من مؤسسات دولية كصندوق الأمم المتحدة الاستئماني للأمن البشري، والميزانية الدائمة لليونسكو، ألا أن الوزراء العرب وحكوماتهم عجزوا عن وضع صيغ مؤسسية للتمويل العادل والمتكافيء لدول المنطقة.

 

 

 

·  واجب الساعة أيضا هو توسيع التواصل مع "حلف شمال الأطلسي وحلف "وارسو" و "الصين" و "روسيا" والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، وفتح المجال واسعا لوضع خطط تحد من الأنشطة التدميرية في المنطقة العربية وبخاصة التسليح المدمر للمنطقة والزج بها في صراعات وتحجيم التدخلات الدولية في الشؤون العربية، وقطع الطريق أمام الاستقطابات التي ستحرق نيرانها العالم ككل.

 

 

·  الاحتكار النووي قاد إلى ابتزازات نووية، وهو ما يوجب أن يستثمر العرب مواردهم النووية في بناء مفاعلات نووية للطاقة لأغراض سلمية، وفي هذا سيجد العرب أن السودان به أكبر احتياطي يورانيوم يمكن أستثماره لتوليد طاقة تكفي كل المنطقة العربية والمحيط الإفريقي، وأن يتم هذا الأمر بتعاون مباشر مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومبعوثي الجامعة العربية في فيينا والذين ينبغي أن يخضع تواجدهم وتمثيلهم لمراجعة فورية لأن بعضهم من تسبب في الحريق والإعتداء على بعض الدول العربية وشارك في تضليل الأسرة الدولية.

·  البرامج الإنمائية الدولية تحتاج إلى تعاون عربي فعال، ولكن بالصورة التي تشهدها المنطقة العربية التي تعج بمنظمات حكومية غارقة في الفساد والمحسوبية وبعيدة عن المساءلة سيجعل ذلك الأمر تخلف المنطقة وإنسانها أمرا عصيا على المعالجة، وهو ما يستوجب أن يكون للجامعة العربية منظمات عربية تخضع للمساءلة والمحاسبة شأنها شأن وكالات الأمم المتحدة وهيئاتها الفرعية، وأن تتوزع رئاسة تلك الهيئات في الدول العربية المختلفة وألا تحتكر دولة واحدة كل مقار الجامعة والهيئات التابعة لها.

 

·  إن نموذج الأونروا التعليمي في الأراضي المحتلة ظل أكثر النماذج الأممية نجاحا، وهو ما يوجب استحداث نموذج عربي يشمل كل الدول التي تحتاج مساعدات تعليمية للأطفال وبخاصة في بلد كالسودان وصل تسرب التلاميذ فيها إلى الملايين، وكذلك اليمن وسوريا، وما يؤسف له أن المتسبب في تشريد هؤلاء الأطفال من المدارس هو أنظمة وطنية وليس نظاما محتلا، وقد فاق تشريد الأنظمة العربية لتلاميذها خمسين ضعف الأطفال الذين شردهم الكيان المحتل.

 

 

·  منذ عقد المؤتمر الثالث الرفيع المستوى المعني بالطفل في كانون يناير 2004م لم يجد الطفل العربي أدتى درجات الإهتمام، فقد احترق في دارفور الأطفال جراء جرائم عنصرية منظمة، أدت لإبادات جماعية وتطهير عرقي وجرائم عدوان واغتصاب للطفلات، لم تكلف الجامعة العربية إلى يومنا هذا إدانة سلوك نظام البشير، في الوقت الذي أصدر مجلس الأمن عشرات الإدانات لذلك النظام، ساهمت الجامعة العربية وقتئذ في فك العزلة عن ذلك النظام ورئيسه المستبد الباطش، وهو الأمر الذي ألفت إليه الجامعة العربية ولجنتها التوجيهية المعنية بالعنف ضد الأطفال.

 

 

·  أخيرا: إن اللجنة العربية لحقوق الإنسان، لا تكاد تعلم شيئا عن حقوق الإنسان في المنطقة العربية وبعيدة كل البعد عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان،  وتتجاوز الدول العربية في المنطقة الإفريقية الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، ويعد الميثاق العربي لحقوق الإنسان من أشد المواثيق إهانة وإذلالا وتمريغا لكرامة الإنسان، إذ أنه مجرد نص معلق في موقع الجامعة العربية ولا أحد يكترث لأوضاع الإنسان العربي.

 

·  في فترة تاريخية مضت أثارت مبادرة السادات جدلاً هائلاً في العالم العربي وأدت إلى طرد مصر من جامعة الدول العربية، واليوم أشبه بالبارحة ليست مصر وحدها من تقود خطا أشبه بمبادرة السادات، يشاركها في ذلك دول خليجية أخرى تسعى للتطبيع يشاركهم الجهد قائد الجيش السودان وأنظمة مغاربية، هذا الموقف زادت حدته ودرجة الاستقطاب فيه بصورة لن تتسبب في طرد دولة من الجامعة العربية وإنما سيكلف العرب جامعتهم برمتها وربما أدى لتفكيكها.

 

·  ختاما: إن السودان له حلقات انتماء إسلامية وعربية وإفريقية وظل يحاول الحفاظ عليها على الدوام بتوازن وتواد وإخاء ولكن السودان الذي ظل مجرورا في ذيل الدول العربية حضورا وقرارا ومشاركة وفعالية استمرأ العرب إذلاله وإهانة مواطنيه وحكامه، ولكن هذا العهد قد ولى زمانه، وأمام القادة العرب النظر بعين الإعتبار لهذه الدولة بعين الوعي والإدراك، لا بعين المخابرات التي تزين لدكتاتوريي الأنظمة العربية ضرورة قتل الديمقراطية السودانية في مهدها، لأن أي محاولات لفك الخوانق الأمنية والمائية والغذائية والمناخية والهجرة لن يتم حلها إلا عبر السودان، ولن يمكن إحداث ذلك إلا بدعم الاستقرار فيه، ولن يتحقق الاستقرار في السودان بدون الاستجابة لمطالب ثورته في الحرية والسلام والعدالة، وهو ما يعني أن أي دعم عربي لقادة الإنقلاب في السودان دعم لـ (اللا إستقرار)، وهو ما سيحدث هزات سياسية وأمنية في المنطقة العربية والبحر الأحمر والقرن الأفريقي ويؤخر تحقيق الحلم الغذائي العربي، وحلم الاستفادة من الموارد النووية السودانية.

 

·  هذا إن أراد (العرب) التعاون مع سودان (الغد) ورسم مستقبل مشترك للمنطقة والعالم والإقليم، وإن زهد (العرب) في السودان (العربي)، فهو الأزهد لما رآه، فقد قدم للعرب كل شيء من موارد وخبرات وخدمات ولكنه لم يجن إلا "الحصرم"، وحصاد "الهشيم"، وغياب الأمن، وشح الغذاء، وكوارث لا حصر لها خلفها الإنقلاب المدعوم عربيا، فهل سيقدم العرب دعمهم للسودان، سيبق ذلك الدعم اعتذارهم عن دعم الإنقلاب، وتعويضهم للسودان بدعم تنموي أم أنهم سيتبعون خطط أجهزتهم الأمنية والاستخبارية لتنصيب حكام مستبدين في السودان يهربون لهم قطن وذهب وموارد السودان ويسومونهم جنود السودان في سوق الحروب بثمن بخس؟؟!!

 

 عروة الصادق

٣١. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com




السبت، 29 أكتوبر 2022

دين الإخوان وقدسية وادي البرهان

دين الإخوان وقدسية وادي البرهان


• يريد البرهان أن يخلع الشعب السوداني نعاله في هذا الوادي الذي تجري فيه دماء الأبرياء، فيهرعوا إليه حفاة مجردين من شعاراتهم: (الحرية السلام العدالة)، ويكونوا داجنين خانعين راضين بما ارتكب من فظائع اقترفها هو وفلول النظام السابق وسدنة الإنقلاب، ويرى أن هذا الوادي النجس يستمد قدسيته من مشروع أيدولوجي إخواني معبأ بهتافات التنظيم والحركة المحلوليين، وملتزما ببيعتهم ومنتظما في سلك المنظومة الخالفة، واختار لذلك دغدغة المشاعر بالتمسك بقيم الدين وعدم التفريط فيها، مصورا بذلك قدسية متوهمة لهذا الوادي النجس.



• الأمر الذي يعلمه السودانيون جميعا أن أقصر الطرق التي ظلت تستخدمها الأنظمة الشمولية هو الأيدولوجيات يمينا ويسارا واستمالة عقول وقلوب السودانين هو التدين الشكلي، والابتزاز واستثارة الناس بدعاوي المساس بالمعتقدات، فيتشدد الناس في المظاهر ويتركوا الجواهر، ويشيدوا المساجد والمعابد ويتركوا المقاصد، ولجهل البرهان أو القائمين على تشييد المسجد الذي افتتحه في منطقة بئر حماد غربي أم درمان، أن تلك المنطقة من المناطق الحديثة جوار سجن الهدى، وبها تزايد مضطرد للكثافة السكانية وتحتاج إلى أبسط مقومات الحياة وخدمات تسد الجوعة وتؤمن الخوفة كما قال الفاروق رضوان الله عليه: (إن الله استخلفنا على عباده لنسد جوعهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإذا أعطيناهم هذه النعم تقاضيناهم شكرها)، فهؤلاؤ ليسوا بحوجة إلى مسجد فقد جعل الله لهم الأرض مسجدا وطهورا، ولم يقدر البرهان حوجتهم للإطعام من جوع والأمان من خوف الجماعات المنفلتة والمتطرفة، حتى يعبدوا رب هذا الدين : (ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ) (قريش - 4).




• اتخذ البرهان من هذه المطية الدينية سبيلا جديدا للخداع على غرار الكذبة الأولى في 1989م، بخديعة (ألا لدنيا قد عملنا نحن للدين فداء)، وحاول ابتعاث الكهنوت الإخواني من القبور المبعثرة في وادي الإخوان، لينتفضوا ممهدين له الطريق أمام خديعة أخرى وليزينوا له سوء عمله، ويمهدوا له الطريق للاستمرار في الحكم ردا لجميل إرجاعهم وتمكينهم من مفاصل الحكم في البلاد وحفظ مصالحهم وحماية رموزهم داخل البلاد وتسهيل تهريبهم خارجها.



• وهو الآن يحاول أن يبيع كل ما لديه من خطط يقدمها له مستشاروه ومكتبه الإخواني وإمارته التنظيمية في القوات المسلحة، لإبقاء أبواب المعبد مفتوحة، سواء كان ذلك بـ (الدين) لمعشر الجاهلين به، أو بـ (العجين) للجوعى والمسغبين، ولو كلفه الأمر دفن المزيد من الجماجم في ذلك الوادي واسترخاص الآلاف من نفوس الآدمين، وترويع الآمنين.




• وفي سبيل ذلك لم يتورع في الاستعانة حتى بالجماعات المتطرفة والتيارات الدينية المختلفة، وفتح المجال للتناظر العنيف والتضاد الديني في أوضاع هشاشة اجتماعية وأمنية وظروف إقتصادية غاية في البؤس، محفزة للاستقطاب على أسس دينية، وقطع الطريق أمام التأسيس لمشروع وسطي جامع لأهل القبلة في السودان وممهد للتعايش مع أهل الأديان ومسهل للحوار مع الآخر الثقافي والحضاري.




• هذه الخطوات الثيوقراطية هي أساس التدرج الهرمي لسيادة الأفكار الدكتاتورية والمفرخ للنظم الشمولية التي تصب الزيت على النار وتلهب مشاعر البسطاء، لتصوير أن هناك تيارات رافضة للتدين، وتتصيد مواقف أفراد لوصم تيار كامل بأنه مغاير لوجدان الشعب السوداني وكل ذلك هدفه لجر الفرقاء إلى ملف صراع ليس محله الفترة الانتقالية وهو ملف الدين والدولة.



• ما شهدناه من ممارسة باسم الدين في هذا الوادي الإخواني خلال الثلاثة عقود المنصرمة بعهديها الترابي والبشيري، هو ما يحاول البرهان استعادته بحذافيره، لتطبيق فظائع ناسوتيه وإصباغها بصبغة لاهوتيه، فقد أحال البرهان رئيسه البشير إلى السجن حبيسا ليدخل القصر رئيسا، ويعود ليمكن النظام المباد وهو يتحدث عن دين يقول نبيه صلى الله عليه وسلم: (مَن غَشَّ فليسَ مِنِّي).



• وواصل البرهان في ذات ممارسات النظام المباد وأفلح في إعادة انتاجه وتجديد شبابه بانقلاب 25 أكتوبر 2021م، ليكون بذلك خائنا للعهد، متعمدا الكذب ومتناسيا (وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) (يوسف- 52)، ومزق الوثيقة التي أسست الفترة الانتقالية العلاقة التعاقدية بينه وبين شركاء الحكم، والدين الذي يتحدث عنه البرهان يقول: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (الإسراء - 34)، واستحق بذلك أن يكون من الذين: (أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٌ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (البقرة - 100).




• هذه الحالة هي خطوات كذوبة لتخليق وضع ديني يساعد البرهان على الهروب والنجاة، وحرمان الشعب من ممارسة حقه الفطري والإلهي في الحرية وإرغامه على اتباع دين الإخوان، وتأسيس دولة ثيوقراطية جديدة، وهو ما يجب محاربته على طول الطريق لارتباط تلك التجربة الدينية بالبطش والحروب الأهلية والقتل والترويع والتعذيب.




• حاول البرهان غسل عار انحيازه للثورة وما سماه الإخوان خيانة ورد الجميل لهم بسفك دماء الأبرياء من أبناء وبنات الشعب السوداني وفي سبيل ذلك اتخذ سبيلا للتحالف النجس بينه وبين أوليك الذين: (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ) (الأنعام: 112) سبيلا لنشر الترويع وانتهاك الحرمات وقتل الأنفس، وسفكت في عامه الإنقلابي الأول دماء ما يفوق الألف نفس وألفي ضحية وعشرات الآلاف من النازحين واللاجئين مخالفا بذلك نصا يردد إلى قيام الساعة: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) (النساء:29).




• أما إذا استرسلنا في سرد فظائع إنقلاب البرهان فقط وقرأناها مع نصوص الدين المنزل لوجدنا أن المقصود ليس النصوص المتواترة المتبعة، وإنما هو ممارسات مبتدعة ولكنها ليست جديدة في عرف الطغاة كظاهرة الاعتقال السياسي والتعذيب والتصفيات للخصوم، وعمليات الفساد وحماية رموزه، شأنه في ذلك شأن كل الأنظمة المحيطة الشمولية والاستبدادية.



• هذا النقاش الذي فتحه البرهان وردده نائبه دقلو، هو تخوف من فزاعات ظل تجار الدين يلوحون بها في كل الحقب وكل العصور، وتمارس من مختلف الأديان، إلا أن الجماعات الإسلاموية في السودان، قد شاب مماراستها الدينية فجورا وجرائم ترقى لمخالفة شرع الله ونصوص دينه الحنيف، ومع ذلك ظل ملف المناورة الأول هو ملف الدين وعلاقته بالدولة وهذا ما نشهده من هتافات ممجوجة تصبغ الدين بالدم (فلترق كل الدماء)، وترفض قيم اللبرالية، والتي تتسق مع صحيح الدين كحرية الاعتقاد (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (الكافرون - 6)، وحرية التعبير(وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ) (الكهف – 29)، وحرية الضمير والإعتراف بالآخر (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة - 8).



• ختاما: من المؤكد أن الممارسة الفعلية واليومية أثبتت أنه لا أحد يستطيع إحداث فصل واضح بين الدين والدولة، ولا بينه وبين الحياة العامة، بل حتى مسيرة الثورة ارتبطت بالعبادة الجماعية والتدين الواعي، واستصحب الثوار الشعائر الدينية في مواكبهم وتشييع شهداء الثورة، وعمدت الحرية والتغيير لخلق توازن أقليات للتمثيل في مجلس السيادة، ولم تنح الحكومة الإنتقالية إلى إلقاء الحقائب والوظائف الحكومية الدينية الموروثة في غيابة الجب، وإلغائها وزارة كالشؤون الدينية والأوقاف، كل هذا يؤكد أن علاقة الدين بالدولة في السودان النقاش فيها سابق لأوانه وأنها ملف برامجي يعمد به الشعب السوداني من يشاء ثيوقراطيا كان أو علمانيا، محافظا أو ليبراليا،  أو غيرهم، ولكنها ليست ملفات للمناورة السياسية كما يفعل البرهان في وادي الإخوان.

عروة الصادق

٢٩. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com


الجمعة، 28 أكتوبر 2022

مواكب الثوار ومسيرات الفلول والسدنة

مواكب الثوار ومسيرات الفلول والسدنة



■ أولا: المواكب الكريمة

● مواكب واحتجتجات ٢٥ أكتوبر كانت عبارة عن موجات ضغط جماهيرية عالية شملت كل مدن السودان وشاركت فيها كل القطاعات، ومثلت الضربة الموجعة للإنقلاب وهي تمهد الطريق بإذن الله لخروج العسكر نهائيا من أي عملية سياسية وإلى الأبد.



● الحديث عن أنها أظهرت الرفض لأي حل يستصحب العسكر فهو ليس بالأمر الجديد، فالجميع بمن فيهم العسكر مقرون بالخروج من العملية السياسية وقرروا ذلك، ويشاركنا المجتمع الإقليمي والأسرة الدولية في ضرورة تكوين سلطة مدنية ذات مصداقية وخروج العسكر منها.



● أما إذا كان المقصود هو التواصل مع العسكر، فهو ليس بالأمر الخفي، وإنما تحركات معلنة وبأجندة منشورة، ضمن ما عرف بالعملية السياسية التي هي ثالثة ثلاثة عمليات تسير بالتوازي بجانب الضغط الشعبي والحصار الدولي، وجميع محاولات التخوين التي انتشرت حملاتها من الفلول والسدنة وأبواق النظام البائد، سرعان ما تلاشت شريعا، وصمدت الرؤية المعلنة والوحيدة حاليا بوضوح لم تقدمه كل المبادرات والرؤى الأخرى، وهي ليست كمالا سياسيا فهي مطروحة للجرح والتعديل ولن تتم إلا بعرضها النهائي على الجماهير والقطاعات الثورية الفاعلة والتوافق عليها.




● في هذه الأثناء تمضي العمليات الثلاثة وصولا لإسقاط الانقلاب وإنهاء إجراءاته وإبطال قراراته، بالعملية السياسية والضغط الشعبي والدولي، وهو ما تقابله صيحات من تيارين آخرين راديكاليين تطابقت رؤاهما وممارستهما الفعلية حتى قبل سقوط الحكومة الانتقالية فكلاهما عملا ممهدين للإنقلاب بوعي أو بدونه.




■ ثانيا: المسيرات اللئيمة

• أما هذه التجمعات التي تنادت لمسيرة ما سمي بموكب الكرامة، هو تحالف تخلق منذ سقوط النظام المباد، وبدأ متدرجا تحت عدة مسميات ابتداء بالتيار الإسلامي العريض، وصولا لمبادرة أهل السودان، وهو تحالف يضم فلول النظام السابق وحلفاء الحزب المحلول وواجهاته الشبابية والطلابية والنسوية.



• إنضم إليهم بعض سدنة إنقلاب 25 أكتوبر 2021م، وهؤلاء جميعهم تحركوا لخلط الأوراق السياسية، حينما أيقنوا أن العسكر قد استيأسوا منهم، ويحاولون إعادة ترميم صفوفهم والاحتشاد من جديد كما فعلوا في أكتوبر 2021م أمام القصر الجمهوري، وذلك للإيحاء للعسكر بأنهم أغلبية وعلى قائد الإنقلاب الشروع في تكوين حكومة تصريف أعمال بصورة عاجلة دون الركون للحرية والتغيير ولا الاستجابة للضغوط الإقليمية والدولية الداعية لتسليم الحكم لسلطة مدنية ذات مصداقية.



• ما يؤسف له أن الإنقلاب مكن هذه الجماعات الإخوانية من الأموال التي نهبوها طوال الثلاثين عام المنصرمة، والتي جمدتها لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، وفتح المنصات الإعلامية ووفر لهم الحماية وسخر لهم شبكات الدعاية الإعلامية التي تشرف عليها جماعات فاغنر الروسية، وشكل لهم أتيام حماية بإشراف من القصر مباشرة، وأعادهم إلى مفاصل الدولة التنفيذية والإدارية وقيادة القوات النظامية.



• وسخر الانقلاب تذاكر طائرات وسفريات برية للمئات من قادة الإدارات الأهلية وهيأ لبعضهم فنادق في قلب العاصمة، وأجرى ترتيبات أمنية عالية تؤمن لهم سلامة المسيرات اللئيمة، وفتح لهم المسارات سالكة للاحتشاد أمام مقر اختير بعناية وهو مقر البعثة الأممية التي تم التجهيز لشعارات ولافتات تحمل الرفض والتنديد برئيسها وبالسفارات الأجنبية، كل ذلك تحت دعاوي السيادة التي مرغها غندور المحرض على تلك المسيرات، والجزولي الذي بايع في يوم من الأيام البغدادي وألحق السودان برمته ولاية تابعة للدولة المزعومة في العراق والشام.



■ ختاما:
● إن مواكب أكتوبر قد فعلت فعلها وأزعجت الجميع لأنها فاقت التصورات، واتسمت بالتنظيم العالي، وفشلت محاولات جرها لمربع العنف الذي مورس ضدها من قوات الانقلاب، أو تجييرها لجهات اجتهدت في زراعة عناصر سياسية تحرض للاصطياد في الماء العكر، وستمستمر تلك المواكب في كل المدن وسيتواصل التصعيد والتنسيق بين التنسيقيات والقطاعات المختلفة لتحقيق إضرابات واعتصامات، وصولا للعصيان المدني الشامل.

●  أما هذه المسيرات والتحركات الصبيانية  لن تثبت إلا حقيقة واحدة وهي أن إعادة انتاج النظام البائد قد تمت بالكامل بانقلاب 25 أكتوبر وأن الجنرال البرهان استعان بالتنظيم الإخواني وواجهاته ليسخروا له الطريق نحو انتخابه رئيسا للجمهورية ويوفروا له الحصانة من الملاحقة الجنائية، وهو الأمر الذي يعد ضربا من المستحيل في ظل تنامي السخط الجماهيري، وازدياد درجات الاحتجاج في كل مدن السودان والمهاجر المختلفة، ولن يفلحوا مجتمعين في إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء.


● ولقد استنفذ الفلول خياراتهم و‏لم يتبق لمستشاري ‎البرهان سوى أن يأتوا له بقميص (ميسي) كالذي أتى به (أُبي) مستشار ‎المخلوع، وهذه الأموال التي تصرف لتحريك (السدنة) وحشد (الفلول) و(الفاسدين) ستكون وبالا عليه، فهو جبان وكاذب استأمن لصوصا وقتلة لم يتورعوا عن حرق قادتهم وتدبير التصفيات لهم، ولكنه بخل واستغى فيُسّر للعُسرى.




عروة الصادق

٢٨. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com




الخميس، 27 أكتوبر 2022

استخدام غريزة الاحتماء بالقبيلة في الصراع السياسي

استخدام غريزة الاحتماء بالقبيلة في الصراع السياسي

● مقدمة: من الطبيعي أن يحتمي الإنسان من عوارض الدهر بضدها، فهو يستعين بالظل على الهجير والحرور، وبالماء على الجفاف واليباس، وعلى البرد بالدفء والغطاء، وعلى السهر والسهاد بالنوم، ولكن أن يستعين الإنسان على العوارض النفسية والسياسية والإقتصادية والأمنية بمزيد من التأزيم والتخندق في أتون الأيدولوجيات المقيتة والسياسات الخاطئة والحروب الأهلية فهو استجارة بالنار من الرمضاء.



● غريزة الإحتماء تملكها غالبية الكائنات الحية وحتي تلك التي لا تملكها تتكيف على العوارض حتى الهلاك، وأمامنا مجموعات بشرية آثرت الاحتماء والتصرف بطريقة دفاعية تدميرية، يشبهها الفلكلور السوداني بحصار القطط (الكديس "القط" لو ضايقتو بخربشك)، وقد اختارت تلك المجموعات السياسية والمسلحة والقبلية والانتهازية ورجالة الأعمال والعسكر، اللجوء إلى أسهل طرائق الإحتماء للدفاع عن أنفسهم، فلجوءا للولاءات الأولية التي تكون المجتمعات الإنسانية ويسعون جاهدين لتقسيم حتى تلك الولاءات لتشكل لهم حواضن تحميهم ويراهنون عليها ويرهنون بها مستقبل الوطن.



● وليسهل الطريق للإحتماء بالقبلية في السودان، تمت تعبئة العقل الجمعي بفرضيات هدمتها ثورة السودانية وهي أن السودان طرائق وقددا مختلفة ومتفرقة ومحتربة لا يرجى أن تعيش في سلام ووئام، فجمعت شوارع الثورة أبناء وبنات السودان، ووحدت وجدانهم وقربت مسافاتهم وحققت التعايش بينهم في مشاهد ظل السوادنيون يبعثون عنها منذ الاستقال.



● كما حاولوا إيهام العوام بأن للأجنبي دور كبير يتحكم في القرار الوطني، ورموا كل قادة القوى السياسية والنشطاء بالعمالة والارتهان للأجنبي والارتماء في أحضانه، وحشدوا لذلك مواكب متقطعة أمام مقار البعثة الأممية وبعض السفارات وهتفوا بطردها ونددوا بوجودها في الخرطوم.



● ومضوا إلى تخوين الجميع وعبأوا الجماهير بأكاذيب مضللة، بأن الحكومة الانتقالية تريد أن تبيح المحرمات والرذائل، وتفتح البارات والخمارات وبيوت الهوى، وأجهشوا بالبكاء في المساجد، وأرغوا وأزبدوا في المنابر، وتنكروا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سمع رجُلًا مِن الأنصارِ فقال يقول : يا لَلأنصارِ وقال المُهاجريُّ : يا لَلْمُهاجِرينَ قال : فسمِع النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذلك فقال : ( ما بالُ دَعْوى الجاهليَّةِ ) ؟ فقالوا : يا رسولَ اللهِ رجُلٌ مِن المُهاجِرينَ كسَع رجُلًا مِن الأنصارِ فقال : ( دَعُوها فإنَّها مُنتنةٌ ) فقال عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولٍ : قد فعَلوها لئِنْ رجَعْنا إلى المدينةِ لَيُخرِجَنَّ الأعَزُّ منها الأذَلَّ فقال عُمَرُ : دَعْني يا رسولَ اللهِ أضرِبْ عُنُقَ هذا المُنافِقِ فقال : ( دَعْه لا يتحدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحمَّدًا يقتُلُ أصحابَه )، وكم منهم من جاهل، وكم منهم من مماثل لبن أبي سلول يفوقونه نفاقا وتملقا.



● وتحت دعاوي الإستهداف للبلاد من قبل دول المؤامرة والكيان الصهيوني والماسونية العالمية، استنفروا شباب القبائل والطرق الصوفية والإدارات الأهلية وشيوخها، وزجوا في عقولهم ترهات ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يفتح الله عليهم بأن يبينوا لهم أن الذي اجتهد وجد في سبيل التطبيع هو رأس الإنقلاب الذي حشدت له القبائل لتفويضه حاكما عاما عسكريا على السودان.




● وبهذا التنادي القبلي فتح الباب على مصراعيه لـ (الفزع) القبلي والفزع النفس، فاستنفرت القبائل بطونها، وتنادت العشائر، وثارت الحمية لتجناز الحدود، وتتدخل قبائل من دول جارة في الصراع، ويستفحل الأمر ليتم الإحلال والإبدال لمجتمعات سودانية بتلك القبائل الوافدة، وتغيير ديمغرافيا سودانية كاملة بأخرى قبلية خالصة لا تعرف عن السودان إلا أن أحد أبنائها في رأس سلطته ووجبت نصرته، وهو ما فتح الباب لاحتماء قبائل سودانية لجوءا إلى دول أخرى وهو الأمر الذي تطور لتسليح وتسليح مضاد وتباري بين تلك القبائل في استقطاب الدعم اللوجستي والأمني والدعم السياسي ويمكن الإشارة باقتضاب إلى الصراع في تشاد والسودان.




● أيضا عززت سياسات الحكومة الخاطئة من تلك الردة إلى القبيلة، فقد لعبت لعبة الاستعمار بالحدود، ومعلوم أن حدود الأراضي القبلية قد أنشئت خلال الفترة الاستعمارية، وعمدت بعض الدوائر الاستخباراتية والأمنية منذ النظام السابق على اللعب بهذا الكرت، وتقسيم مديريات السودان وأقاليمه الموروثة إلى ولايات والولايات إلى محليات وتمت تسمية بعض الولاة على اسس قبلية ورسمت حدود واستحدثت ولايات على أساس القبيلة، الأمر الذي جعل السودان عبارة عن مناطق قبلية، يمكن أن تتحول إلى مناطق قبائل أشبه بالتي في باكستان وأفغانستان.




● أكتب وأنا بن قبيلة لها ارتباطات بقبائل شتى رحمية ومصاهرة ونسب وقلبي واع وعقلي مدرك وعيني مفتوحة على تعقيدات العلاقات القبلية في السودان، والتي يتخذها البعض مطية للتكسب الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ويراها آخر أنها أفضل فرصة للنيل من الخصوم الذين يتم تصويرهم كأنهم لقطاء بلا أهل ولا آباء ولا قبائل، ويستمر ابتزازهم بالقبيلة ليلجأوا إلى قبائلهم أو يعزلوا عنها وينفوا منها حال لم ينجح مخطط زجهم في الصراع القبلي المقيت.



● نعم! السودان الموروث بحدوده التاريخية بلد متعدد الثقافات والقبائل والإثنيات والأديان، به عدد من العوائل اللغوية، التي أفرزت مئات اللهجات واللغات والقبائل وآلاف البطون، وتهيمن الإنتماءات القبلية على المجتمع بصورة كبيرة، عكفت كل الأنظمة الديمقراطية منذ الاستقلال وأجهزة الدولة الرسمية إلى تقديم الإسناد والدعم المطلوب لتعليم البيوتات القبلية ونقلها من محط القبيلة إلى محيط الوطن، وتطوير أنظمتهم الإدارية، ودعمهم بالتشريعات والقوانين، والإسناد من أجهزة الدولة ليسهموا في التعايش والسلم واستتباب الإمن في شراكة متطورة مع الدولة، إلا أن الأنظمة الشمولية وفي كل الحقب والفترات اتخذت من التجهيل والزج في الحروب والتجييش لتلك القبائل لصالح مشاريع واهمة آخرها وأشدها فظاعة مشروعي الحرب الجهادوية في جنوب السودان التي قادت لانفصاله، ومشروع الحرب على الهوية في دارفور والمنطقتين.



● لذلك نجد أن السودان تمزق وشعوبه تقطعت بها السبل والأرحام، ووصل الخصام للقتال في مناطق متجاورة لما يزيد عن الخمسمائة عام كـ (المعاليا والحمر، الزغاة والميدوب، الفلاتة والهبانية، البرتي والزيادية، النوبة والمسيرية .. الخ) وتناسلت تلك الخلافات لتتسع وتشمل حتى بطون القبيلة الواحدة (زرق وحمر)، وما إلى ذلك من دعاوي يستثمرها حتى اليوم دعاة المشروع الإسلاموي الذين لا يقرأون قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات الآية: (13)، ويصورون أن الكرامة باللون أو الجنس أو النوع.




● ومضت الحكومة المبادة والسلطة الإنقلابية الحالية إلى أبعد من استقطابات عابرة وإنما أسست لمساوئ سياسات أسست على الهوية القبلية والإثنية، وعقدت المشهد بتجنيد وتسليح على أسس قبلية، وعمق ذلك من أزمة الديمقراطية في السودان، وأعاق استمرارها واستدامتها، ومثل رافع القبيلة جزءا مهما للترقي السياسي، بل شكل في فترة من الفترات كيان القبيلة المدخل للحصول على سلطة سياسية أو خدمات إجتماعية أو دوائر انتخابية، وفي ذلك نشطت إدارة القبائل المستحدثة وقتئذ في جهاز الأمن الوطني لاستقطاب قادة الإدارات الأهلية للقبائل والتضييق على المناوئين لهم والتمهيد لنافع على نافع ورموز الحزب المحلول للحصول على ما أسموه وقتها (البيعة) والتي استهدفوا بها مناطق ولاءاتها قومية ومزقوا كيانها المجتمعي، لتأتي إدارات الاستخبارات في مؤسستي الجيش والدعم السريع لتتقاسم بيانات الإدارة الأهلية التي وجدوها في هذه الوحدة، وينشط كلا الجهازين في استقطاب تلك الإدارات للتحشيد لمشروعه.



● لذلك لا يستطيع أحد إنكار أن المجتمع السوداني انحدر بصورة مريعة من القومية و (السودان للسودانين) إلى (السودان للفلانيين والعلانيين) ومقولات قبلية (ولدنا خط أحمر) والتي  حطمها وعي كبير لأحد نظار شرق السودان الناظر دقلل الذي قال: (الوطن خط أحمر و تفنى الشخصيات و يبقى الوطن، ويرث الله الخالق الأرض و من عليها)، وهو ما يعني أن من بين تلك الإدارات والبيوتات الأهلية يلوح وعي كبير بالقومية والإنتماء للوطن وهو ما سيسهل الوصول للحكم الراشد والديمقراطية والخروج من قمقم الاستبداد والقبلية المقيتة.



● قد يستصغر البعض حراك بعض الفلول وسدنة الإنقلاب العسكري في السودان، للاستقواء بالقبيلة والاحتماء بها، ولكن ما لم تضطلع الكيانات القومية في البلاد بدورها، وتنشر وتنشيء دورها ومراكزها السياسية كالدور الحزبية، والإجتماعية كالجمعيات والمنظمات، والثقافية كالمراكز والأندية القومية والرياضية، والإقتصادية كالأسواق الصغيرة المتنقلة (أم دورور) وغيرها من معززات الممسكات الوطنية، حتما ما لم يحدث ذلك ستتفاقم النزاعات القبلية المؤدية إلى حروب دائمة أو طويلة الأجل كحرب البسوس وحروب القرون الوسطى في أوروبا، وما حدث في النيل الأزرق ليس ببعيد.



● الخلاصة:

• إن أية محاولات تسكينية مؤقتة للصراع لن تنجح في نزع فتيل الأزمة ولن تلفح في حتى في إخماد نار الصراع فقد رأينا بأم أعيننا كيف تهاوت اتفاقية أبوجا الأولى ومن بعدها اتفاق الدوحة، والآن يتصدع اتفاق جوبا، وهذا الأخير الذي يتم ترقيعه بما يعرف بمؤتمر المصالحات القبلية في ولايات دارفور،  الأمر الذي يزول بزوال المؤثر المؤقت وهو الأموال التي صرفت لبعض قادة الإدارات الأهلية وبعض العون الصحي والخدمي والإنساني الذي لا يذكر، دون مخاطبة للاحتياجات الحقيقية لأهل الإقليم خصوصا النازحين واللاجئين ودون تحقيق عدالة حقيقة فيما يخض ضحايا الصراع.



• حتى النماذج البسيطة التي حاول قادة السلطة في دارفور معالجة الصراع بها خاطئة ويمكن أن تقود لكوارث قبلية كبيرة، فمعلوم أن السلطة الآن تهيمن عليها حركات ذات طابع إثني محدد وأي محاولات لإحداث استيعاب للقوات ودمجها وتكوين جيوش وشرطة في المنطقة على أساس تلك الجيوش سيقود إلى شرطة قبلية صرف، وهياكل عدالة قبلية ستتورط أكثر وأكثر في أتون الصراع القبلي، لذلك يجب الاستدراك أن تتم عمليات الدمج في الجيش القومي اتحاديا وتوزع تلك القوات داخل القوات المسلحة في مناطق يحبذ أن تكون غير دارفور، لتخرج من إطار (الحواكير العسكرية)، وتندمج مع غيرها من الكتائب واللواءات والمناطق العسكرية الأخرى.



• إذا استمرت السلطة الإنقلابية والسدنة والفلول في إيقاظ الفتن القبلية واستثارتها بالوفود التي تتحرك بتمويل من البرهان ومكتبه أو توجيه من دقلو ومستشاريه فلن ينعم السودان بالاستقرار، ومن المؤكد أنه ستكون انفجارات وحروب قبلية لكن لن يكون من ضحاياها البرهان ولا مستشاريه ولا دقلوا ولا حاشيته، لأن ضحايا مثل هذه الصراعات هم البسطاء والخسائر الهامشية وليسوا سوى مجرد أرقام بالعشرات أو المئات أو الأولوف لا يعرف أحد أسماءهم أو قبيلتهم حتى في كثير من الأحيان.



• إني قد مضيت في صراع ذاتي كبير بيني ونفسي لأن أنحاز إلى عصبية القبيلة: (الحمية، والجاهلية، والعصبية، والأنانية، والإنغلاق،  ...الخ)، أو أتحلى بأعرافها الحميدة الخالدة: (المروة، والنجدة، والشجاعة، والفراسة، والهمة، والشهامة والكرامة والعزة، وغوث الملهوف،..الخ) فاخترت الأخيرة ونبذت التحلي بروح قطاع الطريق، وبذلت وسعي لقطع الطريق أمام الزج بأهلي وقبيلتي في أتون صراعات مقيتة - ولا زلت- وهو الأمر الذي ينبغي أن يعمل عليه كافة أبناء السودان وأبناء هذا الجيل ويبدأوا بتحجيم نزعتهم القبلية ومصالحهم الفردية والانتقال للتفكير بشكل إنساني أعم وأشمل لنصل إلى مجتمع التعايش والسلم الاجتماعي.




• كما على رجال الدولة ومراكز القرار السياسية والاقتصادية والاجتماعية هدم الجدر القبلية الحدودية التي تفصل الشعوب وإلا ستنشأ جدران حقيقة حديدية كالتي شيدها المعتوه دونالد ترامب بين الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك، وحينها سنشهد احتكار قبلي للموارد والخيرات والأموال والمرافق القومية ليصبح الوطن رهينة في أيدي زعماء العشائر وتصير الثروات في أيديهم كما حدث في ليبيا بعيد سقوط نظام العقيد معمر القذافي، وبوادر ذلك الأمر تتبدى في إغلاق الطرق القومية والموانئ وآبار النفط وحقول البترول.



• ما لم نتدارك الأمر اجتماعيا أيضا سنرتد لعهد الأوشام و(الشلوخ) القبلية، وربما شهدنا العودة إلى دعاوي الرق والاستعباد، واستحلال الحرمات التي استحلها النظام البائد يوم أن شهد شيخ المشروع الإسلاموي حسن الترابي باعتزاز ربيبه عمر البشير بارتكاب فظائع واغتصاب في حق نساء إقليم دارفور في فيديو شهير منشور في وسائط التواصل الإجتماعي.



• وعلينا الوقوف بشدة في وجه أي تكوينات مسلحة على أسس قبلية أو جهوية قديمة أو قائمة أو قادمة، والمناداة بضرورة إدماج القائمة في الجيش القومي الموجد الذي يحتكم للسلطة المدنية والدستور ويحمي الديمقراطية والأرض والعرض، وألا يلعب المستوطنون دور أبطال القبيلة ليحكموا الوطن باسم قبائلهم، وأن يتم إيقاف الاستحواذ القبلي على الموارد وإيقاف القبليين الجيولوجيين الذين يريدون الاستئثار بالثروات ليس لأهلهم ولا لقبيلتهم وإنما لذواتهم، وهو ما رأيناه في بترول الجنوب.



● ختاما: 
• ليس من السهل التخلص من القبلية ولكن من السهل جدا تحقيق السلام الاجتماعي بين المجتمعات القبلية المختلفة، متى ما تحققت الإرادة وأتت الإدارة التي لا يعرف أحد قبيلتها أو عشيرتها، ومتى ما مهدنا الطريق إلى السلام العادل الشامل، سيجد كل إنسان أن مكاسبه في الدولة القومية أكبر منها في مضمار القبيلة الضيق، وأنه بالإمكان أن يحصل على امتياز كبير في حواكيره القبلية ولكن بالإمكان أن يحوز على امتياز أفضل وأكبر متى ما تساوت الفرص القومية، وأن مصالح القبائل كمجتمعات متماسكة ستتحقق جميعها في ظل الأوضاع المستقرة ويمكن أن ترعى أنعامهم باتفاقات قومية ودولية ملزمة، وأن ترعى مصالحم ضمن أطر دستورية وقوانين وحوكمة راشدة.



• ولكن إذا استمر التحشيد والتجييش واحتكار الموارد والبلاد لتمويل أنشطة القبيلة ستصاب حتى القبيلة بأمراض إجتماعية وسياسية لن يصعب حلها بقانون القبيلة، ولن تكون العدالة القبلية هي الملاذ الآمن لتلك المجتمعات نفسها، لأن الإنصاف سيكون لصاحب المال والسلاح داخل القبيلة التي يهيمن على القرار فيها أسرة أو بطن أو بيت أو فرع من الفروع، وهو ما سيحدث الهزة الكبرى في كيان الدولة والمحيط الإقليمي وتنعكس ارتداداته على الأمن والسلم الدوليين.



• إن هشاشة الوضع السياسي في البلاد تقتضي النهوض من ركام القبلية إلى توحيد الكلمة والتعاضد، وتجاوز كل الخلافات البينية بين تلك العشائر والقبائل بإبرام مصالحات حقيقية نابعة من المجتمعات المحلية لا بالإملاءت الفوقية أو الحوافز المالية، وأن ينشط في ذلك (أولاد القبائل) الذين يتحلون بالسمت السوداني الأصيل ولا يتبعون نزغ السلطة ولا المال والسلاح ولا أخلاق قطاع الطريق، حينها سيتحقق السلم الإجتماعي وتندحر جيوش القبائل ليتقدم الجيش القومي السوداني.


• الرحمة والمغفرة لشهداء الوطن في عليائهم، فهم الذين قضوا نحبهم ومضوا إلى ربهم وإلى الآن لا أحد يعرف قبيلتهم، لأنهم ظلوا يرددون حبهم لله والوطن والإنسانية، وقد تماسكت أطرافهم دون أن ينظروا لألسنتهم ولا لألوانهم ولا لأجناسهم، كما تعاقد آباؤهم الأوائل وربطوا أطرافهم ببعضها ليواجهوا المستعمر، والوفاء لهؤلاء الشهداء هو السير في نهجهم الذي يجمع ولا يفرق ويحقق التعايش وينهي الحروب.



عروة الصادق

٢٨. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com




الأربعاء، 26 أكتوبر 2022

سيناريوهات (طبيعية) و (اصطناعية) لمحتملات الأزمة السودانية

سيناريوهات (طبيعية) و (اصطناعية) لمحتملات الأزمة السودانية



• بعد مواكب الخامس والعشرين من أكتوبر، اتضح جليا للعالم قبل السودانيين أنفسهم استحالة حكم السودان عسكريا، أو قمعه دكتاتوريا، أو تحقيق عكس رغباته في الحرية والديمقراطية والعدالة والعيش الكريم والسلم والأمن المستدامين، ورأيت أن أجهر بأفكاري حول السيناريوهات المحتملة (طبيعيا) و (اصطناعيا)، وما ترسمه دوائر القرار السياسي في السودان وأجهزة دول وإقليم، وأضع هذه المساهمة بين يدي القاريء الكريم، وأولئك الذين يتحكمون في القرار السودان، ومن يراقبون الوضع من الداخل والخارج، على أن يكون هذا الصوت ضمن صرخات الملايين الذين يريدون إيقاف شلالات الدم والدموع، وإنهاء حقبة الفجيعة التي تواصلت منذ اندلاع الإنقلاب في يومه الأول إلى ذكره السنوية بقتل الشهداء قاسم ومدثر وإخوانهم.



• التصور الماثل طبيعيا هو أننا نعيش حالة اضطراب استراتيجي في العقل والتكتيكات والممارسات والقرارات وردود الأفعال، وانقسمت الساحة السياسية لثلاثة تيارات هي: "تيار مناهض للإنقلاب يعمل على اسقاطه بالضغط الشعبي والعملية السياسية للحل الشامل، والضغط الدولي، وتيار آخر راديكالي جذري لا يملك آليات ولا أدوات الجذرية، وتيار أخير وهو حاضنة الإنقلاب وحلفائه والسدنة والفلول والفاسدين"، وكل واحد من هذه التيارات يرسم سيناريوهاته.


• أبدأ التيار الراديكالي الجذري وهو منقسم على نفسه يخطب بعضه ود التنسيقيات المقاومة والقوى الثورية ويحاول استصحابها في رؤيته الجذرية، وبعضه الآخر يجتهد ليثبت صحة وجهة نظهر بدون كتابة أجندة موضوعية ومشروع جديد وهؤلاء يرجحون أن تحدث عملية راديكالية أشبه بمجزرة بيت الضيافة في السبعينيات وحراك ضباط رمضان في التسعينيات بالقضاء على كافة قادة الإنقلاب، وهو سيناريو حالم ودام لا يملك أحد في السودان المقدرة على تحمل تبعاته.


• أما حاضنة الإنقلاب فهؤلاء بدأوا التجمع من جديد بصورة طبيعية واصطناعية لتوسعة تحالفهم ليشمل كل سواقط النظام البائد ووزرائه ومستشاريه والسدنة والتنظيمات الإخوانية ليضعوا العقبات والمتاريس أمام الحل السياسي الشامل الذي بدأت ملامحه في الاتضاح، وهؤلاء خياراتهم محدودة، وتتمثل في التحشيد القبلي والجهوي والموجه بغرض ابتزاز السلطة وخلط الأوراق السياسية، ويمهدون بصورة واضحة لعملية إنقلاب إخواني كامل بصورة أقبح وأفضح من إنقلابي 1989م و أكتوبر 2021م، تساندهم في ذلك بعض الدول في الخفاء وتوفر لهم المؤسسة العسكرية التمويل والحماية وفتح المسارات وتأمين الإجتماعات وسهولة الحركة.


• أما تيار الحل السياسي الشامل والعملية السياسية التي اصطلح على تسميتها (تسوية) فأمامه سيناروهين موضوعيين لا ثالث لهما وهما: "الأول: إذعان السلطة الإنقلابية باشتراطات هذا التيار والتزامها بأسسه الدستورية الجديدة وتسليمهم الحكم لسلطة مدنية كاملة، أو الثاني: المضي في مواجهة رفض الإنقلاب لخيارات الحل السياسي الشامل وفتح الباب لسيناريوهات الفوضى (الاصطناعية) التي يبشر بها العقيد "الحوري" (هناك جهات تسعى لحرق البلاد)، وتهديدات الشرطة (جماعات مسلحة ومدربة هي التي تقود التظاهر)، وحديث الدعم السريع (عن دخول جماعات إرهابية للبلاد)، ومكاء الأخ أردول وجماعته تهديدا ووعيدا بالدماء والدك.



• كل هذا يمهد للسيناريو الذي يتحالف تماما مع توجه تيار السدنة والإخوان وهو التهديد بشلالات الدماء والعودة إلى الحرب، فالجماعات الإرهابية تم إطلاق حواضنها السياسية وفتحت المنابر لمن بايعوا البغدادي وتنظيم الدولة الإسلامية، لذلك من العقل والحكمة استسلام قيادة الإنقلاب بعد إقرارهم بالفشل الذي ارتكبوا فظائعه في عام هم وحلفاءهم ليخلصوا البلاد من سيناريوهات أسوأ مما ذكرت.


• إن غياب الإرادة السياسة سيجعل من تحقيق سيناريو الإنتقال المدني أمرا مستحيلا وسيفتح الباب لأن تدفع البلاد تكاليف باهظة لسيناريوهات أكثر فظاعة وأشد إيلاما من سيناريوهات دامية شهدتها المنطقة ومحيطنا العربي والإقليمي ، وهو الأمر الذي ينبغي أن تتحمل القوى السياسية تكلفته السياسية وتهيء نفسها لمستقبل سيمثل بالنسبة لهم إما بداية سياسية مرحب بها أو نهاية تمحو أثرهم من الوجود.


• ولن يتثى ذلك إلا بالانتحاء لا الانحناء للسيناريوها الإيجابية التي تقطع الطريق أمام كافة السيناريوهات السلبية، وبالضرورة أن يتفق الجميع على ضرورة الخروج بالبلاد والنهوض بها عبر عقد اجتماعي جديد يوافق فيه الجميع على فترة انتقالية تدار بواسطة كفاءات مدنية مستقلة تحقق شعارات الثورة (حرية، سلام ، عدالة)، وأن تتم قيادة البلاد بواسطة حكومة مدنية تتقبلها كافة قطاعات الشعب السوداني، وتمهد الطريق لانتخابات حرة ونزيهة تتنافس فيها الأحزاب السياسية والحركات المسلحةحال تحولت إلى أجسام مدنية.



• ومن شأن هذا السيناريو ضمان الانتقال السلس، وفتح الباب لاستئناف التواصل السوداني مع العالم وعقد فعاليات ومؤتمرات من شأنها استيعاب آراء كافة السودانيين في مرحلة ما، على رأسها المؤتمر الدستوري الذي يحدد ملامح الدستور الدائم للبلاد ويضعه أمام منضدة الشعب السوداني ليستفتى حوله.



• وفي هذا نجد أن دعما لا محدودا قد قدم وأبدت حكومات عدد من الدول تأييدها له كألترويكا واليابان ودول الخليج والاتحاد الأوروبي وأشاروا لاستعدادهم لتوفير أقصى درجات الدعم للاسهام في استقرار البلاد وتوفير الاسناد المطلوب للنهوض التنموي والاقتصادي والتأهيل والتدريب في كافة المجالات الإنسانية والحياتية.



• هذا الأمر ينبغي علينا رسمه في سياسات وطنية عبر التحاور المشترك، ومحاولة استيعاب كافة المؤمنين بالتغيير والحل السياسي الشامل، لجعل هذا السيناريو أمرا واقعا، وأن يشترك الجميع في برانامج الحكومة الانتقالية لتحقيق السلام المستدام والتحول الديمقراطي والتخطيط لتنمية ورفاهية المواطن وتحقيق العدالة الجنائية والانتقالية والتمهيد لمثول أو تسليم المتهمين في جرائم دارفور للمحكمة الجنائية الدولية.



• وكذلك يتطلب الأمر الحضور الفعلي والفعال لمؤسسات المحيط الإفريقي والعربي والأمم المتحدة للإسهام بصورة فعالة في الدفع نحو سيناريو النجاة لإحداث تسوية سياسية شاملة تبريء الجراح وتنقذ السودان، وهو ما يعني أن يتضاعف جهد وعمل الأصدقاء في المحيط العربي والإفريقي وفي البعثة الدولية وألترويكا للإسناد السياسي والدعم الدبلوماسي والضغط على السلطات العسكرية في السودان للمثول إلى خيار نجاة الوطن.



• لا يمكن توقع تخريب أكثر مما حدث في النيل الأزرق، وغرب دارفور، وما يحدث بصورة يومية في مختلف مدن السودان، حديث قيادة الدعم السريع مقروءا مع تصريحات العقيد الحوري، توضح أن عقد أمن البلاد يتجه نحو الإنفراط، وهذا التوجه يتم بصورة منظمة وتخاذل للقوات النظامية وتواطوء في كثير من الأحيان.



• ولكن في حال فشلنا في انتشال بلادنا لن يكون من المستبعد اصطناع وتفعيل نشاط حركات إرهابية في البلاد،أقول "نشاط" وليس دخول لأن النظام البائد كان يوفر حواضن ومقار آمنة وفرص حياة في السودان ووثائق ثبوتية بعضها خاص ودبلوماسي لقادة هذه الجماعات، وأذكر منها غير التنظيم العالمي للإخوان المسلمين الذي هيمن على مفاصل الدولة ومؤسساته، الجماعات الإرهابية الآتية:

1. جماعة بوكو حرام: فمنذ نشأتها في ميدوجوري عام 200م التحق بها عدد كبير من الخريجين والمثقفين النيجيرين الذين تخرجوا من جامعات سودانية كجامعة إفريقيا العالمية والتي اتخذوا منها منصة تجنيد نشطة تؤي عدد مقدر من منسوبي الجماعة ومرابطي الحركة الإخوانية والذين كانت تتم الإستعانة بهم في تأمين عدد من المرافق الاستراتيجية كسلطة الطيران المدني وغيرها من المؤسسات الحساسة.

2. حركة أنصار الدين: والتي نشطت بعد سقوط نظام العقيد القذافي والتي بدأت نشاطها مع قيادة تنظيم الحركة الإخوانية في السودان وتحديدا مع علي عثمان محمد طه، ووفر لها جسور الإعانات والإمداد والتواصل، وهيأ لبعض قياداتها حواضن آمنة في الخرطوم.

3. حركة الجهاد والتوحيد في غرب أفريقيا: منذ العام 2011م تنشط في غرب إفريقيا وإلى اليوم تتحرك بصورة نشطة، وحفز نشاطها التحركات المتضادة الفرنسية الروسية، والتي تمددت حتى الجارة تشاد وهو ما يجعل إحتمال دخولها إلى السودان من حدوده الغربية أمرا واردا.

4. القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي: هؤلاء لهم اتصالات مع جماعات سلفية في السودان وحوارات سرية، وبعض مساجد هذه الجماعات استضافت عدد منهم في الخرطوم وينشط بعضهم في جماعات واتساب وتلجرام تحت أسماء مختلفة (كأهم خبار العالم وسلاسل علمية والقدس وغيرها)، وهؤلاء لا يخفون رغبتهم في استئناف نشاطهم في المنطقة ككل.

5. حركة شباب المجاهدين في الصومال: لها ارتباطات وثيقة ووشائج صلة بشيوخ ومراكز دينية كانت تفوج لهم المقاتلين من الخرطوم، ومنهم من قتل في الصومال ولم يعد، ومن المؤكد أن لهم وجود خفي في السودان خصوصا أن أهم مشائخهم هربوا إلى تركيا بعد الثورة في 2019م ولم يعودوا بعد.

6. جماعة الإخوان المصرية: وهؤلاء تمت استضافتهم بصورة كبيرة هم وأسرهم وتم توزيعهم في أماكن مختلفة وتوفير مشاريع استثمارية صناعية وزراعية، إلا أنه وفي أيام البشير الأخيرة تم تفوجيهم إلى تركيا بواسطة مدير جهاز الأمن والمخابرات وقتذاك محمد عطا المولى ليقطع الطريق أمام صلاح عبد الله قوش ويسلم جزء كبير منهم للسلطات المصرية، وقد شاهدت أحد المعتقلين معنا في يناير 2018م بعد تسليمه للسلطات المصرية بأنه قتل وهو يقاوم الاعتقال في سيناء،وهؤلاء آثر كثيرون منهم السلامة وحاولوا الهروب من السودان بعد الثورة، ولكن الآن هناك طمأنة لهم من قبل المنظومة الخفية للإخوان التي عادت للسلطة بواسطة الإنقلاب.


• ختاما: من المؤكد أن جميع هذه الحركات تتخذ من تواجد البعثة الأممية والتدخلات الدولية لا سيما الغربية مبررا للنشاط في السودان، وخصوصا بعد تسمية الولايات المتحدة الأمريكية لسفير في السودان، ورسائل التهديد المبطنة التي يطلقها من في السلطة من عسكر وأمن ودعم سريع ليست عفوية أو عشوائية وإنما تدسها أذرع الإخوان الأمنية في بيانات تلك المؤسسات بعناية فائقة لتهديد الأسرة الدولية وإيصال رسالة مفادها إما أن نكون جزء من اللعبة في السودان أو أن نحرق السودان والقرن الفريقي ونحدث إضطرابات لا حصر لها في البحر الأحمر والقارة الإفريقية تمتد ألسنتها وهجرتها إلى أوروبا، وفي ذلك لن يستنكف هؤلاء بالإستقواء بروسيا الرسمية أو جماعاتها الأمنية كفاغنر وغيرها.

• وهذا ما يمكن تسميته بنمذجة اصطناعية تفلح فيها أجهزة المخابرات وستكون تحويلية للصراع من كونه سياسي سلمي مدني، لانفجارات مستعرة ومفتعلة، وحروب أهلية وتطهير عرقي وصراعات دينية، ويستند هذا التصور كليا إلى سيناريو تحالف كتل جذرية "راديكالية" مع كتل "إخوانية" و"فلول" النظام البائد و"جماعات مسلحة"، بوعي أو دون وعي ترى في انتقال السلطة المدنية إلى الشعب انتقاص لمكاسبها، وجميعهم أضحوا يبشرون بـ (نموذج الانفجارات التدميرية) وتتطابق أقوالهم وتوجهاتهم، وهو الأمر الذي يضعنا أمام إلتزام تاريخي بتكرار النصح الأخير لأصدقاء الأمس بأن هذا الحريق سيمتد إلى دياركم وسيهدم المعبد على رؤوسكم ولن يتضرر السودان ولا السودانيون أكثر منكم فارعووا وعوا.

الثلاثاء، 25 أكتوبر 2022

بيان الشرطة السودانية والجماعات الإرهابية

بيان الشرطة السودانية والجماعات الإرهابية


• بيان الشرطة السودانية إذا تبنته وزارة الداخلية وحكومة الإنقلاب فهو بمثابة إعلان حرب على المدنيين العزل وتبرير للقمع والقتل والسحل والتعذيب، واستحلال لدماء المحتجين، وسير على ذات الطريقة (القوشية)، بالتدريج لأكاذيب خلايا إرهابية من حركات دارفور، وغدا ستعود قصة الفتاة التي تحمل بندقية موريس في حقيبتها وغيرها من أحابيل العهد المقبور، والذي يحاول عناصره المبعثرون من قبور النظام البائد إحياء خططته وخطاباته على طريقة (نسخ ولصق).



• إن بيان الشرطة نسخة من تقرير تم إرساله بإشارة عاجلة من القوات الميدانية التي تعاملت مع المتظاهرين وقتلت الشهيد قاسم دهس ليلحق بالخالدين في علياء رب العالمين، والذي لم يكلف إعلام الشرطة نفسه الترحم عليه كونه مواطنا سودانيا بإعادة الصياغة حتى، ولم يقم سوى بإضافة بعض الكلمات المغلظة والمفخخة، على شاكلة (تشكيلات عسكرية مساحة)، و (تنظيمات غير مشروعة)، (تحت تأثير المخدر) لتصوير مدى التخدير الذي ينتشر وسط هؤلاء الجماهير (المغيبون)، و(زعزعة الأمن) وغيره من الترهات، كحماية المدنيين والممتلكات، وهناك أكثر من 10 آلاف بلاغ نهب وسلب في العاصمة مقيدة ضد مجهول وبعضها تم تصويرها متورط فيها نظاميين أو ببطاقات نظامية.



• حشر البيان في طياته من أسماهم بالمراقبين والمستشارين المنتدبيبن من النائب العام ووزارة العدل، وهو ما يعني أن المسؤلية من انتهاكات اليوم تقع على عاتق وزارة العدل والنيابة العامة، وأن ما حدث اليوم من تعامل باشتراك إن لم يكن بتوجيه من هؤلاء "المراقبين"، وهو ما يستوجب استصدار بيانات من هذه المؤسسات تؤكد أو تنفي اشتراكها الجنائي في جريمة مواكب الخامس والعشرين من أكتوبر. 



• طفق البيان الكذوب يعدد ويصف مجاميع الشباب بالشكل واللون ولم يتبق له إلا أن يذكر رتبهم العسكرية، فعدد من الألوان ما عدد، ونسي ألوانا رئيسية هي الأخضر والأبيض من ألوان أعلام السودان الزاهية العالية الخفاقة التي تفوق جمالا ونضارا تلك المعلقة على سواري القيادة العامة والقصر الجمهوري ومقار الشرطة لأنه مخضوبة بدماء الأكارم من أبناء الشعب السوداني.



• ما صدق فيه البيان أن هذه المجموعات الشبابية التي أطلق عليها (قوات) مدربون، نعم! هم مدربون على الهمة والعزيمة والإنضباط لأنهم ومنذ 2018م وهم لم يتخلفوا من توقيتاتهم (١:٠٠م)، أو يخالفوا عهدهم لمن قضى منهم ومن ينتظر وما بدلوا تبديلا، نعم! هم مدربون على حماية بعضهم البعض وعدم التولي وترك مصابيهم خلفهم، ويرفعون مصابي القوات النظامية ويرددون: "نحن إخوانك يا بليد"، ولا زالوا يحددون مساراتهم ونقاط تجمعهم بذات الشجاعة.



• نعم! هم مدربون ومبتكرون لوسائل الحماية التي استوجبها التصدي للقمع، قطعوا البراميل البلاستيكية وحملوا شبابيك الخشب ليصنعوا درقات تحميهم مقذوف الأوبلن والرصاص المطاطي والغاز البذي واستهداف (الطرف الثالث) لهم بالرصاص الحي والذي عجزت الشرطة السودانية حتى اليوم عن تحديده.




• وصف البيان تسليح (القوات) بالموحد، ونسي أن هذه القوات أيضا موحدة جيليا، فهم جيل واحد بضمير واحد ووجدان سوداني واحد وخالص لله والوطن، موحدون رغم تنوعهم، ومشاربهم وألسنتهم وألوانهم، جميعهم خرجوا يهتفون باسم الحرية والسلام والعدالة والقصاص للشهداء وإسقاط هذه السلطة الدموية، يرددون شعارات كتبوها هم تشق حناجرهم عنان السماء، شأنهم شأن ألتراس المريخ والهلال العظيمين ولا يتوانون في استخدام كل أدوات التعبير السلمي المتعارف عليها والمسموح بها في كل بقاع العالم.




• ظن البيان أو كاتبه متوهما أن تحديد قيادة للمواكب سبة، وهو عين العقل والحكمة أن يكون لموج هادر كهذا قيادة تنسقية وميدانية تحدد جداوله وتبين مساراته وتصدر بياناته وترفع شعاراته، ولكن لاضطراب العقل الذي يدير السلطة في البلاد تارة يصف هذه المجموعات بالفوضوية وتارة بأنها أناركية ومرة بأنهم غير ذلك من الأوصاف، إلا أن بيان الشرطة أقر بوجود قيادة لهم، نعم لهم قيادة وهذا ما يزعج السلطة أن التنسيقيات واللجان والمجموعات باتت أكثر تنظيما وأشد دقة في تحديد الأهداف، ويصعب توجيهها وتوظيفها لصالح حزب أو جهة أو تيار فهؤلاء قدامهم الصباح والوطن ودماء أحبابهم وأصحابهم.




• القول بالتعدي على عربة الإطفاء للاستدلال على أن هؤلاء غير مدنيين، وكأن تلك العربة كانت تحمل لهم (عبق المسك والزعفران)، وليس آسن المياه الملوثة والحارقة والممرضة، والخطأ ليس خطأهم وإنما خطأ إدارة كاملة يتحملها قائد عام قوات الشرطة الذي اختار أن يقحم عربات الدفاع المدني في معركة تقتيل وسحل الشعب السوداني، وهو أمر سيوسع دائرة العداء للقوات النظامية التي ظل عدد كبير من وحداتها بعيدا عن الإشتباك المباشر مع الجماهير، ومعلوم أن استنفار هذه القوات في معركة خاسرة فيه زيادة لرقعة القطيعة وعدم الثقة بين جهاز الشرطة والمواطنين .




• كما أن الحديث عن عبوات ناسفة هو تضخيم مفهوم في هذا الوقت وتهديد مبطن بأن البلاد يمكن أن تتحول إلى قندهار أو كابول، ولكن قد فشل النظام البائد وصلاح قوش في جر البلاد إلى درك الإنفجارات، وستفشل مخططات السلطة الإنقلابية بإدارة البلاد بالحرائق والفوضى، فقد تم تجريب خلية جبره، وتسعة طويلة وحريق النيل الأزرق ولقاوة والجنينة وغيرها.



• أما محاولة دق إسفين خبيث بين القوى السياسية والتنسيقيات والشباب في الميدان بأن هذه التحركات خلت من شعارات حزبية، وأن الأحزاب السودانية عليها أن تحدد موقفها من هذا الحراك، أؤكد أن القوى السياسية السودانية جميعها اليوم كانت مشاركة بكل قطاعاتها الشبابية والنسائية والفئوية والحرفية والمركزية والولائية ومكاتبها الميدانية، وبعض المهجريين الذين انخرطوا في هذه المواكب وقد أصدروا بيانات تؤيدها وتدعوا لها وكذلك سيفعلون.




• أتوقع في الموكب القادم أن تعلن الشرطة أن سربا من الطائرات الثورية يطير بتشكيلات عسكرية في السماء ويهدد قوات الشرطة السودانية، وأن أفراد يتبعون لهذه المواكب (القوات) باستخدام مروحيات هجومية من طراز Mi -24 لإسناد المواكب الأرضية في سياق العمليات الحربية التي تعلنها تنسيقيات لجان المقاومة.



• كما أخشى أن يتم الإعلان في خطوة لاحقة عن القبض على خلية إرهابية تجهز لاعتداءات مسلحة وتفجيرات تستهدف المواقع الاستراتيجية، ويزج فيها أبرياء كما تم اتهامنا من قبل جهاز الأمن الوطني في العام 2016م، وهذا السلوك لن يزيد إلا من (تغبين) الشارع السوداني وحفزه للمضي بقوة لإسقاط هذه السلطة التي تعجز على حفظ الأمن بخمسمائة شرطي في النيل الأزرق ودارفور وجنوب كردفان وتحشد عشرة أضعافهم في مثلث لا تتجاوز مساحته العشرين كليومتر مربع.


• وأنبه وزارة الداخلية لأمر مهم وهو أن التكوين المسلح في السودان منذ العام 2002م أضحى أسهل من التكوين السياسي أو التنظيم المدني، ومن السهولة بمكان استقطاب مجندين وكتابة منفيستو لحركة مطلبية أو مسلحة وكذلك الحصول على التسليح الجيد فردي وخفيف ومتوسط وثقيل ومضاد طائرات، ويمكن إيجاد المدربين والمتدربين بوفرة وكثرة، ويمكن شراء المسيرات وحتى صناعتها في الخرطوم، وتأسيس قوة ضاربة ممولة تمويلا جيدا من دول وأحلاف وأجهزة مخابرات وشركات تجارة سيارات وأسلحة تريد إزدهار تجاراتها، فضلا عن آلاف الضباط والخبراء والجنود السابقين المستعدين للانخراط في أي عمل بمقابل مادي مجزي، ولكن هؤلاء الشباب اختاروا طريقا عز فيه استخدام السلاح و العنف، ونأوا بأنفسهم التي عافت الدماء والسلاح والقتل، وانتهجوا السلمية سلوكا وممارسة لا يعتدون وما كانوا ظالمين.



• ولو أن أحدث ضابط تحري عرض عليه بيان اليوم لقال بأنه بيان كذوب ومضلل ومثير للشفقة، ولعل هذا يوضح أننا بحاجة إلى تحديث منظومة الداخلية. برمتها كجهاز سياسي وقيادي وريادي ومهم، بإدخال أجهزة كشف الكذب والتزييف لتفحص البيانات الرسمية قبل أن تصير مضحكة للمحيط الإقليمي والدولي الذي يرصد مثل هذه البيانات عبر أجهزته الرصيفة ومنظماته الحكومية وغير الحكومية ومنظمات حقوق الإنسان والهيئات المختصة التابعة للأمم المتحدة.




• إن موقع وزارة الداخلية الإلكتروني التي ننشدها والوحدات والإدارات التابعة لها ينبغي أن يكون صادقا ودقيقا وخاليا من مثل هذه التفاهات ويحتوى الموقع على معلومات حقيقة وبدرجة عالية من الموثوقية وتحليلات خبراء ومختصين في الشؤون الداخلية، واستطلاعات المواطنين باعتباره موقعهم، ويعج بالنصائح والإرشادات كما تفعل التنسيقيات بإصدار توجيهاتها وإرشاداتها للمحتجين والجماهير ولعامة من يسكن السودان، وأن يحوي الموقع التقارير الحكوميّة المرجعية التي تترجمها جهات تراقب الوضع في السودان وترسلها لدولها، أن يكون موقعا للثراء لا للثرثرة، مستندا على وثائق يصعب تزييفها وفيديوهات لا يمكن دبلجتها كالتي تحتفظ بها كميرات شرطة المرور التي رصدت آلاف الفظائع في مواكب الخرطوم طوال العام المنصرم والسنوات الماضية، ولكن هل ستقدم للعدالة إذا طلبت أم أنها ستعدم كما أعدمت فيديوهات تهريب الذهب.


• وأكرر للمرة الألف لسنا ضد دولتنا ولا مؤسساتها ولا ضد قواتنا النظامية بل نريدها أن تكون مؤهلة غاية التأهيل وتتقاضى أفضل الأجور منضبطة ومهنية ومنظمة ومدربة ومجهزة بأحدث التجهيزات وتعمل بموجب قوانينها الداخلية لأغراض الدفاع والاستخبارات أو الأمن الوقائي أو الأمن القومي، وأن تكون حماية المواطن وممتلكاته هدفها في المقام الأول، وحينها سيكثر الأشخاص المتطوعين والمتحمسين لمساندة تلك القوات النظامية والمسلحة ويخضعون لقيادتها وسيطرتها ومسؤوليتها الرسمية ويتوجهون بتوجيهاتها في معركة تحرير أطراف الوطن الموطوءة.




• أخيرأ: إن هذا الجيل غالبيته انخرط في معسكرات التدريب قسرا تحت مسمى الخدمة الوطنية وملم بقواعد الاشتباك (Rules of Engagement) ولهم دراية بأبجديات العلوم العسكرية ويعلم القواعد التي تلتزمها القوات النظامية عند استعمال القوة في خضم العمليات الأمنية والشرطية والعسكرية التي تضطلع بها في المسرح الدولي أو الإقليمي أو الوطني سواء في النزاعات المسلحة أو مهمات حفظ الأمن والسلام فالسماء المفتوحة لم تترك شاردة ولا واردة ولم تكتم علما، لذلك الاستخفاف بهم جهل، ودمغهم بمثل هذه الأباطيل عته، ومن شأنه أن يولد تيارا متطرفا سيلجأ لخيارات أخرى غير السليمية إذا ضاقت به السبل. 



• إننا نحلم أن نشاهد أقوى أجناد الأرض هم أبناء وطننا حماة السيادة والتراب والمال والعرض، وأن تأتي حكومة تنفيذية مدنية تضع في أولوياتها تأهيل وهيكلة هذه القوات وتضع في اعتبارها الشراكات الإقليمية والدولية فدوننا بيان ألترويكا والمملكة المتحدة واليابان والالتزام الذي تعهد به الاتحاد الأوروبي بإيفاد مدربين شرطيين وعسكريين لتدريب ورفع قدرات القوات النظامية وإمكانية أن يكون شرطي السودان مزود بذات رصيفه في اليابان.



• ختاما: يا ساداتي لا تستهينوا بتأهيل هؤلاء الشباب والفتية، فهم يفوقونكم تأهيلا في كل المجالات المعرفية والتكتيكات والاستراتيجيات، بل والخبرات فهم يبنون دول كاملة ومستعمرات افتراضية لا تحدها حدود، يعرفون مواردها ويرفعون قدراتها ويكونون جيوشها وأحلافها، ويجتهدون في تطوير خوارزميات حربية تستعين بها حتى أقوى جيوش العالم، أرفق لكم أدناه بعض الألعاب التكتيكية والاستراتيجية التي يلعبها هؤلاء حتى لا تتعجبوا من قدرتهم على مناورة عناصر شرطة بعربة مدرعة بدائية وغاز بذيء فهؤلاء جيل (الميتا فيرس) لم يعش في الأمس وإنما يسايرون اليوم ويعيشون في المستقبل ومصرون على النهوض بوطنهم وبنائه على أحسن طراز، فلا تلعبوا معهم بالنيران ولا تحصبوهم بالحجارة فبيوتكم من زجاج.

ألا رحمة الله على الشهداء، ولعنته على الظالمين.


• ملحوظة هذه ألعاب هذا الجيل لذلك لا تستهينوا به:

Assassin creed black flag
Assassin creed valhala
Assassin creed odyssey. 
Assassin creed unity.
Aplague tale 
Battle field v
Batman Arkham night
Call of duty vanguard. 
Call of duty cold wor
Far cry primal 
Far cry 6
god of war4
ghost of tsushima 
Hitman
Hitman 2
Hitman 3
Metal gear sold 
Resident evil 2 remake
Resident evil 4remaster
Resident evil 5
Resident evil 6
Resident evil 7 biothard  
Resident evil 8 village 
Rise of tomb rider 
Red dead redemption 2
Saint Row  
Sniper 2 remaster 
Sniper elite 4
Sniper elite 5
The last of us 2
Uncharted 1
Uncharted 4 
Uncharted lost legacy 
Watch dogs 2
Watch dogs ligon
Were wolf

عروة الصادق

٢٥. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com





الاثنين، 24 أكتوبر 2022

الإفلات من العقاب .. التمهيد له جريمة!!

الإفلات من العقاب .. التمهيد له جريمة!!

 
مقدمة:

● الاحتجاجات ضد الإنقلاب منذ اليوم الأول دفع ثمنها الشباب السودانيون والشابات كست النفور، بمختلف أنماط الاعتداء الجسيم، وتختلف طرائق القتل من شهيد لآخر، فمنهم من مات تحت التعذيب في مقابيء الاحتجاز، ومنهم من قتل بالرصاص الخي ومنهم من هشمت جمجمته قذيفة الغاز المسيل للدموع، ومنهم من تم دهسه بمركبة تتبع لواحدة من القوات النظامية أو منعه من الاسعاف بواسطة نظاميين، والنتيجة الحتمية هي الموت.



● إن جميع جرائم القتل تمت بأدوات ومركبات نظامية وقوات تتزيا بزي نظامي، حتى المدنيين الذين يحملون السلاح ويصوبونه تجاه المحتجين يتحركون في أرتال القوات النظامية وضمن دورياتهم، وهو ما يعني أن المسؤولية المباشرة تقع على القوات النظامية مجتمعة وتقع المسؤولية الأكبر على السلطة الإنقلابية التي تتحكم في توزيع وتجميع تلك القوات وتصرف لها التوجيهات عبر وزير الداخلية ومدراء عام الشرطة والمخابرات العامة.



● يمتد الأمر ليصبح جريمة عدوان وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت في حق مدنيين عزل بآلات الدولة العنيفة، جراء سياسات تم اقرارها من سلطة عسكرية يشاطرها الحكم مدنيون، ويديرون دفة الحكومة التنفيذية في مختلف الوزارات، وهنا يصعب استبعاد أي ممن في السلطة من المسؤولية الجنائية أو المسؤولية التقصيرية أو المسؤولية التضامنية ضد المحتجين.



● وهو ما  شكل أعظم التحديات التي تواجه النتقال السياسي وأكبر العقبات الخطيرة التي تواجه تحقيق العدالة، وولد اهتزاز الثقة في السلطة الحاكمة والمنظومة التنفيذية والجهاز القضائي وغياب سيادة حكم القانون وانعدام صون وتعزيز وحماية حقوق الإنسان في السودان وهو ما ينتج عنه الإفلات من العقاب.



● وفي الفترة الأخيرة مهدت السلطة الإنقلابية لتضليل مؤسسات العدالة وتقييد لجان الوصول للحقيقة، ومحاولات طمس الأدلة والبراهين وذلك لاصطباغ بعض قادتها بالجرائم الجسيمة ذات الصبغة السياسية والإنسانية والاقتصادية، كالاعتقالات غير المشروعة ومحاولات الإخفاء القسري والتعذيب وما يترتب على إجراءات الإنقلاب من عسف بما في ذلك الاغتيالات السياسية وتصفية الخصوم، وجرائم التهريب والتخريب الاقتصادي خصوصا تلك التي اقترفت في الأربعة أعوام الماضية ولم تتبين ملابساتها أو تصل لجان تحقيقها إلى نتائج.



● فضلا عن محاولات حثيثة لتقييد الوصول إلى نتيجة مرضية للضحايا في ملف الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وجريمة قتل المتظاهرين وفض الاعتصام وجرائم العدوان المرتكبة في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، والتمنع عن تسليم أو مثول الجناة أمام المحكمة الجنائية الدولية، ووفقا لمبدأ التكامل المنصوص عليه في نظام روما الأساسي، فإن الإجراءات القضائية الوطنية تشكل خط الدفاع الأول في مواجهة الإفلات من العقاب، إلا أن السلطة تبذل قصارى جهدها للعبث في الإجراءات الأولية المقيدة في مضابط الجهات الحكومية والعدلية في السودان، وهو الأمر الذي صور لسلطة الإنقلاب أنه بالإمكان الإفلات من العقاب بواسطة تأخير الإجراءات أو التسويف والتماطل لتسقط تلك الجرائم بالتقادم.



● لسنوات خلت استمرت ثقافة القتل وانتهاك  حقوق الإنسان في ظل صمت مكتوم للضحايا، وهروب عدد من الأسر التي فقدت ذويها تحت تهديد أذرع وأجهزة السلطة الحاكمة للدرجة التي اختفى فيها أي خيط يوصل لتلك الأسر، وحتى القضايا الماثلة أمام المحاكم يتم تأخير إجراءاتها والضغط على ذوي الضحايا عن طريق الصلات الاجتماعية والإدارات الأهلية لنيل العفو وإطلاق سراح الجناة أو التلاعب في مستنداتها وشنودها.



● الغريب في الأمر أن الدولة لها من الإمكانيات التقنية والفنية والكوادر الأمنية ما يسهل القبض على الجناة ومعرفة مصدر تعليماتهم في أوجز مدى زمني، فالحكومة تتنصت على هواتفنا وتراقب تحركاتنا و تجمع بياناتنا وترصد بدقة كافة أماكن تواجدنا واحتجاجاتنا ومسارات المواكب وفي بعض الأحيايين تصدر بيانات بأعدادنا، وهنالك رصد شعبي أيضا لغالبية حوادث القنص والقتل والضرب المباشر والدهس التي قادت لتلك الانتهاكات، ولكن لأن الحكومة عبر عناصرها وقواتها النظامية والغة في دماء الأبرياء تحجب تلك البيانات والمعلومات وتستخدمها للابتزاز والمساومة.



● كل هذا حفز الضغائن والغبائن وحرك تيارات شعبية لم تنخرط في مناهضة الإنقلاب منذ يومه الأول لتتقدم صفوف المواجهة، وهو الأمر الذي سيجعل من العسير جدا إدخال أي صفقة للهروب من العدالة والإفلات من العقاب، ولن يكون ذلك ممكنا في ظل تنامي البطش وعمليات القتل خارج الأطر القانونية أو مكافحة الجريمة، وانتشار السلاح وحملته دون ضوابط، وفي رأيي ذلك كله يحدث لإغراق البلاد في مزيد من دماء الضحايا حتى يستسلم الجميع لمساومة تمكن الجناة من الإفلات من العقاب والملاحقة الجنائية.



● إن معاناة ذوي الضحايا تزداد كل يوم بتأخر القصاص من الجناة، وترتفع درجات السخط الشعبي وتتنامى وتيرة التصعيد ضد السلطة، وهو ما يقود لحالات الإحتقان والإنسداد السياسي، وبالتالي انفراط عقد الأمن والاستقرار كما حدث في بعض المناطق التي تشتعل فيها نيران الحروب الأهلية في السودان، وما يعني إضطرابا في المنطقة والمحيط الإقليمي والدولي، وهو الأمر الذي يستوجب استحداث آليات حوكمة فاعلة لئلا يسود الإفلات من العقاب وإلا سنشهد ازدياد المعاناة أكثر فأكثر، وتضاعف أعداد النازحين واللاجئين واتساع رقعة الحروب فلا استقرار بلا عدالة.



● وهناك من يطالب بكل وقاحة ليس الإفلات من العقاب فحسب بل يطالب بما يسميه حصانة، تمكنه من العيش بصورة طبيعية دون ملاحقة من أهل الضحايا، وهو في نفس الوقت ينكر ارتكابه لأي جريمة ويكذب كل متهميه، ويرمي اللوم على جماعات اصطلح على تسميتها بالطرف الثالث، وهو ما مهد لنمو وازدهار كوارث العصر والجريمة المنظمة ما بين الاتجار بالممنوعات والمخدرات والاتجار في الأسلحة إلى الاتجار بالبشر وتدريب وتمويل الإرهابيين وتنظيم مافيا التهريب للثروات عبر الموانئ الرسمية والمعابر والمطارات والنظاميين.



● دون أدنى شك أصيب القضاء السوداني في مقتل وتم تجريف العناصر الكفوءة والنزيهة والمهنية، وكثير من القضاة اليوم وعناصر النيابة العامة والشرطة منتسبون لما يسمى بالأمن الشعبي وكتائب الظل التي تتبع للنظام المباد والحركة الإخوانية، ما يعني أن أي حديث عن تحقيق عدالة واقتصاص في ظل وجود هؤلاء ضرب من المستحيل لأنهم أعضاء الحاضنة الإجرامية للنظام المباد والسلطة الحالية، والأنكى أن رأس الإنقلاب أعادهم إلى الخدمة بعد إقالتهم من قبل لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989م ليعودوا لمواطن النفوذ ويرأسوا الأجهزة القضائية في العاصمة والولايات ويتحكموا في المحاكم العليا والإستئناف والعامة.



● وقد مثل المال والثراء السريع أهم عوامل الإفلات من العقاب فنحن نرى كيف يتحرك قادة الإنقلاب لشراء ذمم الإدارات الأهلية وخصوصا في المناطق التي ارتكبت فيها انتهاكات جماعية، ليسهل الحصول على العفو تحت ما يسمى بمؤتمرات المصالحات، دون أدنى مراعاة لمشاعر الضحايا الذين تشتتوا في أصقاع الوطن وأنحاء المعمورة نزوحا ولجوءا.




● ختاما: 

● أستطيع القول أن شباب الثورة السودانية لن يتراجع من مواكبه واحتجاجاته السلمية، ليس لأنه يريد الاقتصاص لمن رحلوا من زملائهم، ولكن ليحققوا ما استشهد لأجله الضحايا، حرية تنعم بها البلاد، وسلام عادل شامل، وعدالة تنصف كل مظلوم، وهو ما يعني أن أي محاولة للاستمرار في قمع الشغب السوداني ستنتهي باقتلاع النظام القائم عليها مثلما كرر ذلك السودانيين في كل مرة يستبد فيها طاغية.



● وعلى القوى السياسية السودانية التي تطلع لتحقيق السلام واستدامة الاستقرار في السودان عدم السماح للمشتبه بهم ناهيك عن المتهمين والمجرمين ممن تورطوا في جرائم فساد وقتل وجرائم ضد الإنسانية، ومنعهم من استخدام الفضاء العام وفتح الباب لهم لإقحام أنفسهم كفاعلين في الشأن السوداني، كما نرى اليوم كثيرين ممن لا ينكرون ارتكابهم فظائع في حق الشعب السوداني يحاولون التواصل مع الجماهير عبر حماية وتمويل وتغطية من السلطة الإنقلابية للتطبيع الشعبي والتمهيد لإنتشار ثقافة الإفلات من العقاب في البلاد.



● كما يقع على عاتق كافة القانونيين والحقوقيين والفقهاء الدستوريين الذين ستقع عليهم مسؤولية التشريع ودسترة شؤون الدولة أن يضعوا هذه القضية نصب أعينهم في كافة التشريعات والقوانين ونص الدستور الانتقالي ومسودة الدستور الدائم بضرورة ووجوب وضع عبارة "تجنّب الافلات من العقاب" في كافة النصوص المجترجة ذات الصلة بالحقوق والعدالة.



● هذا يستوجب مخاطبة الضحايا بصورة عاجلة وفورية للمؤسسات الإقليمية والدولية وبخاصة رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة وأمينها العام بضرورة إنشاء لجنة ادولية لمناهضة الإفلات من العقاب في السودان ودراسة الحالة الراهنة التي تمهد لإفلات الجناة من العقاب، وضرورة إدراك الأمم المتحدة لقصورها في تحقيق العدالة في السودان ودول كثيرة أخرى، بل ضاعت كثير من قرارات مجلس الأمن في الأضابير، ولا زال المطلوبون للمحكمة الجنائية الدولية طلقاء في السودان.



● ففي ظل ما يتم الترويج له عن اتفاق تسوية وتقديم التنازلات كمنح الحصانة للعسكر، هو عطاء من لا يملك لمن لا يستح، ولم يفوض أهل الضحايا شخصا للتنازل عن دماء ذويهم، ولا يوجد تصور متفق عليه عن ماهية هذه الحصانة ولمن وكيف ومتى؟ فالوحيدون الذين يستطيعون منح تلك الحصانة ليس القوى السياسية ولا لجان المقاومة ولا قوى الثورة مجتمعة وإنما هم ذوي الضحايا، وليتحلى رأس الانقلاب ونائبه بالشجاعة ويذهبوا لاسترحام أسر الضحايا وانتزاع تلك الحصانة منهم، حينها سيفكر الشعب السوداني وقواه الحية في الصفح عن هؤلاء المجرمين، وأي محاولة لتضييع حقوق الضحايا باتخاذ إجراء سياسي لا يحقق العدالة الجنائية ولا يمتثل للمحكمة الجنائية الدولية ولا يحقق العدالة الانتقالية فهو اشتراك في جريمة التمهيد للافلات من العقاب.

عروة الصادق

٢٤. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com




السبت، 22 أكتوبر 2022

حصيد البرهان في عام( الأخير)

حصيد البرهان في عام( الأخير)

مقدمة:

● شرع الإنقلاب في تجريم واتهام كل المنقلب عليهم منذ يومه الأول إلى يومنا هذا فقد اقتحم بيوتنا وبيوت الوزراء واقتاد بعضهم إلى المعتقلات بدون إجراءات قانونية معلنة، وإنما بصورة وحشية، واختار البرهان أن يكون التنفيذ عبر أجهزة الاستخبارت والمخابرات لا الشرطة، وتم تصميم بلاغات كيدية لكل من قال لا للإنقلاب ووقف في وجه سلطته ودفع لذلك عشرات القادة السياسيين والمئات من لجان من المقاومة وقيادات التنسيقيات زمنا طويلا ومزمنا في المعتقلات والسجون في أوضاع قاسية في كل من الخرطوم والنيل الأبيض وبورتسودان وغيرها، ولا زال بعضهم يقفبع في السجون بتهم جائرة واتهامات تحت طائلة جرائم عقوبتها تصل للإعدام.


● كل ذلك لم يثن عزائم الشباب ولم تلن له قناة المقاومة ولم يهن له عزم الثائرين والثائرات ولا زالوا يمضون في طريق محفوف بالمخاطر ومخضوب بدماء الشهداء ومعمد بجراحات الضحايا ومحفوظ بعناية الله ودعاء أمهات وآباء الشهداء، إلى أن يبلغ منهاه بإذن الله بالتحرير الكامل للوطن وتحقيق السلام العادل الشامل والتحول الديمقراطي الكامل والحرية والعدالة الإنسانية ورفاه الشعب السوداني.

● تاسعا: مؤسسيا
1. قطاع الحكم والإدارة ويشمل الآتي:
‌أ) الأمن والدفاع:
شهدت القوات النظامية السودانية عددا من الإجراءات ذات الطابع الإصلاحي والهيكلي ولكنها لم تتخذ من مؤسسة أو يطلع عليها حتى أعضاء في مجلس السيادة الإنقلابي كممثلي الحركات المسلحة، فمنذ الإنقلاب وحتى آخر أيام هذا العام أصدر البرهان عددا من القرارات تم بموجبها ترقية ضباط من رتبة العقيد فما دون إلى الرتبة الأعلى و إحالة آخرين للتقاعد بالمعاش، وقيل أن تلك الإحالات "تأتي في إطار الإجراءات الراتبة (روتينية) التي تتم طبقا لقوانين ولوائح القوات المسلحة سنويا للمحافظة على التدرج الوظيفي والتسلسل الهرمي بالجيش"، وهو الأمر الذي يجافي الحق والعدل إذ أن هناك استثناءات لضباط لم يشملهم هذا الإجراء الروتيني وهناك إدراج لأسماء ضباط لم يستوفوا شروط الإحالة وبعضهم يشهد له بالمهنية والكفاءة والانضباط ومنهم ضباط يمسكون بملفات حساسة كملف الترتيبات الأمنية الذي يمثل عقبة أمام استكمال تنفيذ اتفاق سلام جوبا، وكذلك تعطيل ملفات خاصة بالأمانة العامة لوزارة الدفاع كان يشرف عليها أحد مهنيي القوات المسلحة.

ولكن المتتبع للأمر يجد أن ترقيات الدفعة 40 سوف تسري بأثر رجعي اعتبارًا من منتصف يناير الماضي كما أوضحت مونتي كارو، وتم تأخيرها من قبل رئيس الأركان وقتئذ لأسباب وصفت بالأمنية وخشية البرهان من ترقية الدفعة ٤٠ إلى رتبة اللواء باعتبار أنها دفعة يغلب عليها منسوبي الحركة الإسلامية وبعد ترقيتهم سوف يصبحون قادة للفرق والمناطق الفرعية. وأبرز الذين تمت ترقيتهم العميد نادر محمد بابكر قائد الحرس الرئاسي للبرهان، والعميد الركن أيوب عبد القادر قائد ثاني سلاح المدرعات الذي يحاكم أخوه غير الشقيق العريف حمدنا الله عبد القادر محمد مصطفى ضمن المتهمين في محاولة انقلاب اللواء بكراوي، كما تمت ترقية كل من العميد الوليد البيتي العمرابي مدير الإدارة القانونية لقوات الدعم السريع، والعميد دياب بدر دياب قائد ثاني الفرقة السابعة مشاة الذي تم انتدابه في وقت سابق ليقوم بمهام التدريب لقوات الدعم السريع كما شغل منصب قائد قطاع بالدعم السريع. المتحدث الرسمي السابق باسم الجيش العميد عامر محمد الحسن يُعد من أبرز الضباط الذين أحيلوا للتقاعد بعد ترقيتهم إلى رتبة اللواء. وشمل الكشف أيضًا 42 ضابطًا بينهم 4 برتبة العقيد ، 8 برتبة المقدم ورائد و 15 برتبة النقيب إضافة إلى 14 برتبة الملازم أول تمت إحالتهم للتقاعد.

وقد تمت ترقية نائب رئيس هيئة الأركان للإدارة الفريق ركن منور عثمان نقد المعروف بدعمه للدمقراطية وضرورة حمايتها من قبل المؤسسة العسكرية، ونائب رئيس هيئة الأركان للتدريب الفريق ركن عبد الله البشير أحمد الصادق لرتبة الفريق أول وإعفائهما وإحالتهما للتقاعد بالمعاش. كما تم إعفاء قائد القوات البرية، الفريق ركن عصام محمد حسن كرار وإحالته للتقاعد  بالمعاش. وترقية اللواء الركن أحمد عمر شنان لرتبة الفريق وإحالته للتقاعد بالمعاش. وقد نجا الفريق خالد الشامي من الإحالة باعتباره الرجل الذي ارتبطت استعادة الفشقة باسمه هو واللواء صبير وأخرين، ولكن الإحالات لم تخل من تمكين للإسلاميين، حتى الذين تمت إحالتهم لأسباب إدارية من التنظيم الإخواني تم استيعابهم في شركات المنظومة الدفاعية أو مكافأتهم بإرسالهم كملاحق أمنية وعسكرية ومناصب شرفية في عدد من المرافق والمسسات.

كما شملت القرارات ترقيات لرتبة الفريق لكل من اللواء ركن رشاد عبد الحميد إسماعيل وتعيينه قائداً للقوات البرية، واللواء ركن عبد المحمود حماد حسين عجمي، واللواء ركن نصر الدين عبد القيوم أحمد علي، واللواء ركن مبارك كوتي كجور كمتور وتعيينه مفتشا عاما للقوات المسلحة.

كما أصدر البرهان  قرارا بإعادة تشكيل رئاسة هيئة الأركان  برئاسة الفريق أول ركن محمد عثمان الحسين الحسن، والفريق الركن مجدي إبراهيم عثمان خليل نائبا لرئيس هيئة الأركان للإمداد، والفريق مهندس ركن خالد عابدين محمد أحمد الشامي نائبا لرئيس هيئة الأركان للعمليات، والفريق ركن عباس حسن عباس الداروتي نائبا لرئيس هيئة الأركان للإدارة، والفريق ركن عبد المحمود حماد حسين عجمي قائد المدفعية سابقا ومدير زادنا نائبا لرئيس هيئة الأركان للتدريب.

بعد الإنقلاب والأحداث الدامية التي شهدتها العاصمة في أواخر العام 2021م أصدر البرهان قرارا بترقية عدد من قيادات  الشرطة إلي رتبة الفريق تحت مسمى - الترتيبات الإدارية العادية - برئاسة قوات الشرطة وهم: الفريق شرطة حقوقي/كمال ميرغني، الفريق شرطة حقوقي/حسن حامد أحمد عبد الرحيم، الفريق شرطة حقوقي/ يوسف الحسن، الفريق شرطة حقوقي/ طارق الأمين البدراوي، الفريق شرطة حقوقي/حسين إبراهيم مصطفي والفريق شرطة حقوقي/أحمد طاهر عثمان، ووفقا لبيان المكتب الصحفي للشرطة يومئذ، فقد شملت الترتيبات ترقية ضباط شرطة إلى رتبة اللواء والعميد والعقيد وإحالة آخرين في نفس هذه الرتب إلى التقاعد، واستمر الإجراء إلى أن وصل التغيير الأخير في أكتوبر الجاري بإحالة كل من نائب المدير العام – المفتش العام و عدد (3) من رؤساء الهيئات وعدد ضابطين في رتبة اللواء شرطة وضابط في رتبة العميد شرطة ، كما شملت القرارات ترقية عدد (4) في رتبة اللواء لرتبة الفريق شرطة من بينهم مدير الإدارة العامة للسجون والإصلاح وعدد (7) في رتبة العميد شرطة وعدد (2) من قوات حماية الحياة البرية وعدد (3) من قوات الدفاع المدني لرتبة اللواء شرطة.

وتمت في الشرطة أيضا تحت ما سمي بعالجات ترقيات الضباط لمتبقي بعض الدفعات في مختلف الرتب للعام 2022م. وتم تعديل في هيئة الإدارة بترفيع بعض مديري الإدارات المتخصّصة (السجون والإصلاح، الدفاع المدني، والحياة البرية) لرتبة الفريق شرطة، وتمت إحالة (4) من رتبة الفريق وترقية (7) من رتبة اللواء إلى الفريق شرطة ليتوافق مع الهيكل المصدق لرئاسة قوات الشرطة بحسب بيان الوزارة،  ولكن المتابع يجد أن هناك عناصر تمت تسميتهم في مواقع استراتيجية هناك قضايا تزوير في مواجهتهم تم التغاضي عنها وإبقائهم في مواقعم.

‌ب) الإعلام:

خلال الفترة الانتقالية، بدأت الحكومة السودانية ممثلة بوزارة الثقافة والإعلام، تنفيذ خطة لإصلاح الإعلام، بالشراكة مع منظمة «اليونيسكو»، تقوم على 4 نقاط، هي: مراجعة الفجوات في الخريطة الإعلامية، وإصلاح قوانين الإعلام، وإعادة هيكلة المؤسسات الإعلامية التابعة للدولة، وإعداد خطة وطنية للتدريب الإعلامي. وقد بدأ تنفيذ هذه الخطة في نوفمبر 2019م، لكنها توقفت بسبب جائحة «كوفيد-19» ثم استؤنفت في أكتوبر 2020م، لكنها توقفت مجدداً بعد الإنقلاب.

لذلك يكفي فقد النظر لهيئة الإذاعة والتلفزيون القومي في السودان لترى ما حل بالإعلام السوداني من تدجين واستعادة لكامل الفلول في مؤسسات الدولة الإعلامية وتمكينهم من مفاصل تلك الأجهزة، فقد قام مدير الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون (الانقلابي) ابراهيم محمد ابراهيم البزعي بترفيع عدد من أقرانه وزملائه في التنظيم (الإخواني) ممن قامت لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 واسترداد الأموال العامة بإنهاء خدمتهم وفق اشتراطات القانون وبالوثائق والأدلة، فقد أعيد على سبيل المثال النور محمد أحمد النور معني والذي كان قد عيد بعد انقلاب الإنقاذ في ١٩٩٣م، ودرجته حتى تاريخ إنهاء خدمته بواسطة اللجنة ( الرابعة). وهو من متطوعي الدفاع الشعبي. وقد تمت إعادته للخدمة بعد انقلاب 25 اكتوبر 2021م (أبو سبيحة)، وقد كافأته سلطة الانقلاب بتعينه مديراً للبرامج بالتلفزيون القومي، ومثله عدد كبير جدا من منتسبي التنظيم والحركة ومتطوعي هيئاتهم وواجهاتهم جميعهم اليوم يعيثون في التلفزيون والإذاعة والوزارة تمكينا لمنظومتهم وبثا لمبرامجهم وتغييبا للوعي عبر برمجة إعلامية بعيدة كل البعد عن واقع الشعب المعاش.
في الوقت الذي هيمن فيه الجيش على الإعلام وأطلق العنان لصحيفة القوات المسلحة التي صارت تتحدث بلسان الفلول، حذف شبكة تضم نحو ألف حساب خلال أكتوبر 2021، لديها 1.1 مليون متابع، ويديرها أشخاص على صلة بـ(قوات الدعم السريع) وجماعة فاغنر الروسية وهي الحادثة التي قادت إلى كشف صلة فاغنر بعمليات تهريب تتم من مطار بورتسودان إلى اللاذقية.
وبعد أن تقدم السودان في مجال الحريات الإعلامية في العام 2019م، تراجع ليحتل السودان المرتبة 151 بين 180 دولة في «مؤشر حرية الصحافة العالمي» لعام 2022م الذي تصدره منظمة «مراسلون بلا حدود» سنوياً، وكان السودان قد سجل تقدماً في مؤشر حرية الصحافة عام 2020 بـ16 مركزاً ليحتل المركز 159 مقارنة بـالمركز 175 في تقرير عام 2019 إبان حكم المخلوع البشير، وكل هذا مرده لانتهاج سياسات خاطئة أدت للتضييق على الإعلاميين والصحفيين، والتغول على إرادتهم بفتح المجال لاتحاد صحفيي فلول النظام البائد للنشاط وتجميعهم وتمويلهم وتسهيل إنشاء منصات وشركات إعلامية بعون مباشر من سلطة الإنقلاب، وتسهيل هروب رئيس الاتحاد العام للصحفيين السودانيين السابق إلى مصر ثم إلى تركيا.


‌ج) الإدارة ونظم الحكم:

عملت الحكومة الانتقالية على توطيد دعائم الحكم اللامركزي وتطوير نظم مستويات الحكم المحلي لضمان التوزيع العادل للسلطات والموارد مركزياً وولائياً ومحلياً تعميقاً لدعائم الحكم الراشد والإرتقاء بالوعي السياسي للمواطنين لتخطي العصبية والقبلية والجهوية ، وإحكام التنسيق بين مستويات الحكم المختلفة في ممارستها للسلطات المشتركة، وهيأت لذلك مجالس وصناديق ومفوضيات معنية بتنمية وإعمار المناطق التي تأثرت بالحرب و مجلس تنمية وتطوير الرحل، ولكن الإنقلاب قطع الطريق أمام ذلك ليوقف التشريعات التي تحدد صلاحيات الولاة وحكام الأقاليم، فاستمرت الأزمات الموروثة لتتفاقم وتتسبب في صراعات ونداءات إنفصالية.

وقد أدت سياسات الإنقلاب التسلطية الإملائية حتى على شركاء الإنقلاب إلى استقالة وزيرة الحكم الاتحادي السيدة بثينة دينار والتي جاء في استقالتها:  " أستقيل من منصبي كوزيرة لوزارة الحكم الاتحادي من أجل أن استطيع قول (لا) متى ما رأيت خطأ وأرفض الإمـلاء حيثما وجد، وأن أصون كرامتي وأحمي وأدافع عن حقي قبل أن أتحدث عن حق الآخرين ففاقد الشئ لا يعطيه”.


‌د) الشؤون الخارجية:

تم تجريد وزارة الخارجية كمؤسسة من هذا الملف ليدار بيد الجنرال البرهان شخصيا ينافسه في ذلك نائبه الجنرال دقلو، وقد جعل البرهان من السفير علي الصادق وزير الخارجية المكلف سكرتيرا يدير له العلاقات الخارجية، وصار يتحكم شخصيا في إصدار قرارات الإعفاء والتكليف لوزراء السلك الدبلوماسي والناهي والآمر في التحركات الخارجية.

فقد عين البرهان الفريق، فتح الرحمن محي الدين صالح محمد، سفيرا في وزارة الخارجية السودانية، والذي يعرف أنه أحد خبراء الإنقلاب الاستراتيجيين، وضمت القائمة أيضا الفريق أول جمال عبد المجيد، مدير جهاز المخابرات العامة السابق، وهو ضابط جيش تم استقدامه للجهاز في فترة د. حمدوك، كما عين على عثمان محمد يونس سفيرا، وسمى القرار إبراهيم محمد أحمد إبراهيم سفيرا بالخارجية، واللواء بشرى أحمد إدريس، وهو ضابط شرطة سابق، جميعهم ارتبطوا عضويا بالإنقلاب، وقد تم ترشيحهم لمحطات إفريقية لا تخلو حكوماتها من أنظمة دكتاتورية، الأمر الذي يدلل على تمدد الإنقلاب خارجيا.

‌ه) العدل والتشريع:
الدستور في السودان  والأوضاع الدستورية شهد تراجعا كبيرا حيث مزق الإنقلاب في 25 أكتوبر الوثيقة الدستورية بتجميده لأهم بنودها وهي التي تؤسس لأوضاع العدل والتشريع في الدولة وتحتوي على أهم الوثائق (وثيقة الحقوق )، وتمدت ظلال قائد الإنقلاب دستوريا لتطال عدد من المؤسسات والمرافق المعنية بالتشريع والشؤون الدستورية، قاد ذلك التراجع إلى إخلال تام بالمعاهدات و الاتفاقيات الدولية وانتهاك صريح للعهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية ومخالفة للعهد الدولي للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية. 
عطل الإنقلاب إكمال كافة التشريعات التي ابتدرتها الحكومة الانتقالية في عهد وزير العدل نصر الدين عبد  الباريء والتي شملت القوانين واللوائح المنظمة لعمل المؤسسات، وقضايا دولية كمكافحة الاتجار بالبشر والهجرة غير المنتظمة، ومكافحة المخدرات والجريمة العابرة للحدود، وقضية مكافحة الفساد وغسيل الأموال وتمويل الارهاب وتطوير قانون تفكيك التمكين وسن قوانين للمؤسسات العاملة في الحد من الفقر والتمويل للقطاعات الهشة وتشريعات الشباب والنساء والأسرة والطفل ومشاركتهم في مؤسسات الدولة وحقوق الأقليات الدينية  وحرية الإعلام وما يخص أوضاع السجون والشرطة والنيابة العامة وفصل السلطات.


2. قطاع التنمية الاقتصادية ويشمل التالي:

‌أ) المال والاستثمار:

من المؤكد أنه لا توجد احصاءات فعلية  وحقيقة حول التجريف الذي حدث في قطاع المال والاستثمار ولكل القطاع التجارى الذي شهد اضطرابا على الصعيد الحكومي والخاص، واتخذت سلطة الإنقلاب إجراءات هيكلية وسياسات مالية أدت لهروب كبير لرؤوس أموال وفرص إستثمارية خارجية وتوقف عمليات الاستقطاب المالي، كما مكن الإنقلاب فلول النظام السابق من هياكل الدولة المالية ومنح بعضهم ترقيات بعد إعادتهم إلى الخدمة وصرف لهم رشا مالية كبيرة كاستحقاق تعويضي، ينشطون في تزيين الأخطاء المالية الكارثية التي وقعت فيها السلطة الإنقلابية ويصورون لهم مخارج فشلت وصفتها مع النظام المباد.

وتشير التقديرات إلى إنهيار عدد من القطاعات الاستثمارية وتراجع الأعمال في أخرى وتوقف العمل بصورة كبيرة في قطاع كالمقاولات الذي توقف بنسبة  لا تقل عن 80%،  وتراجعت مبيعات المواد الغذائية نزلت بواقع 40%، منها مصانع الدقيق التي خفضت مناوبات العمل من 3 إلى 2 وهو ما فعلته أيضا مصانع المشروبات والعصائر.

وتعطلت إجراءات تأسيس بورصة حديثة للمحاصيل والصادرات السودانية وبخاصة بورصة الذهب التي تسبب إيقاف إنشائها في تكبيد تجار الذهب خسائر كبيرة بهبوط اسعار الذهب العالمية بنسبة تقارب 10% الأمر الذي ضيع فرص استثمارية كبرى في هذا المجال.

كما أن الاستثمار في المحروقات والمشتقات النفطية شهد اضطرابا شديد، فقد أعاد الإنقلاب الهيمنة في هذا المجال للجماعات التي وعدته بتوفير حصص من الوقود حال تنفيذ الإنقلاب وقد وردت بواخر تحمل كميات كبيرة قبيل شهر من الإنقلاب إلى مياه البحر الأحمر قبالة المواني السوداني ، ولكن جراء الأزمة الاقتصادية التي تسبب فيها الإنقلاب تراجعت مبيعات الوقود وانخفضت بنسبة كبيرة.

نستطيع القول بأن هناك ترهل إداري في هياكل المؤسسات المالية والاستثمارية وبخاصة الجهاز الاستثماري والأسواق والمناطق الحرة وهناك ركود تضخمى خطير ضرب كل القطاعات، وهناك عجز حكومي أقر به وزير المالية  عن إزالة كافة المعوقات التي  تعترض الاستثمارات الخارجية، فقد فشلت الحكومة في إقناع البنك وصندوق النقد الدوليين في استئناف علاقتهما مع النظام في السودان، وأعاق الإنقلاب مراجعة القوانين والتشريعات المعيقة للاستثمار، وضيعوا فرصا جاذبة  للإستثمارات الأجنبية  خاصة العربية والأجنبية.

فهناك فرصة كبرى للاستثمار العربي ضيعها الإنقلاب وهي مبادرة الأمن الغذائي العربي والتي أطلقها السودان، وفرص دخول السودان للتنافس الدولي في ظل الأزمات التي تواجه الاقتصاد العالمي بسبب جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، وارتفاع السلع والمواد الغذائية كالقمح  والحبوب الأمر الذي سيؤثر على الأمن الغذائي.

‌ب) الزراعة:
عرف وطننا بسلة العرب الغذائية ولكنه يعاني شحا في الغذاء بحسب التقارير الدولية، فبعد أن قررت وزارة الزراعة الحكومة الانتقالية بالتوسع الأفقي والرأسي في الزراعة، وزيادة النسبة المئوية 30% الممستغلة من 200 مليون فدان زراعي لتصل 100 مليون بحلول 2024م ولكن ذهب كل ذلك أدراج الرياج مع حدوث الإنقلاب، وتم تعطيل خطط الوزارة الزراعية وتجميد التمويل الإقليمي والدولي للزراعة في السودان.

ينتج السودان 50600 طن من لحم الإبل متصدرًا به قائمة دول العالم وحينما قررت الحكومة الانتقالية تأسيس مصانع لانتاج اللحوم واتخذ رئيس الوزراء قرارا بعدم تصدير الخام تم إجهاض كل ذلك لتتجه الثروة الحيوانية شمالا وتصدر عبر الجارة مصر كمنتجات مصرية  وتم تمزيق الخطة التي وضعتها الوزارة، وتنتج البلاد من قصب السكر بـ672800 طن محتلًة نفس المرتبة، ولكن الإجراءات التي اتخذتها أذرع الإنقلاب في مشاريع السكر السودانية التي أقالت العمال وهددت بعضهم قلصت كميات الانتاج بحيث شهد انتاج السكر تراجها كبيرا في ظل تزايد الوارد عبر مستوردين يتمتعون بصلات وطيدة مع النظام المباد والسلطة الإنقلابية، كما يقدر انتاج ألبان الأبقار بـ5373000 يحتل به المرتبة الثانية عالميًا، أما الذرة البيضاء ففي المرتبة الرابعة بـ263000  طن، كما يأتي في المركز السادس عالميًا في إنتاج الفول والسابع في إنتاج الموز والحادي عشر في الطماطم والخامس عشر في القمح.

لم يوقف الإنقلاب عملية التوسع الزراعي والانتاج الحيواني فقط وإنما أوقف منحا خاصة بصيانة قنوات الري في مشروع الجزيرة واستصلاح أراضية وإعادة المشروع لسابق عهده وتحديثه، وأوقفت وزارة المالية تمويل عمليات الصيانة وامتنعت عن شراء المحصول ولا زال المشروع يشكو التعطيل لكثير  من البوابات ولا زال متأثرا بالإهمال الذي أ ضر بالآف الأفدنة جراء حادثة الفيضان في سبتمبر 2022م لمشروع المناقل.


‌ج) الصناعة:
مثلت أزمة الطاقة والاضطراب في التوليد الكهربائي واحدة من أسباب إيقاف عمليات الصناعة، وتراجعت الصناعات المحلية بنسبة مخيفة جراء اتخاذ سياسات مدمرة للصناعات، ووضع تكاليف انتاج ورسوم على مدخلات الانتاج وضرائب ورسوم حفزت عدد من المستثمرين إلى إغلاق مصانهم وبعضهم فككها وأعاد تصديرها لتعمل في دول أخرى.

‌د) البنيات الأساسية:
في مايو 2021م التقى د.حمدوك وفد البنك الدولي برئاسة  د. حافظ غانم نائب مدير البنك، وذلك بعد النجاح الكبير لمؤتمر باريس وتم التأكيد على أن المجتمع الدولي يقدر الجهود التي تقوم بها الحكومة السودانية لتنمية الاقتصاد ومحاربة الفقر بجانب كل الإصلاحات الاقتصادية المهمة التي قامت بها.وتمت مناقشة أهمية مشاريع البنية التحتية والاستثمار فيها، بجانب التعليم والصحة وأهداف الحكومة الأخرى. وتم التأكيد على تمويل مجدول لمدة 12 شهر لبعض المشروعات الكبيرة في البنية التحية بقيمة 2 مليار دولار بجانب مشروعات لمساعدة النازحين والعائدين.

وتم التفاكر حول موضوعات الكهرباء ومياه الشرب والري، وتم التأكيد أيضا على خطة في المدى القصير توفر المياه للقرى وتدعم تنمية قدرات المرأة السودانية، وأكد الجميع أنه لا يمكن تصور نهضة اقتصادية دون توفر الاتصالات والطرق والكهرباء والصرف الصحي وغيره من مشروعات البنية التحتية الأساسية وتأهيل وتدريب للقطاعات المنتجة عبر مرافق ومؤسسات تأهيل ورعاية حديثة وقوية، وقف كل ذلك كليا بضربة لازب من برهان.


3. قطاع التنمية الاجتماعية والثقافية ويشمل الآتي:

‌أ) تنمية الموارد البشرية:

تمت إعادة القطاع بالكامل لفلول النظام السابق وتم استدعاء العناصر الأمنية التي كانت تدير مجلس تنمية الموارد البشرية الحكومي، كما تم التضييق على المؤسسات والمرافق غير الحكومية ومنع بعضها من مزاولة نشاطة بعدم التجديد لمراكز ومنظمات وجمعيات لها شراكات إقليمية ودولية.

‌ب) المعلوماتية:
يعتبر العسكر هذا من القطاعات الأمنية السيادية التي يجب أن تكون تحت ناظريهم لذلك ظل ملف المعلوماتية والاتصالات والتكنولوجيا ملف تستحوذ عليه أجهزة الأمن والمخابرات، وقد سعت الحكومة الانتقالية لتحديث كامل ورقمنة كلية للدولاب الحكومي بتمويل وإسناد إقليمي ودولي، ومشاركة فاعلة من تجمعات مهنية لمهندسين وتقنيين سودانيين تطوعوا للنهوض بهذا القطاع، ما أن تم الانقلاب حتى تم إيقاف أي خطوة للتحديث وعزز الإنقلاب من قبضته على قطاع المعلوماتية والسيطرة على الاتصالات والانترنت، بالصورة التي مكنت ضباط المخابرات من قطع الانترنت على كل البلاد في خرق تام للحقوق الدستورية والإنسانية.

كما تم تجميد اتفاقيات التعاون التقني والتكنولوجي ونقل التقانة مع عدد من الدول التي رأت في رفع الحظر الاقتصادي عن السودان فرصة للتعاون التكنولوجي وقضايا المعلوماتية، ولكن بعد الانقلاب تراجعت تلك الدول عن التزاماتها وأكدت أن هذا الأمر لن يدخل حيز التنفيذ إلا في ظل حكومة مدنية ذات مصداقية كما ظلت تردد كثير من الدول والهيئات والوكالات.

‌ج) المنظمات الدولية والإقليمية:
يعد هذا الملف من الملفات المفتاحية لعلاقات السودان الإنسانية والدبلوماسية، وبه تم فتح مسارات تعاون مع كل الهيئات الدولية والإقليمية والمراكز العالمية العاملة في مجالات العمل الطوعي والإنساني والحقوقي، واتخذت الحكومة الانتقالية إجراءات بتنظيف ما شاب هذا الملف من إجراءات وقرارات أدخل السودان بسببه في قوائم الإرهاب والتعاون الدولي، إلا أن مفوض مفوضية العون الإنساني قام بإعادة تسجيل (23) منظمة تمّ حلّها في نهاية (نوفمبر) 2019 لمخالفتها لعدد من المواد المتعلقة بقانون تنظيم العمل الطوعي والإنساني لعام 2006م، ولائحة تنظيم المنظمات الوطنية والأجنبية ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية لعام 2013. ومن ضمن المخالفات إجراءات تسجيل المنظمات بصورة خاطئة، ووجود مخالفات في استقطاب وتلقي المنح من الجهات الأجنبية ووجود مخالفات في الاتفاقيات الفنية لهذه المنظمات والمقرّرة بموجب اللوائح، والتي تم إدراج بعضها سابقا في تقارير متعلقة بتفجيرات 11 سبتمبر ولها صلة بتنظيم القاعدة وتمويل الإرهاب.


● عاشرا: قضائيا
تعدي المنظومة القضائية هي رمانة القبان في الاستقرار لأي دولة إذ تمثل هي المرجعية القانونية والدستورية والسلطة العليا التي ينبغي الإحتكام إليها، ولذلك بدأ النظام الإنقلابي في كل الحقب بتجريفها واختلاق الأزمات في أضابير محاكمها الدستورية والعليا والاستئناف والموضوع والمحاكم الإدارية ورئاسة الجهاز القضائي، لذلك نجد أن انقلاب 25 أكتوبر مهد الطريق لإرباك الأوضاع في الجهاز القضائي بتعطيله لفترات طويلة تسمية رئيس القضاء، إلى أن وصل الأمر لانتقاء رئيسة قضاء جلست في مكتب رئيس الإنقلاب أكثر من جلوسها بمكتبها، الأمر الذي حفز الشارع للاحتجاج على سلوكها وتعطيلها ملفات قضائية وعدم تسريعها لملف العدالة، ما دفعها لتقديم استقالتها، ومنذ ذلك الوقت بدأ التلاعب بالقضائية وتحريك ملفات قضاة النظام السابق، إلى أن اكتمل الأمر بتكوين دائرة إدارية بالمحكمة العليا للنظر في قرارات لجنة التفكيك، وسارعت إلى نقضها دون النظر في قرارات لجنة الاستئناف التي أعاق البرهان تكوينها طوال الفترة الانتقالية.

ووصل الأمر أخيرا إلى استصدار قرارات إرتدادية لكل القرارات التي اتخذتها لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو وأعادت جميع منسوبي الحزب والحركة المحلولين إلى الخدمة ومكنتهم من مفاصل الدولة وأعادت لهم الأموال التي نهبوها والأصول التي امتلكوها بأسس غير شرعية، وأخطر القرارات الارتدادية تلك  التي أعادت قضاة محكمة عليا واستئناف وبدرجات مختلفة إلى السلك القضائي، على سبيل المثال أحد القضاة وهو كادر من كوادر الحزب والحركة المحلولين من ذوي النشاط السياسي المعروف داخل السلطة القضائية واستغل نفوذه التنظيمي ورفض تنفيذ نقله من  مدني إلى الكوة . ثم استقال في عام 1995م من السلطة القضائية ثم أعيد تعيينه في العام 1999م في عهد مولانا حافظ الشيخ الذاكي رئيس القضاء الأسبق وقد انتدب آنذاك إلى الهيئة الشعبية لدعم القوات المسلحة بولاية الجزيرة بعد استقالته وهي كانت واجهه من واجهات النظام البائد وعمل أمينا عاما لصندوق التكافل الاجتماعي ليعُيِّن قاضي نظام عام قام بأخذ أثاثات المحكمة إلى منزله بمنطقة فارس ريفي ود الحداد وقد تم استعاده الأثاثات من قَبل أدارة الجهاز القضائي.واشتهرت فترة عمله بالجبائية، وغيره كثر على هذه الشاكلة من منتدبي منظمة الدعوة الإسلامية والدفاع الشعبي ومحاكم جهاز المخابرات العامة، ومنهم من كان موظفاً بديوان الزكاة ومنسيقة الخدمة الوطنية وهيئة الأوقاف الإسلامية، ومنهم ليس له ما يبقيه في السلك القضائي سوى شهادات العمليات الحربية في جنوب السودان وأوامر التحرك.


 ومن النماذج التي تمت إعادتها للعمل بالقضائية شخص كان بمناطق العمليات يكسلا مرابطا ضمن لواء عثمان دقنة في الفترة من 1990م وحتي يوليو 1996م وفي الفترة من عام 2004م حتي عام 2014م عمل مستشار بوزارة العدل بالإدارة القانونية للهيئة القومية للكهرباء، ورئيسا للإدارة القانونية لشركة السودانية لتوليد الحراري، ورئيسا للإدارة القانونية لوزارة المالية بالولاية الشمالية، ورئيسا للإدارة القانونية لوزارة السياحة والآثار والحياة البرية الاتحادية، ليعود للسلطة القضائية في عام 2014م، ويعين مساعدا لرئيس عام إدارة المحاكم، وينتدب كرئيس الإدارة القانونية لشركة الرواد للعمليات البترولية ويمنح دون سواه احتكار المشاركات الخارجية في كل من (الصين – المغرب العربي- الإمارات العربية لمدة 5 مرات – باريس فرنسا).


ومن ضمن الذين تمت إعادتهم قاضي من الذين عينوا في عام 1992م وذلك بغرض التمكين والإحلال مكان القضاة الذين فصلوا للصالح العام، وهو من ضمن الذين عملوا إقرارات بالانخراط فى الدفاع الشعبي لذود عن التوجيه الإسلامي آنذاك، وقد اشتهر بالتجارة عندما كان قاضيا بغرب السودان كان يستغل عربه المحكمة في تجارة أم دورو من سوق إلي اخر، وإلى وقت قريب عندما كان بالفاشر عمل بتجارة  سيارات ما عرف بـ (البكو) حيث امتلأ ميز قضاة الفاشر بعربات البوكو بل سمح لبعض سماسرة العربات و(الكرين) بالسكن في الميز وذلك يخالف قواعد سلوك القضاة حيث أن القاضي غير مسموح له بأي نشاط تجاري.


هذا غيض من فيض الذي يحدث في المؤسسة القضائة التي عكف قاضي المحكمة العليا أبو سبيحة لإعادة تمكين كافة رموز الحزب والحركة فيها، وهو الأمر الذي لم تنج منه النيابة العامة ولا وزارة العدل ولا ديوان الحسبة ولا المؤسسات التي لها صلة بالحقوق وانتزاعها ليسلط البرهان بانقلابه سيف القضاء على رقاب الشعب وساسته ونخبه ونشطائه ويزجهم في السجون تحت مرأى ومسمع وربما بإشراف هؤلاء القضاة.
● ختاما:
• إن الممارسات الخرقاء التي ارتكبت في عهد هذا النظام ليست بريئة ولم تتم عن جهل وإنما تم القيام بها مع سبق الإصرار والترصد، اشتركت في التخطيط لها والتآمر عليها والتنفيذ جماعات وأفراد ومؤسسات ودول وأجهزة مخابرات ورجال أعمال، ومن سوء حظهم أنهم ارتكبوا هذه الحماقات ضد الشعب السوداني واستعدوا أمة بكاملها، وجيشوا ضدهم مستقل الأمة من شبابه ونسائه، وجعلوا عدوهم الأول إلى الأبد هو الشمولية والدكتاتورية والاستبداد والأنظمة العسكرية.

• كما يتضح جليا أن الطاغية في السودان تقمص دور الإله، فمع تبريره للإنقلاب بأن هناك قلة من أربعة أحزاب استأثرت بالسلطة إلا أنه انفرد بها وحده لا يشاركه قرارها أحد، وأمعن في الاسراف في القتل وتبديد الثروات والأموال وتشريد الكفاءات والخبرات، وكل ما ارتكب هو ورهطه فظاعة من الفظاعات زاد تشبثه بالسلطة، فمارس الخديعة والتضليل للقوى السياسية والتمويه والتعمية للشعب السوداني، وادعى أنه سينأى بالمؤسسة العسكرية عن العملية السياسية ولكنه اتخذ من جماعات النظام البائد وعناصره السياسية والأمنية أدوات طيعة في يده ليخرب بها الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد.

• هذا يوجب على كل شرائح الشعب السوداني إدراك أنفسهم ووطنهم والتوجه بقوة نحو الكشف عن كافة الممارسات والفظائع والمخالفات التي ارتكبتها السلطة الإنقلابية وتدوينها للتاريخ، ورصدها لتكون حاضرة متى ما استدعى الأمر، فهي شهادة لله وللتاريخ، (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) سورة البقرة الآية: 283.

• هأنذا أضع شهادتي بين يدي أبناء شعبي لما شهدته في هذه الحقبة المقيتة التي مثلت أيامها ولياليها أمر فترات حياة السودانيين والسودانيات، وشهدوا فيها قتل خيرة فلذات أكبادهم، وتبديد أغلى الثروات، الأمر الذي أرجو أن يكون بعض وفاء لشهداء الوطن، وقليلا من البر بسوداننا أرض الأجداد ومنبت الرزق.


عروة الصادق

٢٢. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com