الدرس الإثيوبي
• مقدمة:
° في غمرة انشغالنا كشعب سوداني ببطش السلطة الإنقلابية القائمة في الخرطوم، والتي ألقت بظلال تدميرية على كافة أنحاء البلاد، وشملت أنماط التردي كل أوجه الحياة العامة والخاصة، وتأثرت بها حتى عمليات الاستثمار الخارجية، نجد أن هناك دول جارة وشقيقة تستثمر في إبراء جراحها لا تعميقبها، فقد طالعت اليوم إعلان صادر يوم 12 نوفمبر 2022م بنيروبي الكينية، عن كبار القادة بشأن وسائل تنفيذ اتفاق استمرار السلام من خلال وقف دائم للعمليات العدائية، الموقع ما بين جمهورية إثيوبيا الديمقراطية الاتحادية (FDRE) وجبهة تحرير التغراي (TPLF)،
• الاتفاق:
° ميزة الاتفاق الذي تم توقيعه، أن حدد مبكرا أطراف الصراع، وتوجهت الحكومة نحوهم بكل صدق وتجرد، ولم تحاول المراوغة واصطناع كيانات ربيبة أو حركات خداج للتشويش بها على العملية السياسية ومجريات مباحثات السلام، ولو فعل الرئيس الاثيوبي آبي أحمد، وجهاز المخابرات الفدرالي ما فعلته أجهزة المخابرات السودانية لظل الأمر إلى اليوم معلقا لأن أطراف عملية السلام غير محددون، ولكنه اتجه وبكل صدق لتحديد المعنيين بالاتفاق وقد تمت الاشارة إليهم بوضوح في نص الاتفاق الذي أورد ما ترجمته :"يستند هذا الإعلان عن اجتماع كبار قادة قوات الدفاع الوطني الإثيوبية ومقاتلي تيغراي المسلحين (المشار إليهم فيما يلي باسم الأطراف) إلى اتفاق سلام دائم من خلال وقف دائم للأعمال العدائية تم توقيعه في 2 نوفمبر 2022 في بريتوريا ، جنوب إفريقيا (يشار إليها فيما بعد باسم أطراف الاتفاقية)".
° والدرس الذي قدمه الإثيوبيون للسودان في نقاشاتهم المستفيضة التي لم تأخذ عاما كاملا أو شهرا أو حتى عشرة أيام أنهم حددوا أساليب التنفيذ المنظم والناجح للاتفاق، واكدوا أنهم بالتنفيذ الفعال للاتفاق، وحرصوا على أن يكون لإثيوبيا قوة دفاع واحدة، أي جيش نظامي واحد ولم يتعنت أو يرفض أهل إقليم تقراي بجيشهم القبلي أو يصروا على أن يكون قوة موازية للجيش النظام كما هو الحال عندنا في السودان، "وإذ يؤكد من جديد أن إثيوبيا لن يكون لها سوى قوة دفاع واحدة"، نص واضح لا لبس فيه.
° وقد تضمن الاتفاق الوقف الدائم للأعمال العدائية، وتماشياً مع الاتفاقية، أكد الطرفان وقف جميع أشكال الاشتباكات العسكرية وفك الارتباط بها، وضمان اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لتحقيق الغرض العام من تنفيذ هذه الاتفاقية، نزع سلاح المقاتلين المسلحين التيغراي، وحددوا عملية نزع السلاح وكيفية تنفيذها بكل سلاسة دون مناورات أو مراوغة أو تسويف وحددوا سقفا زمنيا لذلك الأمر على النحو التالي:
• وفقاً للمادة 6 من الاتفاق، ستكون عملية نزع السلاح هذه هي التالية:
(أ) سيتم توجيه القادة لقواتهم على مدى سبعة (7) أيام تبدأ من تاريخ وصول القادة إلى الموقع العادي في 15 (نوفمبر) 2022م.
(ب) بعد التوجيه ، سيتم فك الارتباط على مدى أربعة (4) أيام في أربع مناطق فض الاشتباك.
(ج) عند فك الارتباط ، تتولى السلطات الاتحادية مهام الاتحاد.
• بسلاسة وبثلاثة نقاط المبينة أعلاه حسم أمر ترسانة عسكرية تفوق ترسانة الحركات المسلحة السودانية مجتمعة والتي استمر أمر الترتيبات الأمنية فيها زهاء العامين، وإلى الآن لم يقطع فيه إلا النذر اليسير، وعطل الإنقلاب إكمالها بإجراءات الإقالة والإحالة للتقاعد التي اتخذها قائد الجيش، والتي شملت أهم الضباط القائمين على عملية الترتيبات الأمنية، وظل الأمر معلقا إلى اليوم، ما يحول دون الوصول إلى جيش قومي مهني سوداني واحد في القريب العاجل، فإذا كان أمر الحركات المسلحة بهذا التعقيد فكيف سيكون حال قوات الدعم السريع التي تضخم حجمها وقوتها وعدتها وعتادها وانتشارها الجغرافي والاستراتجي؟.
• أهم ما في الاتقاق أنه حدد المسؤوليات وفقًا للدستور لجميع المجالات بما في ذلك استئناف الخدمات، والإحالة الدستورية في الاتفاق كان بالإمكان فهمها من السياق لأن الدستوري الإثيوبي من أرسخ الدساتير في المنطقة، واستمر العمل المؤسسي لمدة طويلة جدا، ولم تطرأ عليه أية اهتزازات دستورية، ومع ذلك تم التأكيد على أن تكون المسؤوليات مدسترة، ومضى الاتفاق ليبن الموقف من تحديد الأسلحة وكيفية نزعها والأطراف المشرفة على النحو الوارد في النقطتين:
(د) يتم نزع الأسلحة الثقيلة بالتزامن مع انسحاب القوات الأجنبية وغير التابعة لقوة الدفاع الوطنية الإثيوبية من المنطقة.
(هـ) يتم تشكيل لجنة مشتركة في تاريخ التوقيع على هذا الإعلان من قبل القائدين لوضع خطة تنفيذية مفصلة لنزع الأسلحة الخفيفة وتقديم تقرير خلال فترة أربعة عشر (14) يومًا مع خطة واضحة لـ عملية نزع السلاح والجداول الزمنية لنزع الأسلحة الخفيفة. تتألف اللجنة من ممثلين (2) من الأطراف وممثل واحد (1) من فريق الرصد والتحقق التابع للاتحاد الأفريقي.
• لم يقتصر الأمر حل فض الاشتباك ووقف إطلاق النار وإنما حمل الأطراف حماية المدنيين، وفقًا للمادة 4 من الاتفاقية، وحدد بالنص: " تقع مسؤولية حماية المدنيين على عاتق جميع أجهزة الأمن الاتحادي والأمن الإقليمي وفقًا للدستور الاتحادي". وفصل تحديدا كيفية تلك الحماية الملزمة إذ أورد النقاط التالية:
أ) منع الهجمات ضد المدنيين.
ب) ضمان الحركة السلسة للمدنيين.
ج) ضمان سلامة وأمن المؤسسات المدنية والبنية التحتية.
د) ضمان سلامة وأمن الفئات الضعيفة بما في ذلك النساء و الاطفال.
هـ) حماية المدنيين من هجمات قوات الأمن.
و) تقابل أي انتهاكات للمادة 4 من الاتفاقية من قبل أي طرف بإدانة شديدة وإجراءات عقابية.
• ولم يغفل الاتفاق الجانب الإنساني وإيصال المساعدات الإنسانية فقد اتفق الطرفان على:
أ) التعاون وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
ب) يتم تسليم المساعدات الإنسانية وفقا للمادة 5 من الاتفاقية.
ج) تخضع جميع الإغاثة الإنسانية للتفتيش وإخطار الحكومة الاتحادية.
د) سيتم توفير الضمان الأمني للعاملين في مجال المساعدات الإنسانية والمنظمات بناء على طلبهم.
و) يقوم الطرفان بتسهيل حركة المساعدات الإنسانية دون عوائق.
ز) يجب أن يكون هناك نقطتان فقط للتفتيش ، يتم إنشاء أحدهما عند المدخل من نقطة التحميل و / أو المستودعات وعند مدخل مناطق الوصول.
• كما حدد الطرفان الفترة الزمنية وكيفية المراقبة والتحقق المشترك على نحو:
1. يتفق الطرفان على التعاون مع فريق المراقبة والتحقق (MVT) ، الذي سيتم إنشاؤه من قبل الاتحاد الأفريقي (AU) من خلال اللجنة رفيعة المستوى بما يتفق مع المادة 11 من الاتفاقية. يجب تطوير ملف التعريف والاختصاصات (TOR) الخاصة بـ MVT بالتشاور مع الأطراف.
2. يجب أن تبدأ MVT عملياتها بعد عشرة (10) أيام من توقيع هذا الإعلان.
3. يجب توفير الضمان الأمني لـ MVT من قبل ENDF بناءً على طلبهم.
• ولأن الإعلام هو أهم معاول الهدم والبناء وتعزيز الثقة بين الشعوب وأخطر أدوات تأجيج الأزمات وبث خطابات الكراهية وإشعال الحروب حدد الطرفان الأمر بعبارة ملزمة ومقتضبة هي: "الاستخدام المسؤول لوسائل الإعلام"، وتم تفصيل الأمر كالآتي:
° يؤيد الطرفان المادة 3 (2) والمادة 12 من الاتفاقية التي تنص على أن المنصات الإعلامية التي تسيطر عليها الأطراف المعنية يجب أن تلعب دورًا بناء من شأنه تسريع تنفيذ هذه الاتفاقية.
° وإثباتًا لذلك ، قام الممثلون المفوضون حسب الأصول من الأطراف بالتوقيع على هذا الإعلان في نيروبي ، كينيا في اليوم الثاني عشر من نوفمبر 2022.
وقد قع عن الطرفين، الأول: المشير بيرهانو جولا ، رئيس الأركان العامة لقوة الدفاع الإثيوبية، والثاني: اللفتنانت جنرال تاديسي وريدي قائد ، مقاتلو تيغراي المسلحين، بشهود كل من فخامة أولوسيغون أوباسانجو، الرئيس السابق لجمهورية نيجيريا الاتحادية، والممثل السامي للاتحاد الأفريقي في القرن الأفريقي، وفخامة أوهورو كينياتا ، الرئيس السابق لجمهورية كينيا (عضو فريق).
• الخلاصة:
° بهذا الاستعراض لهذه الاتفاقية التي أنهت أحد أكبر الصراعات الدامية في القرن الإفريقي، يستطيع المرء أن يستخلص أن الإرادة القوية هي التي تحدد الأولويات والأهداف وتمضي نحوها بوضح، لترسم معالم المستقبل والأبعاد الاستراتيجية سياسيا وأمنيا واقتصاديا، وهو الأمر الذي لن يتحقق دون إنهاء الصراع.
° من المؤكد أن إثيوبيا لن تنعم وحدها بهذا الاتفاق في حال تنفيذه واستكمال مطلوباته، بل سينعكس الأمر على الأقاليم المتاخمة لها، في القضارف والنيل الأزرق، والتي شهدت موجات لجوء متبادل خصوصا بعد اندلاع الأحداث في النيل الأزرق، الأمر الذي يجعل الحادبين في البلدين يجدون المسير نحو تحقيق السلم والاستقرار في كلا البلدين ويدعمون جهود السلام ولو ببرقيات التهنئة الرسمية والشعبية، وتفويج قوافل المشاركة في احتفالات السلام، لكي ترتد علينا تحايا السلام بأحسن منها، وقطع أجندة التآمر والحرب والتخريب التي تعكف عليها دول وأجهزة مخابرات.
• الواجب:
على السودانيين شد أيادي إخوتهم الإثيوبيين ودعمهم لتحقيق الاستقرار واستدامة السلام في أقاليمهم الفدرالية المختلفة، لأن في استقرارها استقرار للسودان، وقد أثر الصراع في اثيوبيا على السودان، ودفع بنحو 60 ألف لاجي في فترة وجيزة للدخول إلى السودان، يعيشون أوضاع غاية في السوء، لا غنى عن الآتي:
1. تراجع السلطة الإنقلابية في الخرطوم عن انقلابها فورا وذلك للآتي:
أ. إبداء حسن النوايا وجسر هوة الثقة المنعدمة بين الشعب ومكوناته الحية والقوة الإنقلابية.
ب. تحرير السلطة من هيمنة آحادية لقائد المؤسسة العسكرية.
2. كسب تأييد المحيط العربي والإفريقي لدعم إنهاء الصراع في السودان، إذ أن لأي صراع محتمل في قادم الآيام آثار كارثية وتدميرية على المنطقة والمحيط العربي والإفريقي والدولي.
3. العمل على تحقيق أهداف الثورة السودانية وتمهيد الطريق نحو إبراء الجراح بإقرار الجميع بمدأ تحقيق العدالة وعدم الإفلات من العقاب.
4. السعي لاستعادة مكتسبات الفترة الإنتقالية، للحاق بالفقر الماحق الذي اجتاح كل فئات الشعب السوداني وتقديم الدعم المباشر لهم.
5. بناء حكومة كفاءات مستقلة تؤسس لقاعدة استراتيجية لتحقيق المكاسب التنموية والاقتصادية، وتفتح الطريق أمام استدامة الديمقراطية بالتحضير الجيد لانتخابات حرة ونزيهة.
● لتحقيق تلك المطلوبات المذكورة أعلاه يتعين على الجميع إدراك سهولة تحقيق الأمر، متى ما تحلوا بالإرادة القوية والعزيمة والإصرار لإنهاء أظلم الحقب الاستبدادية في السودان وطي صفحة الشمولية وإسقاط الأنظمة الدكتاتورية وإلى الآبد، علينا العمل على النحو التالي:
1. أسر الشهداء ولجان وتنسيقيات المقاومة السودانية واللجان المطلبية وقوى الثورة الآخرى، عليهم تحديد تصوراتهم الواضحة وموقفهم من العملية السياسية الجارية بوضوح وشفافية، وصياغة رؤاهم المتفرقة في مسودة مرجعية واحدة تكون هادية لكل تكوينات المقاومة السودانية في المركز والولايات، ومعسكرات النزوح واللجوء، وتحدد المطلوبات الملزمة للجميع والتي لا تنازل عنها ولا مساومة فيها.
2. القوى السياسية السودانية عليها أن تكمل عملها الدؤوب الذي ابتدرته بتقييم تجربتها الانتقالية، السياسية والتنفيذية، وصياغتهم لمسودة الدستور مع اللجنة التسييرية للمحامين السودانيين، عليهم أيضا ابتدار برنامج ومشروع الحكومة الانتقالية مع جهات مستقلة كلجنة المحامين، وتقديمه ليتضامن مع برامج أسر الشهداء ولجان المقاومة.
3. على الجاليات السودانية في الخارج قيادة حراك وضغط دبلوماسي كبير لإيجاد أكبر الروافع الإقليمية والدولية لضمان وحماية وصون الحكومة الانتقالية ودعمها، وإسنادها لمجابهة الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد، وأن تعكف تلك الجاليات على تعريف العالم بجرائم وفظائع النظام الإنقلابي في السودان.
4. جماعات المصالح والتجارة والاقتصاد، عليهم أن يتعلموا من درس إنقلاب 25 أكتوبر ألا ازدهار ولا نمو اقتصادي أو تجاري، ولا مضاعفة لأرباح الآعمال أو الأسهم، إلا في ظل أوضاع مستقرة وهو الآمر الذي لن يكون إلا في ظل نظام مدني ديمقراطي.
5. على أصحاب المصالح الاستراتيجية في العالم والمنطقة الإفريقية والجوار العربي، أن يعلموا أن تغذية الدكتاتورية في القارة وبالتحديد في السودان، سيجلب وبالا عليهم في بلدانهم ولن يمنحهم الاستقرار، وسيفرخ النظام الاستبدادي الذي ترعاهم مخابراتهم جماعات متطرفة وعنيفة وموجات هجرة ولجوء أول من ستجتاح بلدانهم.
6. على الشعب السوداني أن يحرص على حراسة حقوقه دائما وأبدا، فالدرس الذي تم تقديمه صباح انقلاب 25 أكتوبر 2021م بين للعالم أن السودان كبلد وشعب، بلاد محرمة على الدكتاتوريين والأنظمة العسكرية.
7. على الجبهات والتيارات الإخوانية أن تتعلم من ماضيها الذي لم يورث البلاد إلا الفساد والاستبداد، وأن الشعب السوداني قد قال كلمته، وأن محاولة التترس وراء النصوص الدينية سيكون شأنه شأن التترس الصهيوني وراء النصوص التوراتية لاستعباد العباد واغتصاب البلاد وهو الأمر الذي لن يتحقق إلا على رقاب السودانين، لذلك سارعوا إلى عقد المراجعات الفكرية وتغيير الاسماء والتوجهات والأفكار وإلا فسيكتب لتجارتكم الكساد والبوار.
• ختاما:
تبين أن في القارة الإفريقية وجود قيادات بدرجة عالية من الحكمة والحنكة، متى ما دفعوا بالإرادة، هذه القيادات لم تأت من غيابة الجب، وإنما نبعت من رحم الشعوب، وفي السودان من القيادات رجال ونساء، من يستطيعون إخراج البلاد من وهدتها، ليس عليهم سوى إعمال سلاح الإرادة وإشهاره في وجه المتمنعين والممانعين، وإرغامهم على الوفاء باستحقاقات الثورة السودانية في الحرية والسلام والعدالة كاملة غير منقوصة.
عروة الصادق
13 نوفمبر 2022م
البقعة
orwaalsadig@gmail.com