الجمعة، 30 ديسمبر 2022

إضراب المعلمات والمعلمين في السودان- بعد استثماري

إضراب المعلمات والمعلمين في السودان – بعد استثماري


• في أوقات المساغب تعز اللقمة، وفي أوقات الفقر يعظم الدرهم والدينار، وفي أوقات المحن تنتهز الفرص، ولا أحد يستطيع إنكار الدور الكبير الذي قامت به مؤسسات استثمارية تعليمية خاصة، وصروح شامخة يشار إليها بالبنان منحت نوابغ ومتميزين التفوق والريادة، وعظمت دور معلمات ومعلمين أفقرتهم الوظيفة الحكومية وزادتهم حوجة وعوزا.




• فانتشرت في البلاد المدارس الخاصة والاستثمار في مجال التعليم الأساس استشراء النار في الهشيم، حتى استحوذ بعض المستثمرين على أراضي مسجلة كمدارس حكومية وأقاموا عليها أنشطة تعليمية تجارية، قضت على فرصة تطور تلك المدارس الحكومية واستغلت حكر حكومي.



• ووصل الأمر لاستغلال المطابع الحكومية وتخريد بعضها (بيعها خردة)، لأصحاب الاستثمارات الخاصة، فصارت تلك المطابع تهيمن على طباعة الكتاب وتبيعه للحكومة في صورة لا يمكن أن تجد لها مثيل في أكثر الأنظمة فسادا في العالم.



• ومنحت الحكومة أصحاب تلك المؤسسات مزايا تفضيلية وإعفاءات جمركية وضريبية لم تنعكس بأي حال من الأحوال على العملية التعليمة وتكاليفها الباهظة على الأسر والتلاميذ، وصار التعليم الخاص محصورا على ذوي الدخول العالية، وتم تصميم نماذج متواضعة تتواءم ومقدرات ذوي الدخول المتوسطة، أما الفقراء والمعدمين فلا سبيل لهم إلا التعليم الحكومي والذي انتكس بعد الإنقلاب في 25 أكتوبر من المجانية إلى رسوم حكومية تحت مسميات وأوجه صرف مختلفة (كهرباء – نفايات – مجلس تربوي.. الخ)، وهذه الرسوم جعلت العشرات من الأطفال يتسربون من فصول الدراسة.



• في هذه الفترة التي تخلت فيها الحكومة عن دورها الأساسي ورعايتها المباشرة لمجانية التعليم الأساس، اغتنت بيوتات ومؤسسات وكارتيلات اقتصادية ووجوه وواجهات مالية، استثمرت في الطبشور والكراس والقلم والإجلاس والكتاب المدرسي والتشييد والمباني والترحيل وجميع عناصر العملية التعليمية وساهم إطلاق اليد الحكومية في دخول، تجار وسماسرة ووسطاء لا علاقة لهم بالتربية ولا التعليم ولا رؤية البلاد التعليمية، هدفهم الأوحد الإثراء والاغتناء الفاحش، ووجدوا أن سياسات الدولة في الفترة الانتقالية نحو المؤسسات التعليمية وإقرار مجانية التعليم يهدم عروشهم ويهدد استقرارهم المالي.



• ساهم هؤلاء مجتمعون إلا من أبى في تنظيم حملات مدفوعة الثمن وشراء عدد من الأقلام والأبواق ومنصات الإعلام، لشن هجوم ممنهج ومنظم ضد الحكومة الانتقالية وسياساتها التعلمية وأعاقوا سبل الوصول لمدارس حكومية تراصف أو تنافس مدارسهم، والتي كانت أولى خطوات الحكومة بزيادة أجور المعلمين ليتوجه جيش عرمرم من المعلمات والمعلمين نحو المدارس الحكومية ويكتفوا بالراتب الحكومي، وهو الأمر الذي لم يجد الرضا من أصحاب المؤسسات التجارية الاستثمارية.



• وفي الوقت الذي كان بعض هؤلاء المستثمرون يجدون الجد في طباعة الكتاب المدرسي في إحدى الدول والتي تعبث بخرائطنا الجغرافية والطبغرافية، كانت الحكومة تجتهد في توطين طباعة الكتاب المدرسي، فأعاقوا عبر عناصرهم الخفية في وزارة المالية والمؤسسات ذات الصلة ومجلس الوزراء طباعة الكتاب المدرسي الأمر الذي رفع درجة السخط على الوزير حينئذ ووزارته، والجميع يعلم أن هناك مخازن كبرى في العاصمة والولايات رتبت نفسها لتوزيع مخزونها التجاري للمدارس والأسر والأسواق المختلفة.




• صار التعليم والأساس على وجه الخصوص في عقود الإنقاذ الثلاثة، مدخل للثراء، فقد مكن التنظيم عناصره من خطط التعليم والمناهج، والزي، ومنحوهم توكيلات الاستيراد والتوريد، وتراخيص البناء والتشييد، واحتكروا لهم المزادات وفصلوها على مقاساتهم، وتجاوزا لهم شروط الشراء والتعاقد والمواصفات والمقاييس، ومنحوهم المساحات الحكومية والساحات العامة والمدارس التاريخية، وعكفت المنظومة الفاسدة برمتها لخدمة هؤلاء المستثمرين ومكنتهم رقاب أطفالنا وتلابيب الأسر ماليا واستنزفت الموارد الحكومية للتعليم في غير مواضعها حتى صار الصرف على التعليم في الموازنة العامة آخر أولويات الحكومة التنفيذية ومعدي الموازنة في وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي.



• وحينها صارت تلك المؤسسات الخاصة الاستثمارية قبلة النافذين وأبناءهم، والأغنياء والطبقات الميسورة، وحشر بقية التلاميذ في المدارس المقبورة، وفتحت منافذ الإعلام والإعلان لمن يستطيع إليها سبيلا بماله وسلطه، وتمايز المجتمع وأبناؤه في منافاة ومجافاة للتاريخ الذي مكن أبناء الشعب السوداني الدراسة مع بعضهم البعض في خور طقت ووادي سيدنا وسنار الثانوية وحنتوب وكوستي والدويم، دون تمييز على أساس العرق أو اللون أو النفوذ الاجتماعي.




• ختاما: إن أي توجه قادم لمجانية التعليم سيصطدم بأطماع ومصالح هذه الشبكات المتداخلة والمتدخلة في عمق العملية التعليمية، والتي تمثل بالنسبة لهم تجارة رابحة، لا خسارة فيها ولا انتهاء صلاحية لمنتجاتها، فالسوق اكتظت بتجار الطلاء للمدارس، ومصنعي الطباشير ومستوردي الإجلاس، وطابعي المنهج، ومحتكري توريد الأقمشة للزي المدرسي، وغيرهم من أوجه الهيمنة الاستثمارية والاحتكار لموارد العملية التعليمية، وهو ما يقف تجاهه بقوة معلمي ومعلمات بلادي ويطالبون بتنفيذ تلك السياسية وإيقاف تحصيل الرسوم من التلاميذ والتحايل على القرار الحكومي بافتعال ممارسات تدر أموالا وتشغل مطابع ومرافق ومكاتب وعمال لا صلة للحكومة بهم.

• وما لم يتم وقف الصرف البذخي على المؤسسات والمرافق السيادية والأمنية وتقليص أوجه صرف القصر الرئاسي والحكومات الولائية، وتوجيهها بصدق وقوة للتعليم سيتراجع الحال بصورة أسوأ وستشهد تقارير الأمم المتحدة أرقاما أضعاف التي تم تسجيلها هذا العام، بل وسنشهد جيوش عمالة الأطفال، واستغلالهم ماديا وجنسيا، وسنرى بأم أعيننا تنامي الجريمة وتزايد حالات التردي الإجتماعي والتراجع القيمي والأخلاق، وحينها ستزداد هيمنة القطاعات الاستثمارية على قطاعات التعليم وتتحكم وحدها في رسوم الاستيعات وثمن الكتاب، وستفقد الدولة سيطرتها على أجيال كاملة ينبغي ربطها منذ الميلاد في المستشفيات والدراسة في الرياض والمدارس الأساسية بالوطن ومجانية الخدمات لمن في سن الطفولة، حتى لا يلعن هؤلاء وطنهم والجيل الذي باعهم الكراس والكتاب وقلم الرصاص، وهو ذات الجيل الذي ملأ أقلامه من المحابر ودرس مجانا وصرف له الكساء والغذاء والدواء، وتم تعليمه على أيدي أميز الأساتذة الذين لم يتحملوا هذه الأمانة إلا بعد تدريبهم لسنوات في معاهد التدريب التربوية.


عروة الصادق
ORWAALSADIG@GMAIL.COM

إضراب المعلمات والمعلمين - بعد سياسي

إضراب المعلمات والمعلمين في السودان – بعد سياسي

• تعلقت الأنظمة الدكتاتورية والشمولية والأتوقراطية على مر التاريخ بحبال الاستبداد وتأطير المعارف والعلوم والمرافق والمؤسسات التعليمية وفق التصورات السلطوية، وتسطير الأسفار والكتب حتى الديني منها وفق ما يتفق وهوى السلطان، حتى جلدت ظهور العلماء وحبست أفكارهم وحرقت مسوداتهم أو قتلوا جراء اجتهاداتهم الدينية والفكرية والعلمية، وتلك السياسات القاهرة كانت في الغالب تتخذ طابعا آحاديا مهيمنا إملائيا لا مجال فيه للتفكير "خارج الصندوق"، ويتم التعامل فيه مع عناصر العملية التعلمية كجنود تجسس أو ضباط تجنيد أو جنرالات في جيوش السلطة، ومع المناهج والخطب كفرمانات رسمية لا ينبغي التحريف فيها أو التفكير أو قراءة ما وراء سطورها، جميعهم يأتمرون بأمرها وينفذون سياساتها.


• وجعلت هذه المؤسسات حواضن لتفريخ شتى أنواع الممارسات السياسية الفاسدة التي أضرت بالبلاد، وبهذه المؤسسات ذات نفسها، فتم تقديم الكفاءة على الولاء، حتى صارت عدد من المدارس الصناعية والتجارية والأكاديمة جراء تلك السياسات عبارة عن بيوت خربة ينعق بومها، وتم تشريد طواقم التدريس والتدريب فيها والاستعاضة عنهم بأبناء التنظيم والحزب الواحد.




• فخرجت تلك الأنظمة السلطوية أجيالا تفكيرها قاصر لا يجاوز شراك النعال، وسهل تجييشهم للحروب الأهلية واقتيادهم للنزاعات على أساس الهوية، وهيمنت على عقولهم العصبيات، لصالح تنفيذ سياسات السلطة القابضة، وتم التمهيد لذلك للأسف من منظرين ومفكرين تم تأهيلهم في أرقى المنارات، وتذخيرهم بأنفع العلوم إلا أن طغيان الأيدلوجيا والانتماء أقوى من مراقي العلم والمعرفة.



• فيما أطلقت الأنظمة الديمقراطية العنان للتلاميذ والمعلمات والمعلمين والخبراء والمختصين ليضعوا مناهج مستقلة ديمقراطية، شحذت الهمم، وفتحت الباب للإبداع في مجالات معرفية مختلفة، فانتشرت الأنشطة اللاصفية والجمعيات الأدبية ونمت الجماعات المتنافسة في العلوم التطبيقية والفنون والرياضة، للدرجة التي بزغ فيها نجم أطفال صاروا لاحقا علامات وقامات فكرية وأدبية وفنية ورياضية وسياسية يشار لهم بالبنان.



• هذا المسعى الحر الديمقراطي لم ولن يعجب المتسلطين، لذلك سيظل الحاكم المستبد يحاول تدجين هذه المؤسسات وملأها بعناصر التخابر والجوسسة وحشوها بالمنتسبين لقواه الأمنية ومليشياته الأيدولوجية، وهو الأمر الذي تصدى له بصلابة وجلد وهمة معلمو ومعلمات بلادي الشرفاء، الذين انتظموا في سلك مناهضة الاستبداد بوسائل سلمية وراقية لتحرير مؤسساتهم من الهيمنة والتدمير والعسكرة.




• إن التعليم ومؤسساته ملف سياسي سيادي ينبغي التعامل معه بأرفع المستويات السياسية والسيادية، وأن يتم مراقبة الفاعلين فيه وأدواتهم ووسائلهم ومدخلات عمليتهم التعليمية بدقة شديدة، ورقابة متناهية عبر السلطة السيادية والسلطة التشريعية وتنفيذ محكم من السلطات التنفيذية الاتحادية والولائية، لتجنب الأخطاء الكارثية والتدخلات الخارجية التي تحاول طمس الخرائط وملامح التاريخ والسيادة الوطنية، فالجميع يرى ويسمع كيف سمح لبعض الدول شراء الأطلس الذي كان يوزع على المدارس ومحو أثره لطمس جغرافيا وطبغرافيا وجيوسياسا السودان، وكثيرة هي أوجه التدخلات السياسية التي لا مجال للتساهل فيها، أو الصفح عن مرتكبيها لأنها جرائم متراكمة في حق أجيال كاملة.



• لذلك على القوى السياسية السعي الحثيث والدؤوب لدعم أنشطة المعلمات والمعلمين، وتأهيل القطاعات الفئوية وعلى رأسها دوائر المعلمين، بالصورة التي توحد ترفع قدرات المعلمين وتعزز وعيهم سياسيا بمواثيق الأمم المتحدة وصكوكها ومعاهداتها وبروتوكولاتها ذات الصلة بالتعليم على رأسها الحق في التعليم، وأن تجعل من تصوراتهم للمستقبل قائمة على توجه قومي قوي ديمقراطي يحترم الإنسان لكونه إنسان بعيدا عن جنسه ونوعه ولونه وسنه، وأن تلزمهم بسياسات نبذ العنف والتطرف وخطابات الكراهية والعنصرية، وأن تقدم عناصر قادرة على الإدارة والتخطيط السليم لوضع استراتيجية قومية شاملة للتعليم تراعي هذا التعدد الثقافي والديني والإثني وتحقق التطور واللحاق بركب الأمم المتقدمة.




• ختاما: قوة التعليم ومؤسساته وحرية البحث العلمي وأنظمة التدريس المتطورة لا تتحقق إلا في نظام حر ديمقراطي، وساسة أحرار يملكون قرارهم الوطني، ولا يخضعون لوصاية أو ابتزاز سياسي، وكذلك لا يجعلون من كرت التعليم مدخلا للمناورة والضغط والإبتزاز، فالسياسي الحقيقي والتنفيذي النظيف هو الذي يراعي مصلحة البلاد والعباد وإن كان الأمر ضد توجهه السياسي أو الحزبي أو مصلحته الشخصية، لذلك نجد أنه في الفترة التي توحدت فيها إرادة المعلمين والمعلمات وتجردوا لصالح قضيتهم المهنية بصدق، دفعوا بعجلة التحول الشامل في البلاد، وكانوا من أوائل المؤسسات التي أحدثت التصدع الأكبر في النظام الاستبدادي ودفعوا لذلك أثمانا باهظة تعذيبا وتشريدا واعتقالا على أيدي تلاميذ درسوهم في ظل الأنظمة الاستبدادية، إلا أن بذرة الوعي التي نشرها هؤلاء المعلمون الأحرار أثمرت أجيالا استنكرت الدكتاتورية وتنكرت للشمولية وآمنت بالحرية واستشهدت في سبيلها، وتقدمهم الآساتذة في صفوف الشهادة كالأستاذ المربي الراحل الشهيد أحمد الخير.

• كما أن التعليم صار من مصادر القوة الناعمة التي تؤسس عليها استراتيجيات الدول، ونرى كيف تنظم منافسات دولية تعليمية سنوية وموسمية في شتى ضروب المعرفة، وتستحوذ على اهتمام كثير من الدول والمؤسسات والمعاهد البحثية، وتتخذ كبريات الدول من تلك المنافسات سبيلا لإظهار التفوق المعرفي وزيادة معدلات الذكاء في الأجيال الناشئة ما يعني هيمنة على المستقبل المعرفي والتكنولوجي، فصارت تلك المؤتمرات الأكاديمية ترسل رسائل سياسية أقوى من الطوربيدات النووية، وهو الأمر الذي يحتاجه السودان لردع أيادي التدخل الخبيث في مؤسساته التعليمية وكف التلاعب بالسيادة الوطنية وطمس الهوية ومحو التاريخ.



عروة الصادق
ORWAALSADIG@GMAIL.COM

إضراب المعلمات والمعلمين - بعد ديني

إضراب المعلمات والمعلمين في السودان – بعد ديني


• تمثل المدارس السودانية مغرسة الفضائل والقيم والأخلاق والأعراف والمعتقدات ومنبع التدين الراشد، لذلك نجد أنها قد تم استهدافها في كل الحقب بمحاولات التدجين أو الأدلجة القسرية التي جافت المهنية ونافت الأعراف والتقاليد وتضادت مع المعتقدات، وعليه اضطربت المناهج وثارت ثورات الرفض والتأييد الذي ضيع مصير جيل كامل بين تجديف في الدين والمعتقدات وتجريف للقيم والثوابت وتحريف لقطعي النصوص أو توظيف للدين في إثراة ثائرة الأطفال وشحنهم بمحمول ديني آحادي التوجه كما فعلت التجربة الإخوانية طوال الثلاثة عقود.



• هذا النزاع الأيدولوجي أقحم الصراع الديني في مصير أطفالنا، ما بين من يحاول علمنة العملية التعلمية وما بين أولئك الأصوليون الذي يريدون اتخاذها مفارخ تنظيمية أيدولوجية تجير لصالح تنظيماتها العابرة للحدود وأفكارهم التدميرية التي مزقت البلاد وشردت العباد.



• مع أن تلك التجربة محسوبة على الإسلام إلا أن  الدين الإسلامي لا يحفظ في قوالب معلبة إخوانية أو صوفية أو طائفية أو سلفية أو شيعية أو أي نمط ثابت وإنما هو قطعيات لا تبديل فيها، وفروع واجتهادات يجد حتى أئمتها العذر لبعضهم البعض في اتباع مناهجهم فقد قال الإمام مالك رحمه الله: ((كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ)، وكذلك التدين عملية اختيارية لا مجال للجبر  أو الإكراه فيها – فقد قال جل جلاله: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ) وجاء في القرآن قوله سبحانه: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ (256)، ولا ينبغي اقحام النزعات الفكرية أو النزوات الشخصية أو النزاعات الأيدولوجية في أذهان أطفال فطرهم الله فطرة سوية غير محشووة بنصوص الحشريين من غلاة التدين والدين.





• وينبغي الإعتراف والإقرار أن الفترة الإنتقالية لم تخل من تلك التوجهات الحشرية لإقحام بعض النصوص والتوجهات الأيدولوجية في المناهج، وهو ما حفز المناوئين لحشد المغالين والتزيدين لشن حروب من منابر خلافتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم تفسيقا وتكفيرا واتهاما بالزندقة والمروق عن الملة، ولم تنجح الوزارة في اتخاذ مؤسسات دينية مرجعية في أمر المناهج وحتى وزارة الأوقاف والشؤون الدينية دخلت في تضاد مع وزارة التربية والتعليم، وهو الأمر الذي يوجب التأسيس لمرجعية إسلامية جامعة ومتجددة، تتولى أمر المسلمين، وتضع مناهج تعليم أطفالهم، كما يفعل الأزهر في مصر والزيتونة في تونس وغيرها في دول مماثلة.




• لذلك نجد أن هناك من يصور القائمين على هذه الاحتجاجات للمعلمات والمعلمين بأنه ضد الدين وضد القيم ومناف للأخلاق وهو دأب عاجزي المنطق وفاقدي الحيلة والسند الفكري، وهو مدخلهم للهجوم على لجنة المعلمين السودانيين ومثار تحريضهم ضدهم، ومسارهم الفكري والسياسي للوقوف ضد مطالب المعلمين، فهم يعلمون علم اليقين أن العملية التعليمية لو استمرت كما هو مخطط لها ومورست الحرية والاستقلالية والديمقراطية في التعليم سيثبت خبراء وعلماء وأساتذة السودان المنهج الذي يستقيم وجليل التقاليد، وكريم الأعراف، وعظيم الأخلاق، ورشيد القيم، وعظمة الدين المتين، وقويم الشعائر، وسليم الفطرة السوية، وهو ما لن يوجد للدين المبدل بالغلو سبيلا في تلك المناهج التي ستعتمد الدين المنزل وفق منهاج معتدل قويم.



• ختاما: سيظل التنازع الديني العلماني ماثلا في السودان، وسيستمر قادته في اتخاذ الميادين والسوح التعليمية مسارح للعبث باسم العلمانية والدين، ويجب أن يفض هذا الاشتباك الديني العلماني بعيدا عن عقول أطفالنا، إلى أن يصلوا سن التمييز والإختيار، والتفكير الحر، وتعزيز العقل الناقد فيهم، فلا الدين الإسلامي نصوصه للحفظ فقد نزل للتفكر والتدبر كما قال منزله العلي القدير: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ﴿٤٤ النحل﴾ وقال في محكم التنزيل: ( فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ﴿١٧٦ الأعراف﴾ وأورد في كتابه سبحانه: (كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ﴿٢٤ يونس﴾ وكرر مرارا قوله جل جلاله: ( إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ﴿٣ الرعد﴾، وغيرها كثير من النصوص التي أشارت للألباب والعقول والتدبر والتذكر، وهو ما يرد بوضوح على العقلانيين العلمانيين الذين يدفعون بحجج تصور أن الدين يهيمن على العقل والفكر ويمنع إعمالهما، لذلك الواجب هو مزاوجة الواقع التعليمي العلمي ومستحدثات العصر من أفكار وأطروحات ومناهج ووسائل تدريس وتدريب وتقنيات مع الواجب في مجتمعنا السوداني والمواءمة بينهما بعيدا عن الأهواء والرغبات والمحركات الذاتية امتثالا للقول المأثور لإبن القيم الجوزية: " أن على الفقيه إدراك الواجب إجتهاداً ومعرفة الواقع إحاطة ثم المزاوجة بينهم للفتوى"، وعدم تمكين شيخ أو مجموعة أو حركة أو مذهب أو جماعة من أمر المناهج التعليمية، وكذلك عدم الاستجابة للابتزاز الرافض للدين في الحياة العامة وتمكينهم من الهيمنة على مرافق التعليم ومؤسساته، لتكون تلك المؤسسات مستقلة ومهنية صرف بعيدة عما ذكرناه.

عروة الصادق
ORWAALSADIG@GMAIL.COM

إضراب المعلمات والمعلمين- بعد صحي

إضراب المعلمات والمعلمين في السودان – بعد صحي


• شهدت البلاد إضطرابات وحروب وهجرة ونزوح ولجوء وتعسر ومشاكل اجتماعية وأسرية واقتصادية أدت لنزعات إجرامية ونزاعات على الهوية، وبعض أطراف العلمية التعليمية من تلاميذ وإدارات ومعلمين، تأثروا بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فبعضهم ضحايا وآخرين كانوا جنودا ضمن عمليات الحروب العبثية التي انتظمت البلاد، والبعض لوردات حرب بامتياز، هذا الأمر أدخل البلاد في خلل صحي مبدأه الصحة النفسية للمعلمات والمعلمين وتلاميذهم وإداراتهم والاعاقة البدنية او السمعية او البصرية وتقطع أوصال فئات بعض الأطفال وتعرض بعض الطفلات للعنف، وما يؤسف له أن جميع الخطوات التي بدأتها الحكومة الانتقالية في تعزيز الصحة النفسية في المدارس والمؤسسات التعلمية وإداراتها.



• وقد ازدادت الأمراض والكوارث الصحية في البلاد وانعكست على التلاميذ وأساتذتهم فازدادت حالات الأنيميا الحادة وفقر الدم والتقزم والشرود الذهني وأمراض الطفولة المختلفة وقد أطل شبح شلل الأطفال برأسه من جديد، وفي فترات الشتاء تتضاعف أعداد المصابين بالربو والالتهابات الرئوية والحساسيات وأمراض الجلد (القوب)، وهو ما يوجب تكاملا صحيا وغذائيا لن يستطيع المعلمون وحدهم وضع خطته وسياساته، وإنما هو جهد حكومي إداري أهلي مع سلك التعليم والمؤسسات التعليمية والصحية الدولية.



• نجا التلاميذ من تأثير الجائحة التي مرت على العالم كوفيد19 لأن تأثير الفايروس على الأطفال ضئيل، ولكن هذا الأمر يوجب التحسب لأي طاريء يمكن أن يستشري وسط التلاميذ لا قدر الله مستقبلا، وفي الأوضاع الصحية الحالية وانعدام الوحدات الطبية في المدارس والمرافق التعليمية يمكن أن يوصل البلاد إلى مستوى مريع ودرجة عالية من الخطورة الصحية، وقد رأينا ذلك في حوداث مختلفة كحادثة تلميذات الجنينة.




• ومثل غياب الميادين الرياضية والساحات المناسبة لممارسة الأنشطة الرياضة في المدارس أحد عوامل التراجع الصحي والذهني للتلاميذ، لأن العملية التعليمية تحتاج إلى شحذ العقول وتدريب الأجسام وتأهيلها للنمو والاتقاد، فالأنشطة الرياضية تحصن التلاميذ من الأنشطة الممنوعة التي يستعيض بها التلاميذ في أوقات فراغهم، فقد استشرت المخدرات وسط التلاميذ بنسب مخيفة ومريعة وبصورة سريعة لتزايد شبكات الترويج وعصابات الاتجار في المخدرات، وهو ما يهدد سلامة عقول جيل كامل، لذلك يرى المعلمون بضرورة تهيئة الساحات والميادين والمرافق الرياضية والمسابح وتوفير الأدوات والمعينات الرياضية والبرامج التنافسية لضمان سلامة الأطفال وحرصهم على صحتهم.



• كما أن الوضع البيئي في المدارس وما حولها من مرافق وشوارع وميادين ومؤسسات لها ارتباط مباشر بالمؤسسات التعليمية، ينعكس على الوضع الصحي، فغالبية الساحات والميادين حول المدارس عبارة عن مكب للنفايات، وهناك مدارس بنيتها التحتية ليس بها أنظمة بيئية ولا صرف صحي ولا محارق للنفايات، وتلوث كبير في مياه الشرب التي في الغالب تكون مواعينها مكشوفة أو عبارة عن مياه مستجلبة بخزانات ملوثة من موارد عطنة، أو تشارك التلاميذ في وسائل وأدوات الشرب، ما يقود لانتشار أوبئة مرتبطة بالتلوث البيئي، بل حتى أن جرعات التثقيف البيئي في المدارس والمنهج تكاد تكون معدومة، وما يؤسف له أن التوجه البيئي توجه عالمي ضمن أهداف الألفية التي تواضعت عليها الأمم المتحدة وسخرت لذلك أوجه صرف كبيرة تتلقى المؤسسات التعليمية قدرا كبيرا منه، ولكن لأن أولويات البلاد مختلقة قادت إلى إهمال هذا الجانب الذي يكلفنا حياة فلذات أكبادنا.



• ومن أكبر أسباب استشراء الأمراض بين التلاميذ طريقة التخزين والنقل للكتاب المدرسي في المطابع ومراكز التوزيع والوزارة والمخازن المدرسية، إذ تعج تلك المرافق بالحشرات والآفات وتراكم الأتربة لسنوات، وهو ما يزيد من نسبة احتمال انتشار الأوبئة وسط التلاميذ، وينطبق هذا الأمر على الأطعمة التي تنتشر وسط الأطفال والتي يتم استجلاب سوادها الأعظم من دول جارة وتتنقل إلى السودان عبر طرق مخالفة للمواصفات والمقاييس وبعضها يتم التلاعب بتواريخ صلاحيتها، ويتم نقلها وتخزينها في مواعين ملوثة توجب تعيين أجهزة رقابية وأطقم صحة وسلامة في كافة المدارس للحفاظ على سلامة التلاميذ.




• ختاما: إن الأوضاع الصحية في المدارس الحكومية أوجبت أن يعلي المعلمات والمعلمون أصواتهم ويرفعوا مذكراتهم ويطالبوا بتحسين الأوضاع، استنكارا للتردي الماثل والأخطار الداهمة ورفضا لها وطلبا لبيئة أفضل، ولن يكون ذلك كذلك إلا باستئصال العناصر الفاسدة التي تهيمن على المؤسسات والإدارات التعليمية الحكومية في المركز والولايات، وأن تجتهد المجالس التربوية من الآباء والأمهات في دعم تكامل التصورات التي ينادي بها المعلمون والمعلمات، وصولا للبيئة الأفضل صونا لكرامة أبنائهم وحماية لهم من الكوارث الصحية.


عروة الصادق
ORWAALSADIG@GMAIL.COM

إضراب المعلمات والمعلمين- بعد أخلاقي

إضراب المعلمات والمعلمين في السودان – بعد أخلاقي


• يعزي الجميع أسباب التردي في التعليم للأوضاع الاقتصادية التي تعيشها البلاد،وهو أمر مجاف للحقيقة ومناف للعقل، إذ أن العام 2022م وحده تم صرف ما يقارب الستة ترليونات بالجنيه السوداني على الصرف الأمني والاستعداد العسكري، وهو ما يعادل ميزانية التعليم لعام دراسي كامل بما فيها الإجلاس وطباعة الكتاب وإطعام التلاميذ، وهو ما يبين إختلال ميزان القيم والأخلاق عندنا كسودانين، فالتلاميذ بلغ بهم الجوع ما أوصلهم لفقر الدم والسل والأمراض المتخلفة، وجلسوا القرفصاء تحت ظل الأشجار وزمهرير البرد وهجير الشمس، يفترشون الأرض.




• أدخل هذا الأمر كثير من المعلمات والمعلمين في نزاع ذاتي، وبعضهم آثر السلامة والفرار بجلده، فلا مرتباتهم تكفي لشراء وجبات للتلاميذ الجوعى ولا يستطيعون شراء كسوة أو كتب للأيتام، ولا يستطيعون حتى تحفيز النوابغ في فصولهم بشراء هدايا، وبعضهم لا يستطيع حتى تجديد ثيابه وأحذيته للعام الجديد، هذا النزاع الأخلاقي دفع ببعض المعلمين إلى الجنون والفرار من فصول الدراسة إلى حفر التنقيب عن الذهب أو الهجرة وركوب البحار.




• العالم حولنا يتحدث عن فصول مهيئة للتلاميذ تؤهلهم لأن يكونوا بشر أسوياء لا يعانون من أزمات نفسية أو اجتماعية أو أخلاقية، ونحن تلاميذنا في الفصول، يفكر أحدهم طوال ساعات الدرس كيف يقضي حاجته إذا خرج في فترة الراحة، وأين يقضيها، والمعلمات والمعلمين بين نزاع أن يمنحوهم "مراحيضهم" أو يمنعوهم عنها لئلا تتسخ، وحتى تلك المراحيض الموصدة أمام التلاميذ عرضة للإنهيار، وقد حدثت عدة حوادث أودت بحياة معلمين وتلاميذ.




• وبعض المعلمين لا يستطيعون أن يأكلوا في المدارس، وبعضهم تتحجر اللقمة في حلقه وهو يرى أطفالا في بعض مدارسهم يجمعون فتات الطعام من المقاصف وبقايا أكل زملائهم، وهنا تثقل كواهل المعلمين والمعلمات بعبء أخلاقي ليس لهم فيه يد سوى أنهم إختاروا أن يكونوا رسلا، ولكن بلا رسالة، فكل عمليات الرسالة معطوبة ومعطلة ومثقلة بالعيوب.




• إن العوز الذي تشهده البلاد مصطنع بامتياز ومقصود، فذات المعلمين الذين يرون آلاف المعدمين في مدارسهم، يرون مؤسسات تصرف ملايين الدولارات في عمليات بذخية وأوجه صرف ترفية وحشود سياسية، ومؤتمرات تفاخرية، وتمويل لجماعات سياسية ومليشيات مسلحة، بل بعض الأنشطة التي لا علاقة لها بالتعليم تجد وزير التربية مشاركا ومباركا، وهو ما يؤكد أن لهذا الصراع في ملف التعليم أبعادا أخلاقية تتراص من أعلى سقوف الدولة وصولا أدنى مستوياتها في أقصى "كرنك" يستخدم كفصل دراسي نواحي "كُبم" في أقصى الغرب.



• ختاما: نحن من جيل تعلم في فصول الدراسة أقوال الأدباء والحكماء والشعراء وظللنا نردد ونكتب في جدران فصولنا ومدارسنا ما سطره أمير الشعراء أحمد شوقي:

    والصدقُ أرفع ما اهتز الرجالُ
          لهُوخيرُ ما عوّدَ ابناً في الحياةِ أبُ
    وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ
               فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا


• ونظل نردد على الدوام مقولة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعاليَ الأخلاقِ، و يَكرَهُ سَفْسافَها)،وهو ما يوجب الخروج من سفاسف التحشيد القبلي والتسليح ودعم خطابات الكراهية إلى دعم التعليم والمؤسسات التي تجمع أبناءنا بدون تمييز للجنس أو الدين أو العرق، ونتمثل قوله صلي الله عليه وسلم: (إنَّ أَحَبَّكُم إليَّ، وأَقرَبَكُم مِنِّي في الآخِرَةِ: أحاسِنُكُم أخلاقًا)، وهو ما يوجب نهوضا أخلاقيا وخلقيا في العملية التعليمية وأن يتسق الاحتجاج الماثل من معلمات ومعلمي بلادي وجليل الأخلاق، وأن يقابل أيضا بمسؤولية من الأهل والأسر وأهل الخير

عروة الصادق
ORWAALSADIG@GMAIL.COM

الخميس، 29 ديسمبر 2022

إضرابات المعلمات والمعلمين في السودان- بعد تقني

إضراب المعلمات والمعلمين في السودان – بعد تقني

• مثلت الأنشطة الصفية هي وسيلة التعليم الفضلى الوحيدة التي يستخدمها السلك التعليمي وهو الأمر الذي ترتب عليه لجوء التلاميذ لأنشطة لا صفية، مع توفر التقنيات الحديثة والمتنوعة، والتي لم تخل من جوانب سلبية وأنماط تدميرية للسلوك البشري، وهو الأمر الذي أوجب اتخاذ سياسات تعليمية جديدة وأنماط حديثة تستوعب رغبات التلاميذ وإشباع نهمهم التكنولوجي.


• منذ وقت مبكر التفتت وزارة التربية والتعليم في الفترة الانتقالية للأمر، ووضعت خططتها لتلافي واقع التعليم المفتقر الي أساسيات التعليم التقني، وسوء وتردي أوضاع المدارس وبيئة العمل التي تنعدم فيها أساسيات الحياة من كهرباء ومباني سليمة تحمي التلاميذ والمعلمين ووسائل تعلمهم.



• وظلت المدارس الجرداء تستخدم الأساليب التجريدية العقيمة في التعليم ونأت عن المنهج الحسي والوصفي، لتخرج تلاميذ لا يعرفون من معارف العصر إلا أسماءها التي يحفظونها عن ظهر قلب ولا يجدون إلى استخدامها سبيلا.



• بالرصد والإحصاء وجدت الوزارة أن حوالي 90% من المدارس في السودان تخلو تماما من وسائل التعليم الحديثة وخالية من المعامل التجريبية وحتى المدارس الصناعية لا ورش تأهيل وتدريب فيها، وهو الأمر الذي يعني أن هذه المؤسسات عديمة الجدوى وبما هو متاح للتلميذ من فرص إطلاع على المنطقة والعالم حوله، سيتمرد على تلك المدارس والمؤسسات ويتمرد، وينطبق هذا الأمر على المدارس الفنية والتجارية، وهو سبب رئيس في ازدياد معدلات التسرب من المدارس، وأيضا من أسباب عزوف المعلمات والمعلمين عن التدريس، لأن التعليم رسالة وأمانة وهم بتقصيرهم غير المقصود يجدون أنهم يخونون تلك الأمانة.



• يعمل في سلك التعليم معلمات وأساتذة جامعات وكبار موجهين ومعلمين وخريجين حديثي التخرج من مختلف الكليات، وكل هذه الفئات إما اضطرت للعمل إرغاما، أو لأن التعليم بالنسبة لهم وظيفة ثانية لتقاضي المزيد من الأجور أو أنهم ملاك لمدارس خاصة، وهو ما جعل العملية التعليمية تشهد اضرابا في طرق وأنماط التدريس، لأن التدريب للمعلمين والمعلمات خصوصا من خريجي كليات التربية تضاءل بنسبة كبيرة إن لم يكن معدوما.




• إن الحلقات التعليمية لا سيما الحلقة الأولى تحتاج إلى تأسيس متين يعين التلاميذ على التقدم في تعلمهم، وهو ما لن يحدث بالإهمال الذي نراه هذه الأيام وتردي البيئة المدرسية، وعدم تمكين المعلمين من أدوات التعليم المطلوبة والضرورية، وتمكنهم من التأهيل الكافي بالتقنيات الحديثة.




• لذلك تأتي احتجاجات المعلمين في شتى المراحل، حتى لا يلاموا على تقصير هم أضعف حلقاته، لأنه يتكامل مع دور أهلي وحكومي ومنظومة تعليمية أممية، وهو ما يعني أن احتجاجات المعلمين والمعلمات في الأساس هدفها تطوير المنظومة التعليمية بما فيها أداؤهم هم كأساتذة وهو ما يوجب التوعية بضرورة العناية الفائقة بالمؤسسات التعلمية ومعلميها، حتى يوفروا الجرعات الكافية لأبنائنا، والعمل الحثيث والضغط للاستجابة غير المشروطة لمطالب العملية التعلمية التي قدموها في مذكرتهم والتي في أولوياتها بيئة مناسبة لأبنائنا التلاميذ.



• ختاما: إن هناك ضرورة فائقة لتكامل الجهود الأسرية والمجمتمعية مع المعلمين،وضرورة الاستجابة الحكومية لمطلوبات المؤسسات التعليمية والمعلمات والمعلمين، والشروع في إيقاف كافة الإجراءات والقرارات التي عطلت أوجه التعاون الدولي في ملف التعليم، واستئناف كافة العلميات المطورة للعملية التعليمية، بما في ذلك التوعية الكافية عبر خبرات وعناصر مؤهلة، ورصد الموارد البشرية والمالية لعلمية التطوير والنهوض بالتعليم، ومواصلة إنشاء مراكز التعليم والتدريب المستقلة التي لا تتأثر بالسياسات الحكومية، وأرى أن تؤسس مفوضية مهنية للتعليم من خبرات والسودان ذاخر بهم، ليتثنى لها استقطاب التمويل دون انقطاع لتطوير المنظومة التعليمية والبيئة والمناهج ودعم التلاميذ.



عروة الصادق
ORWAALSADIG@GMAIL.COM

مقدمة إضرابات الفئات( المعلمين والمعلمات)

مقدمات إضرابات الفئات (المعلمين المعلمات)
• إن الإضرابات الفئوية والمهنية والعمالية والقطاعية، جزء من منظومة العمل في الأنظمة التي تتطلع لبيئة عمل أفضل ومستوى أجود من الخدمات التي يقدمونها وبطبيعة الحال أجور مجزية تتسق مع جهودهم المبذولة، وواجب الأنظمة السياسية الحاكمة إذا اتسمت بالرشد الاستجابة لهذه الاحتياجات المطلبية التي تصاعد من المذكرات المطلبية مرورا بالوقفات الاحتجاجية وصولا إلى الإضراب ووارد جدا أن يتصاعد الأمر إلى عصيان شامل، حينها ترتفع السقوف المطلبية وتعجز الدولة عن سداد أدنى الفواتير.




• قالت اليونيسيف: " أدى عدم الاستقرار السياسي والجائحة إلى إغلاق المدارس لفترة طويلة، مما أدى إلى تعطيل تعليم أكثر من 8 ملايين طفل سوداني منذ عام 2019م، وإلى تدمير سنوات من التقدم الذي تمّ تحقيقه."، وهو حقيقة من الحقائق التي أقرتها حكومة الفترة الانتقالية وسعت لتحسين بيئة التعليم والمعلمين ومجانية العملية التعليمية ورفع مقدار الصرف عليها في الموازنة العامة وللأسف يتجاهلها وزير التربية والتعليم المكلف الحالي، بل وينكرها هو وطاقمه  الوزاري في المركز والولايات، وعطلوا تضامنا مع الإنقلاب الخطط الطموحة التي تم إعدادها للعملية التعليمية في البلاد.



• مع تفاقم الكوارث في عدد من الولايات جراء الكوارث الطبيعية والحروب والنزاعات الأهلية تزايدت أعداد الأطفال خارج أسوار المدارس بنسب مطردة الأمر الذي فاقم من نسبة المتسربين من المدارس، وراكم أعداد الملتحقين في الفصول الدراسية، وسبب ضغطا كبيرا على السلك التعليمي ومعلميه والعاملين فيه وفاق سعة المدارس والمؤسسات التعليمية.



• وهو الأمر الذي بدأت الحكومة الانتقالية لمعالجته عبر زيادة فرص الحصول على التعليم من خلال برامج التعلّم البديلة (ALPs) التي تلبي حاجة الأطفال الأكبر سنًّا غير الملتحقين بالمدارس، وهو أحد البرامج التي اعتمدتها الأمم المتحدة وحاولت حكومة الفترة الانقالية تنفيذها في السودان لسد الخلل والنقص وتوفير الحوجة التعليمية خصوصا في مناطق الهشاشة، وبفضل الإنقلاب ورعونة قادته، تم إغلاق هذا الباب وتعليق المنح والمساعدات المتعلقة بالأمر، بل حتى تلك المساعدات التي وصلت من هذا البرنامج تم الإجهاز عليها وتبديدها وصرفها في غير مواردها.



• بالتزامن مع هذا البرنامج أصبح السودان في 20 أكتوبر 2021م أي قبل الإنقلاب المشؤوم بأربعة أيام، وبشكل لافت، البلد الرابع عشر الذي يهيئ جواز السفر التعليمي ويطلقه للاستخدام. لقد تمّ تعديل منصة التعلم الإلكتروني لتلائم اللغة العربية السودانية والتي تضم نسخًا من الكتب المدرسية الحكومية بصيغة ملفّات المستندات المنقولة (PDF) وما يزيد عن 1400 وحدة سمعية وبصرية وأكثر من 2200 نشاط تعليمي تفاعلي بالإضافة إلى تقييمات لقياس تقدم التعلم، وقد بدأ تركيب الشاشات الذكية في حوالي 20 مدرسة في الخرطوم وتدريب الأساتذة عليها كانت التقديرات الوصول إلى حوالي 5000 مدرسة بحلول نهاية العام الذي أجهضة الإنقلاب، ويبقى السؤال لصالح من تم قطع هذا الطريق أمام التعليم الحكومي؟؟!!



• وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في بيان مشترك مع منظمة "أنقذوا الأطفال" إن "واحد من كل ثلاثة أطفال في سن الدراسة، لا يذهبون إلى المدرسة في السودان"، هذه وحدها كافية لنعلم أن جيل اليافعين من هؤلاء الأطفال انخرط بعضهم في أنشطة عمل وأخرى تجارية والتحاق بقوات ومليشيات مسلحة وعمالة غير مقننة وأنشطة إجرامية، ومن أنعم الله عليه بفرصة تعليم خارج الأطر الرسيمية سيلتحق بخلاوى وأنظمة تعلمية تقليدية ظروفها قاسية جدا إلا ما رحم ربي من الخلاوى التي تجد الإهمام والعون من أهل الخير، ويقف عليها شيوخها.



• ختاما: الوضع الذي سنسترسل في الكتابة عنه تعدادا لما خسرناه من مؤسسات ومكاسب تعليمية وحصرا لمن شردناهم من أبرياء، استوجب أن ينهض أصحاب المصلحة في هذا الملف، ولكن النهوض كان حصرا على المعلمات والمعلمين الذين تكبدوا عناء الاحتجاج عنا وعن أبنائنا وعن آباء وأمهات هؤلاء التلاميذ، وما يؤسف له أن الاستجابة لمطالبهم من الحكومة المركزية وحكومات الولايات نراها مزيدا من الصرف الأمني والقمع والتشوين العسكري، في صورة توضح أن أولويات البلاد اختلت تماما مما كانت عليه وما تم التخطيط له في الفترة الانتقالية، وهذا يوجب التضامن التام مع المعلمات والمعلمين، والوقوف معهم في هذا الخندق لصالح جيل كامل مهدد بأن يكون فاقدا تربويا من أبنائنا وبناتنا.

عروة الصادق
ORWAALSADIG@GMAIL.COM

السبت، 24 ديسمبر 2022

يسألونك عن ذكرى الميلاد

يسألونك عن ذكرى الميلاد

مقدمة:
إن التأريخ للمناسبات الدينية والسياسية والوطنية والإجتماعية والإنسانية غاية في الأهمية، وضرورية لكل من يريد أن يتعلم من ماضيه الشخصي وتاريخ قومه والأمم من قبله، ومن نعم الله علينا أننا أمة قدر الله لها الاهتمام والإلمام بالتواقيت الزمانية والمواقيت المكانية، وجميع مناسكنا ومشاعرنا المقدسة ترتبط بالتوقيت، فكذا الميلاد والوفاة والعبادات والمعاملات كالدين والعلاقات كالنكاح، ومواعيد الزيارات الإجتماعية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ النور (58)، والتغذية الروحية والأذكار:﴿ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ الحج (28)، لذلك تمثل بالنسبة لنا التواريخ والتوقيتات والذكريات أمر مهم نستلهم منه الدروس والعبر، نتعبد به ونعبد به الطريق لتجنب أخطاء الماضي، ونشحذ به الهمم لمقابلة المستقبلة برؤى السابقين وتجاربهم الوضيئة المضيئة.



أولا: نجد أننا من أمة تهتم بالقمر ومنازله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴾ يس (39)، وهذا أمر كوني مرتبط بالعلم والمتعلمين والعالمين، ولا تخطئه إلا أعين الجاهلين الرمداء، فقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يونس (5) ، وأكتب اليوم وقد رأيت هلال جمادى الآخر للعام الهجري 1444هـ، والذي يتزامن مع ليلة 24 ديسمبر ونهار 25 ديسمبر في التقويمين الغريغوري واليولياني  التي توافق ميلاد السيد المسيح عليه السلام.

واحتفاؤنا بميلاده عليه السلام نابع من محبة سرمدية لإنسان بشر سوي تقي نقي هدي رضي، لم يكن جبارا ولا شقيا، وقد كانت أمه صديقة نحبها لنقائها وصفائها وطهرها وصدقها، السلام عليه وعلى أمه البتول،﴿ وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ مريم (15).


ثانيا: من أسباب محبتنا الشديدة لهذا التاريخ ميلاد الإمام الصادق المهدي، والذي تطابق ميلاده في العام 1935م في ديمسبر مع ذكرى ميلاد المسيح عليه السلام، وغرة شوال 1354هـ، ومثل هذا الميلاد، نقطة تحول في قناعاتنا الشخصية بجدوى الاحتفاء بذكرى ميلادنا، إذ تعلمنا منه الآتي:
1. أن تكون لحياة الإنسان قيمة ومعنى، يعيشها لذاته ولغيره، دون إفراط أو تفريط، كما كان يردد صاحب الذكرى عليه الرضوان: " "حُبُّ التَّنَاهِي غَلَطْ خَيْرُ الأُمُورِ الْوَسَطْ".

2. أن يعظم الإنسان ذاته ويرفعها من الحطة الطينية أو الدناءة الحيوانية إلى المصاف الذي ميزه به الخلاق العليم بثلاثة أشياء عددها الحبيب: هي: العقل، وحرية الاختيار، والروحانية.

3. أن يلتزم الإنسان بحياة بعيدة عن الاستهتار بهذا البنيان المكرم من رب العالمين وذلك باتباع روشتة من خمس معنويات عددها صاحب الذكرى وهي: الإيمان، والمحبة لمن حولك، وألا تغضب، ولا تحقد، ولا تحسد. وستة حسيات: لا للخمر، ولا للدخان، ولا لزيادة الوزن، وممارسة الرياضة، والنوم ست ساعات في الليل، وتناول الإفطار بانتظام.

4. أن يتصف الإنسان بالتوازن في احتياجاته العشرة التي فصلها الحبيب تفصيلا في كتابه أيها الجيل والذي أنصح الأطفال والصبية والشباب والكهول بقراءته، وتلك العشرة الكاملة هي: الروحية، الخلقية، المعرفية، المادية، الاجتماعية، الفنية، العاطفية، البيئية، الرياضية، الترفيهية. والتي ينبغي إشباعها بصورة متوازنة.

5. أن تكون لحياة الإنسان قيمة مضافة في فكرة، وثقافته وتثقيفه، وتطويره، فقد كانت حياة الراحل توثيقا للأحداث وتدوينا للأفكار وتطويرا للقيم والمعاني بل حتى الملبوسات التي نتزيا بها، فجعل من مظهر الزي السوداني تحفة فنية ومن مجرد العامائم "الدلقان" على رؤوس أحبابه "تيجان".

6. أن يسر الإنسان بامتنانه لمن حوله ويعلن ذلك، فقد كان الحبيب في كل عام يعدد مآثر واجتهادات من حوله ومن يتبارون في عونه على الصعيد الأسري والخاص والعام، وظلت إشاداته بأبنائه في مكتبه الخاص أنصع صور الوفاء فعرف الناس عنقود الخدمة والوفاء المتصل من العم إبراهيم علي والأحباب محمد زكي وأحمد يوسف والحبيبات رباح الصادق وإنعام الجمري وسامية يعقوب، وكثر ظل يذكرهم من الأقارب والأغارب.

7. أن يظهر الإنسان وفاءه للراحلين ومواساته لأهلهم وذويهم، فقد كان الحبيب في كل عام يذكر من رحلوا عن حياته ويواسي أهلهم بكلمات تخفف الآلام والأحزان، وها نحن اليوم هذا العام لا نجد من يواسينا في فقدنا الأليم ولا من يضمد جرحنا الذي لن يلتئم.



ثالثا: إن هذا الحبيب كانت حياته محبة وسلام، لأنها كانت لها قيمة أضافت للمجتمع الأنصاري والإسلامي العريض والإنساني قاطبة، فقد عزز قيما عز أن تتوافر في مجتمعات اليوم، وأذكر منها:
1. أن الوصول إلى الحقيقة لا يتأتى إلا بالمثابرة، فقد سمعت أحدهم يسأله عن اسم الله الأعظم، فرد له قائلا: اسم الله الأعظم هو همة المؤمن، متى ما علت همة المؤمن أدرك اسم الله الأعظم.

2. أن قيمة الإنسان كونه من بنوة آدم عليه السلام ذكرا كان أو أنثى طفلا كان أو كهلا، توجب تكريمه: ﴿۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ الإسراء (70)، وقد حرم علينا ترديد كلمة "شافع" التي تقال للأطفال لأنها تردد أصداء الموت، ومنعنا من ترديد كلمات "عوين، وحريم، أو مرا"، وشدد على أن نصفهن بما وصفهن به الله ورسوله الكريم، إما إمرأة أو نساء أو سيدة.

3. أن الحسنى والتعامل بها ينبغي أن تكون للجميع، فقد رأيناه يحسن لمن ناصبوه العداء ومن مكروا به مكر السوء، فعنده الدين المعاملة، وعنده تتدرج من المماثلة إلى الإيثار، ولكنه لم يقابل مسيئا بإساءة.

4. أن العضلة التي بين فكي الإنسان، ينبغي أن تصان وتسخر للخير والفضائل والطيبات، وألا تنجر للتسفل والسفاهات والتفاهات، فقد حاول أحدهم أن ينتزع منه إساءة لفظية ردد بأني لن أقول ذلك.

5. أن التعالي والكبرياء من المحرمات التي متى ما تركها فهي ما يرفع قدر الإنسان وظل يردد:" الارتفاع بالاتضاع"، فرغم رئاسته لأكبر حزب في السودان وإمامته لأكبر كيان ديني تجده، يجالس الجميع ويخاطبهم وكثيرا ما سمعته ورأيته يطلب الفرصة من رؤساء الجلسات ويرفع يده طلبا للحديث شأنه شأن أي عضو في تلك المؤسسات والمجالس عندما يرأسها غيره.

6. أن الديمقراطية ليست شعارات سياسية، وإنما هي نظام حياة يحترم الآخر وخصوصيته وحريته، وتقبل وجهات النظر المخالفة برحابة صدر، وتحمل نتائجها التي كثيرا ما توغر صدور المهزومين، فقد ارتقى بهذه الممارسة الديمقراطية إلى ما عرف عنده بالتوافق، وظلت جميع مواقفه الجماعية والمؤسسية وقرارته تتخذ طابعا توافقيا، ولم يرغم يوما أحد على الالتزام برأيه المخالف وكثيرا ما تنازل عن قراره لصالح قرار الجماعة.

7. إن الحكم ليس غاية وإنما قيمته السامية تتجلى عند تحقيق العدالة والمساواة والشفافية والمساءلة وسيادة حكم القانون، وأن حوكمة كافة المؤسسات في كل مرافق الحياة ومراحلها ينبغي لها أن تلتزم بهذه الأركان الرشيدة.



رابعا: حرم هذا الجيل من القرب الوجداني والفكري والوطني والسياسي والإجتماعي من الإمام الصادق المهدي، لعوامل كثيرة، منها الذاتي كالحسد والغيرة، ومنها الموضوعي كالتنافس والتدافع السياسي والديني، وأتى الوقت ليتجردوا جميعا من تلك النزعات الذاتية والموضوعية، للاستبصار في مسيرة الرجل الذي مضى إلى ربه راضيا مرضيا، أفنى زهرة شبابه من الركاب إلى التراب في خدمة الدين ونجدة الوطن، لا يبتغي الأجر إلا وجه ربه الأعلى عله يرضى، وواجبنا اليوم الذي لا غنى عنه هو الإنصاف والإقرار بما تم اقترافه من ضلالات فيه حقه، وذلك بالآتي:
1. أن يبذل أنصاره كل جهدهم لرفع راياته الدينية والوطنية والبيئية والإنسانية والأخلاقية، ويتابعوا مشاريعه الوطنية والإقليمية والدولية مساعيه حتى بلوغ تمامها.

2. أن يراجع جميع من صمموا الحملات المدفوعة بأجندة سياسية وأمنية ضده كتاباتهم وأقوالهم ويعتذروا عن ممارساتهم التي وصل بعضها محاولات التصفية والإغتيال.

3. أن يطلع الذين ناصبوه العداء دون علم أو فهم لمشروعه على ما تركه من كتابات مسطورة ومنشورة في كل المواقع والوسائط، عسى ولعل تذوب تلك الجفوة المصطنعة.

4. أن يسعى السودانيات والسودانيون ويصروا على استكمال المشروع الذي أكد رجاحته "الديمقراطية عائدة وراجحة"، وأن يؤسسوا ذواتهم في وطن أجدادهم ومنبت رزقهم.

5. أن تفتح تحقيقات شفافة حول المؤسسات والشخصيات الأمنية والسياسية التي حاولت مرارا اغتياله، لردع كافة المحاولة الماثلة لاغتيال آخرين ماديا ومعنويا.

6. أن تصان المعاني التي جسدها في حياته حتى مماته، وتحرس كما حرسها سلفه الأوائل مهما كلف الحرص، وأن تبذل التضحيات لبلوغ الغايات.

7. وأعظم العرفان أن يلتئم من تفرقوا بعده، فالوفاء له يستحق الاجتماع في داره الدينية ومقره الحزبي وقطيته العامرة، وخلف نصوص ومسودات ومشروعات كد لصياغتها وإنضاجها.



ختاما: فضلا وتكرما لا تلومونا في محبتنا له ولفكره ولنهجه، فقد حفنا باللطف، وغذى عقولنا بالفكر، وفتح ألبابنا وقلوبنا للنقد وتحمل الأذى، وجعل منا تواقين للحق، مناصرين للضعفاء والمظلومين، حماة وحراسا ونجادين، عزز فينا المروؤة والنجدة والشهامة وأوصانا بالصلاة والزكاة ما دمنا أحياء، وحببنا في ديننا ووطنا وبعضنا فترك فينا مفردة (حبيب) التي لها استحقاق واحد وهو المحبة الخالصة لأخووة الوطن والمحبة في الله والدين الحنيف.

تهاني للجميع بذكرى الميلاد المجيد، ولكل المحتفين بميلاده وميلاد السيد المسيح عليه السلام، ولكل أحبابه وأصحابه وجيرانه وعارفي فضله، وأن يربط الله على قلوبهم لفقده ويلهم زوجه وأهله وذريته من الدم والروح الصبر والهداية والرشاد، وأن يرزقنا وإياهم حسن العزاء،﴿ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ﴾ البقرة (156).

• اللهم أنر وجه الحبيب الإمام الصادق بنور وجهك الكريم وارزقنا وإياه لذة النظر لنور وجهك يا رحيم وتفضل علينا بجود منك وصحبة نبيك عليه الصلاة وأفضل التسليم.

عروة الصادق
25 ديسمبر 2022م
البقعة

الخميس، 22 ديسمبر 2022

البشير من الآلهة إلى الآلة

البشير من الآلهة إلى الآلة
● ظللت طوال سنوات حكم الرئيس المخلوع أسميه الآلهة عمروت، فقد تجلت فرعونيته واتسامه بصفات المتألهين طوال فترة حكمه، فهو هامان الذي انقلب على الفرعون، وهو الرئيس الواحد الأوحد لكل شيء، رئيسا لمجلس قيادة الثورة والقائد العام للقوات المسلحة ورئيس الحزب الحاكم ورئيس الحركة والإمام المبايع، للدرجة التي أوصلت بعض كوادر التنظيم للسجود له على مرأى ومسمع العالمين، فاستحق أن يكون آلهة معبودة من دون الله بامتياز يردد مقولة سلفه فرعون لعنه الله: (ما أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ) غافر(29)، ويردد كوادره في مقابيء الاعتقال والقمع والتعذيب أن هذا البشير خالدا أبدا وأنه سيسلم الحكم للسيد المسيح، تعالى الله عما يأفكون.



● إلا أنه استحال باستغلال دهاقنة الحركة والتنظيم إلى آلة، تم تثبيت برمجة جديدة لها تأتمر بأمر التنظيم وشيوخ الحركة، وتتوجه بتوجيهاتهم عبر التسيير من على البعد، فضرب به مثل الجنرال الأغبى، والأكذب، والأجبن، ممن مروا على القوات المسلحة السودانية، فها هوى يمضي في ذات الغي سادرا دون أن يكبحه وازع دين أو أخلاق أو قيم أو حتى شرف الجندية السودانية الذي مزقه يوم أن انحنى للإخوان ليمتطوه وصولا إلى السلطة.




● مضى في الأمر وكأنه قد أغشي عليه، حتى قتل خيرة زملائه من ضباط القوات المسلحة، بدم بارد ودفن بعضهم أحياء كما أفاد الشهود، وهذه وحدها كافية أن تجعله إن كان بشرا بدم ولحم أن يرتجف وترتعد أوصاله، فمن بين الضباط زملاء آووه في منازلهم وأطعمنهم نسوته وناداه أطفالهم بـ (عمو عمر) إلى أنه لم يقدر لا شرف الجندية ولا خووة السلاح ولا لقمة العيش ولا الثقة التي أولاها له زملاؤه وأسرهم، ليستمر المخلوع في التبجح السافر وليثبت على أقواله لأنه سيواجه خصوما جدد من ضحاياه في محاكم قادمة لن يقو على مواجهتها وسينهار باكيا كلما رأى إحدى زوجات أو بنات أو أبناء زملائه الذين أعدمهم.



● هذه المحاكمة التي تجري في الخرطوم أكدت أنه لا زال الإخوان يستخدمون الدهاء والمكر لإدارة المشهد السياسي، والعبث بتفاصيل الأوضاع الحالية، بما فيها محكمة المخلوع، وكما تم التمويه يوم تكوين مجلس الثورة ومجلس الوزراء في 1989م، بتعيين من أسموهم تكنوقراط وهيمنوا على وكالات الوزارات بكوادرهم وعبر لجان سياسية وأمنية واقتصادية على رأسها جنرالات يديرهم كوادر التنظيم والحركة، هاهم يكررون ذات الأساليب بالتسربل بثوب الدين والتأصيل لذلك بأن: "الحرب خدعة"، وما رسوا ذلك التضليل إلى أن حصلوا وقتئذ على الإعتراف المصري بالإنقلاب والتأييد والترويج له في الدول العربية ودول الخليج التي منحت الإنقلاب دفعة معنوية وسياسية ودبلوماسية كبيرة جدا، وهو ما يرجون الحصول عليه هذه الأيام من تعاطف إنساني وعربي وحقوقي مع رأسهم المخلوع (الآلة عمروت).




● أذكر أن عثمان أحمد حسن عضو مجلس الثورة، رئيس اللجنة السياسية بعد الإنقلاب، عكف مباشرة على الاتصال بالملوك والرؤساء في المنطقة العربية والإفريقية، وشملت السعودية ليبيا تشاد وكينيا وارتريا واثيوبيا وغيره، قال لهم بأن "الثورة" قومية وليس لها توجه سياسي أو حزبي أو جهوي.
• ولكن اللواء الفاتح عابدون كان رئيس الجبهة الإسلامية في الخرطوم، وأمين التنظيم في السودان ضمه اجتماع في مدرسة خاصة في شارع جبرة بالشيخ الترابي، ويقول: " بعد الغداء أخبرني الشيخ حسن الترابي بأن هناك أمر سيضطرنا لاعتقالك"، فأجاب: " ما يجري عليكم يجري علي".



• أما محجوب فضل وهو ضابط إسلامي متقاعد قال: " عندما بدأنا التحرك لتأمين المواقع، والناس متجهون للحفلات، وكنت أعلم أننا ننفذ إنقلابا، وتسلمنا كلمة سر الليل التي تغيرت في منتصف الليل "بالوطن الغال"ي، وكانت بطاقة مرورنا للداخل، والأمر الذي لم يحتج لكثير من التعقيدات.




• أما مالك دفع الله، أحد الضباط الإسلاميين له شهادة مهمة وقد برر للانقلاب بأن هناك 60 عسكري ماتوا جوعا في الجنوب، وذكر هناك فتاة اسمها جمال أبو القاسم تعمل في التلفزيون أتلفت التسجيل الأول الذي تم تسجيله في منظمة الدعوة الإسلامية، ما اضطررهم للعودة للقيادة العامة لتسجيل البيان مرة أخرى في استديوهات التوجيه المعنوي بالقيادة، وقال له البشير منفعلا بعد التسجيل:" البيان لو ما اشتغل أقراه انت يا مالك"، وأعطاه النسخة الأصلية التي قرأ منها، وأفاد مالك بأن الشيخ حسن الترابي هو من طلب الإعتقال ليكون بمثابة تمويه و"كوموفلاش"، وشدد على ألا تظهر "دقن" في الإنقلاب، حتى أن هنالك ضباط حلقوا لحاهم قبيل الظهور بقليل وهم حضور لبيان رئيس مجلس قيادة الثورة، وأفاد بأن محمد إبراهيم نقد إطمأن بعد أن وجد الترابي معه في المعتقل بأن الإنقلاب ليس إخوانيا، وانطلت عليه الخدعة بحسب مالك..





• وفي الإفادة عن القوة التي سيطرت على الخرطوم قيل أنها لم تصل إلى 300 شخص في غضون ساعتين نفذت الخطة التي اشتملت على اعتقال جميع الوزراء والرموز، بمن فيهم بعض قيادات الجبهة الإسلامية، وقد تلقى بعضهم التدريب في ليبيا وقد شارك في العملية بعض الأفغان العرب.




• كما أسلف للتمويه تم اعتقال قيادات الحركة الإسلامية، وقد نفذ الضابط إبراهيم البطحاني من اعتقل اللواء عابدون الطاهر وهو صديق لابن اللواء وأخبره أن هناك إنقلاب وأنك مطلوب حمايتك، بدأت المجموعة تتوالى في محطة التجميع الأولى للإعتقال، الترابي أحمد عبد الرحمن السنوسي، وتم نقلهم إلى سجن كوبر الاتحادي.




• وبحسب إفادة محجوب فضل أن وصول السفير الأمريكي في ساعة الصفر (2:00) وملاحظة الأمريكان لحركة الجيش غير الطبيعية في شوارع الخرطوم والوضع المعلوم هو أن الخرطوم بها نظام مدني ديمقراطي، لم تفت تلك الملاحظة على عناصر الـ(CIA) وطاقم حماية السفير الأمريكي، وأن تلك الصدفة هي من أعاقت اعتقال مبارك الفاضل وآخرين.




• وقال فضل أن مصر كانت تعد لانقلاب مغاير لما قامت به الجبهة الإسلامية وقتها مع بعض الجهات في الجيش وقد التبس عليها الأمر وظنت أن عناصرها هم من نفذوا الإنقلاب، لذلك سارعت في تأييده وتقديم الدعم الدبلوماسي له، وهيأت الرؤساء والملوك العرب لدعمه والإعتراف به.





• أكبر الأكاذيب التي يتخذها الإخوان ذريعة للإساءة للحكومة الديمقراطية والحكومة الانتقالية المنقلب عليها في 25 أكتوبر وحراك الحرية والتغيير أنها عميلة للغرب وتتلقى توجيهاتها منه، ولا يذكرون أنه وفي صبيحة اليوم التالي للإنقلاب قد التقى العميد عمر البشير بالسفير الأمريكي مرتجفا يتصبب عرقا يرتجم له أحد كوادر التنظيم، قائلا للسفير أن تحرك القوات المسلحة جاء لإنهاء نظام فاسد، وقد حكم البشير لمدة 30 عام ولم يستطع إلصاق تهمة فسادة واحدة في أحد قادة النظام الديمقراطي في 1989م.




• كما أكد للسفير أن الثورة لن تدخل في محاور ولن تقف ضد أي دولة، ورحب بالسفير وطالبه بتقديم شكره للإدارة الأمريكية على المساعدات والعون الذي تم تقديمه إبان أزمة الفيضانات وأكد على الصداقة بين الشعبين، بل ومضى إلى أكثر من ذلك بأنهم سيزيلون كافة العقبات والعراقيل التي وضعها النظام الديمقراطي أمام الأمريكان في السودان، وهنا الإشارة لرفض رئيس الوزراء السيد الصادق المهدي إقامة قاعدة الأفروكام العسكرية في سواحل البحر الأحمر.




• وما ردده البشير عن فشل الحكومة تكذبه عملية شريان الحياة التي كانت من أكبر المشاريع السياسية والأمنية والإنسانية المدهشة التي سمحت بمرور الإغاثات بين المتاحربين وخطوط التماس، وسمي الأمر "بنموذج السودان" وكان المقرر تطبيقه في أفغانستان ودول أخرى لتسهيل مرور العون والغوث الإنساني عبر خطوط التماس.




• الوثائق العسكرية التي صدرت والأوامر التي حكمت الفترة الأولى للإنقاذ وحدها تفضح صلة التنظيم وهيمنته على الإنقلاب فنجد أن محمود عثمان الفاضل أصدر أوامر عسكرية في الإقليم الشرقي وهو قائد منطقة البحر الأحمر العسكرية، بموجب قانون الطواريء، وزج بأسماء مدنين تبين لاحقا أنهم عناصر للجبهة الإسلامية.




• ومن ضمن الشواهد والشهود معتمد العاصمة وقتها (حسان) الذي اجتمع بقيادة الإنقلاب وأفصح عن الإحتياطي من السكر والدقيق محل الأزمة التي قادت للانقلاب والكميات التي وفرها له تجار الجبهة القومية الإسلامية، والتوجيهات التي صدرت له لفتح معارض للبيع المباشر بعد ترهيب وغيب التجار بنقل ما في مخازنهم إلى حدائل السادس من إبريل بعد يوم من الإنقلاب لبيع السلع بأسعار محددة وفق ضوابط لجنة كرار.





• وكرار هذا هو صلاح الدين كرار الذي برر للإنقلاب بأن كتيبة الضفادع البشرية كانت تحمي طلمبات الوقود في كنانة دلالة على دنو التمرد من مدينة ربك وأن ذلك وحده كان مبررا للإنقلاب ليرأس اللجنة الاقتصادية في مجلس قيادة الثورة وبحكم يتم علاقته بالاقتصاد كان  مقرر تلك اللجنة بابكر محمد توم وهذا الاسم ليس عسكريا وليس من المصادفة أن يكون لاحقا هو رئيس اللجنة الإقتصادية في برلمان النظام المباد ورئيس اللجنة الاقتصادية للحزب المحلول، تلك اللجنة (الكرارية الدولارية) شكلها مجلس قيادة الثورة للتحكم في الثورة الجديدة، لتكون عين على العمل الإداري والتنفيذي، اللجنة الأمنية رأسها الزبير وتحته عناصر إخوانية تولت فيما بعد إدارة المخابرات كقطبي المهدي ونافع علي نافع وغيرهم، اللجنة الإعلامية رأسها سليمان محمد سليمان وتحته مجموعات إخوانية، والقانونية ترأسها التجاني آدم الطاهر الذي حشد تحته قانونيو الحركة والحزب.





• المدهش أن جميع هؤلاء من مجلس قيادة الثورة إما تمت تصفيتهم أو ماتو بحسرتهم أو تم ضرب حجاب بينهم وبين المخلوع، للدرجة التي جعلت صلاح كرار يجأر بالشكوى ويستجدي مدير مكتب المخلوع وقتئذ حاتم بخيت للقائه وحثى الثرى ليلتقي طه عثمان الحسين ليهيء له لقاء مع البشير، وصرح بأن بكري حسن صالح عجز عن ترتيب مقابلة له مع رئيسه المباشر قائد ثورتهم الموؤودة.





● ختاما: أعتقد أن أهم شهود المحاكمة الحالية إن لم يكن من المتهمين بالإنقلاب هذا الكرار الذي تحدث عن الأمر مرارا وتكرارا ووصف قرارات رمضان بأنها كانت عسكرية، ومحاكمات تمت لمن خالفوا قانون القوات المسلحة، وكأن انقلاب البشير على القائد فتحي أحمد خليل كان بموجب صحيح القانون!!! وقال بأن محاكمة مجدي محجوب كانت بموجب القانون وأن المسؤول عنها جلال علي لطفي الذي طالب من رئيس مجلس قيادة الثورة المصادقة على إعدام مجدي، هذه الشهادات المنشورة والمسطورة يجب أن تجمع ويستنطق قائلوها الأحياء حتى تستبين شجاعة هذه الزمرة التي زجت البلاد في جحر الدماء والدمار والخراب وفرطت في الثروات والتراب.




عروة الصادق
23. ديسمبر 2022م
البقعة

الأربعاء، 21 ديسمبر 2022

البشير أن يكون معتوها فلا أما كذابا فنعم.. وسيكتب كذابا

البشير أن يكون معتوها فلا أما كذابا فنعم.. وسيكتب كذابا


• مقدمة:
كل دلائل التاريخ وأحاديث التنظيم الإخواني الأحياء والأموات بمن فيهم الشيخ الترابي تبيّن أن التخطيط للانقلاب  في 1989م، تم بواسطة الحركة الإسلامية (الجبهة الإسلامية)، وبدأ منذ العام 1976م بعد المصالحة مع الرئيس الأسبق جعفر نميري، وأن التخطيط استمر حتى تنفيذ الانقلاب بواسطة كوادرها المدنية والعسكرية في القوات المسلحة في يونيو 1989م.


• ومعلوم أن كوادر الجبهة الإسلامية شاركت في التخطيط والتنفيذ، وتحديد ساعة الصفر معلومون بالإسم والوصف واللقب والسن وقتها وهم حسن عبد الله الترابي، علي عثمان محمد طه، يس عمر الإمام، عبد الله حسن أحمد، علي الحاج، إبراهيم محمد السنوسي، عوض أحمد محمد الجاز، أحمد عبدالرحمن جميعهم يرأسهم حسن الترابي، وليس من بينهم وقتئذ المخلوع حتى، وقد قال الترابي في شهادة مسجلة ومنشورة بالحرف: ((مساء الثلاثاء خطفناه من جنوب كردفان وجبناه الخرطوم وهو ما عارف أي حاجة لحدي ما لاقاني مساء الأربعاء وما كنت بعرفه .. وبسبب أنه الاعلى رتبة بقى هو الرجل الأول في التنفيذ .. قلت ليه الموضوع إتحسم نحن رتبنا كل شيء ، تعليماتك بكرة الصباح تمشي تسجل البيان وبالمساء تنفذ التحرك ، وما كان عارف أسماء الضباط الحيشتركوا معاه في التنفيذ)).



• لاحقا تم إدراج بعض  العسكريين الذين شاركوا في التخطيط ونفذوا الانقلاب وهم، عمر حسن أحمد البشير، بكري حسن صالح، عبدالرحيم محمد حسين، الطيب إبراهيم محمد خير، عثمان أحمد، محمد محمود جامع، أحمد عبد الله النو، محمد الخنجر الطيب، عبد الله عبد المطلب، محمد عوض الكريم بدوي، يوسف عبد الفتاح، عثمان عبد الله يوسف، صديق فضل، الهادي عبد الله، صلاح كرار، يونس محمود، فيصل علي.



• وقد تخلص الإنقلاب مبكرا من القادة العسكريين الذين كان بالإمكان أن يشكلوا تهديدا للحركة والإنقلاب، وتوفوا في أحداث مريبة كـ(إبراهيم شمس الدين، محمد الأمين خليفة، الزبير محمد صالح، محمد عثمان محمد سعيد، جمال الدين محمد مختار، بيو يو كوان، دومنيك كاسيانو).


• وقد أقر المخلوع؛ في مقابلة أجراها معه التلفزيون السوداني إبان فترة حكمه؛ بمشاركته في العام 1989م مع تنظيم الإخوان - الذي كان يعرف آنذاك بالجبهة الإسلامية القومية بزعامة الترابي -  في تخطيط وتنفيذ الانقلاب الذي أطاح بالحكومة المنتخبة في العام 1986م.



• وقد اصطلح على مجموعة تدعى (السواقين) قادت الانقلاب وهي فئة غير عسكرية وإنما كانت تقوم بربطهم بالمدنيين في الانقلاب، وهذه الفئة كان دورها تحديد الاجتماعات المتعلّقة وأماكنها وتأمينها، مع تنفيذها كافة الأوامر المتعلقة بالانقلاب.



• وقد بين البروفيسور الطيب زين العابدين وهو رئيس مجلس الشورى الذي فوض الترابي للتخطيط لانقلاب 1989 الذي نفذته الحركة الإسلامية بمسمياتها العديدة ، أن الحركة قد استعانت فيه بالأفغان العرب في التنفيذ ، وهو ما لم تتحدث عنه قياد الانقلاب ولم يرد في يوميات التحري إلى اليوم، بل تنسب الأمر لأبنائها العسكريين وطلاب الجامعة المدنيين.



• ولأن البروفيسور الطيب زين العابدين ظل يردد أنه ضمن ثلاثة رفضوا فكرة انقلاب الجبهة الإسلامية القومية، ولكنه آثر الصمت إلى أن جاء العام 1992 ، وبدأ صوته يعلو منتقداً أهل الإنقاذ ، ورويدا صعد من النقد غير المباشر إلى الخلاف والمعارضة، مما حدا بأركان النظام منعه من الكتابة في الصحف، واختار الهجرة إلى باكستان ملتحقا بالجامعة الإسلامية العاليمة.


• وقد أشرفت مجموعة (السواقين) على عقد أكثر من اجتماع للتخطيط للانقلاب في أم درمان والخرطوم وبحري بحي الصبابي، وآخرها كان بمنزل المرحوم (على الروي) الواقع بضواحي بحري وتم خلاله تغيير كلمة السر للانقلاب من “آخر الليل” إلى “الوطن الغالي”، فضلاً عن عقد اجتماع بمنزل المرحوم (الزبير أحمد الحسن) بمنطقة الحلة الجديدة.



• وظل سر الإنقلاب مكتوما بين أبناء التنظيم في الدرجات القيادية إلى أن بدأ يتم الحديث عنه إلى الوافدين الجدد للحركة فالترابي قد أدخل عددا من معارفه وأصحابه وبالذات ممن تمت تسميتهم بالمؤلفة قلوبهم، أمثال عبد الباسط سبدرات، وسعود البرير، حتى أن أبو القاسم محمد إبراهيم وسارة أبو كانا عضوين في مجلس الشورى، وهؤلاء الآن خارج دائرة الإتهام وأحدهم محامي للمتهمين، ولكن يمكن استدعاؤهم للشهادة وأن يقسموا على ما عرفوه عن الإنقلاب، فضلا عن أحد الممولين للإنقلاب بالمال والأهل من أبناء قبيلته.



• وكما رأينا وسمعنا الفريق أول، هاشم أحمد بريقع، قد أشار إلى علاقته بالانقلاب والتخطيط له في جلسة المحكمة برئاسة القاضي حسين الجاك، وذلك بعد قبول مثوله كشاهد اتهام، وقال: إن الفريق أول محمد محمود جامع -المتهم رقم 14 في القضية- أول من تواصل معه من العسكريين قبل أشهر من الانقلاب وذلك برفقة الراحل المهندس عبد الوهاب محمد عثمان، وتمت دعوته للانضمام للعمل والتخطيط والتنفيذ للعمل العسكري.



• وأضاف: توالت الاجتماعات في مواقع متعددة معظمها في بيوت المشاركين، وكان الهدف المتوافق عليه هو العمل على تغيير نظام الحكم وإقامة دولة دينية، مشيرًا إلى أن تلك الاجتماعات كانت بحضور قيادات الجبهة -اسم الحركة الإخوانية في ذلك الوقت- وعلى رأسها الراحل د. حسن عبد الله الترابي. وقال الشاهد إنه شارك في اجتماع بمنزل الراحل الزبير أحمد الحسن، الأمين العام للحركة بالحلة الجديدة، شارك فيها من العسكريين كل من الرئيس السابق عمر البشير، عثمان أحمد الحسن ومحمد محمود جامع، صلاح الدين كرار، وعبد الله عبد المطلب، ومن المدنيين على نائب البشير الأسبق، عثمان محمد طه، ووزير الطاقة عوض أحمد الجاز، وأحمد محمد على الفششوية وعبد الحفيظ الدنقلاوى.



• وأوضح أنه لم يكن جزءًا من قيادة الانقلاب العليا في القيادة العامة، ولم يشارك ضمن قوة الاعتقال، وأضاف: كنت أتلقى التعليمات والمعلومات عبر الراديو مع الشبكة المركزية للاتصالات.




• بعد كل هذا يأتي المخلوع ليقول: إنه المسؤول الوحيد عن انقلاب 30 يونيو 1989م، وإن أعضاء المجلس العسكري الذين تولوا الحكم وقتها، لم يشاركوا في التخطيط أو التنفيذ لانقلاب الإنقاذ. 


• وبرأ البشير، خلال شهادته كذلك المدنيين المتهمين بتدبير الانقلاب وتقويض الحكومة الديمقراطية مبينا أنه «استند في تحركه على المادة 15 من دستور السودان المعدل لعام 1965، والتي تحمل القوات المسلحة مسؤولية حماية ثورة 1985»، مشيرا إلى مذكرة الجيش التي حذر فيها من تدهور الأوضاع في السياسية والعسكرية في البلاد، ونوهت إلى تدهور الاقتصاد، فضلا عن الأسلحة المتهالكة التي كانت تمنح للجيش الذي كان يخوض معارك ضد حركات متمردة في جنوب السودان، وتلك المذكرة معلوم أن من صاغها وتولى كبرها هم اسلاميو الحركة والتنظيم ولا علاقة للجيش بها، إذ أن قيادة الأركان وقتها ووزارة الدفاع عكفت على توريد كميات من الأسلحة والمهمات للجيش. ولم يرف له جفن وهو يكذب ويصرح بفشل الحكومة الديمقراطية التي أنجزت خلال تلك الوزارة في الفترة من ابريل 1986 حتي يونيو 1989م، كان الوضع: 
- اقتصاد منهار ينمو بمعدل نمو سالب 12.8% .
- ديون خارجية بلغت 14 مليار دولار .
- كل المشاريع القومية و المصانع تعمل بالخسارة .
• وباشرت الحكومة عملها لتقوم بالآتي:
- باعادة تاهيل كل المشاريع و المصانع القومية و حولها من الخسارة إلى الربح.
- قامت ببناء 2000 كلم من الطرق منها:-
1. طريق كوستي الأبيض الدبيبات.
2. طريق الأبيض الدلنج.
3. طريق الجبال الشرقية.
4. طريق سنار سنجة الدمازين.
5. طرق أخري.
- قامت ببناء صوامع غلال بحري . الرهد . الدبيبات  وتم استيراد عدد من الصوامع لتخزين الغلال للأمن الغذائي، تم تحويلها إلى (كباسيل) بسط الأمن الشامل في عهد حكومة المخلوع.
- قامت ببناء كباري سنجة . نيالا . السنجكاية .
- قام ببناء المطارات الاقاليم منها: مطار دنقلا . حلفا . كسلا . كادقلي . الدمازين . نيالا .
- قامت بتوزيع التقاوي المحسنة و الأسمدة للمزارعين.
- قامت بتطوير التعليم و العلاج مع مجانيتهما.
- قامت بإعادة تأهيل طريق الخرطوم بورتسودان .
- قامت ببناء شبكة اتصالات هي الاحدث في العالم في حينها لإدارة مشروع الجزيرة وإعادة تأهيل مشروع الجزيرة .
- إعادة شركة شيفرون للتنقيب عن النفط وتم حفر 90 بئر  واكتشاف نفط في 42 بئر.
- قامت بسداد 2 مليار دولار من ديون السودان  المتراكمة.
- حولت نمو الاقتصاد من سالب 12.8 الي موجب 12.8%  أي بمعدل نمو بموجب 24%. خلال ثلاثه سنوات دون منح أو قروض دولية.
- توصلت لاتفاق سلام مع الحركة الشعبية عبر اتفاقية السلام السودانية  و حدد له يوم: 14 سمبتمر من نفس العام موعدا لتوقيعة بالخرطوم عطل ذالك الانقلاب.
- تم التعاقد مع شركتين امريكية و فرنسية لتعلية خزان الرصيرص و ادخال مليون فدان لمشروعة الجزيرة عطل ذالك الانقلاب .
- وقعت مع اليابان اتفاقية شراكة استراتيجية كانت سوف تجعل السودان اليابان الثانية عطل ذالك الانقلاب.
- حققت أعلي انتاج زراعي في تاريخ السودان حتي اليوم في موسم 1988م- 1989م.
- الدولار يساوي 12جنيها وهذا دليل علي صحة الاقتصاد.
- انفتاح دولي وعلاقات خارجية قائمة على الإحترام والندية.



• ختاما: كل هذا اللف والدوران يوضح أن الحركة الإخوانية لا زالت تهيمن على عقل البشير وتريد أن تجعل من هذه المحاكمة صك براءة لها من شبهة الإنقلابات العسكرية وتبرئة قادتها وشيوخها وتنقية تاريخهم، لئلا يتم إدراجها ضمن الكيانات الإرهابية أو المقوضة لدساتير الدول، وهو أمر برع فيه قادة التنظيم، ولكن قبل أن يمضوا في هذه الخطة طويلا، عليهم تصفية بقية الشهود ممن نظموا ومولوا وخططوا نفذوا الإنقلاب، كما تمت تصفية السابقين، وأن يعمدوا إلى الأسافير والأضابير لمحو الشهادات المنشورة والمسطورة عن تخطيط الحركة تنظيما وقيادة في هذا الإنقلاب الذي أورد البلاد موارد الهلاك.

عروة الصادق
21. ديسمبر 2022م
البقعة

الاثنين، 19 ديسمبر 2022

ذكرى 19 ديسمبر

ذكرى 19 ديسمبر 


● تزامنت ذكرى استقلال السودان والثورة المجيدة هذا العام مع أهم حدث عالمي شد أنظار المعمورة إليه في دولة قطر، تجلت فيه مشاهد إنسانية واقتصادية وتنموية وسياسية وتكنولوجية، جميعها بينت أن الإنسانية يمكن أن ترتقي لمصاف التعايش والتسامح والتآخي والمحبة والتواضع، فقد رأى الجميع كيف نال فقراء من أمريكا اللاتينية شرف نيل أعظم جائزة عالمية ككأس العالم، فتقدموا بأسرهم ليحملوا الكأس إلى عاصمتهم ليحيوابه جماهيرهم في أحياء الصفيح، وتبين كذلك كيف تثنى لأبناء القارة المستصغرة والمستضعفة أن تبرز أعظم هدافي المونديال وأقوى لعيبة المستقبل القادمين، ورأينا كيف لرئيس دولة كبرى كفرنسا ينحني ويجلس مواسيا ومقبلا رؤوس لاعبيه الحاسرة، وطمأنهم بأن المستقبل قادم وهناك فرصة، فترانا ونحن ننطلق من عذه الأجواء إلى حلم يجمع السودانيين على قلب إنسان واحد، ويطوروا بلدهم تنمويا، ويحققوا التأخير بينهم، ويمنعوا جرثومة العنصرية والبيضاء من الاستشراء بينهم ويخلدوا ذكرى سلفهم كما فعل أولئك.



● لا تنفصل هذه الذكرى عن النضال الاستقلالي ضد الاستعمار وإعلان الاستقلال من داخل البرلمان في 19 ديسمبر 1955م، وهذه الثورة باستمراريتها منذ ديسمبر 2018م حتى اليوم أثبتت أنها أعمق من أن تجتث بسطحية الإجراءات القمعية والاستبدادية وأن أقبية الاعتقال والحجز التعسفي بل حتى القبور التي ضمت الشهداء أقل وأضيق من أن تستوعب كل هؤلاء المثابرين من حداة الثورة، وأنها بتراكم فعاليتها وأنشطتها أوجدت وعيا اجتماعيا وثقافيا وسياسيا واقتصاديا ونفسيا بقضايا وهموم الشعب السودان، وإلماما ببواطن الشأن السوداني وارتباطاته بالخارج.




● ومثلت تلك الاستمرارية حجر العثرة أمام الأطماع الإقليمية والدولية في ثروات وموارد البلاد، وسدت وتصدت لكل محاولات البيع التي حاولتها حفنة من الانتهازين، وبينت ذلك العناد الثوري السلمي أنه أقوى من قرارات الرؤساء وإرادات الدول وأجهزة استخباراتها ومخابراتها، وأن بنات وأبناء السودان إما أن يتم التعامل معهم باحترام وندية تقدر عزة النفس السودانية أو ألا صداقة مع الشعب السوداني لأي من الشعوب التي تحاول استصغاره واستغفاله.




● كما استمر الوفاء للشهداء والضحايا وتضحياتهم وظلت مقولاتهم وخطاباتهم ودماؤهم وصورهم حاضرة في كل الأنشطة والفعاليات ومثلت أهم ثوابت الثورة السودانية، ولا يستطيع أحد أن يقول بأن الإذعان العسكري للاتفاق السياسي قد أتى بغير تلك التضحيات وتلك المثابرة الثورية.




● وأؤكد أن السودان لن تركن قواه الثورية الحية وجماهيريه إلى أي خيارات لا تحقق شعارات الثورة المجيدة في الحرية والسلام والعدالة وتحقيق نظام ديمقراطي مستدام ينعم مواطنوه بالرفاه ويفككون دولة الحزب الواحد ويقيمون علاقة قائمة على المصالح مع شعوب وحكومات الدول الأخرى، هاهي المواكب تخرج من كل فج عميق كما حدث في العام 2018م وكأن الثورة في طور الانفجار الأول، هذا يرسل برسائل للداخل والخارج وكل متربص بإرادة الشعب السوداني وثرواته وجب الاستجابة العاجلة لتلك الرسائل من الساسة والحاكمين والمراقبين والداعمين للحل السياسي الشامل في الإقليم والمنطقة والعالم.




● ختاما: أمامنا العالم حولنا ومعالم ستغير الحياة السياسية والاجتماعية بل كل المشهد الماثل لتستحيل الحياة إلى نمط جديد للعيش، ربما لن يجد فيه المكاسلون موقعا، ولن تطأ أقدامهم أرض المستقبل، ستظل تنهش لحومهم الأنظمة المستبدة، وتسيطر على ثرواتهم الدول الطاغية بأنظمة استعمارية واستحمارية جديدة، الواجب أن تتوحد إرادة هذة الجيل لاستنقاذ البلاد والإسهام في تقدم الإقليم والمنطقة والعالم.






عروة الصادق
19. ديسمبر 2022م
البقعة

الجمعة، 16 ديسمبر 2022

نتائج حتمية للانتقال المدني في السودان

نتائج حتمية للانتقال المدني في السودان
مقدمة:
خضنا تجربة انتقالية لها وعليها من المزايا والرزيا، استطاع السوادنيون خلال تلكم الفترة تغيير حكومتهم الانقالية بعد عملية تقييم لآداء الوزارة الأولى، وقد كانت فرصة كبيرة للإيمان بأن التداول السلمي للسلطة في السودان ممكن ومتاح ومرغوب، وأن محاولات التسور على سياج إرادة الشعب الحرة يصطدم بعنفاونه الرافض للاستبداد والدكتاتورية وحينها تثور ثائرة الجماهير رفضا لأي إجراء مدني أو عسكري أو مختلط يسلب إرادة الشعب كما حدث في فجر 25 أكتوبر 2021م.
انطلاقا من هذه التجربة ومن التجارب السابقة والموروثة استطيع القول بأننا بإمكاننا إنجاح الفترة الانتقالية وفتح الباب أمام استدامة الديمقراطية وتحقيق الاستقرار في السودان، كما أيضا بالإمكان هدم هذه التجربة وفتح الباب على مصراعيه لقوى الردة والهيمنة والفساد والإفساد، وإجهاض التجربة الانتقالية وإيصاد الباب للأبد أمام التطلع نحو الديمقراطية، وربما مزقنا وطننا إلى طرائق قددا.
مما سبق من تجارب نستطيع استقراء التوقعات الحتمية للانتقال بنسب عالية تحدد سمات التطور السياسي للسودان وأنماط الانتقال التي يمكن أن تؤهله للعودة للعالم والإقليم والمنطقة، وأهم تلك العوامل المؤثرة في الانتقال:
1. هوية الفاعلين الذين يقودون عملية الانتقال: بأي حال من الأحوال لا يمكن توقع نتائج جديدة من ذات الفاعلين الذين قادوا التجربة الانتقالية الأولى في طوريها الأول والثاني، وذلك على مختلف الصعد والمستويات التنظيمية والسياسية والمدنية، بل حتى قادة البيوتات الأهلية والدينية لا يمكن أن يخاطبوا جيل وقضايا الانتقال بذات المنطق المتبع منذ الاستقلال وحقب الثورات المتلاحقة، لذلك لا بد من الآتي:
‌أ. تغيير الفاعلين وتقديم وجوه وأسماء جديدة وعدم التفكير في استخدام ذات الأسماء والشخصيات.
‌ب. تقديم عناصر لها ارتباط مباشر بالقطاعات الحية الشبابية والطلابية والنسوية والفئوية والمهنية والحرفية والمهجرية وسودان اللجوء والنزوح.
‌ج. التخلص من التركة السالبة التي خلفها بعض الشخوص ممن هدموا التجربة الانتقالية.

2. الاستراتيجيات التي يستخدمها الفاعلون الجدد: لا يمكن توقع نتائج جديدة باستخدام ذات الخطط والاستراتيجيات المعهودة، ولا يمكن أن تحدث الهياكل الموروثة والمؤسسات القديمة نتيجة ذات قيمة ترجى، ولا يمكن أن نتوقع إحداث تغيير كبير في الدولة، ما لم نضطلع بالآتي:
‌أ. أن تحدث المؤسسات المدنية والعسكرية قيادتها وتطور برامجها وأفكارها وأطروحاتها.
‌ب. أن تغير الأجسام المدنية المتحالفة سياقاتها التكوينية المعارضة إلى أخرى تؤسس لدولة وحكم قادم بعد 24 شهر على أسوأ الفروض.
‌ج. أن تغير القوى السياسية خطتها كليا وتعتمد استراتيجيات غير تلك التي تم تجريبها طوال سنوات الانتقال وسنة الانقلاب.
‌د. تقييم فعلي وحقيقي لجدوى مؤسسات الدولة الحالية ودراسة عميقة للقائمين عليها والسياسات المتبعة ونظام العمل والتشغيل لدولاب الدولة.
‌ه. الانخراط في وضع ملامح استراتيجيات حكومية عبر بيوتات خبرة محلية وعالمية وتبني أفضل الخيارات.


3. النمط التنافسي بين الفاعلين: اتخذ التنافس السياسي في السودان طابعا قد يكون محفوظا للكل، عسكري مدني، وعسكري عسكري، ومدني مدني، وظلت الحركات المسلحة متواجدة في هذه المسيرة طوال كل مراحل الانتقال المتعاقبة، يشارك في هذه العملية التنافسية مجموعات ظلت تأتمر بأمر السلطة وترغب في التواجد الفعال في المشهد في كل الحقب تتخذ طوابع إثنية ودينية واجتماعية مختلفة وللأسف جميع طرق التنافس لا زالت متخلفة تنحصر في الاستقواء بالبندقية والسلاح أو القبيلة أو الشعارات الأيدولوجية أو الإغراءات السلطوية، وهذا يوجب الآتي:
‌أ. نأي الجميع من ساسة المؤسسة العسكرية والمؤسسات الحزبية من الحكومة الانتقالية والاكتفاء باختيار عناصر ذات كفاءة ومهنية تمكن الشعب من اختيار من يحكمه في نهاية الفترة الانتقالية.
‌ب. اتخاذ التنافس البرامجي والطرح الرؤيوي لقيادة البلاد، وذلك بالنشر الإعلامي والانتشار الفعلي على ربوع السودان، وأن يكون التنافس وجها لوجه لا خلف جدران السلطة والقبيلة والسلاح.
‌ج. إعمال الشفافية في المؤسسات الحزبية المتنافسة، حتى يكون المواطن السوداني على علم ببواطن هذه المؤسسات وصلاحيتها وأهليتها لنيل صوته.
‌د. أن يكون التنافس منضبطا بمعايير موضوعية وقومية ومدنية تعلي من أصوات الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وتردع كل من يريد التنافس عبر فوهة البندقية أو الشيكات البنكية أو الواجهات القبلية أو الإغراءات السلطوية.

4. طبيعة النظام السياسي الذي يرتضيه الفاعلون: عدد كبير من القوى السياسية في السودان، تناور بالديمقراطية كنظام حكم، وجزء منها ارتضاه واحتكم إليه وجاءت به الانتخابات إلى السلطة إلى أنه سرعان ما امتطى ظهر الدبابة لينقلب على نظام الحكم الديمقراطي البرلماني ويؤسس تجربة دكتاتورية شمولية ثيوقراطية أوتوقراطية، وهو ما يعني أن النظام الذي نرتضيه للحكم سيحدد نجاح تجربتنا أو فشلها، وقد حددت ملامحه مرجعيات أهمها:
‌أ. مسودة الدستور الانتقالي التي طرحتها اللجنة التسييرية للمحامين.
‌ب. الاتفاق الإطاري الذي تم توقيعه تأسيسا للمرحلة الانتقالية القادمة.
‌ج. تجارب حكم لدول ديمقراطية في المنطقة والقارة والإقليم والعالم.
‌د. فشل الأنظمة السياسية الاستبدادية الآحادية على مر تاريخ السودان.
‌ه. فشل أنظمة الحكم الآحادية في المنقطة وما خلفته من خراب ودمار وحروب أهلية في الكثير من الدول.
‌و. تطلعات الشعب السوداني في تحقيق الفدرالية والديمقراطية في دولته المدنية البرلمانية.

5. السياسات لما بعد الانتقال: اقتصر دور الحكومة الانتقالية السابقة لوضع سياسات آنية للفترة الانتقالية ولم تتحسب لما بعد الانتقال، وهو ما سيجعل الحقبة الانتقالية منفصلة عضويا من الفترة الديمقراطية، وربما تحدث تلك القطيعة ردة عن النظام الديمقراطي، لذلك أتصور الآتي:
‌أ. في الوقت التي تعد فيه قوى الثورة والانتقال سياسات الحكومة الانتقالية، تأخذ في الحسبان وضع ملامح سياسات النظام الديمقراطي.
‌ب. أن تضطلع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية بتدريب عناصر مؤهلة في وضع السياسات لترفد بهم النظام الديمقراطي.
‌ج. أن تفرغ الجامعات وكليات العلوم السياسية والتخطيط الاستراتيجي جزء من طلابها وسلكها الأكاديمي في رسم ملامح أكاديمية ومنهج سياسي يسترشد به الساسة في البلاد.
‌د. أن يشترك في وضع ملامح السياسات في الحكومة الديمقراطية كل مكونات الشعب السوداني وفئاته المؤمنة باستدامة الديمقراطية.

6. القواعد المؤسسية التي تم إنشاؤها خلال الفترة الانتقالية: خير معين للنظام الإنتقالي وأعظم ممهد لاستقرار النظام الديمقراطي هو القواعد والقيود التي يحتكم إليها البناء المؤسسي للدولة وأحزابها ومؤسساتها وبنياتها التنظيمية ومواعينها الشعبية، وهو الأمر الذي يستدعي:
‌أ. مراجعة كافة القوانين والتشريعات التي تؤسس عليها الأحزاب السياسية والمؤسسات المدنية والمنظمات والمراكز والهيئات والجمعيات، وتعاير بتلك المعايير المتبعة إقليميا ودولية ويكون الالتزام بها صارما.
‌ب. أن يحظر بالقانون النشاط المناهض للسلام والديمقراطية وحرية الإنسان، وتمنع الكيانات والجماعات التي تنشط على أسس عنصرية وعرقية ودينية.
‌ج. أن تمول الحكومة وتستقطب التمويل الدولي لكل المؤسسات المدنية الداعمة للانتقال وتهيئتها للنظام الديمقراطي القادم.
‌د. أن تشرف الحكومة الانتقالية على أنشطة ومؤتمرات المؤسسات المدنية وتمكن الهيئات المستقلة والجهات الرقابية من تقييم مدى ديمقرطة تلك المؤسسات.
‌ه. إعمال الفحص المؤسسي في دولاب الحكومة الانتقالية في كل مرافقها السيادية والتنفيذية والتشريعية والولائية ومؤسسات القطاع الخاص واتخاذ التدابير اللازمة في موجهة عمليات السطو والتسلط والفساد المؤسسي.


7. استعداد الفاعلين: تمثل درجة الاستعداد والقابلية للتفاعل مع المعطيات السياسية أهم عوامل نجاح أو فشل النظام الانتقالي، وهو ما يعني أن الفاعلين يمكن أن تتغير مواقفهم وتتبدل آراؤهم، وتتحول تكتيكاتهم، وقد تتباين المواقف وتختلف الرؤى، ولكن هذا يوجب الآتي:
‌أ. التشديد على ضرورة التزام الجميع بمباديء عامة وثوابت لا يمكن الحياد عنها كمدنية السلطة والدولة والحكومة، وتحقيق مطلوبات الانتقال وشعارات الثورة وعدم الافلات من العقاب.
‌ب. يقبل جميع الفاعلين آليات بعضهم المختلفة طالما التزمت بالسلمية ومعايير حقوق الإنسان، ولم تجنح إلى العنف أو الاستقواء بالأجنبي أو السلاح.
‌ج. إبداء درجات المرونة في التلاقي الوطني وعدم إحداث قطيعة بين القوى الفاعلة كالتي شهدناها الفترة السابقة (كيان لا يقبل بلقاء كيان)، ما لم يشب ذلك مجرد شبهة التآمر ضد الانتقال أو النظام الديمقراطي.
‌د. جاهزية الفاعلين لتقديم الاسناد الفعلي سياسيا وفنيا وقانونيا ودبلوماسيا للحكومة الانتقالية الممهدة للنظام الديمقراطي.
‌ه. أن تكون الحجة هي معيار التفاضل في المواقف السياسية بين الفاعلين وأن يتخذوا لتثبيتها المنصات الإعلامية المفتوحة في الفضاء العام واللقاءات الجماهيرية على الأرض.


8. الالتزام بالقواعد الجديدة للعبة: دوما ما تتمرد النزوات ونزغ الشخصيات ونزوع الكيانات إلى السلطة على قواعد اللعبة المتوافق عليها، وهو ما يقود إلى إعاقة مسير الانتقال وإجهاض حلم التحول الديمقراطي، ففي الوقت الذي يبحث فيه الجميع نحو تأسيس تجربة انتقالية تؤسس لنظام ديمقراطي يجنح كثيرون لتأسيس ذوات وتنظيمات وأحلاف على حسب حلم الجماهير، والواجب هو:
‌أ. بذل الوسع كله لخدمة أجندة الانتقال المتفق عليها ولو كان ذلك على حساب الأجندة الحزبية.
‌ب. الترفع عن التكسب والتنافس من أجل الاستقواء الآني واللجوء إلى سبل تطوير بعيدة عن دولاب الحكومة.
‌ج. التقيد التام بما يتم الاتفاق عليه من مواثيق ونصوص طوال الفترة الانتقالية وأن يكون الخروج عنها معلنا.
‌د. الامتناع عن اللجوء لوسائل التمرد التاريخية أو المستحدثة على النظام الانتقالي عبر الإنقلاب أو التآمر أو غيره، والاحتكام إلى الإرادة الشعبية الحقيقة.


• ختاما: بقراءتنا لتاريخنا واستلهامنا الدروس والعبر وعدم تكرار الأخطاء وتحديث أساليبنا وأنماط ممارستنا السياسية ومواعينها حتما سنصل إلى نتائج غير مكرورة وربما أكثر إبداعا واتساقا مع واقعنا، ولكن الإصرار على تكرار ذات الأخطاء من ذات الأشخاص في ذات التوقيتات سيجلب لنا ذات الفشل وربنا الأسوأ، وجبنا المضي للأمام وعدم التراجع إلى مواطيء الأقدام السابقة، وعدم الركون للنصوص الماضوية إلا تلك التي تضيء لنا المستقبل وتلهمنا عدم تكرار الأخطاء، ما لم يحدث ذلك ستجد القوى القديمة والأنظمة الموروثة سبيلها للهيمنة على القرار السوداني بـوجوه وواجهات جديدة ومستحدثة.

الخميس، 15 ديسمبر 2022

خطاب البرهان في المعاقيل والسيناريوهات والأحابيل

خطاب البرهان في المعاقيل والسيناريوهات والأحابيل


• مقدمة:
• أهم ما جاء في حديث البرهان أن القوات المسلحة لن توافق في مرحلة الاتفاق النهائي للعملية السياسية على أي بنود يمكن أن تنال من ثوابت البلاد، وفي اعتقادي أن هذه ذات الفزاعة التي ظل يستخدمها طوال العام المنصرم وهي محض أحابيل لجأ إليها سلفه المشير المخلوع، وهو يعلم علم اليقين أن الاتفاق الإطاري الذي وقع عليه يحمل ملامح الاتفاق النهائي، والذي لا يوجد به ما يمس بسيادة السودان وثوابته الوطنية، بل على العكس نحن نرى محاولات استباق التوقيع النهائي بتمكين دول من مياه السودان وأراضيه وسيادة موانيه.

• كما أن قوله: " إنه ليست هنالك تسوية سياسية بالمعنى الذي يفهمه البعض، وإنه لا ينبغي أن تحاول أي جهة أن تختطف الاتفاق الإطاري لمصلحتها الذاتية دون الآخري"، كل هذا أسميه خطاب تماسك لأنه قال به أمام أفراد وضباط وصف ضباط للقوات المسلحة في منطقة المعاقيل العملياتيه، وبعض عسكر السودان حينما يرى جنوده تأخذه  الحماسة، ويقول ما يشاء، ولكن المتفق عليه أن هذا الاتفاق أطرافه معلومة ومشهودة، ومحدد المعالم، إذ لا يوجد هيمنة فيه لأحد أو استئثار بمفاصل الحكم فيه لحزب وقد أقر الجميع تكوين حكومة كفاءات مستقلة دون محاصصة حزبية، أما محاولات إغراق الإتفاق بجماعات يرى البرهان ويعمل على إدراجها ضمن الإتفاق من شأنه نسفه وإرجاء الجميع إلى نقطة الصفر، وهو ما لن يستطيع البرهان ولا جماعاته دفع ثمنه. 

• أما تأكيده بالقول: " أن القوات المسلحة لن تمانع في المستقبل أن تعمل تحت إمرة حكومة شرعية ومنتخبة يختارها الشعب طبقا لانتخابات حرة وشفافة" فهو من نافلة القول، ولكن هو يعلم أن القوات المسلحة منذ الآن حال تم اتفاق نهائي ستعمل تحت إمرة رئيس الوزراء الذي سيحكم الفترة الانتقالية وهو ما وقع عليه وما ستؤسس عليه الفترة الانتقالية، ولن يكون للقوات المسلحة أي دور سياسي وسقتصر دورها على ما تم النص عليه في الدستور والقانون.

• أما الحديث عن الإصلاح الحقيقي للقوات المسلحة وأنه يشمل التعديلات والإصلاحات في النظم واللوائح المنظمة للعمل، وأنها هي قادرة على ذلك ومستمرة فيه بما يضمن مصلحة البلاد وقواتها المسلحة، نؤكد أن هذا ليس كافيا، فالبرهان يعلم أن التنظيم يستحوذ على مفاصل هذه القوات ويهمن على إرادة جنرالاتها وهنالك جنرالات بالاسم وبقوائم كاملة ضمن عضوية التنظيم الإخواني والحركة ويأتمرون بأمر قيادتهم الداخلية والدولية، ويعمل هؤلاء على أدلجة القوات المسلحة، كما أن هنالك عناصر فاسدة في القوات المسلحة ولها صلة بتجارة ممنوعات وتهريب موارد البلاد وتعاون مع جماعات خارجة عن القانون، كل هؤلاء يسئيون لتاريخ القوات المسلحة، والواجب تنقية هذه المؤسسة من جميع هذه العناصر الفاسدة وإعادة جميع الضباط المهنيين الذين تمت إقالتهم في عهد الإنقلابين البشيري والبرهاني، وإكمال عمليات الدمج والتسريح وصولا لجيش مهني واحد يؤمن الديمقراطية والحرية ويحرس تطلعات الشعب السوداني.



• السيناريوهات المتوقعه لمسار التحول الديمقراطي بالبلاد:
بدراسة وقائع التاريخ السوداني ونماذج الانتقال عقب الثورات يمكن قراءة السيناريوهات المحتملة والتي يسهل الوصول إليها ، فالناظر لما يجرى يعلم أن هذا الإنقلاب حدث بسبب تحالف إرادات ديكتاتورية مع أخرى سياسية وقوى مسلحة وبنذر يسير مع ممثلين من المجتمع المدني والإدارات الأهلية وهو التحالف الحاضن لإنقلاب 25 أكتوبر 2021م والمؤكد أن هذه الحاضنة تمزقت للدرجة التي دفعت العسكر للبحث عن طريق العودة للحل السياسي الشامل ، وفي ذلك تعمل عده جهات على تغيير الأفكار والاهتمامات والسياقات والمؤسسات، فقوى الانتقال الديمقراطي تتوجه نحو تنقية الحياة السياسية واستكمال مهام الانتقال وتحقيق شعارات الثورة، فيما تشد قوى الردة مؤسسات الدولة وقياداتها نحو التقهقر إلى النظام الدكتاتوري بصورة أعنف مما كان عليه الوضع في 1989م، وهي محاولة حثيثة لم يكف عنها عسكريو ومدنيو التنظيم الإخواني الذين يجتهدون في إضعاف الحراك الجماهيري والبطش به واختراق احزابه ولجانه وتنسيقياته، والمتوقع هو:

• أولا: إما أن تمضى العملية السياسية إلى نهاياتها لما فيها من ضغط دولي كبير يمكن أن يصل إلى التلويح بالعقوبات الدولية والتدخل بموجب الفصل السابع وهو ما سيعجل بالوصول لاتفاق نهائي ويؤمن انتقال بصورة تؤسس لحكم مدني وسلطة قوية بقيادة قادرة على إيصال البلاد إلى انتخابات حرة ونزيهة، وهذا يتطلب لاحقا إيجاد المؤسسات المناسبة لإدارة النزاعات بين النخب والاستعداد لجميع الجهات الفاعلة الرئيسية لقبول الديمقراطية خيارا أوحدا لإدارة البلاد.

• ثانيا: أما السيناريو الأكثر قتامة وسوءا وله دوافعه الذاتية والموضوعية هو انتكاسة عملية الحل السياسي الشامل، ومحاولة (العسكر) الرجوع إلى آحادية قابضة، وهو ما سينجم عنه اصطراع سياسي شديد، وربما اتخذ طابعا مسلحا قاد إلى فوضى وحروب أهلية تلوح نذرها في كل أطراف البلاد.

• ثالثا: أما التوجه الأخير والخطير هو استمرار التماطل في الوصول لاتفاق سياسي ومد الفترة الانتقالية لفترات طويلة لا ترغب كثير من القوى السياسية والمسلحة في التوجه نحو انتخابات، وهو ما سيؤثر سلبا على الحراك الجماهيري، ويسهل عودة الفلول إلى مفاصل الدولة كما رأينا بعد الإنقلاب، واتسمرار الأوضاع في التراجع سياسيا واقتصاديا وأمنيا وإكتمال العزلة الدولية.



• ختاما: 
• مطمح ومطمع البرهان هو العودة إلى ما قبل الإنقلاب والاكتفاء بامتيازاته الشرفية في مجلس السيادة حتى قيام الانتخابات وهو أمر تستحيل العودة إليه، فقد أوصد رأس الانقلاب منذ اليوم الأول الباب للعودة إلى ما قبل 25 أكتوبر بتقسيمه للتحالف الحاكم ودعمه لمجموعة التوافق الوطني وزجه للشركاء في السجون والمعتقلات، وتمزيق الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية، وتلطيخ تلك الصفحة بدماء الأبرياء من ضحايا الإنقلاب، ونسف عملية الحكم المؤسس على شراكة مدنية عسكرية، لذلك لا مجال لإعادة عجلة التاريخ والمرجو هو التقدم إلى الأمام بجرأة وتأسيس حكم مدني يبعد العسكر عن الممارسة السياسية، وسلطة كاملة تقودها كفاءات مهنية مستقلة تستعيد مكاسب البلاد الانتقالية وتفكك التمكين وتحقق العدالة، وتضع السودان في موضعه الرئيس وترجع له ما فقده من مكتسبات دولية ومالية ودبلوماسية وعون للأسر الفقيرة.



عروة الصادق
16. ديسمبر 2022م
البقعة

الأحد، 11 ديسمبر 2022

التسوية السياسية للأزمة السودانية والحل السياسي الشامل( ٣)

التسوية السياسية للأزمة السودانية والحل السياسي الشامل

 (3)

·   صور البعض الاتفاق الإطاري بأنه تعاقد مع الأوليغارشية وقادة الإنقلاب لتعيين الأوليغارشيين الجدد في مؤسسات الدولة المدنية، وهو محض إفتراء، وليس هناك تمييز سياسي حتى للقوى التي عكفت على صياغة وطرح الاتفاق بتسميتهم تسمية تمييزية يمكن أن يتذرع الآخر برفضه لهم واحتكاره لمسمى "الحرية والتغيير"، على سبيل المثال، بل العكس مضى الاتفاق لتجريد أي صاحب امتياز منه ليكون الامتياز الأوحد لأصحاب المصلحة الحقيقة وتمكين السودانيين بصورة فيدرالية من الولوج إلى مضمار تصميم نظام الحكم مستقبلا، والمشاركة في القرار السياسي بصورة حقيقية، على كل الأصعدة والمستويات، مركزيا، وسياديا، وتنفيذيا، وبالضرورة ولائيا، وهو تجاوز لأنماط التعليب السابقة التي يتم إرسالها من المركز، وتجريد الخرطوم من امتيازها الاقتصادي والسياسي والديمغرافي، والتعامل معها صنوها صنو أي إقليم من أقاليم السودان، ورأينا كيف تفاعلت مؤسسات حزبية وجهات ولائية مع الاتفاق إيجابا، ومنهم من أبدى ملاحظاته مسبقا وتم تضمينها في الاتفاق الإطاري، ومسودة الدستور الانتقالي، جاء ذلك في لقاء مشهود جمعت له كيانات ولائية من كل ربوع السودان في المركز العام لحزب الأمة القومي.

 

·   لذلك نجد أن هناك محاولات لتصميم أجسام جديدة لتقف ضد هذا الاتفاق أو التسلل إليه كواجهات خفية لتنظيمات تقف ضده، وهو ما اتضح بجلاء في صدور أكثر من خمسة عشر بيانا عشية توقيع الاتفاق الإطاري جميعها بصيغة مختصرة وبشكل واحد وكأن من صاغها شخص واحد، حملت اسم عدد من التنسيقيات الولائية والفرعية في المدن والأرياف، وهو نوع من التضليل برعت عدد من الكيانات العقائدية في ممارسته، تشاطرهم إياه أجهزة مخابرات واستخبارات.

 

 

·   رغم أن هذا الاتفاق عمل على إعادة الاعتبار للشعب السوداني وإعلاء شأنه بتمكينه من السلطة قاعديا صعودا، وليس مركزيا، وجعل السودانيين هم المرجعية له، بالجلوس مع نحو 5000 جسم قاعدي مع الآلية الثلاثية، والتي ترى في الاتفاق الإطاري ومسودة الدستور الانتقالي أساسا خاطب كل قضايا تلك الجماعات، إلا أن هناك جماعات لا تعنيهم إلا أنفسهم، مجهولي الأطماع، محط للريبة والتوجس، ومحاطون بالكثير من الشبهات، يسعون لتأمين أوضاعهم في الحكومة المركزية والحكومات الإقليمية والولائية، أو إجهاض هذا الاتفاق الذي تحدث عن الكيف ولم يتحدث عن الأشخاص بل مضى إلى الحديث عن ضرورة تأسيس سلطة مدنية من كفاءات مستقلة، وهو ما يخيف بعض القوى التي تخشى أن تكون الانتخابات هي الوسيلة الوحيدة للوصول إلى السلطة، باعتبار أن ذلك خطر داهم يهدد بقاءهم ككيانات سياسية محدودة  الأثر وقليلة التواجد والانتشار وضعيفة الحظ الانتخابي.

 

·   وهناك آخرين لهم من الإخلاص ما يؤهلهم لاحتكار الثورية وتوزيع صكوكها ولكنهم اتسموا بالسطحية وعدم المقدرة على الإنجاز، فلا زال بعضهم يحاول (النسخ واللصق)، لتصميم تجربة سريالية لم يسبق لها مثيل حتى في تصوراتهم، وهؤلاء لن يجدوا بدا في آخر المطاف من انتظار نتائج هذا الاتفاق الإطاري، وما سيفضي إليه من إجراءات تمهد للوصول إلى الاتفاق النهائي الذي يرجى أن يشترك الجميع في تصميمه وصياغة ملامحه ومناقشة قضاياه المؤجلة.

 

·   إن هذا الاتفاق نسف نظرة التشكيك في مقدرة السودانيين على إدارة مصيرهم، ففي كل العمليات واللقاءات التي انتظمت الوصول إليه، تعجب القادة الإقليميين والدوليين من الثلاثية والرباعية والترويكا من درجة وعي وإدراك المجتمع السوداني في كل الصعد الريفية والحضرية  وتنسيقيات اللجان وقادة العمل المجتمعي والسياسي والنخب، ومدى إدراكهم لقضيتهم وتعظيمهم لمواردهم، وعزة أنفسهم، وأيقنوا جميعا أن هذا الشعب لن تحكمه سلطة استبدادية، وإلى الأبد، وأنهم مجمعون على التخلص من هيمنة العسكر على السلطة وينشدون التحول الديمقراطي ، ويرغبون في تفكيك أعتى المنظومات الاستبدادية التي حكمت السودان.

 

·   أعلم أن هناك مشاريع تتخلق تحاول امتطاء صهوة هذا الاتفاق للوصول إلى غاياتها، كما فعلوا في الفترة الانتقالية الأولى، وهؤلاء معلوموا التوجه والأهداف، ومن أهم مشاريعهم تفكيك منظومة ما أسموه "السودان القديم"، عبر السلطة التي يرون في هذا الاتفاق بوابة لها، وهي تجربة خاسرة إذ حاولها نظام الإخوان لمدة ثلاثين سنة، إلا أنها ارتدت عليه وفككته فأضحى شذر مذر، ومحاولة تجريب تلك التجربة في اتخاذ السلطة وسيلة للهيمنة على القرار السياسي في البلاد  واتخاذه عصا ترهيب وتفكيك لكيانات وجماعات تاريخة أوالتحكم في الموارد الاقتصادية واتخاذها جزرة ترغيب للانتماء لهذه الكيانات الوليدة، سيكون وبالا على البلاد والعباد، ولا سبيل لتفيكيك وتغيير وإعادة صياغة المجتمع السوداني إلى عبر آلية واحدة وهي الانتخابات الحرة النزيهة التي يعمد فيها الشعب السوداني من يشاء وينتصر فيها صاحب البرنامج المقبول.

 

·   في هذه الأثناء فتح الباب لجماعات عسكرية متقاعدة لتكوين كيانات تتبنى قضايا سياسية واقتصادية وتنموية، واستقطاب قطاعات واسعة من الشعب السوداني، باستخدام خطابات إثنية وعنصرية تم التأسيس لها بناءً على أخطاء الانقلابيين وبالأخص الأزمات التي سببتها وزارات تتبع لمجموعات سلام جوبا، وعكفت آلة إعلامية مكثفة للتعبئة ضدهم، ومضى قائلون بضرورة إلغاء الاتفاق برمته، وهو ما يعني العودة للحرب التي فقد امتيازها هؤلاء الجنرالات المتقاعدون، لذلك نجد أن الاتفاق الإطاري حافظ على مكتسبات سلام جوبا، وقال بضرورة مراجعة بعض الأخطاء التي أثبتتها الممارسة خلال الفترة الانتقالية وفترة الانقلاب، وهو أمر انطبق من قبل على الوثيقة الدستورية فنصوص الاتفاقات السياسية صنع بشري قابل للخطأ والتصويب، ولكن هناك من يشي لقادة سلام جوبا بأن هذا الاتفاق يستعديكم ويستقصد إقصاءكم وهو في اتجاه آخر يعبيء ضدهم تحت نداءات عنصرية وصلت حد المناداة بالإنفصال، ويسعى بعضهم لفتح معسكرات تجنيد في وسط السودان بولاية كولاية سنار.

 

الخميس، 8 ديسمبر 2022

القمة العربية الصينية

القمة العربية الصينية

• لفت انتباهي في هذه القمة ما سبقها من قمة واجتماعات ثنائية بين وزارات البلدين، والاتفاقيات الكثيفة التي أبرمت بين المملكة والصين، وعلى رأسها الاتفاقات التكنولوجية، وهو رسالة للعالم بأن هناك دول تحتكر التكنولوجيا ولا تبيعها إلا للحلفاء، فرغم العلاقات الراسخة بين الخليج العربي وخصوصا المملكة العربية السعودية بالولايات المتحدة، إلا أن الآخيرة لم تمكنها من ميكانيزمات تكنولوجية مهمة وأسرار التطور على رأسها الذكاء الصناعي و الحوسبة السحابية وغيره.



• المستقبل يقول بأن الهيمنة التكنولوجية أضحت أقوى عناصر قوى الدولة الشاملة، والصين مضت في هذا المضمار بعيدا، وتمتلك من الأسرار في الأرض والفضاء ما تنوء بحمله العصبة أولو القوة، لذلك سعي المملكة العربية السعودية للشراكة في هذا المجال بوجه استراتيجي يضعها في قمة الدول التي حجزت موقعها في المستقبل ولا أحد سيستطيع منافستها إلا من يمتلك تلك الأسرار.



• اهتمامي بهذه الجزئية مقروء مع اهتمامات قادة المنطقة العربية الآخرين، وعلى رأسهم رئيس السلطة الإنقلابية في السودان، والذي اجتمع على هامش القمة مع الوفد الصيني، والذي نحا كعادته منتحيات سلفه نظام المخلوع عمر البشير، وانصب الأمر في مطلوبات مادية ومنح وقروض أثقلت كاهل الدولة السودانية، وغيره من أوجه التعاون الأمني والدعم السياسي والدبلوماسي لسطلة قائمة على البطش والتنكيل.



• هذا التوجه القاصر لرأس الانقلاب ووزرائه، وغيره من القادة العرب يجعل من السودان أضحوكة العرب، والمنطقة والعالم، وسيؤكد للصين أن هذه المنطقة أهل للاستحمار والاستحقار والاستعمار، ويمكن الاستيلاء على ثرواتها بسهولة بعد إغلاقها عن الغرب وإغراقها في الديون، بأثمان زهيدة وبأقل التكاليف.



• إن سعي السودان بسلطته الحالية سيجعله في ذيل الأمم يتسول ويقتات من نفاياتها السياسية والعسكرية والاقتصادية وربما النفايات التكنولوجية والمضار النووية المسرطنة، وهذا مرده لغياب المشاريع التي تطرحها حكومة مسؤولة مؤمنة بمقدراتها ومواردها ومصادر ثرائها وقوتها الاستراتيجية، والتي تضعها في منضدة التعاطي الدولي بتقدير واحترام.



• أعود لأقول لو أننا ظفرنا فقط باتفاقية مسؤولة مع الصين تمكننا من امتلاك برامج تطوير تكنولوجية متقدمة لحزنا فرص المستقبل في القارة والمنطقة والعالم بامتياز، وعلى رأس تلك البرامج منصات التدريب على التطور التكنولوجي والتقني والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة والحوسبة السحابية وانترنت الأشياء، وهي لوحدها قوة توازي قوى الدولة الشاملة التي يمكن أن تنهض بالسودان في غضون عام واحد فقط.



• ختاما: إن هذه القمم فرض لتقديم الذات واكتساب صداقات حقيقية تحقق مصالح الشعوب، فالسودان يمكن أن يقدم للصين فرصة لأن تدخل لإفريقيا بسلاسة وبسهولة وهو أهم دول طريق الحرير الأمر الذي يجعل له أهمة خاصة واستراتيجية للمصالح الصينية في إفريقيا والعالم العربي وهو ما يستوجب مد السودان بأسرار صيد الأسماك لا منحه سمكة ليأكلها ويأتي من جديد ليسأل عن سمكة أخرى.

عروة الصادق
8. ديسمبر 2022م
البقعة