الخميس، 26 يناير 2023

تشكيل السودان كدولة في 26 يناير 1885م

تشكيل السودان كدولة في 26 يناير 1885م

• تبدت ملامح السودان بخارطته الموروثة حتى قبيل الإنفصال، والمعروفة منذ أن لاح رموز السلطة الدينية والسياسية والاجتماعية والعسكرية في الفترة من 1882م-1898م، وقد بين ذلك تفصيلا الكاتب والمؤرخ هيذر ج. شاركي من جامعة بنسلفانيا، والذي أشار لاستعراض كتاب: تشكيل الدولة المهدية السودانية: مراسم السلطة ورموزها لكيم سيرسي.



• عندما نشر هولت دراسته التاريخية عن الدولة المهدية في عام 1958م وحاول تأكيد أنها استمدت كثير من تعاليمها وانظمتها من الحكم التركي واجتهد لتأكيد ذلك، فقد تطرق عدد قليل من المؤرخين إلى هذا الجزء من التاريخ السوداني. ويمثل بحث كيم سيرسي أحدث مساهمة في هذا الموضوع. وركز سيرسي على شخصيتين هما الإمام المهدي الذي أسس الدولة المهدية وتوفي فجأة عام 1885م، وخليفته السيد عبد الله بن السيد محمد الذي حكم بسط سلطته على كل حدود السودان من العاصمة التارخية أم درمان، حتى أطاح الاستعمار الأنجلو -مصري بنظامه عام 1898م ". وقد شرح سيرسي أن أحد الاهتمامات الأساسية لكتابه هو شارات ورموز المهديين، مع الانتباه إلى كيفية تشكيلهم لدولة كانت "مهدية وسودانية بشكل فريد"، على عكس ما ظل يردده مؤرخون يريدون النيل من المهدي وخليفته. وقد تناول المؤلف هذا الاهتمام في الفصل الثاني، المعنون "التشريف، والاحتفال، ورموز السلطة"، عندما ينظر إلى استخدام الدولة المهدية لعناصر من الثقافة المادية تتراوح من الملابس مثل العمامة (الإمام)، إلى عناصر مثل المسبحة. الخرز (سبحة) والعملات المعدنية، وتصنيع الأسلحة وتدريع الخيول والفرسان، وهو الأمر الذي يبين أن تحرير الخرطوم لم يكن مجرد معركة عابرة وإنما هو تأسيس لدولة كاملة الأركان بعلمها وأعلامها وعلمائها وعملتها وعمالها على الأمصار المختلفة.



• وقد مثل الإسلام الصوفي واثنتين من الأنظمة السياسية الإسلامية السودانية - سلطنتي الفونج والفور، بالإضافة لممالك تقلي والمسبعات – أهم روافد الانطلاق المهدوي لتوحيد السوداينين إذ عبر الإمام المهدي بكل قوة ووضوع عن عزمه توحيد العباد بمختلف مشاربهم القبلية والإثنية والإنطلاق بهم لتحرير البلاد، وفي سبيل ذلك سكب مدادا غزيرا ودما عزيزا على أرض الوطن، وآزره في ذلك شموس الدعوة وأقمار الدولة من بني السودان الأشاوس وبناته، إذ كان للنساء دورا مشهودا في انتصارات المهدية وأعمالها الاستخباراتية.



• وما ميز النظام المهدوي وقتئذ سودانيته الخالصة وعنفوانه الشاب، وذاتية دفعه وقومية موارده، ورفضه القطعي للنظام التركي المصري وعدم ركونه للإملاء أو الإبتزاز والإغراء. فقد حاول الأعداء كل سبل الاستمالة والتهديد والوعيد للمهدي عليه السلام للعدول عن موقفه مرسلين له الهدايا والنياشين والقرابين والعطايا، إلا أنه ركلها كلها وقرأ عليهم قول الله تعالى على لسان نبي الله سليمان عليه السلام: (أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (النمل: 36).



• فقد كان الإمام المهدي مقيدا لسانه بقطعيات الوحي ويتخذ من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم سراجا يهتدي به، ورأى أن الاجتهادات المذهبية أقوال رجال وصلوا إليها بعقولهم، وأوصلوها إلينا بهمتهم وهو ما أوجب الاجتهاد وأسس على ذلك مدرسته الاجتهادية القائمة على قوله: "لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال"، وجعل من أقواله وأفعاله اجتهادا جديدا جامعا لمن فرقتهم المذاهب والطوائف والحركات، لذلك لم يجد كثير من أهل التصوف والمدارس السنية في مذهبه شائبة تشوبه أو تمنعهم من اتباعه.



• ولكن لم يغفر المستعمر للمهدي أو خليفته عليهما السلام ليصورهما بصاحبي الدولة الثيوقراطية الآحادية الاستبدادية، وفي ذلك تبارى ونجد باشا وسلاطين باشا، الذين أسس كثير من الكتاب سرديات وقصص وحكاوى مجحفة في حق تلك الدولة والدعوة وصاحبيها، ولكن الدكتور المؤرخ يوسف فضل حسن بجهد المقل قدم حقائق مسطورة، في كتابه العرب والسودان (1967م)، وكذلك بروفيسور محمد إبراهيم أبو سليم الذي اجتهد في جمع مكاتبات المهدية في حوالي سبعة ملازم، ولم يأل الدكتور عبد المحمود أبو شامة جهدا في توضيح بعض الملتبسات الاستعمارية، وكذلك قام بروفيسور محمد المصطفى حسن عبد الكريم بتصحيح بعض المفردات التي أخلت بالمعاني كان آخرها ترجمته لكتاب ثيوبولد، أما كتاب أندرس بيوركيلو ، مقدمة المهدية (1989م)، بالإضافة إلى أعمال غابرييل واربورغ، ولا سيما الخلاف التاريخي في وادي النيل (1992م) ، فهؤلاء اجتهدوا موضوعيا في رسم ملامح الدولة بمعطياتهم الزمكانية، التي لم تخلو من محاميل إنجيلية وأغراض مسيحية للدولة العظمى وقتئذ لذلك هيمنت العناصر الثقافية الروحية على التعاطي مع كتابة تاريخ الدولة المهدية.




• وينبغي ألا ينفصل أي تعاطي مع المهدية بمعزل عن مناقشة التاريخ الأفريقي الإسلامي والتوجه العالمي نحو التحرر، ونجد ذلك في مدونات العروة الوثقى لجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. وكتابي التاريخ الحضري الحديث لمهدي أم درمان لروبرت س. كرامر، وآخر بعنوان المدينة المقدسة على النيل (ماركوس وينر ، 2010م). 



• فنجد أن الاستبداد واتساع رقعة الاستعمار وأطماع المستعمرين، حفزت الكيان السوداني ككل للإنخراط في ثورات غاضبة ضد الحكم العثماني تدرجت من الإحتجاج إلى الإحراق، واستمر الأمر كذلك إلى أن وثب الإمام المهدي وثبته الأولى في الجزيرة أبا منتصرا على حملة أبو السعود التي أتت لتجريده من قوته الإجتماعية وإثنائه عن دعوته الدينية، وتكرر الأمر في قدير وحصار الأبيض وكانت واقعة شيكان قاصمة الظهر، إلا أن وصل الإمام المهدي في سادس وثباته إلى تخوم مدينة الخرطوم وهو بن أربعة عقود، شابا فتيا.



• إن قراءتنا لهذا التاريخ بصورة مجردة تجعلنا أهل لصناعة السياسيات وصياغة القرارات في السودان المعاصر، في وقت تتكالب فيه ذات القوى الاستبدادية والاستعمارية للنيل من بلادنا وتحطيم إرادة شعبنا، يحفزهم لذلك صراعاتنا الداخلية على السلطة، وعناصر الصراع الدخيلة على الممارسة السياسية، لذلك هذا الدرس وحده ما سيمكننا من إعادة اكتشاف أنفسنا سياسيا واجتماعيا وأخلاقيا ودينيا، ويمكن أن تقودنا تلك المراجعات التاريخية لاستقراء أساسيات الصر اع وأخطار الاختراق المحتمل والأطماع المستمرة والأزلية، متى ما أدركنا ذلك سنحصن المستقبل.




• حينما كتب برينستون، نيوجيرسي كتابه أم درمان أثناء المهدية، تأكد لي تماما أن نظرة المؤرخين للسودان بصورته الحقيقية تنطلق من محطتين محطة تاريخية قبل الميلاد قال بيها ديودورس المؤرخ الصقلي اليوناني الذي شديد على أن السودانيين هم أول الخليقة من البشر، وكتاب آخر عن خرائط أم درمان، ببليوغرافيا وفهرس، تستطيع أن تستيقن بلا ريب أن المحطات التاريخية للسودان انفصمت عراها ولم تتصل إلى في عهد الدولة المهدية، حتى أولئك الحانقين على المهدية ككاتب سجن الجناح الفرنسي لمدة عشر سنوات في معسكر المهدي: 1882م -1892م الأب جوزيف أوروالدر،لم يستطيعوا تجاوز فكرة أن السودان عرف بالمهدية والمهدية عرفت العالم بالسودان.



• ما يؤسف له أن التأسيس المعرفي للتعريف بالسودان اتخذ من المناهج والغبائن الاستعمارية دليلا للاسترشاد إلى ماضي السودانيين ودولتهم، وفي سبيل ذلك صمم المستعمر مناهجه التاريخية وحشدها في ذهن النخب والمتعلمين من رواد كلية غردون التذكارية، ولم يفصح عن حقائق التاريخ إلى بعد قرن من الزمان، حيث بدأت تتسرب بعض الوثائق التي تثبت بطلان زيف أدعياء كتابة التاريخ السوداني الذي قدح في المهدية قدح اللئام.



• ختاما: ونحن في ذكرى تحرير الخرطوم وتأسيس الدولة نقول، إن لم يحمد للمهدية أمر سوى تحريرها للسودان من العيش في كنف المستعمرات والإدارات الإستعمارية لكفاها، فهي التي هيأت العقل والوجدان السوداني على الوثوب للأمام والتوق للحرية والإنعتاق، وهو الأمر الذي يسيطر على العقل الشعبي إلى يومنا هذا رفضا للذل والهيمنة والاستبداد والاستعمار، وواجبنا الحافظ على ذلك إن لم نقل الوفاء إلى ما هنالك، بإعادة كتابة التاريخ من أضابير تلك المخابرات، ومن مكاتبات المهدي المخفية وتصحيح ما تم تجريفه وتحريفه من قيم وقرارات وقراءات، وهو الواجب الذي ينبغي أن تضطلع به دولة مسؤولة مستقلة ذات سيادة، لا يتحكم أحد في طباعة مناهجها أو تدريب معلميها أو تقييم وسائل تعليمها، حينها سنجد معلمات ومعلمين يعتزون بتاريخهم ويتفاخرون بآبائهم، ويغذون عقول النشء بجينات البطولة والشجاعة والبسالة والفداء والتضحية.



الاثنين، 9 يناير 2023

أومثلك يا عابدين يطلع على أضابير الداخلية ويومياتها؟!!

أومثلك يا عابدين يتلصص على أضابير الداخلية ويومياتها؟؟!!



● تداول عدد منا بعلم أو بجهالة تسريبات خبيثة مبثوثة يشاع أن مصدرها يوميات التحري ومرجعيتها اللواء عابدين الطاهر، لم يدهشني أن تصدر أحاجي وأكاذيب حول اعتداء وقح وقبيح وبذيء لابنة العزيز الطيب عثمان، فالأفاكون لا يتورعون عن الولوغ في الدماء والأعراض وهو عندهم أيسر من شرب الماء.


● ولكن المدهش أن يبرز أمثال هذا اللواء كمرجعية قانونية وجنائية ومهنية، وهو الذي تسبب في إزهاق أرواح أبرياء ويتّم العشرات ورمّل أمهاتهم في قضية المغدور محمد طه محمد أحمد، ومعلوم أنه الذي قاد ٩ من أهلنا الفور للمشانق في أقصر محاكمة مدنية شهدها السودان بعد إعدام ضباط رمضان العسكرية، ويتشدق ملء فيه المملوء بدماء الأبرياء.

● إن هذا المشهد الماثل الذي يديره وزير داخلية عاجز عن تأمين العاصمة ناهيك عن القرى والفرقان النائية، ومجتهد في حشد الأموال وتطاول البنيان وتقريب الصحب والمحسوبين والآل، لن يجعل من الأمر مستغربا أن يتم تسريب يوميات التحري لزميله السابق في سلك الشرطة اللواء المطارد  بأرواح الأبرياء في صقيع أمريكا.

● إن كن الذل والهوان أن يكون أمثال هؤلاء أحرار طلقاء، يتشدقون ويتلصصون على يوميات التحري، ويطلعون على أدق أسرار الدولاب ومكتب الوزير ويوميا التحري، وهم خارج البلاد، أمر يحفز صغار الضباط على الجوسسة وعدم الانضباط، والأدهى والأمر أن يتناقل ذلك ضباط مهنيون في مجموعات مفتوحة وخاصة في عوار يظهر العطب والعطن الذي خلفه أمثال هذا اللواء، وهي تركة مثقلة توجب التصحيح الجراحي المؤلم.

● هذا الوضع نتيجة حتمية للتعيين على أساس القرابة والدم والرحم والولاء للتنظيم والحزب والحركة، وهو ثمرة تزاوج السلطة والفساد، والذي جعل من بعض المؤسسات حواكير أسرية لا يغادرها كبار الضباط بالإحالة أو التقاعد إلا بعد أن يستخلف أحد ربائبه فيكون عينه الساهرة التي تحمي مصاحه وتؤدي خدماته عوضا عن خدمة المواطن والسهر على راحته وأمنه.

● لذلك انتعشت عمليات تجارية لضباط في المرور والجمارك والجوازات وغيره، بصورة تضاهي أكثر الرأسماليين مالا، وصاروا لا يخفون الأمر للدرجة التي يستعينون فيها بالفاسدين الذين شهد بفسادهم حتى وزراء العهد البائد ليجودوا لهم عمليات السلب والنهب وتهريب الذهب وشحنات الاسلحة والممنوعات والمخدرات، وهو ما جعل منهم ضباطا نهمون للمال غير مهمومين بأمن المواطن.

● ختاما: سلك الداخلية والشرطة قاده أكارم وفضلاء أمثال الأمير نقد الله والسيد أحمد النور جابر وغيرهم من الزاهدين الأكابر ولكن شابه ما شابه من قصور وضعف وهوان في عهود الطغيان، ولكن سيظل فيه ضباط أوفياء كرماء شرفاء ونزيهين تكسوهم الهيبة وتحصنهم العفة، نأمل أن يعيدوا لذلك السلك هيبته وانضباطه وخدمته للشعب لا للمال ولا للسلطة والمتسلطين، ويسهموا في إعداد خارطة طريق إصلاح الأجهزة الأمنية والقوات النظامية.


اللهم لا تؤمنا مكرك ولا تنسنا ذكرك ولا تكشف عنا سترك ولا تول علينا غيرك.


عروة الصادق

الثلاثاء، 3 يناير 2023

ذكر الاستقلال واستغلال المحاور

ذكرى الاستقلال واستغلال المحاور


● السودان بلد ذات سيادة مرتبطة بنضال متسمر لعقود من جيل الآباء المؤسسين، مخضوب بالدماء ومجلل بالعناء، ولم يكن رفع العلم مجرد مشهد تمثيلي للمحجوب والأزهري، وإنما تراكم فعل متصل منذ كرري عندما سقطت الدولة وصولا لما بذله الآباء الاستقلاليون وعلى رأسهم الإمام عبد الرحمن المهدي طيب الله ثراه، ووقتئذ كان هؤلاء لهم أياد سابغات وجهود سابقات للمحيط العربي والإسلامي، ووقتها كان يضع العالم للسودان ألف حساب لما فيه من موارد وإمكانات وعنصر بشري معتز بنفسه ومعتد بكرامته تحدوه الأنفة والشكيمة وقوة المراس.



● انطلاقا من هذه الفذلكة أستطيع القول بأننا انتقلنا من البلد المعروفة في كافة المحافل إلى وطن "نكره" يحتاج إلى تعريف، ومن أن كنا يد عليا تعطي وتمنح إلى بلد تقتات على الفتات ويتسول قادتها العطايا ويتوسلون للشيوخ والأمراء والرؤساء، لذلك تجد عناصر في قلب دولاب الدولة يهربون ليعملوا كعملاء لدول جارة وشقيقة، وتمتطي ظهورهم أجهزة المخابرات كمدير مكتب الرئيس المخلوع الذي لا زال يقحم الأنوف الخارجية في الشأن السياسي السوداني.


● وهناك دول وجدت ضالتها الاقتصادية والموارد في غياب عزة النفس والقيادة القوية فاستغلوا موارد البلاد، فدولة كمصر من احتياطي ذهب لم يبلغ الطن لثلاثة أعوام خلت يقفز إلى ما زيد عن المائة وخمسين طن منذ الإنقلاب حتى تاريخه، وكذلك دولة كروسيا خاضت حرب كونية وهي تتكيء على احتياطي كبير من ذهب السودان الذي اكتسبته عبر شركاتها وعناصرها الخفية في السودان ومنظومة فاغنر.


● وكذلك دولة الإمارات التي أسست بورصة للذهب يشار إليها بالبنان وهي لا تنتج جراما واحدا من الذهب وكل ذهبها أو غالبيته يردها من السودان عبر عمليات رسمية وأخرى إجرامية، جميع هذه الدول تدخلت في عمق التحرك السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والأمني للدولة، وهذا يعني أن الوضع الحالي للسودان يرثى له، وأن هذه الأمة بعد أن كانت قاطرة صارت مقطورة تتجاذبها محاور الصراع الإقليمي والدولي.



● وأكبر عملية سياسية في البلاد الآن تعمل لإخراج البلاد من وهدتها تقودها الآلية الثلاثية الدولية وتشترك في عملياتها الرباعية الدولية وهو في رأيي الدور الدولي الحميد والتدخل المطلوب وشعرة معاوية بيننا وبين الأسرة الدولية والمحيط العربي والأفريقي التي لا ينبغي أن تنقطع، وأن تقود لحكومة مدنية تؤسس علاقاتها الخارجية على المصالح والندية لا الخضوع والإملاء والتبعية.



● ومن نافلة القول أن بعض السودان الآن ليس للسودانيين فهو موطوء من دول جارة تهيمن على معابره وأرضه وموارده وتسيطر على سكانه، وقد تم إغراق البلاد بعناصر وافدة من دول جارة وشقيقة تريد أن يكون لها موطء قدم في دولاب الدولة، وبعضهم يتطلع للهيمنة على القرار السياسي في البلاد عبر شبكات خارجية مترابطة أوجب واجبات الحكومة القادمة تفكيكها وتقنين الوجود الأجنبي في البلاد، وإعادة السودان لحضن السودانيين، والتحكم السوداني في قرار البلاد، وبسط السيادة على كامل الأراضي السودانية.


● إن قدوم مدير المخابرات المصري للخرطوم هو استكمال لدور أرادت القاهرة لعبه في الخرطوم عبر عدة أدوات، عسكرية، أمنية، سياسية، قبلية، اقتصادية، وللأسف أضحى أضحوكة الراجزات في نواحي البوادي، يعلمن ما تحيكه أيادي المصريين في السودان ضده بأيدي بنيه ومعاونة عناصرهم المخابراتية، التي أوصت في بدعم الإنقلاب في 25 أكتوبر وتعهدت لقادته بتقديم الدعم السياسي والدبلوماسي والأمني متى ما استلزم الأمر.


● إن الجميع يعلم أن من فتح الباب لامتهان كرامة السودان هم قادة الإنقلاب، منذ أن هرعوا لعلاقة مشبوهة مع إسرائيل، وحينما تم حصارهم في الداخل بواسطة القوى المدنية والضغط الجماهيري والإعلامي، الذي وصل لدرجة التهديد بفتح بلاغات ضد قائد المجلس وقتها بموجب قانون مقاطعة إسرائيل الذي تواضع بعض المدنيين لتشريع قانون متعجل لإلغائه وتحصين رئيس المجلس من الملاحقة الجنائية.



● ذات المجموعة الآن تسعى جاهدة لإيجاد موطيء قدم للعسكر في المعادلة السياسية بروافع داخلية وخارجية على رأسها الدور المصري العسكرتاري، الذي استخدمت كافة كروته واستنفذ كل خياراته التي كان آخرها إعادة السيد الميرغني للخرطوم لخلط الأوراق في العلملية السياسية وإرباك المشهد السياسي فيها والتي غادرها دون أن يمسع له أهلها همسا ولا ركزا.



● نحن نعلم أننا ضمن منظومة كونية ودولية وإقليمية عربية وإفريقية، ولنا علائق استراتيجية تتشابك وتتقاطع وتتكامل مع الجيران والأصدقاء والأشقاء، وأخرى تضاد مع الأعداء، وأهم الملفات التي تؤثر علي السودان، هي حروب الجوار اليمني والليبي والسوري وغيرها من النزاعات التي تصعد وتهبط في الجوار الإفريقي، وله ملفات بمثابة قنابل موقوتة مع الجيران قابلة للإنفجار كالملف الحدودي في (حلايب وشلاتين شمالا شرقيا، والفشقة شرقا، وأبيي في الجنوب)، وله مصالح في سواحل البحر الأحمر تتطلع عدد من القوى الإقليمية والدولية لمشاركته فيها أو الاستحواذ عليها.



● ولضعف آليات التعاون الحاكمة للحدود تظل تلك الملفات انفجارية، خصوصا في أوضاع الإنفجار السكاني للجارتين مصر وإثيوبيا وأزمات الغذاء العالمية، والصراع على الموارد وبالأخص صراع المياه الذي طغى على السطح واتخذت منه مصر ذريعة لعمل أنشطة عسكرية ومناورات داخل الأراضي السودانية والاستحواذ على قاعدة مروي العسكرية وجزء من المدينة السكنية ومرافقها الصحية وغيره لمدة تزيد عن الثلاث أعوام دون أن يقر ذلك برلمان أو تتخذ الحكومة الانتقالية وقتها قرار يخول لهم ذلك.



● السودان في طور نهوضه في كلا الحكومتين الانتقاليتين الأولى والثانية ظل يولي العلاقة مع الجوار الشقيق أهمية قصوى وأوفد لذلك وفود كثيرة لجسر الخلاف وتقريب وجهات النظر وتوقيع عدد من بروتوكولات التعاون والبيانات والاتفاقات المشتركة، إلا أن كل ذلك لم يشفع له عند دول لم يراوح مستوى التعامل الدبلوماسي بينها وبيننا "الدسك" الأمني في وزارة الخارجية، وهو ما يوجب تعاملا جديدا وتصورات ينبغي أن تصحح هذا المسلك المضمر للعداء.



●خاتاما: 

• الحق يقال أن هنالك ما يزيد عن حوالي الثمانية ملايين ونصف المليون سوداني في مصر جميعهم فروا من ضيق هذه البلاد إما لأسباب معيشية أو صحية أو أكاديمية وتتضاعف الأعداد في كل يوم يقضيه هذا الإنقلاب في السودان، وهو كرت ضغط إنساني يمكن أن يتم استخدامه بصورة مباشرة بالطرد أو التضييق،  أو غير مباشرة، كما حدث في منجم سيجا الذي تم تسليح قبائل المنطقة لطرد السودانيين حفاة وحرق جوازاتهم دون أن تصدر خارجيتنا أو سفارة الخرطوم في القاهرة بيانا تعرب فيه عن قلقها.



• مع ذلك لا أعرف سبيلا للتعامل المهادن مع جرائم مصرية اقترفت في حق الشعب السوداني سوى التوجه بدعاوى جنائية وحقوقية لمجلس الأمن وللمحاكم الدولية وإيداع بلاغات لدى الكونجريس الأمريكي والاتحاد الأوروبي وتحرير شكاوى ضد كل من تسبب في تقويض الانتقالي الديمقراطي وساهم في تهريب ونهب موارد وثروات الشعب السوداني، وأن تعبد الحكومة القادمة طريقها إلى حلايب وشلاتين بالهمة والعزيمة والإرادة، وإن استدعى الأمر اللجوء للشرعة الدولية والقانون والمحاكم المختصة كمحكمة العدل الدولية.



• أما إن اختارت مصر الجوار الأخوى المحترم بيننا وبينها فيمكن للجميع أن ينعموا باستقرار مستدام ومنافع متبادلة في مجالات مائية وطاقوية وزراعية وملفات أمنية كدحر الهجرة غير النظامية والاتجار في الأعضاء والبشر والمخدرات وتفكيك الجماعات الإرهابية.



• ويشكر للأحزاب المصرية التي تريد أن تساهم في حل الأزمة السودانية، ولكن خطوة كالتي يقوم بها الحزب الناصري في مصر بدعم أمني وحكومي لن تجد القبول من الطيف السياسي ولا الشعبي السوداني، لأنه إلى الآن يتراءى للجميع شبح الانقلاب الذي دعمته مصر بكل عدتها وعتادها، ويرجى أن يتأكد كل ناشط وسياسي مصري يريد الاسهام في الشأن السوداني، أن السودان غير مصر، فإذا استكان الشعب المصري مؤقتا لسطوة العسكر، واستعان على الشقاء بالله، فالشعب السوداني طوى هذه الصفحة وإلى الأبد ولن يكون مطية للعسكر أبد الدهر.


عروة الصادق