ذكرى الاستقلال واستغلال المحاور
● السودان بلد ذات سيادة مرتبطة بنضال متسمر لعقود من جيل الآباء المؤسسين، مخضوب بالدماء ومجلل بالعناء، ولم يكن رفع العلم مجرد مشهد تمثيلي للمحجوب والأزهري، وإنما تراكم فعل متصل منذ كرري عندما سقطت الدولة وصولا لما بذله الآباء الاستقلاليون وعلى رأسهم الإمام عبد الرحمن المهدي طيب الله ثراه، ووقتئذ كان هؤلاء لهم أياد سابغات وجهود سابقات للمحيط العربي والإسلامي، ووقتها كان يضع العالم للسودان ألف حساب لما فيه من موارد وإمكانات وعنصر بشري معتز بنفسه ومعتد بكرامته تحدوه الأنفة والشكيمة وقوة المراس.
● انطلاقا من هذه الفذلكة أستطيع القول بأننا انتقلنا من البلد المعروفة في كافة المحافل إلى وطن "نكره" يحتاج إلى تعريف، ومن أن كنا يد عليا تعطي وتمنح إلى بلد تقتات على الفتات ويتسول قادتها العطايا ويتوسلون للشيوخ والأمراء والرؤساء، لذلك تجد عناصر في قلب دولاب الدولة يهربون ليعملوا كعملاء لدول جارة وشقيقة، وتمتطي ظهورهم أجهزة المخابرات كمدير مكتب الرئيس المخلوع الذي لا زال يقحم الأنوف الخارجية في الشأن السياسي السوداني.
● وهناك دول وجدت ضالتها الاقتصادية والموارد في غياب عزة النفس والقيادة القوية فاستغلوا موارد البلاد، فدولة كمصر من احتياطي ذهب لم يبلغ الطن لثلاثة أعوام خلت يقفز إلى ما زيد عن المائة وخمسين طن منذ الإنقلاب حتى تاريخه، وكذلك دولة كروسيا خاضت حرب كونية وهي تتكيء على احتياطي كبير من ذهب السودان الذي اكتسبته عبر شركاتها وعناصرها الخفية في السودان ومنظومة فاغنر.
● وكذلك دولة الإمارات التي أسست بورصة للذهب يشار إليها بالبنان وهي لا تنتج جراما واحدا من الذهب وكل ذهبها أو غالبيته يردها من السودان عبر عمليات رسمية وأخرى إجرامية، جميع هذه الدول تدخلت في عمق التحرك السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والأمني للدولة، وهذا يعني أن الوضع الحالي للسودان يرثى له، وأن هذه الأمة بعد أن كانت قاطرة صارت مقطورة تتجاذبها محاور الصراع الإقليمي والدولي.
● وأكبر عملية سياسية في البلاد الآن تعمل لإخراج البلاد من وهدتها تقودها الآلية الثلاثية الدولية وتشترك في عملياتها الرباعية الدولية وهو في رأيي الدور الدولي الحميد والتدخل المطلوب وشعرة معاوية بيننا وبين الأسرة الدولية والمحيط العربي والأفريقي التي لا ينبغي أن تنقطع، وأن تقود لحكومة مدنية تؤسس علاقاتها الخارجية على المصالح والندية لا الخضوع والإملاء والتبعية.
● ومن نافلة القول أن بعض السودان الآن ليس للسودانيين فهو موطوء من دول جارة تهيمن على معابره وأرضه وموارده وتسيطر على سكانه، وقد تم إغراق البلاد بعناصر وافدة من دول جارة وشقيقة تريد أن يكون لها موطء قدم في دولاب الدولة، وبعضهم يتطلع للهيمنة على القرار السياسي في البلاد عبر شبكات خارجية مترابطة أوجب واجبات الحكومة القادمة تفكيكها وتقنين الوجود الأجنبي في البلاد، وإعادة السودان لحضن السودانيين، والتحكم السوداني في قرار البلاد، وبسط السيادة على كامل الأراضي السودانية.
● إن قدوم مدير المخابرات المصري للخرطوم هو استكمال لدور أرادت القاهرة لعبه في الخرطوم عبر عدة أدوات، عسكرية، أمنية، سياسية، قبلية، اقتصادية، وللأسف أضحى أضحوكة الراجزات في نواحي البوادي، يعلمن ما تحيكه أيادي المصريين في السودان ضده بأيدي بنيه ومعاونة عناصرهم المخابراتية، التي أوصت في بدعم الإنقلاب في 25 أكتوبر وتعهدت لقادته بتقديم الدعم السياسي والدبلوماسي والأمني متى ما استلزم الأمر.
● إن الجميع يعلم أن من فتح الباب لامتهان كرامة السودان هم قادة الإنقلاب، منذ أن هرعوا لعلاقة مشبوهة مع إسرائيل، وحينما تم حصارهم في الداخل بواسطة القوى المدنية والضغط الجماهيري والإعلامي، الذي وصل لدرجة التهديد بفتح بلاغات ضد قائد المجلس وقتها بموجب قانون مقاطعة إسرائيل الذي تواضع بعض المدنيين لتشريع قانون متعجل لإلغائه وتحصين رئيس المجلس من الملاحقة الجنائية.
● ذات المجموعة الآن تسعى جاهدة لإيجاد موطيء قدم للعسكر في المعادلة السياسية بروافع داخلية وخارجية على رأسها الدور المصري العسكرتاري، الذي استخدمت كافة كروته واستنفذ كل خياراته التي كان آخرها إعادة السيد الميرغني للخرطوم لخلط الأوراق في العلملية السياسية وإرباك المشهد السياسي فيها والتي غادرها دون أن يمسع له أهلها همسا ولا ركزا.
● نحن نعلم أننا ضمن منظومة كونية ودولية وإقليمية عربية وإفريقية، ولنا علائق استراتيجية تتشابك وتتقاطع وتتكامل مع الجيران والأصدقاء والأشقاء، وأخرى تضاد مع الأعداء، وأهم الملفات التي تؤثر علي السودان، هي حروب الجوار اليمني والليبي والسوري وغيرها من النزاعات التي تصعد وتهبط في الجوار الإفريقي، وله ملفات بمثابة قنابل موقوتة مع الجيران قابلة للإنفجار كالملف الحدودي في (حلايب وشلاتين شمالا شرقيا، والفشقة شرقا، وأبيي في الجنوب)، وله مصالح في سواحل البحر الأحمر تتطلع عدد من القوى الإقليمية والدولية لمشاركته فيها أو الاستحواذ عليها.
● ولضعف آليات التعاون الحاكمة للحدود تظل تلك الملفات انفجارية، خصوصا في أوضاع الإنفجار السكاني للجارتين مصر وإثيوبيا وأزمات الغذاء العالمية، والصراع على الموارد وبالأخص صراع المياه الذي طغى على السطح واتخذت منه مصر ذريعة لعمل أنشطة عسكرية ومناورات داخل الأراضي السودانية والاستحواذ على قاعدة مروي العسكرية وجزء من المدينة السكنية ومرافقها الصحية وغيره لمدة تزيد عن الثلاث أعوام دون أن يقر ذلك برلمان أو تتخذ الحكومة الانتقالية وقتها قرار يخول لهم ذلك.
● السودان في طور نهوضه في كلا الحكومتين الانتقاليتين الأولى والثانية ظل يولي العلاقة مع الجوار الشقيق أهمية قصوى وأوفد لذلك وفود كثيرة لجسر الخلاف وتقريب وجهات النظر وتوقيع عدد من بروتوكولات التعاون والبيانات والاتفاقات المشتركة، إلا أن كل ذلك لم يشفع له عند دول لم يراوح مستوى التعامل الدبلوماسي بينها وبيننا "الدسك" الأمني في وزارة الخارجية، وهو ما يوجب تعاملا جديدا وتصورات ينبغي أن تصحح هذا المسلك المضمر للعداء.
●خاتاما:
• الحق يقال أن هنالك ما يزيد عن حوالي الثمانية ملايين ونصف المليون سوداني في مصر جميعهم فروا من ضيق هذه البلاد إما لأسباب معيشية أو صحية أو أكاديمية وتتضاعف الأعداد في كل يوم يقضيه هذا الإنقلاب في السودان، وهو كرت ضغط إنساني يمكن أن يتم استخدامه بصورة مباشرة بالطرد أو التضييق، أو غير مباشرة، كما حدث في منجم سيجا الذي تم تسليح قبائل المنطقة لطرد السودانيين حفاة وحرق جوازاتهم دون أن تصدر خارجيتنا أو سفارة الخرطوم في القاهرة بيانا تعرب فيه عن قلقها.
• مع ذلك لا أعرف سبيلا للتعامل المهادن مع جرائم مصرية اقترفت في حق الشعب السوداني سوى التوجه بدعاوى جنائية وحقوقية لمجلس الأمن وللمحاكم الدولية وإيداع بلاغات لدى الكونجريس الأمريكي والاتحاد الأوروبي وتحرير شكاوى ضد كل من تسبب في تقويض الانتقالي الديمقراطي وساهم في تهريب ونهب موارد وثروات الشعب السوداني، وأن تعبد الحكومة القادمة طريقها إلى حلايب وشلاتين بالهمة والعزيمة والإرادة، وإن استدعى الأمر اللجوء للشرعة الدولية والقانون والمحاكم المختصة كمحكمة العدل الدولية.
• أما إن اختارت مصر الجوار الأخوى المحترم بيننا وبينها فيمكن للجميع أن ينعموا باستقرار مستدام ومنافع متبادلة في مجالات مائية وطاقوية وزراعية وملفات أمنية كدحر الهجرة غير النظامية والاتجار في الأعضاء والبشر والمخدرات وتفكيك الجماعات الإرهابية.
• ويشكر للأحزاب المصرية التي تريد أن تساهم في حل الأزمة السودانية، ولكن خطوة كالتي يقوم بها الحزب الناصري في مصر بدعم أمني وحكومي لن تجد القبول من الطيف السياسي ولا الشعبي السوداني، لأنه إلى الآن يتراءى للجميع شبح الانقلاب الذي دعمته مصر بكل عدتها وعتادها، ويرجى أن يتأكد كل ناشط وسياسي مصري يريد الاسهام في الشأن السوداني، أن السودان غير مصر، فإذا استكان الشعب المصري مؤقتا لسطوة العسكر، واستعان على الشقاء بالله، فالشعب السوداني طوى هذه الصفحة وإلى الأبد ولن يكون مطية للعسكر أبد الدهر.
عروة الصادق