الجمعة، 17 فبراير 2023

تباين المدنيين لا يبرر الإنقلاب

تباين المدنيين لا يبرر الإنقلابات

● إذا أردنا تقييم الساحة السياسية الآن من واقع تباين وجهات نظر القوى السياسية المدنية في ظل التجاذبات ما بين السياسيين والعسكريين ومدى تأثير ذلك على التوافق السياسي نجد أن التباين والاختلاف سنة كونية ويتخذ طابعا منظما بين البشر فكريا وسياسيا ودينيا ونوعيا وغيره، ولكنه يضر عندما يتحول لخلاف جذري يقود لصدام بين الفرقاء.



● وهو أمر محتمل في الحالة السودانية خصوصا وأنه يتخذ طابعا (مدنيا عسكريا) و (مدنيا مدنيا) و(عسكريا عسكريا)، والأخطر هو الأخير الذي ربما قاد البلاد لحتفها، والمرجو أن تتواصل القوى السياسية المدنية الفاعلة لإكمال العملية السياسية والوصول بها لنهاياتها لتحقيق مطلوبات الثورة  في الحكم المدني والحرية والسلام والعدالة والوصول في نهايتها لانتخابات حرة ونزيهة تؤسس لاستدامة الديمقراطية في السودان.




●أما الدلالات والمؤشرات التي أتوقعها في ظل المتغيرات الحالية والتي نتج عنها الإتفاق حول الإعلان السياسي للاتفاق الإطاري، وهو ما يظنه البعض تقاسم للكعكة أو أن القوى السياسية قد عيت دورها وما يترتب على ذلك من تبعات على الساحة، فالمراقب للوضع في البلاد وللعملية السياسية الجارية وبحكم التجربة يظن أن العملية السياسية التي تجري ربما الغرض منها اقتسام جديد للسلطة ومحاصصة سياسية، وهو أمر عار من الصحة، فالجميع مجمع على أن تكون الـ24 شهر القادمة حكومة انتقالية تدار بكفاءات مستقلة وتتفرغ القوى السياسية للنشاط الحزبي وتكتفي بالمشاركة البرلمانية.



● القوى السياسية المدنية بمختلف أطيافها جادة ومجدة لأجل تحقيق الانتقال المدني وتأسيس السلطة المدنية والحكومة المدنية واستعادة مكتسبات البلاد التي بددها الإنقلاب، وأقول بكل وضوح الأحزاب صُممت للوصول للسلطة والحكم ولكن الفترة الانتقالية تحتاج لحكومة قومية تحقق رضا غالبية قوى الثورة والشعب السوداني، وتهيء المناخ للتنافس الحزبي بتحقيق مهام الانتقال التي من أولوياتها استكمال السلام وتفكيك بنية نظام التمكين.



● ختاما: أما محاولات عرقلة العملية السياسية باستغلال ذلك التباين وإعاقتها بصورة ممنهجة، والتبرير لاتخاذ خطوات تستكمل الإنقلاب او النكوص عن العهد، إنه أمر سيضر ضررا بليغا بالبلاد وينسف موثوقية الممارسة ويعيق الطريق نحو استعادة المكتسبات الانتقالية، ومن المؤكد أنه سيفتح الباب على مصراعيه لعودة مليشيات النظام المحلول وكتائب ظله وسدنته عبر بوابات جديدة صممها إنقلاب ٢٥ أكتوبر وهيأ لها الظروف وحشد لها الألوف، واجب القوى المدنية تسريع العملية السياسية وصولا لاتفاق نهائي، والتعبئة الجماهيرية لكل القوى الحية للتصدي لأي ردة محتملة ومتوقعة، ومعلوم أن السودان قد سد باب الخضوع والركوع للانقلابات بلا عودة.


ليلة ٢٧ رجب ١٤٤٤ه.
الموافق ١٧ فبراير ٢٠٢٣م.


هل يستكمل البرهان خطواته نحو .....؟

هل يستكمل البرهان خطواته نحو.....؟

● سألني في الخاص والعام بعض المهتمين عن تصريحات الجنرال البرهان وما سبقها من تصريحات للكباشي، وما دلالات تلك الخطابات التي وصفها البعض بالملغومة والمأزومة، أتفهم أن يقال ذلك الحديث في ثكنة عسكرية أو منطقة أو فرقة أو أمام اجتماع يضم قيادة الأركان، ولكن ان يكون ذلك حديث الأعراس والمناسبات والزيجات فهو أمر يغاير إرث القوات المسلحة المنضبط ويشي بأننا نتعامل مع مجموعة احترفت السياسة لمدى ثلاثة عقود وانغمست في الأجندة السياسية.

● وبذلك استنتجت أن البرهان يعمد إلى خلط الأوراق كلما أحرزت العملية السياسية تقدما، فهو من قال بالإجراءات التصحيحية واستضاف اعتصام القصر وقطع انتقال السلطة للمدنيين بانقلاب ٢٥ أكتوبر، ومن بعدها حاول التراجع باتفاق (حمدوك برهان) وتوجه بعد فشله لإحياء الفلول من قبورهم بمبادرة الجد، وأخيرا ناور بمجموعة القاهرة وما بين هذا وذاك كثير من التدابير السياسية.


● وهو يعلم يقينا أن التوجه الآن بعد استكمال مؤتمرات التفكيك والسلام والشرق سيكون نحو ملفي العدالة الانتقالية وإصلاح الأجهزة الأمنية، ويعلم أن قضية دمج الدعم السريع والمليشيات والحركات أمر متوافق عليه من الجميع وقد تم النص على ذلك في الاتفاق الإطاري، وأبدى هو ونائبه قائد الدعم السريع رغبتهما الأكيدة في الوصول لجيش مهني قومي موحد تحت قيادة مدنية، إلا أن إطلاق مثل هذه التصريحات منه ومن الجنرال كباشي يوضح بجلاء أنهما يقرءان من لوح غير الذي يقرأ منه الجميع، وأن هناك ترتيب وتدبير لأمر ما، ربما يكون محاولة لكسب الوقت أو فتح باب لعناصر يريد البرهان إلحاقها بالإطاري أو محاولة حثيثة وجادة وأخيرة لاستكمال عملية انقلاب ٢٥ أكتوبر وتسليم مفاصل الدولة والجيش للتنظيم المحلول والحركة الإخوانية وهذه الأخيرة تبدت علاماتها وقرائن أحوالها.


● إذا، العبرة ليست في الحديث وإنما في طريقته وزمانه ومكانه ووضعه كاشتراط لم يكن موجودا، وهو ما يعني أن التصورات لإدماج وتسريح القوات ليست أمور متفق عليها حتى في البيت العسكري، وهو أمر محل نقاشه مؤتمر إصلاح الأجهزة الأمنية والعسكرية، ولا أستطيع التكهن بخفايا يضمرها البرهان ولكن هناك تحركات عسكرية وأمنية كثيفة خاصة للفلول وواجهات الحزب المحلول تتزامن وهذه التصريحات وهو مدعاة للتساؤل عن القادم الذي ربما لن يكون كما نرى من سلاسة وسير في العملية السياسية.



● ختاما: إن السودان يمكن أن تحدث فيه مغامرات ولكنها لن تنجح ولو استمرت لعقد أو ربع قرن أو ثلاثة عقود وهو ما قالت به صحائف التاريخ، فنحن أمام عام كامل ويزيد ولم يستطع الانقلاب التقدم قيد أنملة، وإنما أكل بنيه، وعمل على تصفية عناصره التنفيذية لا سيما العسكريين الذين نفذوا الانقلاب وقاموا بقمع مواجهته، وفعلوا ما لم يفعله نظام البشير في جنرالات القوات النظامية، ويبقى التحدي هو التحلي بالمسؤولية والمضي بشجاعة في تكملة العملية السياسية لاستعادة الحكم المدني والسلطة المدنية واستكمال السلام وتخفيف المعاناة المعيشية وتمهيد الطريق لاستعادة الديمقراطية والحكم الراشد، وما سوى ذلك خراب خراب خراب والعياذ بالله، فهل يستكمل الجنرال خطواته نحو .......؟. 

يوم الجمعة ليلة ٢٧ رجب ١٤٤٤ه
الموافق ١٧ فبراير ٢٠٢٣م