ستتوقف الحرب .. وسننهض؟؟
● مقدمة:
إيقاف الحرب ليس سهلا كإيقاد فتيلها وتأجيج أوارها، فإضرامها لم يكلف السودانيين طلقة واحدة قيمتها لا تتجاوز دولارا واحدا، ولم يكن السبيل إلى إشعالها يحتاج أكثر من كلمات (أكسح أمسح بل ... الخ)، ولكن إنهاءها يتطلب جهدا جماعيا حكوميا شعبيا داخليا خارجيا فنيا سياسيا اجتماعيا وعسكريا، تضافر فيه همم الجميع وخاصة ممن اكتووا بنارها ليمضوا في أولى خطوات وقف الحرب وهي:
● أولا: فتح باب الحوار: وهو تيسير الجلوس بين أطراف النزاع بصورة رسمية أو غير ذلك، مع القادة أو من يفوضونهم، لأن أي مضي نحو الحوار سيفتح باب التفاوض على مصراعية وأي تمنع عنه سيطيل أمد الحرب حتى الوصول لنقطة (الخضوع)، وهي التي سيكلف الوصول إليها جهودا كثيفة وموارد ومال ورجال ونساء وأطفال، لذلك تعد الخطوات نحو الحوار هي أهم خطوات إيقاف الحرب، وتعد هذه الخطوة الأولى لتحقيق هدنة إنسانية ووقف إطلاق النار في السودان، والتي على ضوئها يمكن استمرار الآتي:
1- التواصل المباشر بين الأطراف المتحاربة وأصحاب المصلحة والشركاء: ينبغي على الأطراف المتحاربة في السودان التواصل مباشرةً وبشكل مستمر مع كافة أصحاب المصلحة والشركاء الإقليميبن والدوليين ومخاطبة المجتمعات المحلية عبر قنواة التواصل الرسمية لتحقيق هدنة إنسانية ووقف إطلاق النار، وتمكين الجميع من عمليات مراقبتها والوقوف على عمليات الخرق. وذلك قد يقود الأطراف المتحاربة أن تعلن وقف إطلاق النار لفترة محددة وتحديد شروط وضوابط واضحة للسماح بتقديم المساعدات الإنسانية وفتح الممرات الآمنة وتحديد المحطات المحايدة.
2- استمرار الضغط المحلي والإقليني والدولي: لا بد للجماهير المكتوية بنيران الحرب الاستمرار في الضغط لإنهائها، وذلك باستخدام كافة وسائل التعبير السلمي الرافض للعنف والحرب، ويجب على المجتمع الدولي أن يمارس الضغط على الأطراف المتحاربة في السودان لتحقيق هدنة إنسانية ووقف إطلاق النار. وذلك باستخدام كافة السبل الممكنة لخفض التوتر والتي من ضمنها سلاح العقوبات الفردية وقانون دعم الانتقال الديمقراطي المشرع من الكونجرس. كما يمكن للمجتمع الدولي تعزيز الجهود الدبلوماسية والتحركات الجادة لتحقيق الهدف المرجو، وذلك بإيفاد مبعوثيه للسودان فالتجربة أثبتت أن ذلك ممكن، لأن كلا الطرفين المتحاربين التزما بالهدنة حرفيا في ساعات الإجلاء وهو ما يعني أن إيفاد ممثلين دوليين من شأنه أن يرفع درجة الالتزام بالهدنة.
3- توفير الدعم الإنساني: والواجب الذي لا غنى عنه هو أن يضطلع المجتمع الإقليمي والدولي بدوره الإنساني في الدعم المباشر والعون الإنساني اللازم للمتضررين من النزاع. فتوفير المساعدات الإنسانية سيساعد على تحقيق هدنة إنسانية ويحفز لوقف إطلاق النار، حيث يمكن أن يشجع تقديم المساعدات الأطراف المتحاربة على التوصل إلى اتفاق، ويعزز قناعة القوى المحلية والكيانات الاجتماعية للعمل بجد للوصول إلى اتفاق شامل.
● ثانيا: إلا أن هناك العديد من التهديدات والتأثيرات والمخاطر والعوامل التي يمكن أن تعصف بعمليات الهدنة وتعيق إمكانية الوصول إلى وقف إطلاق النار، ومنها:
1- عدم التقيد التام بما تم الاتفاق عليه: فقد يتم الاتفاق على هدنة ووقف إطلاق النار ولكن إذا لم تلتزم الأطراف المتحاربة بذلك بشكل كامل وصادق،فذاك سيشكل انتهاكا وخرقا للاتفاق ما سيرفع درجات التوتر ويقود إلى تأجيج الصراع وتجدد النزاع.
2- تعدد مراكز القرار: قد تحدث تنازلات في القرار الذي تتخذه قيادة كل طرف وذلك يمكن أن يكون تكتيكي لكسب الوقت وزيادة رقعة التموضع العسكري، أو حقيقي نسبة لاختلاف حقيقي في وجهات النظر وتباين آراء قناعات القادة، وذلك يؤدي إلى انقسامات وخلافات داخلية قد تتسبب في انتهاك وقف إطلاق النار، وربما قاد لإطلاق نار داخلي تصفيات في تلك المجموعات.
3- الطرف الخفي، أو تدخل أطراف أخرى: السيولة الأمنية وتركة النظام السابق ولدت جيوب حزبية وجماعات أيدولوجية تقتات من الحرب، ولا تنشط تلك الجماعات إلا في أجواء التوتر وهي الطرف الخفي الذي أدى للوقيعة بين المتقاتلين، وهو ما يقود لفرضية أنهم الطرف الأوحد الذي سيجتهد في خرق الهدنة مستخدما في ذلك ما يملكه من زي وعتاد ومهمات للجيش والدعم السريع، وقد تتدخل أطراف أخرى في النزاع وتؤثر على عمليات وقف إطلاق النار كجماعات السلب والنهب والجريمة المنظمة، وهذا التدخل سواء كان ذلك بدعم إحدى الأطراف المتحاربة أو تعريض الجماعات المسلحة للضغوط الخارجية.
4- العثرات اللوجستية: قد تواجه عمليات وقف إطلاق النار عثرات لوجستية وقصور فني وتقني فيما يتعلق بتوفير الدعم الإنساني والإمدادات اللازمة وتوفير آليات المراقبة وضمان فعاليتها، وهذا قد يؤدي إلى فشل أي هدنة ويبعد حلم الوصول إلى الاتفاق على وقف إطلاق النار.
5- العثرات السياسية: عدم اقتراح تصورات فعالية وموضوعية لإنهاء الصراع بصورته الكلية، وتقاعس القوى السياسية المدنية الفاعلة في الاضطلاع بدورها في إنهاء الصراع، وعدم انتظار المنتصر من الطرفين، أو تقديم الإسناد والدعم السياسي لطرف، حينها ستوصم أي حلول مقدمة منهم بالانحياز وربما التآمر.
● ثالثا: في حال أفلح السودانيات والسودانيين لدفع المتحاربين إلى الجلوس إلى طاولة الحوار بصورة مباشرة أو غير مباشرة بوفود رسمية أو مندوبين أو مفوضين فهذا سيقود إلى نتائج ستحفز الجميع للمضي نحو وقف إطلاق نار دائم ويعجل من الاتفاق الشامل لإنهاء الصراع في السودان وتلك النتائج هي:
1. تحسين الوضع الاقتصادي: استعادة الاستقرار والأمن النسبي يمكن أن يساعد على تحسين الوضع الاقتصادي في السودان وبالتالي تقليل الصراعات وخفض معدل الجرينة وزيادة فرص العيش المشترك بين الجميع. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تمكين دوائر الإنتاج من استئناف نشاطها خاصة مزارعي الموسم المطري، وتعزيز الاستثمار وتحسين البنية التحتية وتوفير فرص العمل واستعادة المرافق الحكومية وتحسين الخدمات الأساسية.
2. استقرار الأوضاع الإنسانية والصحية والبيئية: إذ ستستأنف كافة المرافق و القطاعات والمؤسسات والجماعات والمنظمات والأفراد نشاطها بصورة تحد من صعوبة الأوضاع في الداخل أو في المناطق والمحطات الحدودية التي تكتظ بالفارين وتتعدد فيها أشكال المعاناة، وسيتمكن حينها السواد الأعظم من السودانيين من الاستفادة من تلك الفرص بل والإفادة في تحقيق الاستقرار إذ أن كثير منهم مختصون ومهنيون أجبرتهم الحرب لأن يخرجوا من الخدمة أو الوطن.
3. عودة الحياة: تدريجيا ستبدأ خطوات استعادة الحياة العملية والعلمية والمهنية والخدمية في كافة المرافق، وستعود الأجهزة الغائبة التي من شأنها تقديم الخدمة للمواطن، وهذا سيضع السودان على عتبة الخروج من جب الدول الفاشلة، ويفتح الطريق لاستئناف التحول المدني الديمقراطي واستعادة مؤسسات الدولة المخربة والمختطفة.
● ختاما: لضمان استمرار الهدنة ووقف إطلاق النار وتحقيق استدامة السلام واستقرار البلاد لا غنى عن المضي نحو وضع تصور شامل لجب آثار الحرب ونزع فتيل مسبباتها يؤسس ذلك التصور للآتي:
1. الاستقرار السياسي: والذي يتبعه الاستقرار الأمني والاقتصادي والعسكري والخدمي والتنموي والإنساني، وذلك بالبدء من حيث انتهت التجارب السابقة في إحياء الدول وإنعاش مؤسساتها وتحديثها وتطويرها وعدم تكرار التجارب والنماذج السياسية الماضية.
2. العدالة: تحقيق الإنصاف وكشف الحقيقة عن أسباب ومسببي الحرب سواء كانوا من العسكريين أو المدنيين وملاحقة كل من طالته اتهامات ببذر الفتنة حتى وإن كان كاتب المقال، وتقديمهم للمساءلة الجنائية والمحاسبة السياسية والأخلاقية والتاريخية، وإنصاف الضحايا وتعوضهم وجبر الضرر للجماعات والأفراد والمؤسسات، وعدم تمكين الجناة من الافلات من العقاب.
4- الدعم المحلي والإقليمي الدولي: مثل نموذج النفير واستضافة الفارسن من الحرب أكبر أنموذج دعم محلي واستضافة كلفت الأسر ورجال الأعمال والنشطاء والكوادر المهنية والمختصة جهدا ومالا ووقتا ومثلت شريان حياة وانعاش عاجل في ظل حالة الانهيار التي تشهدها الدولة، ويمكن أن يستمر ذلك الدعم في مشروع النهضة الذي يمكن الوصول إليه بتحقيق الاستقرار، كما يمكن للمجتمع الدولي تقديم الدعم اللازم للسودان لتحقيق السلام واسناد مشاريعه الحيوية العاجلة. وبالضرورة تقديم الدعم عبر توفير المساعدات الإنسانية والتنموية والدعم اللوجستي والإعلامي والدبلوماسي.
5- تصميم تصور شامل للمصالحة: لا يمكن أن تمضي الأمور في السودان إلى سلام واستقرار مستدام إلا بنمذجة تصور سوداني للمصالحة الشاملة التي تعيد تماسك اللحمة الاجتماعية وتعزز القومية في الوجدان السودان لاحول دون نداءات الكراهية والعصبية والقبلية والاستعلاءات النافية للآخر الإثني أو الملي أو الديني أو الجغرافي.
● تأكيد: سيتمسك الجميع وقت الحرب بموقفه، وستعلو الأكاذيب وتطفو فوق غبار المعارك وتختفي الحقائق خلف أعمدة الدخان وتحت ركام الدمار، ولكن سيعلم الجميع أنهم قد أخطأوا وخاضوا حربا عبثية وولغوا في دماء بني وطنهم، حينها سينهكون ويجلسون إلى بعضهم يتلاومون فيتحاورون فيوقعون اتفاقات على أشلاء الأبرياء وحطام البلاد، وعنئذ وبإذن الله سينهض السودان من الركام والرماد قويا منتفضا كطائر العنقاء.
عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com