الأربعاء، 31 مايو 2023

خطر حرب دارفور ٢٠٢٣م

خطر حرب دارفور ٢٠٢٣م


● الحرب في دارفور لم تتوقف نيرانها حتى بعد توقيع اتفاق سلام جوبا ولن تتوقف طالما أن مسبباتها وعامل تأجيجها لا زالت ماثلة، فالصراع السياسي في البلاد ينعكس على الإقليم ويهدد ليس استقراره فقط بل يعصف بوحدة البلاد، وهو ما يزيد حدة الصراع السياسي فيه، كما أن العامل الاقتصادي وشح الموارد وقلة الدعم المركزي لحكومة الإقليم يفاقم من الصراع على الموارد، ويحفز لنيلها بقوة السلاح.

● معلوم أن الإقليم يمثل سكانه ثاني أكبر عدد من النسمات بعد العاصمة التي أفرغت من السكان وتمثل الصراعات بين الاثنيات والأعراق و الثقافات المختلفة عامل كبير من عوامل تجديد الصراع وإشعال الحرب في الاقليم.

● لما لدارفور من ارتباط جيوسياسي وتماذج اجتماعي مع أربعة دول تشهد صراعات داخلية يمكن أن تعزز تلك الصراعات الإقليمية والدولية، إلى تجدد النزاعات والحروب، فضلا عن جماعات دولية تنشط في عدد من الدول الجارة لها ارتباط مباشر بالصراع في تلك الدول.

● عجز حكومة الإقليم عن السيطرة على الانفلاتات الأمنية والجريمة المنظمة واستمرار عمليات الفساد والمحسوبية في دولاب الحكومات الولائية فاقم الغبائن والمظالم المناطقية والجهوية وحفز كثيرين لمحاولة أخذ الحقوق غلابا.

● معلوم أن دارفور ليست منطقة معزولة عن عمق السودان شمالا وشرقا وجنوبا وتتأثر بالصراع فيه كل ربوع السودان والدول المتاخمة للإقليم، وتجدد الحرب الأهلية فيه سيجعل من المنطقة بؤرة من الجحيم المتناثر في البلاد والإقليم ونواة لتشظي البلاد وانقسامها وتنامي انتهاكات حقوق الإنسان، مثل العنف والتعذيب والتمييز، وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

● أخيرا: أعتقد أن الفرصة لا زالت مواتية في الإقليم لتلافي اندلاع الحرب وأمام حاكم الإقليم وولاة الولايات وأعضاء مجلس السيادة من الحركات المسلحة في دارفور فرصة لوقف اندلاع الحرب، وهي ابتداء بكف الدعوات للتصعيد والتسلح وخفض نبرة الحرب العالية وفتح حوار دارفوري بين مكوناتها السياسية والعسكرية والاجتماعية والجلوس لبحث حلول سلمية للنزاع المحتمل، وفي ذلك هناك وساطات محلية فاعلة يمكن أن تلعب الدور الأكبر لتجنب الحرب أو إنهائها، وفي ذلك يمكن أن يستفيد الحاكم وقادة الإقليم من فرص التعاون الدولي والإقليمي لتوفير الجوانب الإنسانية جنبا إلى جنب مع المسار السياسي، وعلى السلطات تفعيل آليات القانون وتحقيق العدالة في أطرها الجنائية وتحجيم انتشار الجريمة بالقانون لتحقيق الاستقرار بالقانون وليس بالثارات وسلطة السلاح، ويقع على المؤسسات الإعلامية في دارفور من إذاعات وتلفزيونات محلية الدور الأكبر في بث خطابات التوعية بأهمة السلم والتعايش والتسامح والحد من خطابات الكراهية.

● ختاما: ما لم تتحد دارفور برجالها ونسائها وشيبها وشبابها ضد هذا العبث حتما سيفتح الباب على مصراعية لكل أنواع التدخل الإقليمي والدولي وربما تدخل العالم بموجب الفصل السابع كما حدث في السابق وكان مدخله لذلك قضية دارفور، وعلى السودانيين جميعا الوقوف ضد هذه الحرب والتأكيد على وحدة إنسان ووجدان وأرض السودان وألا يسمح لأصحاب الأجندات الإنفصالية باستغلال نفوذهم وسلاحهم وسلطتهم.


الثلاثاء، 30 مايو 2023

خطر دعاوي التسليح

خطر دعاوي التسليح

● الخطورة ليست في تسليح معاشيي القوات النظامية (جيش، شرطة، أمن)، ولكن كيف تتم تلك العملية ووفق أي ضوابط، وهل هناك عجز في القوات النظامية للسيطرة على فوضى الصراع في السودان؟  نعم قد يساعد تسليح المعاشسين على حماية المجتمعات المحلية من الهجمات المسلحة والتصدي للتهديدات الأمنية في حالة تكامل أدوار أجهزة الدولة.

● ولكن ذلك يتم في حالة اعتداءات تتدرج مستوياتها وتختلف أنواع اسلحتها، والدعوة له بهذه الصورة وفي ظل غياب تام لمؤسسات الدولة الامنية وشغور كراسي عدد من مؤسسات الحكومة في المركز والولايات، هذا سيزيد من تفاقم الأمر ويمكن أيضًا أن يرفع مستوى العنف والفوضى في المجتمعات المتضررة ويدفعها للتسلح العشوائي خارج منظومة أورنيك (١٢ س). ومن الممكن أن يؤدي إلى حدوث مزيد من الانتهاكات لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

● لذلك فإن هذا الأمر مسألة مثيرة للجدل، ويجب أن يتم التعامل معها بحذر وفي إطار الإجراءات القانونية والضوابط المناسبة. ويجب أن يتم التركيز على إيجاد حلول سلمية للصراعات المسلحة بدلاً من اللجوء للتسليح وأن يمنع منعا قطعيا تسليح المدنيين، وعدم تسليح النظاميين أصحاب السوابق والانتهاكات والذين تم ابعادهم من الخدمة بسبب فظائع وشاركوا في جرائم ضد الإنسانية.

● لأن ذلك تنطوي عليه عدة مخاطر منها تنامي العنف وزيادة أعداد الهجمات والهجمات المضادة واتساع رقعة الاشتباكات، ما سيقود لتدهور الأمن في المدن وانخراط بعض الجماعات القبلية في الأقاليم بصورة تزيد من حدة الصراعات.

● ودون أدنى شك سيكون حينها المدنيون قد أقحموا في الصراع وصاروا هدفا للهجمات المسلحة والاعتداءات وعرضة لكل أنواع الانتهاكات، وفي نهاية المطاف لن يكون بمقدور أي جهة أو سلطة السيطرة على الأسلحة في المدى القريب وهو ما سيحفز جماعات إجرامية منظمة على التسلح ليس لأغراض الحماية بل لأغراض الجريمة، لذلك عوضا عن تسليح مجموعات جديدة يتعذر ضبطها.

● هناك عشرات الآلاف من منسوبي المؤسسات المنضبطة باللواىح والقانون ولا زالوا في الخدمة بطرفهم سلاح (ميري) وتلقوا تدريبا طويلا على استخدامه يمكن استدعاهؤهم عوضا عن استدعاء المعاشيين وتوسيع رقعة التسلح.

● أما دعوات حاكم إقليم دارفور للتسلح وشراء الأسلحة فهي دعوة ستقود دارفور للجحيم، وستشرعن تجارة السلاح وتطور الجريمة وتفتح الباب لاستجلابه من دول تشهد فيها تجارة السلاح والجريمة ازدهارا كبيرا، ودارفور بها ما لا يقل عن ٥ ملايين قطعة سلاح، والتسليح فيها لا يأخذ طابعا فرديا بل أنماطا قبلية وكل كيان يطور ترسانته للتفوق على الآخرين، فهل نحن في حوجة لاستدعاء شبح الحرب الأهلية والجريمة العابرة للحدود.


● ختاما: ما لم يتم احتواء هذا الأمر والالتزام بما يتم الاتفاق عليه من أطراف النزاع والزام القوات على الأرض به، حتما ستتزايد الانتهاكات وسيحفز ذلك جماعات كثير للاستجابة لدعوات التسليح، وحينها ستطل الجريمة المنظمة برأسها وجماعات الغلو والتطرف وتجار الممنوعات والسلاح والبشر، وسندلع حرب أهلية ستمزق السودان، لذلك الطريق الأقصر هو خفض حدة التوتر وإيقاف ضجيج السلاح لا توسيع رقعة التسلح.


عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com

الخميس، 18 مايو 2023

خطاب لقمة جدة ٢٠٢٣م

بسم الله الرحمن الرحيم 
خطابي لقمة جدة
١٩ مايو ٢٠٢٣م

أصحاب الجلالة والسمو والمعالي والفخامة
ملوك وأمراء وشيوخ ورؤساء الدول العربية من المحيط إلى الخليج
الحمد لله الوالي الكريم، والصلاة والسلام على حبيبنا محمد وآله مع التسليم، وبعد
تحية طيبة وسلام من الله عليكم ورحمته وبركاته،،

سادتي:
أخاطبكم وأوراقي الثبوتية قد مزقتها أيادي العنف والجور والحرب والبطش والعدوان في بلاد إكتوت بأفظع أنظمة الحكم في منطقتكم العربية هي السودان، وظل الصمت هو السمة الغالبة والسنة السيئة منكم تجاه تلك الانتهاكات، إذا فلا هوية تثبتني ولا هوى يشدني إليكم، مع ذلك تقبلوا رسالتي هذه لمخاطبة قمتكم في العوالم الافتراضية.

سادتي:
أمامكم فرصة أخيرة أن تجعلوا من قمتكم هذه قمة تخاطب تطلعات شعوب المنطقة وتخطب ودهم، وأخص بالذكر شعب السودان الذي ظل غائبا عن أجندتكم، وفي ذيل اهتمامكم وفي آخر قوائمكم، إلا أنه يكون في صدر تطلعاتكم الاستثمارية وخططكم التوسعية، فاغتنموا هذه الفرصة ولا تضيعوها لتضعوا الضماد على جرح السودان وتنزعوا الإصبع من الزناد الموجه لصدور الأبرياء وجماجم الأطفال والنساء فيه، فلا زال جرح فقد ٣٠٠ ألف قتيل في دارفور ونزوح ولجوء ٧ ملايين غائر بسبب صمتكم وغضكم الطرف عنه.


سادتي:
إن ما يحدث في بلادنا ليس حدثا عاديا أو عرضا مرضيا وإنما هو نتاج جرم ينبغي أن تتحملوه معنا جميعا، فبرعايتكم لمصالح الدكتاتورين، وصمتكم عن جبن الطغاة وجرائم وانتهاكات الظلمة والفاسدين، جعلتم من قمتنا العربية موائد سمر و التقاء لا طاولات بحث وارتقاء، وهو الأمر الذي يوجب عليكم إيلاء شؤون الشعوب وليس الحكام الاهتمام الأقصى من مداولاتكم، حتى تكسبوا ودها وتجدوا كل خير عندها.

سادتي:
لعلي لن ألتقي منكم أحدا أو أخاطبكم بعد يومي هذا أبدا، فما نشهده في بلادنا، قد حدث مثله وقع الحافر بالحافر في الماضي والحاضر، ورده إلى مؤامرات خارجية لا يجدي، فهو من صنيع أيدينا، فقد فرطنا في الأرض وتركناها توطأ من الأعداء، ومهدنا للحروب ودعمنا زعماءها بالسلاح ليسفكوا دماء الأبرياء، وجلسنا ننتظر خطابات التنديد الجوفاء.

سادتي:

السودان في طريقه للحرب الأهلية، والتقسيم الثاني ولعله لن يكون الأخير وهو كذلك عرضة للغزو والأطماع الخارجية، وبذرت هذه الحرب الأخيرة فيه بذور الجريمة المنظمة والعابرة للحدود، وأنتم لستم بمأمن من شرورها، فواجبكم دعم جهود إخوتكم في المملكة وتعزيز مبادرتهم، والضغط على الجنرالين (البرهان، وحميدتي) لطي هذه الصفحة وإلى الأبد، وإلا فمثلما كانت ليبيا وتلتها سوريا واليمن، فسيكون بعد السودان من أقطاركم دولا كثيرة، نسأل الله أن يجنبها الشرور ويديم عليها نعمة الأمن والسلام.


سادتي:
أشكركم لاستضافة عدد مقدر من بني وطني في بلدانكم، فقد حفهم بعضكم بالعناية وخصهم كرماؤكم بالرعاية، ولكن العشم هو توفيق أوضاع العالقين والمخالفين للإجراءات التي لا حق خاص فيها، تظل الحوجة الحالية هي إكمال فضلكم بتوفيق أوضاع كل سوداني في أراضيكم وتسهيل إقامته أو مروره أو تمكينه من العودة إذا كان يرغب في ذلك، كما أن في بلدانكم طلابا وطالبات بمختلف المستويات قد يتعذر إكمال بعضهم للرسوم أو إجراءات الدراسة للظرف المعلوم، كل ما نرجوه هو تسهيل أمرهم وعدم حرمانهم من فرص تعليم لا تعوض في الظرف الحالي.


سادتي:
أمام مجلسكم هذا فرصة كبيرة لخفض حدة الأزمات الإنسانية في السودان بتقديمكم يد العون وقد بادرتم سباقين لذلك وأجزلتم النوال قبل السؤال، ولكن يقع على عاتقكم مخاطبة الأسرة الدولية عبر عضويتكم في الأمم المتحدة، وعضوية الجزائر في مجلس الأمن بأن يضطلعوا بدورهم ليضعوا أوتار هذه الحرب والتحقيق في ملابساتها وانتهاكاتها وتوقيع العقاب على من قاد إليها وأوكى نارها.


ختاما:
سادتي: أمامكم أن تقودوا صلحا عربيا إيرانيا وتعاونا إفريقيا تركيا صينيا وتكاملا إسلاميا سنيا شيعيا وخلاصا إنسانيا، ذلك إن أحكمتم الرباط ووثقتم العرى وصدقتم القول وأتبعتموه بالعمل، وإلا فسيكون عامكم القادم أرذل من سنييكم العجفاء السابقة، ولن يتوقف هذا الدمار وسيل الدماء حتى يصل أعتاب الديار، ويحرق ضرام النيران أطراف ثيابكم، ويدمر الرصاص زجاج أبراجكم، وأعوذ بالله وألوذ إليه وأدعوه ألا يجعل ذلك مصيرا لكم وأن يرفع مقته وغضبه عنا ويحسن خلاص أمتنا.



عروة الصادق إسماعيل حمدون
مواطن سوداني
orwaalsadig@gmail.com

الخميس، 4 مايو 2023

ستتوقف الحرب .. وسننهض؟؟

ستتوقف الحرب .. وسننهض؟؟
● مقدمة:

إيقاف الحرب ليس سهلا كإيقاد فتيلها وتأجيج أوارها، فإضرامها لم يكلف السودانيين طلقة واحدة قيمتها لا تتجاوز دولارا واحدا، ولم يكن السبيل إلى إشعالها يحتاج أكثر من كلمات (أكسح أمسح بل ... الخ)، ولكن إنهاءها يتطلب جهدا جماعيا حكوميا شعبيا داخليا خارجيا فنيا سياسيا اجتماعيا وعسكريا، تضافر فيه همم الجميع وخاصة ممن اكتووا بنارها ليمضوا في أولى خطوات وقف الحرب وهي:

● أولا: فتح باب الحوار: وهو تيسير الجلوس بين أطراف النزاع بصورة رسمية أو غير ذلك، مع القادة أو من يفوضونهم، لأن أي مضي نحو الحوار سيفتح باب التفاوض على مصراعية وأي تمنع عنه سيطيل أمد الحرب حتى الوصول لنقطة (الخضوع)، وهي التي سيكلف الوصول إليها جهودا كثيفة وموارد ومال ورجال ونساء وأطفال، لذلك تعد الخطوات نحو الحوار هي أهم خطوات إيقاف الحرب، وتعد هذه الخطوة الأولى لتحقيق هدنة إنسانية ووقف إطلاق النار في السودان، والتي على ضوئها يمكن استمرار الآتي:

1- التواصل المباشر بين الأطراف المتحاربة وأصحاب المصلحة والشركاء: ينبغي على الأطراف المتحاربة في السودان التواصل مباشرةً وبشكل مستمر مع كافة أصحاب المصلحة والشركاء الإقليميبن والدوليين ومخاطبة المجتمعات المحلية عبر قنواة التواصل الرسمية لتحقيق هدنة إنسانية ووقف إطلاق النار، وتمكين الجميع من عمليات مراقبتها والوقوف على عمليات الخرق. وذلك قد يقود الأطراف المتحاربة أن تعلن وقف إطلاق النار لفترة محددة وتحديد شروط وضوابط واضحة للسماح بتقديم المساعدات الإنسانية وفتح الممرات الآمنة وتحديد المحطات المحايدة.

2- استمرار الضغط المحلي والإقليني والدولي: لا بد للجماهير المكتوية بنيران الحرب الاستمرار في الضغط لإنهائها، وذلك باستخدام كافة وسائل التعبير السلمي الرافض للعنف والحرب، ويجب على المجتمع الدولي أن يمارس الضغط على الأطراف المتحاربة في السودان لتحقيق هدنة إنسانية ووقف إطلاق النار. وذلك باستخدام كافة السبل الممكنة لخفض التوتر والتي من ضمنها سلاح العقوبات الفردية وقانون دعم الانتقال الديمقراطي المشرع من الكونجرس. كما يمكن للمجتمع الدولي تعزيز الجهود الدبلوماسية والتحركات الجادة لتحقيق الهدف المرجو، وذلك بإيفاد مبعوثيه للسودان فالتجربة أثبتت أن ذلك ممكن، لأن كلا الطرفين المتحاربين التزما بالهدنة حرفيا في ساعات الإجلاء وهو ما يعني أن إيفاد ممثلين دوليين من شأنه أن يرفع درجة الالتزام بالهدنة.

3- توفير الدعم الإنساني: والواجب الذي لا غنى عنه هو أن يضطلع المجتمع الإقليمي والدولي بدوره الإنساني في الدعم المباشر والعون الإنساني اللازم للمتضررين من النزاع. فتوفير المساعدات الإنسانية سيساعد على تحقيق هدنة إنسانية ويحفز لوقف إطلاق النار، حيث يمكن أن يشجع تقديم المساعدات الأطراف المتحاربة على التوصل إلى اتفاق، ويعزز قناعة القوى المحلية والكيانات الاجتماعية للعمل بجد للوصول إلى اتفاق شامل.

● ثانيا: إلا أن هناك العديد من التهديدات والتأثيرات والمخاطر والعوامل التي يمكن أن تعصف بعمليات الهدنة وتعيق إمكانية الوصول إلى وقف إطلاق النار، ومنها:

1- عدم التقيد التام بما تم الاتفاق عليه: فقد يتم الاتفاق على هدنة ووقف إطلاق النار ولكن إذا لم تلتزم الأطراف المتحاربة بذلك بشكل كامل وصادق،فذاك سيشكل انتهاكا وخرقا للاتفاق ما سيرفع درجات التوتر ويقود إلى تأجيج الصراع وتجدد النزاع.

2- تعدد مراكز القرار: قد تحدث تنازلات في القرار الذي تتخذه قيادة كل طرف وذلك يمكن أن يكون تكتيكي لكسب الوقت وزيادة رقعة التموضع العسكري، أو حقيقي نسبة لاختلاف حقيقي في وجهات النظر وتباين آراء قناعات القادة، وذلك يؤدي إلى انقسامات وخلافات داخلية قد تتسبب في انتهاك وقف إطلاق النار، وربما قاد لإطلاق نار داخلي تصفيات في تلك المجموعات.

3- الطرف الخفي، أو تدخل أطراف أخرى: السيولة الأمنية وتركة النظام السابق ولدت جيوب حزبية وجماعات أيدولوجية تقتات من الحرب، ولا تنشط تلك الجماعات إلا في أجواء التوتر وهي الطرف الخفي الذي أدى للوقيعة بين المتقاتلين، وهو ما يقود لفرضية أنهم الطرف الأوحد الذي سيجتهد في خرق الهدنة مستخدما في ذلك ما يملكه من زي وعتاد ومهمات للجيش والدعم السريع، وقد تتدخل أطراف أخرى في النزاع وتؤثر على عمليات وقف إطلاق النار كجماعات السلب والنهب والجريمة المنظمة، وهذا التدخل سواء كان ذلك بدعم إحدى الأطراف المتحاربة أو تعريض الجماعات المسلحة للضغوط الخارجية.

4- العثرات اللوجستية: قد تواجه عمليات وقف إطلاق النار عثرات لوجستية وقصور فني وتقني فيما يتعلق بتوفير الدعم الإنساني والإمدادات اللازمة وتوفير آليات المراقبة وضمان فعاليتها، وهذا قد يؤدي إلى فشل أي هدنة ويبعد حلم الوصول إلى الاتفاق على وقف إطلاق النار.

5- العثرات السياسية: عدم اقتراح تصورات فعالية وموضوعية لإنهاء الصراع بصورته الكلية، وتقاعس القوى السياسية المدنية الفاعلة في الاضطلاع بدورها في إنهاء الصراع، وعدم انتظار المنتصر من الطرفين، أو تقديم الإسناد والدعم السياسي لطرف، حينها ستوصم أي حلول مقدمة منهم بالانحياز وربما التآمر.


● ثالثا: في حال أفلح السودانيات والسودانيين لدفع المتحاربين إلى الجلوس إلى طاولة الحوار بصورة مباشرة أو غير مباشرة بوفود رسمية أو مندوبين أو مفوضين فهذا سيقود إلى نتائج ستحفز الجميع للمضي نحو وقف إطلاق نار دائم ويعجل من الاتفاق الشامل لإنهاء الصراع في السودان وتلك النتائج هي:

1. تحسين الوضع الاقتصادي: استعادة الاستقرار والأمن النسبي يمكن أن يساعد على تحسين الوضع الاقتصادي في السودان وبالتالي تقليل الصراعات وخفض معدل الجرينة وزيادة فرص العيش المشترك بين الجميع. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تمكين دوائر الإنتاج من استئناف نشاطها خاصة مزارعي الموسم المطري، وتعزيز الاستثمار وتحسين البنية التحتية وتوفير فرص العمل واستعادة المرافق الحكومية وتحسين الخدمات الأساسية.

2. استقرار الأوضاع الإنسانية والصحية والبيئية: إذ ستستأنف كافة المرافق و القطاعات والمؤسسات والجماعات والمنظمات والأفراد نشاطها بصورة تحد من صعوبة الأوضاع في الداخل أو في المناطق والمحطات الحدودية التي تكتظ بالفارين وتتعدد فيها أشكال المعاناة، وسيتمكن حينها السواد الأعظم من السودانيين من الاستفادة من تلك الفرص بل والإفادة في تحقيق الاستقرار إذ أن كثير منهم مختصون ومهنيون أجبرتهم الحرب لأن يخرجوا من الخدمة أو الوطن.

3. عودة الحياة: تدريجيا ستبدأ خطوات استعادة الحياة العملية والعلمية والمهنية والخدمية في كافة المرافق، وستعود الأجهزة الغائبة التي من شأنها تقديم الخدمة للمواطن، وهذا سيضع السودان على عتبة الخروج من جب الدول الفاشلة، ويفتح الطريق لاستئناف التحول المدني الديمقراطي واستعادة مؤسسات الدولة المخربة والمختطفة.

● ختاما: لضمان استمرار الهدنة ووقف إطلاق النار وتحقيق استدامة السلام واستقرار البلاد لا غنى عن المضي نحو وضع تصور شامل لجب آثار الحرب ونزع فتيل مسبباتها يؤسس ذلك التصور للآتي:

1. الاستقرار السياسي: والذي يتبعه الاستقرار الأمني والاقتصادي والعسكري والخدمي والتنموي والإنساني، وذلك بالبدء من حيث انتهت التجارب السابقة في إحياء الدول وإنعاش مؤسساتها وتحديثها وتطويرها وعدم تكرار التجارب والنماذج السياسية الماضية.

2. العدالة: تحقيق الإنصاف وكشف الحقيقة عن أسباب ومسببي الحرب سواء كانوا من العسكريين أو المدنيين وملاحقة كل من طالته اتهامات ببذر الفتنة حتى وإن كان كاتب المقال، وتقديمهم للمساءلة الجنائية والمحاسبة السياسية والأخلاقية والتاريخية، وإنصاف الضحايا وتعوضهم وجبر الضرر للجماعات والأفراد والمؤسسات، وعدم تمكين الجناة من الافلات من العقاب.


4- الدعم المحلي والإقليمي الدولي: مثل نموذج النفير واستضافة الفارسن من الحرب أكبر أنموذج دعم محلي واستضافة كلفت الأسر ورجال الأعمال والنشطاء والكوادر المهنية والمختصة جهدا ومالا ووقتا ومثلت شريان حياة وانعاش عاجل في ظل حالة الانهيار التي تشهدها الدولة، ويمكن أن يستمر ذلك الدعم في مشروع النهضة الذي يمكن الوصول إليه بتحقيق الاستقرار، كما يمكن للمجتمع الدولي تقديم الدعم اللازم للسودان لتحقيق السلام واسناد مشاريعه الحيوية العاجلة. وبالضرورة تقديم الدعم عبر توفير المساعدات الإنسانية والتنموية والدعم اللوجستي والإعلامي والدبلوماسي.


5- تصميم تصور شامل للمصالحة: لا يمكن أن تمضي الأمور في السودان إلى سلام واستقرار مستدام إلا بنمذجة تصور سوداني للمصالحة الشاملة التي تعيد تماسك اللحمة الاجتماعية وتعزز القومية في الوجدان السودان لاحول دون نداءات الكراهية والعصبية والقبلية والاستعلاءات النافية للآخر الإثني أو الملي أو الديني أو الجغرافي.


● تأكيد: سيتمسك الجميع وقت الحرب بموقفه، وستعلو الأكاذيب وتطفو فوق غبار المعارك وتختفي الحقائق خلف أعمدة الدخان وتحت ركام الدمار، ولكن سيعلم الجميع أنهم قد أخطأوا وخاضوا حربا عبثية وولغوا في دماء بني وطنهم، حينها سينهكون ويجلسون إلى بعضهم يتلاومون فيتحاورون فيوقعون اتفاقات على أشلاء الأبرياء وحطام البلاد، وعنئذ وبإذن الله سينهض السودان من الركام والرماد قويا منتفضا كطائر العنقاء.

عروة الصادق 
orwaalsadig@gmail.com