الجمعة، 30 يونيو 2023

فزاعة الحرب بالإشاعة

*فزاعة الحرب بالإشاعة*

● انتشار حرب الشائعات وسيطرتها على وسائل الإعلام والسوشيال ميديا جزء من أدوات الحرب وهي ليست بالأمر الجديد في السودان فقد انتهجته جهات وجبهات عديدة كانت تناويء الحكومة الانتقالية التي اغلقت بدورها عدد من مراكز الإشاعة ومنصات الأخبار الكاذب وخاطبت شركة ميتا في العام ٢٠٢١م والتي أغلق بدورها ما يزيد عن الثلاثة ألف حساب تبث أخبار كاذبة وخطابات كراهية في المجتمع السوداني، ويعود ذلك الانتشار السيء والكبير والمضر للإشاعة بشكل رئيسي إلى توظيف كافة الأطراف المتحاربة بفعالية لتأثير القوة الشاملة للإنترنت وتوسع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من جميع أنحاء العالم لصالح الدعاية الحربية بصورة تلقائية أو عبر منصات مدفوعة الأجر.


● وذلك لأن الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي مجالٌ لا يتلاءم حتى الآن مع الضوابط التقليدية التي تنظم وسائل الإعلام الرسمية وتحكم إجراءات النشر بل تعدى الأمر لتجاوز حتى عدد من الصحفيين العاملين بالمهنة لتجاوز الضوابط والأعراف المهنية وشارك بعضهم في حملات التضليل.

● وفي ظل غياب الإعلام الحكومي الرسمي طوال أيام بداية الحرب وإغلاق كافة الصحف ومحطات التلفزة والاذاعة التي بلغ عددها ٣٣ اذاعة وعدد من اجهزة التلفزة الولائية في ظرف العالم الذي نعيش فيه يعتمد بشكل كبير على المهارات والخبرات الشخصية وانطباعات الناس بدلاً من الوسائل الرسمية المعتمدة. 

● لذلك ينشر الأشخاص المعلومات والشائعات التي تناسب آرائهم ومواقفهم من حالات الاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك والتي ارد في الغالب من مواقع الكترونية لأشخاص دون سياسة تحرير او مقار او التزام بضوابط العمل الإعلامي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هؤلاء أولويتهم هي جذب المزيد من المتابعين والتفاعلات وجني بعض الأموال التي يتم استلامها نظير الإعلان في بعض الصفحات أو كعمولات من أطراف الصراع.

● ومثل غياب الإعلاميين والأقلام الصادقة والرصينة طوال فترة الحرب أحد عوامل تعزيز هذه السلوكيات الخاطئة والفاسدة والخطيرة التي قادت إلى فقدان المنابر والمصادر الرسمية للإعلام والتوعية وتضييق الحيز الذي تحمل فيه المنابر الرسمية ذلك الثقل لـتعزيز الدور الحيوي للصحافة والإعلام في إعادة تصوير الواقع بصورة مجردة وانحيازه للرسالة الانسانية في رفع الوعي ورفض خطابات الكراهية والعنصرية ورفض الخروب ودعم التحول المدني والعملية الديمقراطية.

● كان أن المتابعين للشائعات يتعمدون لبثها لجهل منهم او لعلم ظنا منهم أن قادة العمليات يعتمدون على هذه المعلومات الخاطئة في اتخاذ القرارات التي قد ترجح كفة أحد الأطراف، وهذا يمثل خطراً حقيقياً قاد إلى تفاقم بعض الظواهر المعقدة وتشويه صورة الأشخاص أو الجماعات والعبث بوثائق ومسكنات ومظهر الحكومة الرسمية.

● ختاما: لذلك ينبغي العمل على استعادة المنصات الإعلامية الرسمية وتمكينها من البث وفتح استديوهاتها للإعلاميين وقادة الرأي ولو في مدن السودان الآمنة التي لم يصلها الصراع، وتوجيه النصح للإعلاميين والمشاركين في تنوير الرأي العام بضرورة الظهور والاسهام في تبيان الحقائق وتحجيم الشائعات والمعلومات المروجة والمضللة، والنظر بجد في كيفية تتبع المعلومات الصحيحة، والتحلي بالتحليل النقدي المسؤول لإنتاج القصص والتقارير الاستقصائية الدقيقة، على أن تضطلع المؤسسات والمنظمات الإعلامية الرسمية والخاصة بأقصى درجات الشفافية والحياد، والاستماع إلى جميع الأصوات لإعادة بناء ثقافة الإعلام واستعادة الثقة فيه واستقاء المعلومات من مصادر موثوقة لقتل آلة الحرب الإعلامية المضللة.


عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com

الخميس، 22 يونيو 2023

تحويل الصراع الدموي وتجنب التدخل الأممي

تحويل الصراع الدموي وتجنب التدخل الأممي
مقدمة:

● الصراع المسلح في السودان هو من الصراعات الأكثر دموية وديمومة في أفريقيا، ويعود لعقود من الزمن، متمحورا حول الصراع على السلطة والثورة والموارد واتخذ في بعض الأحيان طابعا اثنيا ثقافيا دينيا أدى لانفصال جنوب السودان على تلك الأسس، وهو يتطور على مر السنين ليشمل عدة مناطق في السودان ويتمدد بصورة تدار عبر أيادي منها الخارجي المخابراتي أو الداخلي الاستخباراتي.

● منذ احتضان السودان لأول ديمقراطية برلمانية في الخمسينيات، واجه البلاد صراعاً مسلحاً استمر لأكثر من نصف قرن عم كل أراضيه حتى وصل الخرطوم في ١٥ إبريل ٢٠٢٣م، فمنذ أن بدأت أنانيا الأولى في ١٩٥٥م الفترة الإستعمارية البريطانية، وصولا لانفجار الأوضاع في الستينيات ما حدا بالسيد الصادق المندي وقتها بكتابة ما أسماه مسألة جنوب السودان في ١٩٦٤م. وصولا لما حدث في ١٩٧٣م و١٩٨٣م مرورا بالإجراءات التسكينبة التي اتخذتها الحكومات في تلك الفتراة وصولا لمؤتمر السلام الشامل الذي كان مقررا له أن ينعقد في سبتمبر ١٩٨٩م وقطع الطريق أمامه انقلاب الجبهة الإسلامية القومية وقتئذ تحت دعاوى الشريعة والدين مثلما حدث في الأعوام الأخيرة التي شهدتها حكومة الفترة الانتقالية بانقلاب أكتوبر٢٠٢١م، ومثلما أدى الفقر والتهميش الاقتصادي والسياسي والاجتماعي إلى انتشار أعمال العنف في إقليم دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق هانحن نشاهد اندلاع الحرب في قلب العاصمة القاصمة الخرطوم وفي احيائها وحواريها ومدنها.

● لكن هل يمكن إيقاف هذه الحرب ومنع حدوث تلك الحروب مجددا في تلك الأقاليم؟ الجواب هو نعم، ومن أجل ذلك ينبغي على الكيانات السودانية والمجتمعات المحلية والإقليمية والمجتمع الدولي العمل معاً على حل المشكلات الجذرية وتأمين مصادر الخطر مثل العنصرية و"التغبيش" والتجييش والتهميش الاقتصادي والتغبين الاجتماعي والتفاوت الطبقي وعدم الحصول على الموارد. وذلك من خلال توفير الدعم والموارد للصمود القادم وتشكيل حكومة انتقالية قادرة وفاعلة وجامعة ومانعة للانزلاق في مثالب الفترات السابقة، حان الوقت لتتبع مسار السلام والتفاوض وإعادة الهوية الوطنية المفقودة للسودانيين وصياغة الحلم الوطني.


● أولا: ليس من واجب القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنخب الاجتماعية إنهاء الصراع المسلح وإنما تحويل الصراع العسكري إلى حل سياسي وهو أمر بالغ الصعوبة ويحتاج إلى الكثير من الجهود والتفاوض من قبل جميع الأطراف المتحاربة فيما بينها، ومن ثم مع كافة أصحاب المصلحة. ولكن يمكن القيام ببعض الإجراءات لتسهيل الحوار السياسي وتفادي التصعيد العسكري، وذلك عبر عدة خطوات:

1. بحث مشترك لا عزل عنه أحد ولا يستثنى منه أحد غايته حث الأطراف للوصول إلى حل سياسي دائم ومنصف للصراع الحالي يحقق سلاما مستداما ويقود لتحول ديمقراطي تام.

2. إيجاد منصة شاملة ومحايدة ومرضية لجميع الأطراف المتحاربة للتفاوض والتقارب تستوعب كافة أصحاب المصلحة والمتضررين من آثار الصراع.

3. الاستجابة لمطالب المجتمع الدولي والعمل بشفافية عند التفاوض والاستجابة لمبادئ العدالة والحقوق الدولية والالتزام بكافة التعهدات والإيفاء المتبادل بجميع الالتزامات.

4. تعزيز الحوار والتواصل بين الأطراف المتحاربة، وتفادي التصعيد العسكري أو تحريك ميليشيات أخرى.

5. توفير دعم إنساني واجتماعي ونفسي وصحي عاجل للمناطق المتضررة بشكل فوري يتجاوز بيروقراطية الأنظمة الإدارية المتهالكة في الدولة.

● ثانيا: بالنسبة لتجنب دعوات سدنة التنظيم المباد والحركة الإخوانية للاستمرار في الحرب وصولا لما أسموه الحسم العسكري، فينبغي العمل على تجاوز تلك الدعوات الجهولة بالركون لطاولة التفاوض وتقوية أي حوار سياسي يجري بين الأطراف المتحاربة وتحديد القضايا التي لا تزال معلقة أو غير محسومة، كما يجب تعزيز السلوك الإنساني وحقوق الإنسان في المناطق المتأثرة لتخفيف الضغط والتوتر ومنع تزايد الانتهاكات وجرائم الحرب. كما يجب أن يكون الحوار السياسي المشترك هو الطريق الوحيد للتقارب وإنهاء الصراع بأسرع وقت ممكن، وبتعاون الجهود والإرادة السياسية لجميع الأطراف المتحاربة وصولا لعقد اجتماعي جديد يؤسس لسودان الغد الآمن.
ومعلوم أنه توجد عدة عوامل ومعيقات تؤثر على الوصول لعقد اجتماعي جديد وعقبات كئاد أمام الوصول لما يسمى بالتسوية السياسية الشاملة، ومن أهمها:

1- انقسامات المجتمع والقيادات السياسية، حيث تؤدي الخلافات السياسية والانقسامات الداخلية إلى عدم توحيد الرؤية والهدف الوطني، مما يجعل من الصعب الوصول إلى عقد اجتماعي جديد، وهو ما يستوجب صياغة مشتركات القوى السياسية المدنية الفاعلة وتقديمها كمرجعية لأي حوار محتمل.

2- ازدياد واتساع رقعة الحرب ترتب عليه عدم وجود بيئة سياسية مناسبة، تتعلق هذه العوامل بالقدرة التنظيمية للقوى المدنية وفعاليات على الأرض، وهو ما يتطلب نمطا جديدا للممارسة السياسية إضافة إلى المساندة والدعم الدولي والإقليمي الذي يمكن أن يخلق بيئة مناسبة لعملية التسوية السياسية.

3- يشكل تضارب المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية والأمنية للمنتفعين المحليين والاقليميين والدوليينةمن الصراع أكبر معيقات الوصول للعقد الاجتماعي حيث يؤثر التوتر وعدم الاستقرار المتزايد على المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لتلك الجهات والجبهات مما يولد عوامل استقطاب جديدة في الصراع تتعدى الحدود.

4- الأنماط الاجتماعية والعادات والتقاليد والموروثات والأعراف إذ أنها تلعب دورًا كبيرًا في شكل الحياة المجتمعية، وقد بلغ ذلك ذروته بالحرب في الخرطوم التي خلفت تباينا اجتماعيا واصطفافات على أسس عرفية محلية وقبلية واختفى المستوى القومي، الأمر الذي حال استمر فإنه سيصعب الوصول إلى عقد اجتماعي جديد وتحقيق إصلاحات سياسية شاملة.

5- انعدام الثقة بين الناس والحكومات والقيادات السياسية المختلفة، حيث إن الثقة هي المفتاح للنجاح في أي عملية تسوية سياسية، وعدم وجود الثقة يؤدي إلى عدم تمكن الأطراف المختلفة من التفاهم والتعاون مع بعضها البعض وهو الأمر الءي سيتم استغلاله لخلق اصطفافات تتدرج من مستويات عمرية أو قبلية أو جهوية أو مناطقية.

6- في حال استمر الوضع الأمني والعسكري كما هو الحال أو تفاقمت تأثيراته في المركز والولايات سيستحيل الوصول إلى عقد اجتماعي جديد في الوقت الذي تشهد فيه البلاد صراعات عسكرية وتدخلات خارجية.

● ثالثا: إن صياغة مشروع سياسي مشترك وعقد اجتماعي جديد بعد الصراعات الدامية كالتي نشهدها هذه الأيام يحتاج إلى عدة خطوات، ومن بينها:

1. تشكيل الرأي العام ويتطلب التشكيل لمشروع سياسي مشترك الاطلاع الشامل على رأي العامة واحتياجاتهم الضرورية، استنادا على الأفكار والطموحات العامة، وذلك يمكن تحقيقه عبر إجراء استفتاءات واستطلاعات رأي عام عن طريق النشر عبر وسائل الإعلام والوسائط الاجتماعية، وهيئات المجتمع المدني والمنظمات ذات الصلة والتنظيمات غير الحكومية.

2. ينبغي الترتيب لعقد مؤتمر جامع، فيمكن عقد مؤتمر سياسي تشارك فيه جميع الأطراف المهتمة بالمشروع المشترك وهيئات المجتمع المدني والتنظيمات غير الحكومية، والأكاديميين و المحللين السياسيين والخبراء، وذلك لمناقشة وصياغة فكرة المشروع المشترك وتحديد مكوناته واحتياجاته يمكن أن يتم ترتيبه في إحدى الدول حال تعذر انعقاده داخل السودان.

3. تحديد الأهداف الرئيسية للمشروع السياسي وثوابته الوطنية التي يهدف إليها المشروع، وأهمها تحديد حقوق الفئات الأكثر تضررا من الصراع وضمان تلبية احتياجاتهم وجبر ضررهم وتحقيق كافة مستويات العدالة، وتحديد المسار السياسي الذي يؤدي إلى إنهاء الصراع وتحقيق السلام.

4. إنشاء فرق العمل التي ستشارك في إنشاء، تطوير، تحديث، وتطبيق المشروع القومي المشترك وتعكف على صياغته، وهذا يتطلب تمثيلا شفافا وكافيا لكافة القطاعات الاجتماعية والفئات المهنية والنوعية والعمرية.

5. العمل على إيجاد مصادر التمويل فصياغة وتنفيذ المشروع المشترك يحتاج إلى تمويل لتغطية تكاليفه، وهو السبب الرئيسي وراء فشل العديد من مشاريع النهوض والسلام والتنمية التي أبرمت في عدد من الدول. يجب على فرق العمل العمل على تحديد مصادر التمويل والبحث عن طرق لدعم المشروع وتوفير الموارد المادية لتحقيقه من الموارد المحلية والاقليمية ودعم الشركاء الدوليين.

6. أهم ما يمكن أن يقال في النهاية، يجب أن يكون المشروع المشترك مبنيًا على قيم حقوق الإنسان والعدالة والتكافل والتضامن، ولابد من تحقيق هذه القيم لكي يتحقق السلام والاستقرار.

● رابعا: ما لم نسر نحو إنهاء الخرب فسيتعذر علينا إيجاد وطننا الموحد، ولن نحظى بالاستقرار واستمرارية الحياة ولنحافظ على سلامة بلادنا وأراضيها وحدتها واستقرارها علينا اتباع بعض الإجراءات الداخلية التالية:

1. الحوار السياسي الذي يتضمن البحث عن حلول سياسية للنزاعات القائمة والتفاهم على نظام دستوري يحترم حقوق الجميع في الدولة والذي قطعت فيه القوى السياسية شوطا كبيرا يحتاج إلى استكمال حلقاته.

2. تعزيز مفهوم العدالة والمساءلة وهذا يتطلب وضع تصورات محكمة بإنشاء مؤسسات قضائية وعدلية ومنظومة حقوقية مستقلة وقوية وتفعيل دورها في حماية حقوق الفرد والحفاظ على حقوق الإنسان بعد ما شهدته البلاد من انهيار تام لمنظومة العدالة والحقوق.

3. بحث سبل دعم الاقتصاد القومي ودخول الأفراد بعد انهيار مؤسسات كبيرة وهو ما سيقود للاستقرار ويسمح للحكومة بتقديم الخدمات العامة والمرافق الأساسية للمواطنين، وما سيحفز الاستثمار والتنمية الاقتصادية ويزيد من مستوى الاستقرار في الوطن وإلا فسنشهد انتكاسة وعودة عنيفة للصراع واندلاع الاحتجاجات في كل مدن البلاد.

4. علينا تجنب التقسيم السياسي والابتعاد عن التمييز السياسي والعرقي والديني والمناطقي، وتشجيع العيش المشترك بين جميع أبناء الوطن، وتحترم الثقافات والأديان والعادات والتقاليد المختلفة للشعب وإخراس كافة الأصوات التي تعلي من العصبيات وتعظم خطابات الكراهية.

5. إعمال الشفافية التي ينبغي أن تكون حاضرة في كل الأنشطة التفاوضية والعمليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بصورة شفافة، وضرورة عدم إخفاء المعلومات وإظهار الحقائق للكافة بكافة سبل الوصول والاتصال.

6. رفع الحس بالتضامن القومي من خلال التركيز على المصالح المشتركة للجميع وتغليب مصلحة الوطن على أي مصالح شخصية أو حزبية أو طائفية أو مناطقية والتمهيد لخلق قيادة قومية جامعة مستقلة للبلاد.

7. اتباع أرفع وأكفأ أنماط الحوكمة والإدارة الرشيدة ويتطلب هذا الإجراء توفير القدرة التنظيمية للحكم والإدارة، والحوكمة الرشيدة على جميع المستويات لضمان تطبيق القوانين واللوائح بصرامة ودون تمييز أو محاباة وتطهير منظومة التمكين الحزبي والمناطقي لصالح أهل الكفاءة والمهنية والتميز.

● خامسا: هناك فرصة تلوح جراء هذه المحنة التي شهدتها البلاد وهي إمكانية العودة القوية للحياة والاستقرار والاستفادة من نداءات إقليمية ودولية كثيفة لإنقاذ السودان آخرها مؤتمر الاستجابة الإنسانية للسودان الذي عقد بجنيف في ١٩ يونيو الجاري، ولتحقيق الاستفادة القصوى من الدعم الإقليمي والدولي بعد الصراعات المسلحة نحتاج القيام بعدة إجراءات، منها:

1. تحديد الأهداف والأولويات الحقوقية والإنسانية والأمنية والصحية والاقتصادية التي تريد الحكومة تحقيقها من خلال دعم الدول الإقليمية والدولية، إلى جانب تحديد الأولويات في المرحلة الراهنة والمناسبة للتدخل الدولي.

2. الاستعداد لذلك بتشكيل فريق عمل محلي وإقليمي ودولي من الخبراء والمتخصصين للمساعدة في تحديد الأولويات وإعداد الخطط والبرامج المناسبة لتنفيذ الأهداف المرسومة، لتسهيل مسارات الاستجابة الفورية والسريعة والإسهام في الترتيب للمستقبل.

3. الاستفادة من الخبرات السابقة في إدارة الصراع من خلال االاستفادة من التجار السابقة لمحيطنا الإقليمي والدولي في تطبيق الحلول السلمية وتحقيق الاستقرار وهناك تجارب ناجحة إفريقية وآسيوية ولاتينية يمكن الاسترشاد بها.

4. العمل الدبلوماسي الحثيث بتكثيف التواصل مع الآخر الدولي وتفعيل العلاقات الخارجية والتعاون الدولي بين الدول الإقليمية والدول الكبرى لدعم الانتقال الديمقراطي والتنمية الاقتصادية وحماية حقوق الإنسان، وذلك عبر دبلوماسية رسمية حكومية وأخرى شعبية.

5. التلويح بفرص الاستثمار، فينبغي التركيز على جذب الاستثمار الدولي لتنمية البنية التحتية والقطاع الخاص وتشغيل الشباب، وذلك باستكمال الخطوات التي بدأتها الحكومة الانتقالية في مجالات الزراعة والطاقة والتعدين والسياحة وغيره.

6. ضرورة الاستفادة القصوى من التكنولوجيا ويجب إيجاد الفرص للتعلم وتحسين تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتسهيلات الأخرى، لأن جميع فرص الاستقرار صارت مرتبطة بالتطور التكنولوجي.

7. التدريب والتطوير والتنمية البشرية بصورة متزامنة مع عمليات إنهاء الصراع،و ينبغي الاهتمام بالتنمية البشرية والإنسانية، بما في ذلك التعليم والصحة لتوفير فرص العمل في المستقبل القريب وتطوير المهارات للاستجابة لاحتياجات البلاد.

● سادسا: من أشد الأخطار المحتملة على البلد حال استمرت الحرب، هو التدخل الدولي بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وتسليط يد العقوبات على رقاب السودان والسودانيين، ولتجنب العقوبات الدولية والتدخلات السلبية الخارجية علينا المضي بجد وحرص نحو الخطوات التالية:

1. إيقاف الحرب فورا والحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي، ما يوجب على الحكومة المركزية والحكومات الولائية العمل على تحقيق الأمن والاستقرار الداخلي والحفاظ على سيادتها، ومكافحة الجماعات الإرهابية والمتطرفة.

2. الالتزام الصارم بالقوانين الدولية والاتفاقيات والمعاهدات الموقع عليها، والتي تتضمن منع دخول المجموعات الإرهابية والمتطرفة للبلاد ومكافحتها، والكف عن الانتهاكات الإنسانية الجرائم والفظاعات.

3. الالتزام بمبدأ التفاوض السياسي والدبلوماسي، الذي يمكن تحقيقه بفعالية مع الدول والمنظمات الدولية المختلفة لتجنب العقوبات والتدخلات السلبية، والعمل على إقناعهم بأن الحكومة قادرة وراغبة وتعمل على إنهاء الحرب والوصول إلى سلام مستدام يقود لمدنية الحكم والسلطة ويمكن من استعادة مكاسب تنموية للبلاد وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي.

4. ينبغي العمل على التكامل الإقليمي وتعزيز العلاقات الثنائية مع الدول السبعة المجاورة والأخرى الصديقة والمنظمات الإقليمية، وذلك للحد من التدخلات الخارجية وتحقيق الاستقرار والحفاظ على السلم والأمن الإقليمي.

5. ضرورة تعزيز الحوكمة الرشيدة والشفافية في جميع المجالات المهنية والسياسية والإدارية والأمنية والعسكرية الاتحادية والولائية، وتحقيق مباديء العدالة والمساءلة والشفافية وسيادة حكم القانون، وذلك سيسهم في تقليل الاحتمالات المرتبطة بالتدخلات السلبية الخارجية.

6. التخطيط الجيد لتحقيق الازدهار الاقتصادي، ويجب العمل على ذلك بواسطة الخبراء والمختصين، وتخطيط ملامح المشروع الاقتصادي للبلاد واقتصاديات ما بعد الحرب لتوفير فرص العمل للشباب والتخفيف من أي ضغوط اجتماعية تؤدي إلى انتكاس الأوضاع السياسية والأمنية السيئة لما هو أسوأ فيندلع الصراع وتتدخل القوى الدولية.

7. أمامنا أهم تحد للحيلولة دون التدخلات الدولية وهو تعزيز قدرات الأمن الداخلي وتحسين الإدارة الأمنية وتحديث وتطوير المنظومة الأمنية، وتطوير القوات العسكرية والشرطية، وذلك لتحقيق الأمن والاستقرار الداخلي وتحقيق مهام دستورية لحماية المواطنين والحفاظ على السيادة وصون وحدة التراب.

● سابعا: الوطنية واستشعار الحس القومي تظل هي أهم دوافع السعي لتحقيق السلام وتجنب الحروب، ومتى ما تجرد القادة من ذلك وتخلوا عن أعراف القبيلة وتحلوا بروح قطاع الطريق قادوا بلادهم إلى حتفها.

• فمن خلال الحرب العبثية الدائرة تم إهلاك الحرث والنسل وتشرد المواطن وانتهكت حرماته ونهب الوطن ومقدراته، وتعرض الاقتصاد القومي لأضرار كبيرة نتيجة الانفاق الضخم على الجيش وشراء الأسلحة والذخائر والتي سبقتها إجراءات وزارة المالية برفع الضرائب وغيرها من الإجراءات اللازمة للحرب. وقد تم إلحاق الضرر بالبنية التحتية للبلاد والزراعة والصناعة والتجارة والسياحة، مما أدى إلى تدمير الاقتصاد وزيادة معدلات البطالة والفقر وحتما ستترتب على عمليات التعويض الفردية والجماعية مضاعفات اقتصادية تطلب حسا وطنيا وشعورا قوميا لعدم الاستمرار في الحرب يوما واحدا.

• علاوة على ذلك، فإن الحرب الحالية قادت إلى نهب الثروات والمقدرات الوطنية من قبل العابثين وغيرهم من المتدخلين الإقليميين والدوليين ومهدوا الطريق لإغراق البلاد بسلع ومستهلكات ستدمر الاقتصاد القومي. وبما أن هذه الثروات والمقدرات هي مصدر الثراء والنمو الاقتصادي للسودان، فإن نهبها يؤدي إلى فقدانها نهائيا وبالتالي تبخر الفرص الاقتصادية للبلد، لذلك علينا الحفاظ على ما تبقى من ثروات وموارد ومنع الوصول إليها من جماعات الجريمة المنظمة وعصابات دولية تجتهد لنهبها ونهب حتى موروثنا التاريخي وتدمير ما تبقى.

● ختاما: لكل ما سبق، لابد من تحقيق السلام والعمل على تجنب الحروب مستقبلا وتخفيض التكلفة الإنسانية والصحية والسياسية والأمنية والاقتصادية لها. ومن أجل ذلك، يجب على المتحاربين وقادة المجتمع من أكاديميين وساسة وإدارات أهلية ومجمعات دينية والقادة العالميين العمل معًا على تعزيز الحلول السلمية والفرص الدبلوماسية وتعزيز التفاوض بين الفرقاء والضغط الدولي وتحفيز الحوار والتفاهم لتجنب الصراعات وتقليل الحروب إن لم نقل إنهاؤها. ومن خلال إنهاء الحروب وتحقيق السلام، يمكن استعادة مكاسب إقليمية ودولية للسودان واستعادة فرص بددها انقلاب أكتوبر ٢٠٢١م وحرب أبريل ٢٠٢٣م وتحسين الاقتصاد وتوفير فرص النهوض والنمو والثراء للسودان والسودانيين.



عروة الصادق 
٢٢ يونيو ٢٠٢٣م 
orwaalsadig@gmail.com

الأحد، 11 يونيو 2023

استغلال الحرب لتأجيج الحرب

استغلال الحرب لتأجيج الحرب


● إن دخول أي من الحركات المسلحة وجيوشها المنتشرة في مدن كثيرة في المعارك الحالية مع أو ضد يعتبر انحيازا لأحد أطراف الصراع وهو من التصرفات التي ستؤثر بشكل كبير على العمليات العسكرية والتوجهات الاستراتيجية والعملية السياسية برمتها، وبالتالي عندما ينحاز طرف مسلح لإحدى الأطراف في الصراع، فإن ذلك يعني أنه يقف في صف هذه الجماعة أو تلك مما يجعله جزءًا من الصراع بشكل مباشر، ولا أعتقد أن الحركات المسلحة مستعدة للتموضع أو الاصطفاف في أي جانب، فما حازوه من مكاسب سلما لا يمكن أن ينالوه بالحرب أو حتى يصلوا الي معشاره.



● كذلك أي مشاركة في الحرب تترتب عليها نتائج كثيرة وكارثية منها التأثير على عملية الحوار والتفاوض بين الأطراف المتحاربة، فيمكن أن تنتهي مباحثات جدة التي تستطيفها المملكة العربية السعودية وتشرف عليها الولايات المتحدة الأمريكية، لتبدأ من عاصمة أخرى كما رأينا في مباحثات اتفاق سلام جوبا، فهناك من كان يريد نقله للدوحة والقاهرة وانجمينا،  وهذا يعني أنه سيصبح من الصعب على الطرف المسلح الذي ينحاز لإحدى الأطراف أن يعتبر الأخرى كشريك متساوٍ في الحوار والتفاوض، مما يجعل من الصعب التوصل إلى حل سياسي للصراع، وهو أمر سيعقد عملية الوصول لسلام مستدام واستكمال عملية السلام التي بدأت في جوبا ويرتجى استكمالها بانضمام عبد العزيز الحلو وعبد الواحد نور.



● وأي تحرك عسكري من أي  كيان مسلح كالذي حدث في كادوقلي من الجيش الشعبي قيادة الحلو في يونيو الجاري، سيخلف العديد من الخسائر والضحايا والأزمات والكوارث الإنسانية وهو ما سيؤثر على مستقبل البلاد المتضررة من صراع دامي ودائم ومنهك لإنسانها ومواردها وسيمتد إلى ولايات كردفان جميعاها وصولا للنيل الأبيض وولايات دارفور المتاخمة لكردفان الكبرى، وهذا الأمر حتما سيقود لانفجارات اجتماعية واصطراعات قبلية واصطفافات اثنية قد تؤدي إلى تأجيج العنف وتصعيد الصراع بشكل أكبر، وتبعث برسالة خاطئة إلى المجتمع الدولي بأن الحل العسكري هو الحل الوحيد للصراع، وهو ما سيقابلة المجتمع الدولي بالعقوبات والتدخلات بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.



● عليه فإنه ليس من مصلحة أي من أطراف الصراع أن ينحاز إليه كيان مسلح وليس من صالح الكيانات المسلحة كذلك الانحياز لأي طرف أو استغلال فترات السيولة الأمنية لتجاوز مناطق السيطرة والتفكير والتخطيط التوسعي فهذا سيكون محفزا لاستخدام الجيش للطيران والوسائل التي كان يستخدمها النظام السابق ضد المدنيين ما سبب في كوارث وفظائع إنسانية، لذلك، يجب على الأطراف المعنية بالصراع وبخاصة (الحركات المسلحة) أن يتفادوا الانحياز لأحد الأطراف المتحاربة، وأن يعملوا بشكل مستقل ومتعاون للوصول إلى حل سياسي ينهي الصراع ويحقق مصلحة السودانيين في العيش الكريم واستعادة النظام الديمقراطي والسلطة المدنية لاستكمال عملية السلام العادل الشامل وتحقيق التحول الديمقراطي الكامل.
 



● لذلك يعتبر استغلال هشاشة السلطات الأمنية وتسرب الكيانات المسلحة "المتمردة" أو"الغازية" من أخطر التحديات التي ستواجه السودان ومحيطه الإقليمب وكافة الدول والمجتمعات في العالم، حيث سيقود ذلك إلى انعدام الأمن والاستقرار وتفشي العنف والفوضى في المجتمعات المحلية وينسف أدنى مقومات الاستقرار وينهك تلك المجتمعات.



● الوضع الحالي في السودان يشهد ضعف أمني بائن وخلل استراتيجي يحفز جماعات كثيرة للدخول إلى السودان واستغلال ثقوب السيولة الأمنية للانقضاض على المدن، وعندما تصبح السلطات الأمنية هشة وغير قادرة على التصدي للتحديات الأمنية، فإن ذلك يشجع الكيانات المسلحة على التسلل وربما التسلط على المجتمع ويمكن أن ترتكب فظائع على أساس إثني وقبلي، والتي يمكن أن تسعى لتحقيق أجنداتها الخاصة على حساب مصالح الدولة ككل ويمكن أن تتدخل حينها أيادي أجنبية دعما وإسنادا وتمويلا واستضافة لمحطات الانطلاق ومعسكرات التجنيد والتدريب.



● وما لم يتم تدارك الأمر وإعادة الأمور إلى نصابها في السودان ولايات التي لم يتمدد إليها الصراع فإن ذلك سيسمح بانخراط مجموعات في في الصراع وخدمة الأجندة المشار إليها أعلاه وهو ما يقود لخطر داهم وهو إثارة الفوضى والعنف في المجتمع، وتفشي الجريمة والإرهاب والتهريب والاتجار بالمخدرات والأسلحة والبشر وغيرها من الأنشطة غير الشرعية، وتزايد جرائم الاختطاف للمدنين والعاملين في المنظمات الاممية والمطالبة بأموال طائلة في مقابل إطلاق سراحهم. وحينئذ، فإنه سيصعب على الحكومات رتق الفتق وستعجز السلطات الأمنية عن توفير الأمن والاستقرار اللازمين للمجتمع، وسيتعرض المواطنون للخطر ويشعرون بالتهديد والخوف وتتضاعف موجات اللجوء والنزوح والفرار من الحرب وازدياد أعداد المفقودين.



● ختاما: هنا يقع الواجب علينا جمبعا كقوى مدنية وكيانات سياسية واجتماعية وسلطات محلية وولائية ومجموعات عرفية ورجالات دين بذل كل الجهد مع الحكومات والسلطات الأمنية وتحفيزهل لتعمل على تقوية نفسها وتعزيز قدراتها الأمنية والعسكرية، والإسهام المجتمعي في تحسين الخدمات العامة المتدهورة وتطوير البنية التحتية المنهارة وورفع المستويات الاقتصادية المنهارة للمجتنعات، وذلك بتعزيز التضامن والتعاون بين المؤسسات المختلفة في الدولة. كما يجب عليهم أيضًا تكثيف الجهود للتصدي للتنظيمات المتطرفة التي ستطل برأسها في مثل هذه الحالات اتعاظا من التجارب التي عاشتها عدد من الدول الجارة والشقيقة والصديقة.
 

#لا_للحرب

عروة الصادق 

orwaalsadig@gmail.com
١١ يونيو ٢٠٢٣م

السبت، 10 يونيو 2023

أقلام أمنية لنسف الجهود السعودية

أقلام أمنية لنسف الجهود السعودية
● بعد نجاح الهدنة الإنسانية التي تم إقرارها في ٩ يونيو ٢٠٢٣م، تحت إشتراطات مراقبة صارمة من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، طفقت بعض أقلام المعاتيه والمشوهين نفسيا للإساءة للملكة العربية السعودية وسفيرها في الخرطوم وتبخيس جهودهم الدبلوماسية والسياسية والإنسانية، وتتخذ تلك الأقلام من دول ومنافي ومقار مخابرات ملاذات آمنة لتسعير الحرب والتحريض عليها وبث خطابات الاستعداء لكل رافض للحرب ولكل وسيط إقليمي أو محلي او دولي يريد إنهاءها.



● منذ اشتداد حدة الخلاف بين قيادة الجيش والدعم السريع، استشعر السودانيون خطر الحرب ورأوا بأم أعينهم تحشيد الجنود والبارود والوقود، حتى صارت الخرطوم قنبلة موقوتة، فهيأ فلول النظام السابق وسدنة الإنقلاب المناخ لاندلاع الحرب يقف خلفهم أقلام المخابرات وأبواقها الأمنية، فقادوا حملة شعواء لتحطيم الجهود الإقليمية والدولية واستهدفوا الرباعية الدولية واختزلوها في مقالات عنوانها منزل السفير السعودي، باعتبار أنه من سعى للتوسط بين الفرقاء ووضعهم على جادة الطريق استشعارا منه لما يمكن أن ينجم عن كوارث ماحقة بالبلاد والمنطقة وأمنها.




● انبرت كثير من الأقلام الأمنية لمواصلة هذا الهجوم الممنهج والمتواصل، آخرها ما خطه قلم مدير جهاز الأمن الوطني الأسبق الصحقي والقيادي بحزب البعث السوداني محمد وداعة في حق المملكة العربية السعودية ومهاجمتها في خطة لا تخفى إلا على خفاش ينكر ظهور ضوء النهار، وهو دأبه منذ بواكير الثورة ونهجه في إدارة الصراع، فالكاتب هو واجهة سياسية لابتزاز الخصوم المحليين والاقليميين والدوليين وبمثابة حصان طروادة يستخدمه صلاح قوش المستخدم من أجهزة مخابرات المنطقة لاقتحام جدر السياسيين والساسة.




● ما قرأته من وراء سطور قلم المخابرات (وداعة)، أن هناك جهة أمنية وسياسية تريد ابتزاز المملكة العربية السعودية عبر سفيرها في الخرطوم للمشاركة في أي عملية سياسية يمكن أن تتمخض عن منبر جدة الذي يستضيف طرفي الصراع في السودان بدعم أمريكي وهي طريقة تقليدية تجاوزتها أجهزة مخابرات الحرب العالمية الثانية.



● هذه الأقلام الأمنية عكفت كذلك على شيطنة البعثة الأممية في السودان ورفض دورها في تيسير الحوار لإنهاء إنقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م واجتهدت لأن يكون طرد البعثات والمبعوثين الدوليين والعاملين بالأمم المتحدة نهجا لاحقا وعملًا جديدًا في العلاقات بين السودان والمنظومة الدولية ودول الجوار، وصمموا لذلك حفنة من الأسباب. وهيأت الحكومة الإنقلابية لأن تتخذ قرارًا بطرد رئيس البعثة ووصفه شخصا غير مرغوب فيه.




● وهذه الحملات التي تولى كبرها قلم المخابرات (وداعة) هدفها إجهاض جهود المملكة العربية السعودية أو اتخاذها مطية لتحقيق تموضع سياسي جديد، فلا زال يجيش بخاطر قلم المخابرات أن يصبح أحد أعمدة وأركان الدولة السودانية وحكومتها بعد انجاز الثورة السودانية، ومن هذا المنطلق السياسي يحاول أن يخلق توترًا سياسيًا بين الحكومة السودانية وحواضنها الانقلابية وبين المملكة ممثلة في عنوان دبلوماسيتها السفير بن جعفر كما فعل الفلول مع فولكر.



● كذلك لا تخفى على فطنة المتابع ربط القرائن الزمكانية التي يتحرك بناء عليها الفلول والسدنة وأقلام المخابرات وأبواق الحرب، فالتموضع المكاني لتلك الأقلام واتخاذها من عواصم دول تجاوزتها فعالية وفعاليات الملف السوداني في جدة والدور السباق للمملكة منذ اندلاع الأزمة في ساعاتها الأولى وتسخيرها إمكانات جوية وبحرية لإجلاء البعثات الدولية والرعايا ومواطني الدول المستضافة في الخرطوم إلى جدة عبر جسر لم تشاطرهم فيه دولة، في ظل تمترس كثير من الدول خلف حواجز الإجراءات والتعسف، واتخذ قلم المخابرات من توقيت نجاح الهدنة في الخرطوم ميقاتا لاستخدام فزاعة الابتزاز الذي سيتدرج سياسيا وأمنيا ومعلوماتيا وفق تكتيكات كلاسيكية لم يستطع صلاح قوش تجاوزها.




● نشد على يد قيادة المملكة العربية السعودية ونشيد بدورها في تقديم أعظم خدمة للشعب السوداني سيذكرها التاريخ أنها مهدت لوقف الحرب وهيأت (جدة) لجلوس الفرقاء وجسرت الهوة بينهم، ومهدت الطريق لفتح المسارات الآمنة وسهلت وأسهمت في وصول الجسور الإنسانية والإغاثية العربية والدولية وعلى رأسها ما قدمه مركز الملك سلمان للإغاثة، ونشكر جهود سفيرها في الخرطوم الذي استجاب مشكورا لترتيب وتسهيل وتذليل الصعاب للوصول إلى منبر جدة الذي تقوده الإدارة السعودية بدعم أمريكي أشاد به الاتحادين الأفريقي والأوروبي والأمم المتحدة، وهذا المسعى الذي بذلته المملكة وسفيرها في الخرطوم هو عطاء غير مشرط وهو ما يزعج الأطراف التي تريد التدخل في الصراع السوداني لتحقيق اشتراطات وأجندة ذاتية أو سلطوية أو أمنية أو اقتصادية أو نحوه.




● ختاما: أقلام المخابرات وأبواق الحرب عجزوا تماما عن تعطيل جهود الحكومة الانتقالية في طوريها الأول والثاني، فلجأوا للتحريض على الانقلاب عليها في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، وقد فشلوا في إيقاف فعاليات الاتفاق الإطاري ومؤتمراته لإنهاء الإنقلاب فاختاروا تسعير نيران الحرب والتأليب عليها في الخرطوم، والآن أمامهم منبر جدة (الجاد) لإنهاء الصراع في السودان بعد أن تقاصرت مساعيهم في نسفه وتعليق مباحثاته ربما سيلجأون للتحريض الأمني ضد المملكة العربية السعودية وسفيرها وسفارتها وطواقمها الإنسانية التي تقود جسر الملك سلمان وشريان الغوث الإنساني، لذلك لا ينبغي الالتفات إلى هذه الأقلام أو إيلائها أدنى اهتمام فهي مأمورة ومأجورة وبمثابة الحصان الذين يقوده سايس وعلينا التوجه مباشرة إلى دولة (السايس) وأجهزة مخابراتها لكف الأذى الأمني والتحريض وخطابات الكراهية التي تتخذ من عواصم عربية وآسيوية منصات لألسنة (أقلام المخابرات).

#جدة_خير
#لا_للحرب

١٠ يونيو ٢٠٢٣م

عروة الصادق 
orwaalsadig@gmail.com

الخميس، 1 يونيو 2023

خطر حرب الخرطوم ٢٠٢٣م

خطر حرب الخرطوم ٢٠٢٣م

● حينما بدأت الحرب في دارفور ٢٠٠٣م لم يكن تلافي علاجها يتجاوز الاستجابة للمظالم التنموية وقصور الظلال الإدارية للدولة واحتجاجات قطاعات اجتماعية ومجاميع مطلبية، ولكن بالتجاهل والتساهل تطور الأمر إلى فقدان ٣٠٠ ألف نفس ونزوح ولجوء حوالي ٧ ملايين نسمة بعضهم مات في المنافي ومعسكرات اللجوء وبعضهم إلى الآن بعد مرور عقدين من الزمان يحلم بالعودة الآمنة إلى داره ومرحاله وحيكورته وأرض أجداده ولا زالوا يمنون أنفسهم بالوقوف على مقابر أهلهم الجماعية والترحم على ذويهم.



● بهذه المقدمة القصيرة أجزم أن استمرار الحرب في الخرطوم سيقود لتطاول أمدها وتزايد عدد ضحاياها من قتلى ومصابين ومفقودين وفارين، وحتما ستتزايد رقعة الجريمة المنظمة والانتهاكات الإنسانية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.



● تطور حالة الصراع السوداني في ٢٠٢٣م، برفض الدعوات السلمية والمطلوبات الحقوقية والنداءات المدنية، والاستعاضة عنها باختلاق صراع عسكري مسلح لتوطيد أركان الاستبداد والانفراد بالسلطة قاد لما نحن فيه وهو ثمرة سلسلة الانقلابات منذ ١٩٨٩م حتى ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، وبذلك تم تغييب الأصوات المدنية والسلمية وخفضها لصالح ارتفاع صوت البنادق، ونجحت الدولة الخفية في زج قوى الثورة السلمية في حالة استقطاب حادة قسمت الوجدان زاد من حدتها انتهاكات وجرائم عناصر الدعم السريع التي قابلتها خطابات تحريضية ستنسف أي حلم سوداني بالوحدة وستقسم السودان.



● ودرس حرب دارفور ٢٠٠٣م يبين أن التدخل الخارجي قد يؤدي  إلى تنامي الأزمات وتفاقم الصراعات المحلية وتحولها إلى حروب وهو ما يتم استدعاؤه الآن بصورة علنية أو سرية، وهنالك محاولات لدعم أطراف الصراع وتسخيرها لصالح أجندة غير معلومة إلا لأصحابها عن طريق تزويدها بالأسلحة والمال والدعم اللوجستي.


● هذا يعني أن اتساع ظل رقعة العوز والفقر والحوجة والفاقة والظلم الاجتماعي وتنامي ظواهر الجريمة واللجوء للعنف وربما التسلح بأسلحة خفيفة ومتسطة وثقيلة ملقاة على قوارع الطرقات وتنظبم تكوينات إجرامية محلية وعابرة للحدود، بالتعاون أو التبادل الإجرامي مع دول جارة متاخمة للسودان وحدودها مفتوحة دون رقيب.


● بالتالي سيحدث تنامي الصراعات الاثنية والمناطقية والجهوية والعرقية وهو الأمر الذي سيثمر مرارة الصراعات على الهوية والتسلح على تلك الأسس وتهاوي خطاب القومية في مواجهة خطابات العنصرية والتحريض والكراهية، وفي ذلك يتم بذل أموال طائلة لمنصات وواجهات إعلامية تبث تلك المواد لصالح مشروع الفوضى والتدمير.


● هذا المشهد سيحفز أجهزة مخابرات وجماعات أمنية إقليمية ودولية للتدخل السافر وربما الخبيث في الشأن الداخلي، وذلك لن يكون وفق أجندات تخدم أهل السودان وإنما ستكون ساحة الوطن ميدان للاصطراع الدولي لتحقيق مصالح تلك الدول وخلق حالة اصطفاف داخلية بين أبناء الوطن كما حدث في الحلات الليبية والسورية واليمنية والعراقية، والآن نشهد تلك التحركات على استحياء عبر مؤسسات إقليمية ودولية قد تقود لتدخل عصابات دولية عبر الحدود أو قوات أممية ببوابة مجلس الأمن والفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.


● ختاما:  في حال استمرار فشلنا جميعا (لا أبريء أحد) في إدارة الصراع والخروج ببلادنا إلا بر الأمان، فلن يكون لأي دور خارجي قيمة أو جدوى، بل سيكون مجال للمزايدة والعناد والمواجهة مع الأسرة الدولية ومفتاحا لباب يتسرب منه جماعاة الغلو والتطرف والإرهاب والإرهاق الإقتصادي للأم، وهي حتمبة مؤكدة ما لم نتحل بالجدية ونتحمل مسؤولياتنا تجاه شعب مسحوق أضنته الحرب ومضاعفاتها يقف خيرة أبناؤه على الحدود وأبواب السفارات ومخيمات اللجوء يكابد مذلة الظروف وإذلالا غير مسبوق، بعد أن شرده منطق القوة الذي استعاض عن قوة المنطق، وقطع الطريق أمام أشواق السودانيات والسودانيين في الحرية والسلام والعدالة.


عروة الصادق 

١ يونيو ٢٠٢٣م


orwaalsadig@gmail.com