الاثنين، 31 يوليو 2023

الحرب في السودان: تأليم النشء بانعدام فرص التعليم

الحرب في السودان: تأليم النشء بانعدام فرص التعليم


■ مقدمة: الحرب في السودان والصراعات السياسية أثرت بشكل كبير على الكثير من المؤسسات الخدمية والمرافق الحيوية ومنها المؤسسات والأنظمة التعليمية، التي كانت تعاني سلفا من مشكلات وأزمات متنوعة، لحقتها أيادي الحرب العابثة بالمزيد من السوء وعمليات التنكيل، منها الاستهداف المباشر من قبل الأطراف المتحاربة، والتدمير البنيوي للمباني باتخاذها ثكنات عسكرية ومنصات دفاعية، وما تلى ذلك من تجريف المعاني لإنها أصبحت في ظل تفاقم خطر وانتشار السلوك الإجرامي ودعاية الحرب والمتقاتلين وتنامي الفكر المتشدّد مراكزاً مهمة لجذب وتجنيد الأطفال والقصر والشباب اليائسين من إكمال تعليمهم.
وقد بينت منظمة الأمم المتحدة لشؤون الطفولة "اليونيسيف" في وقت سابق، أن الصراعات في مختلف مناطق العالم تحرم 25 مليون طفلاً وشاباً من فرص الوصول إلى المدارس، وفي السودان وحده هنالك حوالي 4 ملايين طفل قبل الحرب في السودان يشكون أوضاعا معيشية وصحية وغذائية سيئة، هذه المشكلات والأزمات تضاعفت بتوالٍ هندسي بعد الحرب وهي اليوم تؤثر بشكل كبير على ملايين التلاميذ والطلاب والفتيات والشباب والمستفيدين من الخدمات التعليمية الحكومية والخاصة، وتمنع غالبيتهم من استكمال تعليمه وفق رغبته وتصورات أهله وذويه، وتحرم كثير من العاملين في هذا السلك من وظائفهم.

● أولا: نعدد بعض الآثار التدميرية التي خلفتها الحرب على النظام التعليمي، ومن الأضرار التي تعرضت المؤسسات التعليمية، والمرافق الاستراتيجية والجامعات والمعاهد العليا والدمار الذي لحق بها والتأثيرات السلبية ما يلي:

1. تقطيع أواصر إنسانية ووشائج حميمة استمر بعضها لعام دراسي أو مرحلة تعليمية أو عدة مراحل بتمزيق شبكة علاقات اجتماعية بين التلاميذ فيما بينهم وبينهم أساتذتهم، وبينهم والعاملين في المؤسسة التعليمية، وذلك بقتل عدد منهم بسلاح المتحاربين عمدا أو عن طريق الخطأ، للدرجة التي عم الحداد فيها كل مرفق ومؤسسة تعليمية ابتداء من أعرق الجامعات السودانية( جامعة الخرطوم) التي شهدت دفن جثمان أحد طلابها بعد تعذر إجلائه لأيام منها وصلى عليه زملاؤه والعاملين وغيرهم، وعدد كبير من ساحات المدارس شهدت مباراة جثامين استحال تشييعهم إلى المقابر، فتحولت المؤسسات التعليمية من منارات إلى مقابر.

2. الدمار الماحق الذي بالمباني والبنية التحتية، وما تعرضت له الورش والمعامل والأنظمة التقنية والمزارع التجريبية، للتدمير جراء الاعتداءات والتخريب والسرقات والقصف والهجمات العسكرية، هذا أثر بشكل كبير على إمكانية توفير الخدمات التعليمية والبحثية وقد يتسبب في انقطاع المياه والكهرباء والاتصالات وقتل الحياة في تلك المرافق، وعطل أنظمتها الحيوية والبيئية والصحية.

3. نزف العقول وهجرة الكفاءات وتشتت الكادر التعليمي والبحثي، فقد شهدت البلاد نزوح المعلمين والأكاديميين والباحثين والمدرسات والموجهين والطواقم الفنية والادارييت، بسبب الحرب إلى مدن داخلية أو دول جارة وأدى تشتت هذا الكادر لأزمة ماثلة وترك الفجوات في العملية التعليمية والبحثية. وهو ما سينتج قلة خبرة وضعف مؤهلات في المدرسين والأساتذة المتبقيين، وهو ما سيؤثر سلبًا على جودة التعليم والبحث العلمي.

3. إتلاف الأنظمة وتدمير المعدات والمواد والوسائل التعليمية الحديثة وخاصة تلك التي في الجامعات والمدارس المتطورة، فقد تعرضت الأجهزة الالكترونية والسبورات التفاعلية والكمبيوترات والأجهزة الضوئية ومعدات الورش والمعامل والمكتبات والورقية والرقمية والوسائط الأخرى المستخدمة في التعليم للتدمير والنهب أثناء الحروب، وقاد هذا التدمير فعليا إلى فقدان الفرصة للطلاب والمستفيدين من الحصول على فرص تعليمية عالية الجودة، ويمكن تعداد عشرات الجامعات ومئات المدارس تعرضت لهذا النمط من الإتلاف.

4. تجمد الشرايين المالية وانقطاع الدعم والتمويل الحكومي للمؤسسات الحكومية أو الذاتي لتلك الخاصة، وقاد اندلاع الحرب إلى حجب وإيقاف التمويل الحكومي طوال الأشهر الأولى للحرب وتخصيص الموارد المالية والتمويلية للاستجابة للاحتياجات العاجلة والتي في الغالب اتخذت طابعا عسكريا، مما أؤثر على تمويل المؤسسات التعليمية والمرافق الاستراتيجية وكافة الجمعات الحكومية والمعاهد العليا، كما أن ما حدث من إضطراب في النظام المصرفي ونهب لعدد من الوحدات المالية للجامعات والمؤسسات الخاصة أو أرصدتها في البنوك والحيلولة دون الحصول عليها، تسبب ذلك في نقص الميزانية وإيقاف حتى أنشطة الحراسة والتأمين وأدنى خدمات الاستدامة من وقود وكهرباء التسيير ومياه للمرافق والمساحات الخضراء وقاد لتعطيل كلي لكافة الجهود التطويرية وتحديث الأنظمة التعليمية التي بدأتها كثير من المؤسسات والجامعات بعد الثورة المجيدة مستفيدة من رفع اسم السودان من قوائم الحظر الدولية.

5. الإتلاف المستندي الذي لحق بالأنظمة المالية والإدارية والتوثيقات والسندات العلمية والمسودات البحثية والمعلومات الخاصة بمنسوبي تلك المؤسسات، وتعذر الوصول إليها إما لاحتراقها أو اتلافها، أو سرقة الأجهزة التي تحتويها، جعل من الوصول لإرشيف تعليمي لكثيرات وكثر أمرا عسيرا وربما مستحيلا، وهو أمر أفقد كثيرات وكثيرين فرص سرعة النقل والالتحاق بموافقة أخرى، وأضاع مستقبلا مهنيا لحديثي التخرج، وأحبط المتأملين في استيعابهم للالتحاق ببعض الجامعات والمدارس والمعاهد التي كانوا يرغبون بالوصول إليها.

6. من مؤكد أن انعكاس كل ما ذكر أعلاه أسهم في تراجع مستويات التصنيف لجودة التعليم في السودان، وقاد إلى تراجع كبير في وضع السودان بالقوائم والإقليمية والدولية، وذلك لانعدام أدوات ووسائل المعايرة وإنهيار النظام المعمول كليا به وغياب السلطة المشرفة على التعليم في مختلف المستويات الاتحادية والولائية والمحلية وصولا للمستويات الإدارية الدنيا.


● ثانيا: المستوى الأخطر من التشوه، فهو ما لحق بالمعاني والتأثيرات التي خلفتها الحرب على مستويات وجدانية مباشرة، بالنسبة للطلاب والتلاميذ والمستفيدين من الخدمات التعليمية الحكومية والخاصة، والعاملين في هذا الحيز الوظيفي أو المهني أو الفئوي أو العمالي أو حتى الشرائح الاجتماعية التي تنشط في اقتصاديات التعليم والعملية التعليمية وما يرتبط بها، من غذاء، وكساء ونقل ودواء مطبوعات وملبوسات وداخليات إيواء، ومهن تجارية على هامش المرافق والمدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية، جميع هؤلاء كان التأثير عليهم بالغا ويمكن حصره في الآتي:

1. إنقطاع حلقة النمو المعرفي وانحسار المستوى الإدراكي واختلال وربما إنهيار في إشباع الحوجة المعرفية وذلك بقطع عملية التعليم برمتها، فالحرب قادت هذا العام إلى تعطيل عملية التعليم وقطع الفصول الدراسية لمختلف المراحل والمستويات، حيث أصبح من الصعب جداً للطلاب والتلاميذ الوصول إلى المدارس والجامعات بسبب القصف أو الانتقالات القسرية جراء النزوح واللجوء، وبعضهم دخل مدارس ولائية أخرى ليس تلميذا أو طالبا وإنما كمستأوين.

2. إختلالات صحية وزيادة مستويات التوتر النفسي لدى كثيرات وكثر من التلاميذ والطلاب، لما للحروب من تأثير سلبي على الصحة النفسية للطلاب والتلاميذ والمستفيدين جميعهم، فجميعهم تعرضوا للخوف والقلق والضغط النفسي بسبب الظروف القاسية، وعاشوا هول الصدمة والفزع الشديد وفقدانهم أهم محط آمالهم وطموحاتهم وبعضهم كان يخطط ويحلم بأن يكون في مستوى معين أو مرحلة جديدة أو خروج نحو حياة مهنية بعد التخرج، جميع ذلك تبدد لدى غالبية ساحقة تعاني ضيق ذات اليد وشح الموارد وضياع الفرص.

3. انفجار الكتلة البشرية وطلاب التعليم من تمركزهم في العاصمة وتشتتهم إلى الولايات وهو ما تسبب في نقص الفرص التعليمية المتاحة للطلاب والتلاميذ، ما يعني أنهم سيستمرون ويضطرون للانتقال لمناطق أكثر أمانًا نزوحا أو لاجئين، مما يتسبب في انقطاع التعليم لكثيرين وفقدان بعضهم الفرص والمنح التعليمية وتحولهم لفواقد تعليمية وتربوية.

4. رغم عودة أسر كبيرة إلى مواطنها الأصلية إلا أن الحرب أسهمت في تفكك منظومة الأسرة السودانية المتماسكة التي اختارت لم الشمل في العواصم والمدن الكبيرة لتعليم أبنائها، وهو أمر يستحيل استمراره بعد الحرب، ما يعني تفرق تلك الأسر وأبنائها للبحث عن معاهد ومدارس وفرص تعليمية أخرى داخل وخارج البلاد، أو ربما اختار بعضهم التخلي عن التعليم والخروج للبحث عن العمل.

5. ستقود تلك التراكمات بعض الصبية والشباب والمراهقين إلى الهروب من حالة العجز والاضطرابات المالية والمعيشية والنفسية وضيق ذات اليد، وحالة اللا أمل إلى التعلق بحبال التجييش الرسمي أو المليشيوي لمعالجة الاختلالات الناجمة عن انقطاع العملية التعليمية، وهو ما سيفاقم الأمر ويزيد أمد الحرب ويضاعف أعداد ضحاياها، ويزيد حدة انتهاكاتها بتجنيد الأطفال والقاصرين، وتزايد معدلات انتشار التسلح والجريمة وسط المراهقين.

● ثالثا: الحلم الذي ظل يرنو الجميع إلى تحقيقه هو عودة المؤسسات التعليمية في السودان والنظام التعليمي إلى صدارة الأنظمة التعليمية في المحيط العربي والأفريقي ومصاف التنافس العالمي، وقد هيأت الحكومة الانتقالية الأجواء لذلك واتخذت إجراءات رفع التمويل التعليمي والصحي وخفض الإنفاق على الأوجه الأخرى، ولإصلاح المؤسسات التعليمية والمرافق الاستراتيجية والمعاهد العليا خلال الحرب وبعدها يتطلب بذل جهود متعددة لإعادة ترميم وبناء هذه المؤسسات لإصلاح التلف الذي حاق بها ودمرها، وهي:

1. إصلاح المقار والمباني وإعادة بناء المرافق والبنية التحتية، وتوجيه الجهود وتكثيفها لإعادة بناء المباني والبنى التحتية المتضررة بشكل مباشر، وتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة لإعادة بناء المدارس والجامعات والمرافق الاستراتيجية وتجهيزها بالتجهيزات التعليمية اللازمة، والأنظمة المالية والإدارية وتكنولوجيا وأدوات التسيير الحديثة التي تسهل العملية التعليمية.

2. حشد المهارات والقدرات التعليمية للمعلمات وتدريبهن والمعلمين والأساتذة وهيئات التدريس الجامعية، بتوفير برامج تدريبية إسعافية للمعلمين والأساتذة المتبقيين أو تعيين معلمين جدد لسد الفجوات التي ظهرت في الكادر التعليمي خلال فترة الحرب، و تخصيص أكبر قدر من الموارد للتأهيل المستمر للمعلمين لتطوير مهاراتهم التعليمية ليسهم ذلك في تحسين جودة التعليم المقدم، بما يواكب أحدث أنماط وأنظمة التعليم الأساس والمتوسط والثانوي والجامعي في المنطقة والإقليم والعالم.

3. حشد الإمكانيات وتوفير الموارد المالية والتمويل، وبجانب الاهتمام الشديد بالجوانب الصحية والإنسانية ينبغي التركيز على توفير التمويل اللازم للمؤسسات التعليمية قبل المدرسية والمدرسية والجامعية والمرافق الاستراتيجية والمعاهد العليا الحرفية والمهنية والتقنية والتكنولوجية والتجارية والزراعية والمتخصصة، ويمكن أن يأتي هذا التمويل من المنظمات الدولية والمانحين الدوليين، بالإضافة إلى جهود الحكومة المحلية في تقليص الصرف الأمني والعسكري واستثمار الموارد في التعليم وتحقيق التنمية البشرية.

4. ترميم التشوهات التي لحقت بالبعض والشروخ الذاتية التي أدت إلى اضطرابات عديدة وسط الصبية والفتيات بتقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، وتوفيرها للطلاب والتلاميذ المتأثرين من الحرب، وتهيئتهم للتعامل مع التأثيرات الأكاديمية والنفسية للحرب، يمكن أن تشمل هذه الخدمات مشاركة المستشارين وعلماء النفس ومختصي تقويم السلوك وخرجي المدارس المتخصصة والعمل الاجتماعي لمساعدة الطلاب في التعامل مع الصدمة النفسية وإعادة بناء ثقتهم بأنفسهم وتوفير بيئة داعمة للتعليم، بحشد الطاقات الخيرية والأهلية التي أسهمت في إسناد التعليم في مراحل سابقة عبر رجال الأعمال والخيرين والأعيان.

5. تأسيس مناهج التسامح ونشر أهمية المعرفة والثقافة والتعليم السلمي والثقافة السلمية والقيم التعليمية في مؤسسات التعليم والمجتمع بشكل عام من خلال تطبيق برامج التعليم مشبعة بالقيم السامية والتربية الوطنية التي تحض على السلام والتتايش وحرية المعرفة والالتزام بحقوق الإنسان، ليساهم ذلك في تعزيز السلام والمصالحة والتعايش السلمي في مجتمع متضرر من الحرب ومعبأ بخطابات الكراهية وخارج من أتون العنصرية وشبح الاصطفافات الإثنية.

6. إعلان الطواريء التعليمية وسط الطبقات المتعلمة والأكاديميين في السودان وخارجه، وخلق أكبر شبكة سودانية للتعليم عابرة للقارات، تسهم بالتمويل والتدريب واستقطاب الفرص التعليمية والمنح المخصصة من مؤسسات ومرافق دولية وإقليمية وتمكين المجتمعات المختلفة والمتضررة من الحرب للوصول إليها، على أن تتوحد تلك الطواريء التعليمية تحت جهة اعتبارية موثوقة لئلا تستغل أو توظف جهودها لمصالح ذاتية أو تجارية أو استثمارية أو حتى سياسية، لينعم بخدماتها كل أبناء وبنات السودان، وتكون المعين والمعيل لآلاف الكفاءات الأكاديمية والمهنية من الخبرات السودانية وأعضاء هيئات التدريس ومجالس السند العلمي وخبراء التكنلوجيا والمعرفة وسلك التوجيه والمتابعة والإشراف.


● رابعا: بلا شك هذا الجهد المحلي المشار إليه أعلاه غير كاف، فهناك حاجة ماسة إلى تعاون إقليمي ودولي قوي وجهود مكثفة لتحقيق تلك الإصلاحات وإعادة الترميم ومنع حدوث المزيد من الأضرار في منظومتنا التعليمية المتهالكة، وذلك بتبنى الحكومات الاتحادية والولائية والمؤسسات التعليمية والمجتمع المدني استراتيجيات شاملة لإعادة بناء وتحسين البنية التعليمية وتوفير التعليم الجيد للطلاب والمستفيدين من خدمات التعليم في ظل الحرب وبعدها، فبعد الحرب والصراعات تعرضت العديد من النماذج التعليمية للانهيار، لكن هناك أمثلة على نهوض وتحقيق نجاحات وتطورات في التعليم في بعض البلدان المنكوبة، وقد استفادت العديد من تلك الأنظمة التعليمية من فرص التعاون الدولي لإعادة بناء التعليم في مراحله المختلفة، ومن تلك النماذج:

1. جنوب إفريقيا خرجت من حرب أهلية ونظام فصل عنصري، وتردي في البنية التحتية وتهالك الروابط المجتمعية لتصبح في فترة وجيزة بعد إنهاء نظام الفصل العنصري من أفضل الأنظمة التعليمية وهيأت أجود المرافق والمؤسسات والمناهج، لتصبح جنوب إفريقيا من القبلات التعليمية لكثير من العرب والأفارقة، وتموضعت في قوائم التصنيف الدولي والإقليمي لوضع أكثر من (50) جامعة في ضمن الجامعات الأميز والأفضل.

2. نموذج التعليم في فنلندا التي تعتبر واحدة من الدول التي تمكنت من تطوير نظام تعليم متميز بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد ما شهدته من دمار ماحق لحق ببنيتها التحتية قدمت فنلندا تعليمًا ذا جودة عالية، وركزت على تطوير مهارات التفكير النقدي والإبداع في الطلاب، واستثمرت في تدريب المعلمين وتحسين برامج التعليم لتقود الكثير من الأنظمة التعليمية حولها.

2. شكل نموذج النمور الآسوية أحدث وأقوى أنماط التعليم ونموذج التعليم في سنغافورة يعد نموذجًا ناجحًا بعد تحريرها من الاحتلال الياباني والفقر، فقد تم إعادة بناء النظام التعليمي بشكل كامل، وركزت سنغافورة على رفع مستوى جودة التعليم وتنمية القيم والمهارات في طلابها، واستثمرت في تدريب وتأهيل المعلمين.

3. النموذج الألماني الحديث الذي يقود ريادة التعليم في أوروبا وما حولها ويحتكر بعض التكنولوجيا والتقنيات وأسرار المعرفة، لم يكن الوصول لذلك معبدا أو ممهدا أو مفروشا بالورد، فقد استحدثت ألمانيا نظامها التعليمي بعد انهيار جدار برلين والوحدة الألمانية، واستثمرت الدولة الاتحادية في تطوير نظام تعليم فعال وشامل، وقد ركزت ألمانيا على (التعليم المهني) وتنمية المهارات العملية، وأدخلت إصلاحات هامة في برامج التعليم الثانوي والتكنولوجي وهو ما يمكن أن يوحي لنا أين نتجه في شراكات التعليم المهني والتقني وخاصة المتعلق بمجالات الطاقة النظيفة وتكنولوجيا الأشياء.

4. النماذج كثيرة وكبيرة، ويمكن تعداد عشرات الأنظمة التعليمية النهضة من ركام الحروب، وهو ما يوجب دراسة كل نموذج للاستفادة منه، في مجالات الأدب والثقافة والفن والإدارة وعلم الاجتماع والتكنولوجيا والزراعة والطاقة وغيره، وهناك دول تريد شراكات وتبادل منافع مع السودان على أسس عادلة كاليابان وكوريا الجنوبية والهند والصين وهولندا وكندا وغيرها من الدول التي تحركها المصالح المتبادلة وليس المطامع أو المخاوف.

■ ختاما: إن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ICT) يمكن أن تلعب دوراً هاماً في تحسين نظام التعليم خلال فترات الصراع وما بعد الحرب، ويمكن لهذه التكنولوجيا الحديثة والمتطورة أن تساعد على تسريع التقدم نحو تحقيق الهدف (4) من أهداف التنمية المستدامة (SDG4)، وهو التعليم الجيد والشامل للجميع، وهو هدف ملزم لكل الدول ويلزم العالم بدعم الحكومات لتحقيقه.
• ويقع على عاتق الأمم المتحدة ومفوضياتها ووكالاتها وهيىاتها المختصة تيسير الوصول للأنظمة التكنولوجية التعليمية للسودانيين، كأن تقوم اليونسكو بتبادل المعرفة حول الطرق المختلفة التي يمكن للتكنولوجيا أن تسهل بها حصول الجميع على التعليم، وردم الفجوات في التعلم، وبناء قدرات المعلمين، وتحسين جودة وأهمية التعلم، وتعزيز الإدماج، وتحسين إدارة التعليم وحوكمته الرشيدة.
• وتضطلع بقية المؤسسات المراصفة لها إقليمية في الاتحاد الافريقي أو الجامعة العربية أو المنظمات الإسلامية بذات الدور المعين للخروج بالنظام التعليمي السوداني من ركام الحرب، لأن تأثير الحروب على المؤسسات التعليمية والطلاب والمستفيدين يعد أمرًا خطيرًا ويحتاج إلى اهتمام شعبي ورسمي ومحلي وإقليمي ودولي للتعامل مع تلك الأضرار وتوفير الدعم اللازم لإعادة إعمار البنية التعليمية وتمكين المجتمعات من التعليم في هذه الأوقات العصيبة.

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
orwaalsadig - fb, tw, thr, Skype,
١٣. محرم. ١٤٤٥ه
٣١. يوليو. ٢٠٢٢م

السبت، 22 يوليو 2023

الحرب تفتح الباب لعودة الأنذال

الحرب تفتح الباب لعودة الأنذال

مقدمة: تستنكف القوى الدكتاتورية والأنظمة المتسلطة إنهيارها بفعل عوامل التآكل والتعفن الداخلية، أو الموجات الثورية، أو التدخلات الخارجية، أو باجتماع كل ذلك، وتجابه ذلك الانهيار بمحاولات حثيثة للعودة مستخدمة نهج الردة السياسية وكافة طرائق ومحاولات الدكتاتوريين للعودة للسلطة التي جربتها أنظمتهم وابتدعتها أجهزتهم الأمنية، كمحاولات عودة الدكتاتوريين في تونس (بن علي)، ومصر (محمد حسني مبارك)، و(محمد مرسي)، ليبيا (معمر القذافي)، ومجموعات موالية في اليمن للرئيس (علي عبد الله صالح)، وهناك العديد من الأمثلة المعاصرة في إفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية وأوروبا حول النظم السلطوية والحكومات الدكتاتورية التي سقطت وتسببت في اضطرابات وأزمات مختلفة، وحاول طغاتها الارتداد على الثورات أو التغيرات، ومن الضروري لكل المهتمين بهذا الأمى النظر في العديد من الأمثلة بعد موجات الربيع العربي، والأحداث في تونس ومصر وليبيا وسوريا، والأحداث في بعض الدول الأفريقية مثل زيمبابوي، ودراسة الانتقالات الديمقراطية في أمريكا اللاتينية مثل تشيلي، الأرجنتين، والبرازيل، لنجد أن كل تلك الأنظمة لم يركن عناصرها ويقبلوا الهزيمة الشعبية والجماهيرية التي أقصتهم من السلطة.


● سنجد أن استماتة الأنظمة السلطوية والحكومات الدكتاتورية في التخطيط للعودة والارتداد على الثورات أو الموجات التصحيحية لها تأثيرات سلبية على الاستقرار السياسي، وقد تسببت في أزمات وكوارث قادت في بعض الأحيان إلى صراعات مسلحة كما هو الحال في السودان وغيره من دول المنطقة. 


● كما سنخلص إلى أن الأنظمة الدكتاتورية والسلطوية تستخدم مجموعة متنوعة من الأساليب والتكتيكات للعودة للحكم وإضعاف الأنظمة الديمقراطية أو الانتقالية ولتقويض الحكم المدني، ومن بين هذه الأساليب الآتي:

•أولاً: البروبوغندا والاستخدام الاستبدادي لوسائل الإعلام، والتوجيه المغرض والاستغلال الخبيث لأجهزة الدولة، واستغلال وسائل الإعلام الرسمية ووسائل الاتصال الجماهيري لترويج الدعاية وتشويه صورة المعارضة وتشويه الحقائق وتزيفها واغتيال قادة المقاومة والخصوم السياسيين معنويا، كالذي حدث في الفترة الانتقالية، بتشويه صورة نظام الحكم المدني (دي المدنية الدايرنها)، وانتشار حملات الترويج ضد قيادات الحرية والتغيير، وطاقم الحكومة التنفيذية، والهجوم المستمر ضد لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، ومن بعد انقلاب ٢٥ أكتوبر حتى اندلاع الحرب واستمرار ذات المنصات الإعلامية التضليلية في نهج الإساءة والتشهير والتحريض وبث خطابات الكراهية، تمهيدا لإبراز وجوه أنذال وأذيال النظام البائد الكالح ومحاولات تجميلة بادعاء إسناد القوات المسلحة وتقديم وجوه مجرمة ومطلوبة للعدالة الدولية، كالحملة التعبوية التي يقودها رئيسي الحزب والبرلمان المحلول أحمد هارون والفاتح عز الدين ومن ورائهم جمهرة الفلول.

•ثانيا: تقزيم الموارد بالتزامن مع عمليات التأزيم الاقتصادي، وهو نهج اتبعته الجبهة الإسلامية القومية في ١٩٨٩م، وأعادت استخدامه قبل انقلاب اكتوبر ٢٠٢١م، قائم على إحداث أزمات اقتصادية وإفراغ خزائن البلاد لزعزعة الثقة بالأنظمة الديمقراطية والحكومات المدنية وإظهار فشلها في توفير الخدمات والرفاهية الاقتصادية، وفي ذلك تمت عمليات شراء السلع والاحتياجات الأساسية ورميها في النيل أو دفنها أو تخزينها حتى التلف، وهذا الأمر بعد حدوثه في ١٩٨٩م، تكرر بصورة أخرى بالمضاربة في العملة وتمويل عمليات شراء الذهب واحتكار السلع الاستراتيجية، وعمليات غسل الأموال التي رصدتها وحدة التحليلات المالية "الحكومية" التابعة لبنك السودان المركزي، وعمليات تهريب الموارد والمواشي والخام إلى دول جارة ليتم تصنيعه وتصديره منها كدولة منشأ، ونشطت في ذلك شركات ورؤوس أموال عرفت بانتمائها للحزب المحلول، ومولت تلك الواجهات المالية والاقتصادية أنشطة التخريب الانتقالي، بدءا من اعتصام القصر، وتوفير الدقيق والوقود والمحروقات والسلع الاستراتيجية لحكومة الانقلاب، وكذلك تمويل عمليات التحضير لحرب إبريل ٢٠٢٣م، ولا ننسى تمويل عملية فض اعتصام القيادة العامة في يونيو ٢٠١٩م.

• ثالثا: تسخير جهاز الدولة الأمني وأجهزته الشرطية وسلطاته القانونية لأسوأ وأنكىى عمليات القمع والاضطهاد ضد الخصوم والعناصر المقاونبة، فللمستبدين تاريخ طويل وسيء من استخدام القوة والترهيب لقمع المعارضة والمتظاهرين والحريات الفردية، وإعاقة عمل المنظمات والصحافة المستقلة، وشهد السودان طوال فترات الاستبداد لثلاثة عقود أبشع تلك الأنواع، إلا أن سلطة إنقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، واصلت ذلك بالصورة التي اعتقلت فيها كل قادة الحرية والتغيير وعناصر حكومتها التنفيذية، ولجان المقاومة ونكلت بالمتظاهرين والمحتجين، وانتشرت عمليات التعذيب والاخفاء القسري والتصفية والمحاكمات السياسية في ثوب قانوني تصدى لها، كيان محامو الطواريء الذي بذل فيه محاميات ومحامو السودان كل شهدهم للتصدي للمشروع القمعي الذي مهد لاستعادة عناصر النظام المباد قي الأجهزة الأمنية والشرطية والسلطات القضائية.

•رابعا: قاد ذلك لتحكم في الجهاز الأمني والعسكري بصورة أقوى مما كان عليه في فترات حكم النظام المباد، أو السلطة الانتقالية، وبذل النظام المباد جهده لإعادة عناصره والاحتفاظ بتأييد الجهاز الأمني والعسكري والاستخدام المناسب للعنف والقوة العسكرية وجعله مفتاحًا للسيطرة على النظام، وبعد انقلاب أكتوبر ٢٠٢١م، تمت إحالة وإقالة كافة العناصر التي نفذت الانقلاب، والاستعاضة عنهم بعناصر موالية للتنظيم المباد وتمكينهم من القرار وقيادة المؤسسات للدرجة التي صارت فيها أندية ومقار القوات النظامية أماكن لاستضافة الاجتماعات الآمنة والرسمية لفلول الحزب المباد، كما مارس الحزب المحلول هوايته في اختراق شامل لكافة القوات النظامية، وشبه النظامية، والحركات المسلحة وتخليق مليشيات جديدة، فتغلغل عناصره المحالين إلى التقاعد في فترة الثورة إلى صفوف الدعم السريع والحركات المسلحة، وشكلوا بذلك خلايا تنسيقية تأتمر بأمر التنظيم المحلول والحركة الإخوانية، ومضوا لأبعد من ذلك بإعادة عناصرهم وكتائبهم الخاصة وتدريبهم في معسكرات نظامية ومقار استراتيجية.

• خامسا: قبل وأثناء وبعد الحرب الحالية نشطت جماعات النظام المباد في التحشيد والاستخدام السياسي للتجنيد العرقي والجهوي وحتى الديني، وتنظيم حملات ومخاطبات بذات الشعارات الجهادوية التي مورست خلال ثلاثة عقود وقادت لفصل اابلاد وتأجيج الحرب في جنوب النيل الازرق وجنوب كردفان ودارفور، والتحريض على الآخر وتسعير نيران الصراعات والاضطرابات العرقية، واستمارة النعرات القبلية لتفتيت الوحدة الوطنية وصرف الانتباه عن القضايا الحقيقية، التي نظمت في خطاب سياسي متفق عليه من قبل طيف واسع من السودانية، وتمزيق وثائقه، التي تحدثت عن مدنية الدولة ودستورية مؤسساتها، وعمليات استكمال السلام الشامل، وقضية شرق السودان، وتحقيق العدالة والعدالة الانتقالية وعدم الافلات من العقاب بالإضافة للملف المزعج للفلول وهو ملف تفكيك سلطة ومؤسسات التمكين والحزب الواحد لصالح الوطن وملاحقة عناصره الذين أسهموا في مشروع تدمير السودان.


• سابعا: بعد تأجيجهم الحرب ومحاولة الانقضاض على السلطة كانت خطوتهم التالية هي التوجه لقيام الانتخابات (المخجوجة) والمزورة، لاعتقادهم أن ذلك سيصبغ عليهم شرعية ويمكنهم من العودة للسلطة والردة على الثورة، وتم التحضير لتزوير الانتخابات وإجراءاتها، بالتحضير قانونيا وشكليا ولوجستيا، ومهدوا لذلك بتصريحات من مسؤولين وناطقين رسميين للسلطة الانقلاب، وما يتم الآن من عمليات تحشيد لنصرة القوات المسلحة شكلا فهو يستبطن في داخله نشاط سياسي حزبي صارخ بدأ قبل الحرب باجتماعات وإفطارات رمضان العلنية والسرية، بغية التحضير لإعلان نشاط الحزب المحظور بموجب القانون والمحلول بأمر الثورة، وفتح الباب لعناصره وتمويل أنشطتهم وحماياتهم وهو ما يهيء بشكل غير عادل لاستعادت النظام المباد والحصول على دعم شعبي زائف يمهد لإعادة الانتخاب واستعادة النظام السلطوي بوجوه جديدة في ذات الثوب الإخواني الخلق.


• أخيرا: لن تكف أيادي تمزيق الوطن، وعناصر العبث باستقرار البلاد عن محاولات الردة السياسية، وواجب القوى المدنية الحية والكيانات الثورية التصدي لمشروع التسلط بوجهيه العسكري والمدني، لمنع تحول أشواقنا في المدنية وترسيخ الأنظمة الديمقراطية إلى أنظمة سلطوية، وعلى تلك القوى المدنية وجماعات الضغط والمؤسسات الديمقراطية اتباع بعض الاستراتيجيات الفعالة، والتكتيكات والأساليب التي تم انتهائها ضد العديد من الأنظمة الدكتاتورية في إفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية وآسيا، وأيضا من خلال التجربة السودانية:

١. رفع الوعي بالحكم الرشيد وركائزه المتمثلة في المساءلة والشفافية وسيادة حكم القانون ومكافحة الفساد، وينبغي أن تكون المؤسسات الديمقراطية شفافة ومسؤولة، وتتبع سياسات مناهضة للفساد في داخلها قبل المناداة بها على الصعيد القومي، وتحصين تلك المؤسسات من عمليات الاختراق التي تحدث في غالبها الأعم نتيجة عمليات فساد، ويمكن تطوير آليات رقابية فعالة للتأكد من حسن الأداء وتطبيق سياسات الشفافية والمساءلة.

٢. إحترام الرأي والرأي الأخر والديمقراطية وصون حرية الصحافة وحرية التعبير، وعلى تلك القوى المدنية أن تدعم الصحفيات والصحفيين السودانيين وتقديم العون والاسناد لهم، لتتمتع الصحافة بحرية كاملة لتقديم معلومات دقيقة ومستقلة، وبالأخص في أجواء الحرب الملبدة بالأكاذيب والدعاية الحربية، وكفالة حقهم فب الوصول للمعلومة وحمايتهم الشخصية وأسرهم من أي ملاحقات واعتداءات وتهديدات كالتي طالت إعلاميين واعلاميات في منطقة زالنجي غربي دارفور ، وعلى الجميع أن يتداعى لميثاق شرف تقوده القوى المدنية لصوت حرية التعبير للصحفيين وللأفراد والمنظمات الشعبية والجماهيرية.

٣. تفعيل أدوات المجتمع وتشجيع المشاركة المدنية والحد من عمليات التحشيد العنصري والمناطقي والجهوي لصالح أي من طرفي الحرب عسكريا، وبالضرورة الحديث عن المشاركة السياسية والمجتمعية للمواطنين من خلال تكوين لجان الطواريء والخدمات وشرايين الحياة، والمدارس الوقفية، والمستشفيات الميدانية، والاندية الرياضية والثقافية والمنابر الحرة، التي تكفل التعاطي المدني والمنافسة الاجتماعية والرياضية السياسية العادلة وتحفيز المواطنين على المشاركة في العملية السياسية المنظورة.

٤. مناهضة التكلس المؤسسي والجمود البنيوي في المؤسسات المدنية والسياسية ولجان المقاومة وجماعات الضغط والكيانات الثورية والنسوية والفىوية والمهنية وإعادة بناء مؤسسات ديمقراطية قوية، تجدد برامجها وشعاراتها وتطور قياداتها، لتعمل باتساق في رفع الوعي بالدولة (شعبها وأرضها وسلطاتها) واستعاب العقل الجمعي لتلك المؤسسات لضرورة النهوض بدولة المؤسسات التي تكون فيها الأجهزة القضائية المستقلة، وأجنزتها التنفيذية الفاعلة ومؤسساتها التشريعية الصارمة، وتطوير مؤسسات إنفاذ القانون وحقوق الإنسان، وضمان احترام الدستور والقوانين من الجميع.

٥. عندما تحدث عمليات النهوض المؤسسي للقوى المدنية والكيانات الثورية الحية سيتم فتح أبواب التعاون الإقليمي والدولي والدعم وإبرام الشراكات الذكية، لكفالة التعاون والتضامن الإقليمي والدولي مع السودان الذي يحاول الانتقال إلى نظام ديمقراطي، حينها سيجد العالم جدية في تعاطي القادة السودانيين مع قضايا المدنية والسلام والحرية والعدالة وسيشرعون عندئذ في تقديم الدعم المالي والتقني والسياسي للمؤسسات الديمقراطية والقوى المدنية، وهو ما سيقصر الطريق لاستعادة السلطة المدنية وقطع الطريق أمام قوى الردة الإنقلابية، وتحصين الثورة وتنفيذ شعاراتها وتفعيل أدواتها المدنية للتنافس الذي تنظمه عملية انتخابية ديمقراطية شفافة ونزيهة يعمد الشعب السوداني على ضوئها من يريد انتخابيا.


● ختاما: إن أقصر الطرق للأنظمة السلطوية الامنجية النذلة وقوى الردة السياسية الفاسدة لاستعادة فراديسهم المفقودة، تكون بالبطش والإنقلاب على السلطة القائمة أو إشعال الحروب، لتمكين أدوات وآليات الطواريء، وبالتجربة العملية خلال الخمسة عقود الماضية تبين أن أفضل الأساليب المستخدمة لردع الدكتاتوريات وبأقل تكلفة ممكنة والمجربة محليا في (١٩٦٤م و ١٩٨٥م و٢٠١٩م)، هي الأساليب السلمية والمدنية والديمقراطية للتغيير وليست الاصطفافات القبلية والجهوية والمناطقية والتحشيدات العسكرية والاحتماء خلف البندقية، وأولى الخطوات لاستعادة الأدوات المدنية هي فتح باب الحوار والتفاوض بين المتحاربين للوصول إلى وقف إطلاق نار دائم، يمهد لحل سياسي شامل ويستعيد الحياة المدنية، حينها ستكون أدوات التعاطي الحر ليست بالبندقية وإنما بالنقاش العام والاحتجاجات السلمية والانشطة المتعارف عليها دوليا ولا تكلف الدولة والشعب خسائر في الأرواح والممتلكات كالتي شهدتها حرب السودان التي تمضي نحو يومها المائة، وما لم تتم استعادة الحياة المدنية حيويتها وفعاليتها في الداخل، سيلجأ العالم إلى استخدام أدوات الضغط الدولي والعقوبات الاقتصادية للتأثير في السياسات الدكتاتورية، والتي في الغالب سيتحايل عليها الطغاة وسيكون مردودها مدمرة للبلاد ومنهكا للعباد.


عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
@orwaalsadig
٤. محرم. ١٤٤٥ه
٢٢. يوليو. ٢٠٢٢م

الخميس، 20 يوليو 2023

حرب السودان: الفراغ الاجتماعي والثقافي والسياسي

حرب السودان: الفراغ الاجتماعي والثقافي والسياسي
● حالة اللادولة التي يعيشها السودان ليست مهدد لحياة الإنسان وموارد البلاد ومرافقها الخدمية والاستراتيجية والتنموية فحسب، بل يعد تفشي الحروب والنزاعات من مسببات إحداث فراغات في القيادة الأكاديمية والمهنية والاجتماعية والسياسية، وهو ما يعرض السودان ونظامه التقني والفني والإداري والصحي والرياضي والمجتمعات للخطر، ويتسبب ذلك في تدهور كافة الكيانات والمؤسسات المدنية، ونجم عن ذلك الفراغ القيادي وتدهور وضياع وتهاوي المؤسسات المدنية وتسلل القيادات الانتهازية إلى سطح جهاز الدولة ومؤسساتها وكياناتها وإداراتها وبروز قيادة طفيلية وأمراء حرب، وذلك مرده للآتي:

1. فرار الكثير من النخب والكفاءات من ويلات الحرب وغياب القيادة المجتمعية قاد ذلك لفراغ هيكلي ومؤسسي في بنية العديد من المؤسسات الشعبية والأهلية والدينية والمدنية، ولتدارك الأمر على تلك القوى والمؤسسات العمل الفوري على تأسيس منصات ومنظمات طواريء محلية تعمل على تشجيع وتدريب القادة المحليين في الولايات والمدن والقرى والفرقان والمراحيل والدمر، لتعزيز قدراتهم في قيادة المجتمع والمؤسسات المحلية، وملء المقاعد التي خلفها شغور القيادات.

2. تكلس شرايين المؤسسات وعدم تجديدها وغياب التنظيم المحكم لاغلب منظمات المجتمع المدني وأحزابه السياسية وجماعاته الإبداعية واداراته الاهلية وقياداته الدينية، وهو ما يتطلب بذل جهود مضاعفة وأدوار كبيرة من تلك المؤسسات ورصيفتها غير الحكومية والمنظمات غير الربحية في تقديم الخدمات الأساسية وإدارة الشؤون المحلية الأهلية والفنية والدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والتجارية والانتاجية والسياسية، وكذلك في دعم وتمكين المجتمع المحلي لترتيب صفوفه وفق تنظيمات تستوعب حالة الحرب.

3. دخول الكثير من القيادات حالة السبات والاختفاء، وعدم انعقاد الاجتماعات التقييمية والتخطيطية والدورية قاد لانعدام الشفافية والمساءلة ومحاسبة المتطفلين على تلك الكيانات، وهو ما يقتضي ضمان وجود آليات فعالة للشفافية والمساءلة في إدارة كافة المرافق والمؤسسات المدنية والكيانات الحية، لأن غياب المساءلة يساهم بصورة ملحوظة صعود أصحاب الأجندة لقيادة تلك المؤسسات وعودة عناصر الحزب المباد لقيادة زمام الأمور في المركز والولايات، لذلك نهج المساءلة (المؤسسية أو الشعبية) سيمنع تسلل القيادات الانتهازية، ويفضح ممارساتهم ويذكر بتاريخهم وعلاقاتهم المشبوهة ويمكن من حماية المجتمع ويؤسس لتفادي الفساد المالي والإداري ويحصن المؤسسات من الاختراق التنظيمي.

4. تعذر تعاون المؤسسات فيما بينها جراء الحرب، وانقطاع التعاون والتنسيق الإقليمي والدولي الذي كان يعكف على دعم الانتقال في السودان وقواه المدنية والسياسية، لذلك ينبغي ابتكار صيغة جديدة لاستئناف التعاون والتنسيق بين الجهات المعنية على المستوى الدولي والإقليمي لتقديم الدعم والمساعدة والاسناد في كافة المجالات المدنية والإنسانية ورفع القدرات القيادية المحلية وتنظيم المؤسسات المدنية، وتمكين أولئك القادة المحليين من ملء الشغور المدني.

5. إدخال البلاد في حالة استقطاب إثني وعنصري وجهوي الأمر الذي انعكس على تماسك الكيانات والمؤسسات القومية، وساهم في خلق حالة من الاصطفاف، وتهجير وإبادة للمجتمعات، قد خلفت ضغائن وغبائن ، لن يزيلها إلا استحضار الموروث الثقافي والقيمي والتاريخ المشترك بين كافة المكونات السودانية، في المصالحات والديات والبروش، وجلسات الصلح، والاستفادة من التراث الثقافي والتراث الشعبي لرفع الحس القومي بالهوية والوحدة الوطنية، وإبراز دور القيادات المحلية والإدارات الأهلية والمؤسسات المدنية في إعادة بناء وتماسك المجتمع على أسس قومية.


6. محاولات الاختراق الأمنية التي تحاول تنفيذها أجهزة الدولة الخفية وعناصر الحزب المحلول وكتائبه الخاصة داخل التنظيمات المدنية والبيوتات الدينية والعشائر والقبائل، في محاولة مستميتة لجر الكيانات القومية والمؤسسات السودانية والقوى المدنية، والأسر التاريخية للاصطفاف في الحرب، والانخراط في حملات التحشيد والتجييش.

7. ضعف موارد وإمكانيات الكيانات والمجتمعات والقوى المدنية وانعدام الموارد على قلتها بعد الحرب، وفقدها بسبب عنليات السلب والنهب والحرق والسرقات، أضعفت كل ذلك الأداء اليومي لتلك الكيانات وبالأخص على الصعيد الإعلامي والإنساني والسياسي للقوى المدنية، في مواجهة حملات إعلامية موازية مضللة ومدروسة بكثافة وبتمويل كبير ومنصات إعلامية خارجية وداخلية تعمل على اغتيال معنوي لكافة القيادات المناهضة للحرب من قادة القوى المدنية ورموز المجتمع، ومحاولة خلق عناصر جديدة بديلة يتم ترميزها لتقود تلك المؤسسات والمجتمعات المدنية.


● الخلاصة: إذا الفراغ السياسية لن تنحصر تاثيراته في المدى القريب المنظور ولكن من المؤكد أن يكون له تأثير كبير على المجتمع، حيث سيؤدي إلى ضعف بنية التماسك الوطني وتفكك النسيج الاجتماع، ويقةد التشكيك في القيادات السياسية الوطنية في القوى السياسية والمجتمعات الأهلية وسلك الصحافة والإعلام والعمل المدني التطوعي، مما سيزيد الفراغ السياسي النابع من عجز الدولة في حالة الحرب هذه، حينها سيغيب التواصل والحوار ، ويبعد أو يقتلى أو ينفى نساء ورجال التواصل والحوار ، وإسكات أهل الحكمة والرأي من نساء ورجال التواصل والحديث المتزن لتملأ الفراغ مجموعات الغوغاء.

● أخيرا: على القوى المدنية والكاينات السياسية عدم الاستسلام للخيارات المفروضة، وعدم إفراغ للحياة من تواجدهم المادي والمعنوي، وعليهم المضي في اجتراح أنشطة وبرامج تحافظ على وجودهم وسك مجتمعاتهم المحلية، وتدعم جماهيرهم وتعزز التواصل بينهم، وليس بالضرورة أن تكون تلك الأنشطة والبرامج ذات طابع رسمي لئلا تتصادم مع عسف السلطة وحالة الطواريء المضروبة على بعض الولايات، كالآتي:


1. تفعيل برامج وانشطة التواصل والتفاعل الاجتماعي على الأرض وعلى الوسائط المتاحة، كالقيام بالنشاطات الاجتماعية مع الأصدقاء والعائلة والمجتمع المحلي، مثل الفعاليات الاجتماعية والانشطة الأكاديمية، والحلقات العلمية، والقيام ببرامج الرياضة الجماعية والانشطة التنافسية لدعم المتضررين من الحرب، ومشاركة قادة المجتمع ونخبة تلك القوى بالحضور في تلك الفعاليات المحلية.

2. تنظيم حملات الدعم والاسناد المادي والمشاركة في العمل التطوعي، والمساهمة في الأعمال التطوعية والخيرية مثل تمويل ودعم وتوزيع الغذاء والدواء والكساء على المحتاجين والمشاركة في حملات إصلاح المرافق وتأهيل البنى التحتية وأنشطة إصحاح البيىة وتنظيف المناطق العامة وعمليات التخضير والزراعة، فكل هذه الأنشطة تساعد في بناء روابط قوية بين الناس وتهيء الجميع وتدربهم على العمل الجماعي، وتزيل حواجز الفجوات النفسية التي خلفتها الحرب.

3. التخطيط والدعم والتمويل والتنظيم وجدولة الفعاليات الاجتماعية والثقافية مثل المهرجانات والمعارض والحفلات الموسيقية، والبازارات. والندوات التوعوية بصورة ريعية أو خيرية تعود مساهماتها لدعم المجتمعات المتأثرة بالصراعات. وهذه الفعاليات ستوفر أجواء صحية للناس للتواصل والتفاعل والاحتفال بالتنوع الثقافي الذي يذخر به السودان، وتجمع الشتات الذي فرقته حرب الخرطوم.


5. الاستفادة من الشراكات الذكية المحلية والاقليمية والدولية لدعم القضايا الاجتماعية، والمساهمة بصورة عملية في حل القضايا الاجتماعية المهمة، مثل إعالة الأسر وبرامج لم الشمل، وانشطة الإجلاء للعالقين، وبرامج مكافحة الفقر والعنف والتمييز، عن طريق المشاركة في حملات التوعية والدعم المادي للمنظمات غير الحكومية التي تعمل على هذه القضايا.


6. هذا يوجب نمذجة النظام الأساسي لحالات الطواريء والحرب لتنظيم المجتمع المدني وتفعيل أنشطته عبر الآتي:

       أ. مؤسسات وشراكات وتعاونيات مشتركة، تضم القوى المدنية والمنظمات المجتمعية والكيانات السياسية ولجان المقاومة والمجموعات النسوية وكافة الجمعيات غير ربحية.

       ب. بالإضافة لاشراك المؤسسات الثقافية والفنية التي لها مشاريع ثقافية، تضم المؤسسات والمراكز والجمعيات الفنية والمتاحف والمعارض الثقافية والمكتبات والاندية ونقاط تمركز المهتمين بالثقافة والفن، وذلك لتنظيم فعاليات وأنشطة تعزز الثقة بالتواصل والتفاعل بين الناس وترفع الوعي الثقافي.

       ج. المراكز الاجتماعية والرياضية نقاط التلاقي الحضاري لكل الذين يتشاركون نفس أنماط الإبداع والاهتمامات والهوايات، ما سيمكن تلك المراكز من تنظيم فعاليات رياضية واجتماعية وتحفيز العمل الجماعي وبناء العلاقات وخلق مبدعين جدد رغم أنف الحرب.

       د. المساجد والخلاوى والمؤسسات الدينية والمنابر التي تخاطب المجتمع، عليها الحفاظ بخطاب الإخاء الديني والإنساني ومعاني الاتزان والإصلاح والتعايش والمحبة ونبذ خطابات الكراهية، ورفدها بأئمة ودعاة على درجة من التدين والوسطية والإلمام بكافة الجوانب الفقهية، وتمتعهم بالقبول والوعي والادراك للمزالق والفتن، ونشر تلك الأنشطة على المنصات الإعلامية لإسكات أبواق الحرب وطبالي الأنظمة الدكتاتورية من علماء السوء وفقها السلطان.


● ختاما: ستنتهي الحرب بصورة أو أخرى، ولكن نهايتها ستخلف آثارا مدمرة على الإنسان والزرع والضرع، والبنيان، ولكن الضرر الأبلغ هو تداعي منظومة القيم والأخلاق والكيانات المدنية والاجتماعية والثقافية التي تحافظ على تلك القيم، لذلك نن الضروري أن يكون هناك تعاون وتنسيق فعّال بين الأفراد والمؤسسات والمجتمعات المعنية لمواجهة التحديات الناجمة عن الحروب والنزاعات والمحافظة على الكيانات المدنية والمؤسسات الحيوية والمرافق الخدمية والجماعات الديمقراطية المحبة للسلام، وإلا فستعود البلاد للحرب فور توقيع اتفاق السلام في حالة غياب تلك المؤسسات المدنية والقيادات ولن تصل البلاد لصيغة ديمقراطية تكفل تنافس تلك الكيانات ولا نهج شفاف يؤسس لحياة مدنية تجعل من أنشطتها كوابح للتمدد الدكتاتوري في البلاد.

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
orwaalsadig - fb, tw, thr, Skype,
٢. محرم. ١٤٤٥ه
٢٠. يوليو. ٢٠٢٢م

الأربعاء، 19 يوليو 2023

التدخل العسكري في السودان

التدخل العسكري في السودان
● ظلت دعاوي التدخل الأممي العسكري في السودان، تتردد من حين لآخر وذهبت بعض الهيئات الحقوقية لطلب ذلك، كهيئة محامي دارفور، بالإضافة لطلب الرئيس الكيني بتدخل قوة إيساف الأفريقية، وجميع تلك الدعاوي ينظر إليها وجهات نظر متباينة، فهناك تردد أممي كبير من التدخل في السودان بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، فالمملكة المتحدة لا تريد الدخول في تجربة شبيهة بدخول العراق، وروسيا غارقة في الوحل الأوكراني، وجميع الدول المحيطة تتحسب لأي قرار من شأنه إقحامها بصورة مباشرة في الصراع السوداني، لأن الأمر سيجر لها اصطفافات إقليمية ودولية يمكن أن تتعارض مع مصالحها، لذلك يظل الأمر محاطا بالمحاذير والحرص وشدة الحذر في التقديرات واتخاذ القرارات.


● ولأن القوات الدولية والتكوينات العسكرية الخاصة الإقليمية تتعامل مع فض النزاعات ومهامها وفقًا للقرارات الدولية والمنظمات الإقليمية المشاركة، وهو ما يعني أن تحفظات المملكة المتحدة وهي دولة صاحبة حق نقض (فيتو) دولي يمكن أن تعارض الأمر، وكذلك روسيا وعددومن الدول الأوروبية المشغولة بتوفير الدعم لأوكرانيا، ولأن دخول هذه القوات يهدف إلى تحقيق الاستقرار والسلام وحماية المدنيين، وتنفيذ مهام محددة مثل فصل الأطراف المتحاربة وإغلاق الجبهات وحفظ النظام والأمن في المناطق المتأثرة، يظل دخوله مقيد بموافقة السودان، وحكومته الغائبة أو المغيبة.

● وأي حديث عن تدخل في السودان لن يكون بخطب منبرية، أو مطالبة صورية، بل تقرر تلك الترتيبات لدخول القوات الدولية عادةً في أطر المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة وأروقة مجلس الأمن، أو الاتحاد الإفريقي ومجلس السلم والأمن الأفريقي، ودوما ما تتم المشاورات والمفاوضات بين الدول المتعارضة والجهات المشاركة لتحديد شروط ومتطلبات الدخول، لتتحمل كافة الدول تبعات تلك التحركات، التي قد تشمل اشتراطاتها وقف إطلاق النار، والانسحاب من المناطق المتنازع عليها، والالتزام بتعهدات التعاون مع القوات الدولية.


● ولأن الأمر غاية في الخطورة والحساسية، ينطوي دخول القوات الدولية على تبعات سياسية، وعسكرية، واقتصادية، واجتماعية على الدول الأطراف، بما في ذلك التزامات الدعم المالي واللوجستي واستخدام الموارد والمرافق المحلية، وقد تواجه بعض الدول مقاومة داخلية للتدخل الخارجي، لذلك ينبغي بناء توافقات داخلية قوية لتحقيق التوازن المطلوب في العملية السياسية، وضرورة التركيز على حفظ الموارد.

● ومن خلال النظر للتجربة الإفريقية في فض النزاع وإرسال القوات الدولية، يمكن ذكر ما شهدته الصومال من تفوبج لقوات سلام الاتحاد الإفريقي (AMISOM) منذ عام 2007م، واستمرار تواجدها لتعزيز الأمن ومكافحة الإرهاب في البلاد، وكذلك يعمل تحالف قوات دعم ااشرعية في اليمن، وقوات حفظ السلام العازلة والعاملة على فض النزاع المستمر في جنوب السودان.


● أما قوة إيساف العسكرية ليست جسم غريب على السودان كدولة ولا على القوات المسلحة السودانية، إذ أن إيساف نظمت أكبر تدريباتها ومناوراتها العسكرية المشتركة في السودان مع القوات الخاصة السودانية، وهناك ضباط رفيعوا المستوى من القوات المسلحة السودانية جزء من هذا التكوين الإقليمي، ولكن لأن الوضع محتقن داخل البلاد، نجد الرفض الحكومي الشديد، الذي يمنع إيقاف من الدخول لحماية المدنيين، ويمنحها في ذات الوقت الدخول للأراضي السودانية لتنظيم تدريبات مشتركة في منطقة (جبيت) العسكرية ونحوه وتمكينهم من استخدام مياه واجواه السودان للتدريب والمناورات.

● ويمكن أن تنجم كوارث عن تدخل إيساف أو أي قوة عسكرية أخرى دولية كانت أو تحالف من دول كالتحالف العربي في اليمن، فهو أمر يمكن أن يجلب للسودان عدة مخاطر وعواقب مختلفة، أخطرها تصعيد العنف، فقد تؤدي التدخلات العسكرية إلى تصعيد العنف وزيادة تفاقم الصراع ورفض تلك القوات واستهدافها من قبل جماعات مناوئة أو حركات متطرفة.

● وفضلا عن حماية المدنيين سنشهد تزايد الخسائر في صفوف المدنيين، ويمكن أن تؤدي التدخلات المسلحة إلى وقوع إصابات غير مقصودة في صفوف المدنيين وأضرار جانبية، مما يتسبب في إلحاق الأذى بالأبرياء بصورة أضعاف مما هو عليه الوضع حاليا.

● وعوضا عن الحد من تمدد الصراع لتتم أقلمته أو تدويله سنجد أن هناك خطر ماثل من أن الأهداف الأولية للتدخل قد تتوسع لتشمل دولا وأقاليم أخرى ويجد السودان نفسه في صراع قوى إقليمية ودولية، مما يؤدي إلى اشتباك عسكري طويل الأمد ومكلف.

● الأمر الذي سيؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة برمتها وحينها سيكون التدخل سببا في تعطل الاستقرار الإقليمي وربما خلق فراغات في السلطة، مما قد يزيد من تأجيج الصراعات. وهناك أيادي عابثة تستعد لاتخاذ السودان منصة جديدة لتحقيق مصالحها وتنظم صفوفهت للقيام بأنشطة المعارضة والمقاومة، وهؤلاء سينشطون في تجنيد وتحشيد السكان المحليين أو الجماعات المسلحة ضد التدخلات الأجنبية بحجج السيادة والحفاظ عليها وربما تحت مشروع جهادوي جديد، مما سيؤدي إلى صدام مستمر بصورة طويلة وعنيفة، وسترتفع التكاليف المالية على الدولة التي هي بالأساس مرهقة من الناحية المالية وتعاني جراء الصراع.

● ختاما: من المهم النظر بعناية إلى هذه المخاطر وموازنتها مع الفوائد المحتملة عند اتخاذ قرار بشأن دعم أو معارضة التدخلات العسكرية في النزاعات المسلحة في السودان، وهذا يتطلب أن يكون قرار تدخل إيساف بموافقة سودانية، واجماع أفريقي، ودعم دولي، تحسبا لكل المخاطر التي عددتها آنفا، وإلا ستبرر جماعات العنف الكامنة تصديها لتدخل إيساف وستجر حينئذ إيساف للصدام معها و سيتحول الصراع إلى شر سينعكس على المنطقة برمتها.

الاثنين، 17 يوليو 2023

السودان: مشروعية التهشيم تحت دعاوي التهميش

السودان: مشروعية التهشيم تحت دعاوي التهميش

● مقدمة: إن التهميش الثقافي والسياسي والاجتماعي والديني والنوعي في السودان له تاريخ طويل ومرتبط بعدة عوامل ذاتية وموضوعية، وبتتبع جذوره إلى تواريخ قديمة نجد أنه ادعاء طبيعي، وصرخة حياة لانسان ينشد الحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة، ولكن صاغته نخبة وفق هوها في مشاريع قاصرة ذات طابع سياسي، وجنت من خلاله سلطة وثروة وأموال طائلة، لكنها ما جنبت مجتمعاتها التهميش الذي لا زالت ترسف تحت غلاله، فيما هم يرفلون في نعيم السلطة، فمذ أن نشأت الصراعات بين القبائل والجماعات العرقية والثقافية المختلفة، تأزمت هذه الصراعات بسبب النزاع على الأراضي والموارد والتنافس على السيطرة السياسية، وغذت تلك الجماعات السياسية والأيدولوجية أوار الصراع، وجعلته يتخذ طابعا مسلحا دمويا.

متلازمة تاريخية:

● تاريخيا، تعددت أسباب الصراعات في السودان وتأثرت بعدة عوامل، بما في ذلك الاستعمار الأنجليزي وحكم الاستعمار التركي، وتقسيم البلاد الذي لم يأخذ في الاعتبار التنوع الثقافي والعرقي والديني للسكان، وقد تفاقمت المشكلات وزادت الأزمات بعد الجلاء وأصيب السودان بمتلازمة الدكتاتوريات والشموليات والأنظمة الأتوقراطية ونموذج قاس وقبيح للدولة الثيوقراطية التي اتخذت طابعا فاشيستيا، حيث لم يتم التوافق السودانيون طوال هذه الحقبة بعد الاستقلال إلى يومنا هذا على نظام سياسي شامل يعبر عن جميع المكونات السودانية، ولم يتمكنوا من صياغة مشروعهم الوطني وعجزوا مجتمعين عن الحفاظ على أمن وطنهم ووحدة أراضيه وصون الحقوق وحماية الثروات، بل تورط كثير منهم في جرائم أكبرها انفصال البلاد، والابادات الجماعية وتهريب الثروات وتخريب المرافق والمشروعات القومية.

● فمنذ أن صاغ بيتر وودوارد كتابه الذي تتناول فيه مسألة التهميش في السودان، تحت اسم "السودان: الصراع الديني والاستعمار"، والذي اتخذه البعض مرجعية تاريخية لتحليل جذور الأزمة، اتخذه البعض الآخر كدليل لتعميق الخلاف بين السودانيين للهيمنة والاستبداد وتقسيم وتجزئة المجتمعات، وقد مضى في كتابه "الحكم والصراع في السودان" الكاتب أديب خليل، لرصد وتحليل موضوعي للحكم والصراع في السودان، شابه بعض التحامل على كيانات ومجموعات مدنية ونخب بصورة تفوق حد الاحتمال، ولكنه مضى أيضا ليضع النقاط على حروف التهميش في السودان التي شرعنت المشاريع التهشيمية وشردت الرؤى النهضوية.

استراتيجيات التهشيم والتهميش:

● وقد استغل أصحاب مشروعية التهشيم خطابات التهميش لتحفيز الصراع المسلح والنزاع القبلي والتحشيد المناطقي، وقد اعتمدوا لبلوغ مرامهم استراتيجيات مركزية متعددة متوازية مع ممارسات مناطقية وجهوية غذت جذور الصراع وأسهمت في نجاح تلك الخطط والاستراتيجيات التي تضمنت الآتي:

1. إجهاض مشاريع السلام والتسوية السياسية، من خلال قطع الطريق أمام أي باب للتلاقي والحوار والتفاوض بين جميع الأطراف المعنية، وذلك في عدة حقب وفترات أشهرها قطع الطريق أمام اتفاقية السلام المزمع عقدها في سبتمبر 1989م بين الحكومة السودانية المنتخبة في 1989م والحركة الشعبية، وذلك عن طريق انقلاب الجبهة القومية الإسلامية التي حالت دون التوصل إلى اتفاقيات سياسية تعزز العدالة والمشاركة السياسية الشاملة، وتحقق السلام المستدام، لتمضي تلك المجموعة الانقلابية المغامرة في مشروع تهشيم البلاد واستمارة التهميش بمشروع جهادوي ظلامي أمنجي مستبد، قاد لتوقيع سلام فاشل في 2005م مزق البلاد، وأجج الحرب في أطراف أخرى من جماعات مهمشة أيضا.

2. الإجهاز على مشاريع التنمية وتضيع الفرص الاقتصادية، عن طريق احتكار المال والوظيفة والسلطة، لتكون متحكم فيها من قبل مجموعات التمكين الحزبية لصالح مشروع تهشيم المؤسسات التي تعول الطبقة الكادحة والوسطة، وتسهم في تنمية الهامش، وتمت صياغة مشاريع التنمية الاقتصادية، من قبل خبراء ومختصين لتتمركز فبما أسموه (مثلث حمدي)، الذي لا يتجاوز حدود سودان الوسط، الأمر الذي حد من توفير فرص العمل وتقليل نسب النمو وزاد من اتساع رقعة الفقر، فقد ذلك لتزايد الاحتقان وضعضعة الاستقرار الاجتماعي، وارتفاع أصوات (إما الهشيم أو التهميش).

3. التدمير الممنهج لبينة التعليم، وتشريد الأكاديميين والمختصين وتعريب المناهج وأدلجة الثقافة، وأسلمة المعارف، فقد تم تقويض كبريات الجامعات والمعاهد العلمية والفنية والتجارية الحكومية، لصالح آلاف المقار سميت بمدارس ومعاهد وجامعات خاصة، وتم الامتناع عن تمويل الدراسة لصالح جماعات الاستثمار في التعليم والثقافة، بدء من الزي وطباعة الكتاب المدرسي والادوات والمستلزمات التعليمية، فتحطمت مجانية التعليم وتهشم الوعي والتفاهم المتبادل بين المجتمعات المختلفة التي كانت تأتلف في مدارس وداخليات وجامعات قومية تجمع كافة أبناء السودان دون استثناء، يفضل بينهم معيار التفوق، لتخلق تلك المجمعات والجامعات القومية وشيجة قوية لترسيخ الهوية الجامعة والاندماج الوطني.

4. تمزيق الكيانات الجامعة والقومية وإيقاف كافة المؤسسات والمنظمات المجتمعية التي تنشط في العمل المدني والديمقرطي، لصالح مشاريع أيدولوجية تارة يسارية وتارة يمينية، تحورت إلى الاتحاد الاشتراكي في السبعينات، والتوالي السياسي في التسعينيات، وفي كل تلك الفترات تم تجميد الحياة السياسية ما منع تجديد القيادات وتطوير الأحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني، وغيب الممارسة الديمقراطية والحوار، وكلس شرايين القوى الحية ليتجاوز بعضها العقد الرابع دون إجراء مؤتمر عام أو تجديد للقيادة.

5. الاستعلاءات الثقافية والدينية والاثنية والتفضيل الحزبي والتميبز، وتمزيق وثائق الحقوق والمواطنة لترتقي القبلية والحمية في مقابل تسفيل وتسفيه القومية، وتعتلى المحسوبية مراقي التطور والتقدم الوظيفي لتتردى المهنية والكفاءة في أسفل درك سحيق، فضاعت الحقوق الدستورية، وعجزت الجماعات المهمشة من الإيفاء بواجباتها لضياع حق المواطنة.

تقسيم الجماعات والمجتمعات:


● وقد فاقمت تلك الممارسات الآحادية الدكتاتورية المركزية من أعداد أصحاب دعوى التهميش منطلقين من عدة منصات فكرية وأيدولوجية، فانتحى البعض الماركسية، وآخرين العلمانية، ومنهم من خرج من رحم الحركة الإسلامية ولكنه اضطرب أيدولوجيا، وقد أسهمت تلك المجاميع (المهمشة) في تحفيز الصراع ومنحه الطابع العدائي للمركز، والاستعدائي للغير القبلي والجهوي والمناطقي، وكان لتلك المجموعات والحركات تأثيرات سلبية على الاستقرار السياسي بسبب استغلال هذه الدعاوى من قبل النخب السياسية الانتهازية لتعزيز نفوذها وسط المجتمع، واستثمرت الأنظمة الامنجية، في تقسيم الولاءات لصالحها عناصرها القبلية، وهجمت على السلطنات والنظارات والعموديات بالتسيس لصالح الحزب وخلقت فتن وثارات ونزاعات بين القبائل المتجاورة وبطون العشيرة الواحدة لتصطف في مشروع التهشيم الذي اجتاح البلاد طولا وعرضا، ونشطت تلك الكيانات السلطوية الأمنجية الأيدولوجية لبناء قواعدها السياسية على أساس التفرقة القبلية والجهوية والمنطقية والعرقية والاثنية، يستخدمون في ذلك أقبح الخطابات العنصرية التي كانت تسير بهديها صحف الخرطوم (الانتباهة) لتأجيج القلاقل وتوجيه الغضب والاحتجاج الشعبي لمصالحهم الشخصية.

صراع الوكالة:

● تجاوزت تلك الدعاوى إلى تقسيم المجتمع إلى مجموعات متناحرة، لتصبح فيما بعد جماعات سياسية تناضل لتحقيق مصالحها وطموحاتها بشكل منفصل، وتحول بعضها إلى حركات مسلحة بحثًا عن العدالة والتغيير، تحت مختلف المسميات التي تتفق جميعا في الادعاء ولكنها تختلف في الوسائل والقيادة، فتولدت جماعات إثنية مسلحة، اسقوت عليها الحكومة المركزية بتحشيد وتجيبش جماعات اثنية من ذات الهامش لتهشيمها وهو الذي ولد مليشيات تقاتل بالوكالة عن الجيش النظامي، وأخرى بمثابة مخالب قط لتنهش الجسد السوداني وتخدم مشروع تقسيمه إلى خمسة دويلات، كل هذا أدى إلى زعزعة الاستقرار وعدم القدرة على بناء مؤسسات سياسية مستقرة تعمل على تحقيق العدالة وتلبية احتياجات جميع الشعوب، وهو الأمر الذي يعني اتساع دائرة التهشيم لتتخذ مشروعيتها في تحطيم كل ما هو قديم بحجة أنه أسهم في تدميرهم.

تجارب معاصرة:

● إن التجربة السودانية ليست استثناء عن تجربة الوطن العربي والمنطقة الأفريقية، التي اتخذت فيها دعاوي التهميش طابعا مطلبيا ثم أيدولوجيا ثم مسلحا، وهناك نماذج بارزة لتطور الصراعات المستندة إلى دعاوى التهميش، كتجارب المقاومة والنضال الفلسطيني الذي نشأ نتيجة التهميش والتنكيل والسحب والتعذيب والتهجير والإقصاء الذي تعرضت له الشعب الفلسطيني، وتحولت الحركة الوطنية إلى نضال مسلح من أجل تحقيق حقوقها، وكذلك النزاعات العرقية والقبلية في رواندا والصومال وبوروندي وتشاد والعديد من الدول الأخرى في القارة الأفريقية، جميعها بلغت ذروة التعاطي المسلح والتدمير الممنهج للبلاد والتهشيم الكامل لمقدراتهم ليصلوا فيما بعد لحتمية حسن إدارة الصراعات والحوكمة الرشيدة، ونمذجة مشاريع للحقيقة والمصالحة ومؤتمرات سلام مستدام وحوار شامل.


● وقد تطور الصراع في العراق بعد الاحتلال الأمريكي وتحولت بعض الحركات العراقية إلى جماعات مسلحة، بعضها ديني وآخر مذهبي وآخر تكفيري، ونشهد يوميا تجدد الصراعات في ليبيا وسوريا واليمن، وجميعها تعتمد بشكل كبير على دعاوى التهميش والتمييز القبلي والمنطقي والثقافي والطائفي، إلا أنهم جميعا وصلوا إلى حافة التهشيم الوطني، وحصدوا الهشيم ودمرت بلادهم وثرواتهم وأيقنوا ألا تنمية بلا استقرار حتى وإن حازت الجماعات المهمشة على ملايين البراميل من إنتاج النفط أو عشرات المربعات التعدينية وملايين الكيلومترات الساحلية، فجماعات التهميش هذه تحول قادتها في غالبية تلك الدول إلى تجار أزمات وأمراء حروب ونماذج دكتاتورية مصغرة.



تمرد المجتمعات:

● إن خطاب المظلومية السياسية وادعاءات التهميش والاستضعاف العرقي والاثني والديني الذي تقدمه بعض الجماعات اليوم ونظر إليه عدد من الكتاب والمفكرين الذين تخلوا عنه في أول تجربة عملية، يعد من العوامل التي يؤثر بشكل كبير في تأجيج الصراعات السياسية والاجتماعية، فقد تم تسخير هذا الخطاب لتأجيج الكراهية والغضب بين المجتمعات المستضعفة وحفزها للتمرد والثورة، والآن جميع من نظروا لمشروع الهامش والثورة المحمية بالسلاح نكصوا على أعقابهم، لأنهم قدموا أطروحات سياسية بلا قيود أخلاقية، لأن عماد الاستقرار السياسي والتنموي والأمني هو الاستقامة والتكامل بين المجتمعات وتحقيق العدالة والتطور بتوازن بينها، وهي معايير أخلاقية لم يضعها أصحاب نظريات الهامش والجدليات البراغماتية في حسبانهم.


المشاريع البديلة: 

● وما يؤسف له أن تلك المشاريع البديلة تمت صياغتها في أجواء مشابهة ومماثلة، وقد كان هناك العديد من النماذج والمثل القوية في مختلف البلدان والثقافات حول العالم، ومن الأمثلة في منطقتنا الأفريقية، نجد نيلسون مانديلا الذي كان يصوغ خطابًا قويًا من أجل المساواة والعدالة في جنوب أفريقيا خلال النظام العنصري للابارتهايد، كان يقدم أفضل المثل وأرسى نموذجا أخلاقيا غض عنه الطرف كثر من منظري الهامش، وكذلك شهدنا جميعا كوفي عنان الذي قاد الأمم المتحدة واعتمد خطابًا قويًا لدفع بأجندة حقوق الإنسان والمساواة العرقية، وتمثل حينها أخلاقا وقيما متزنة دون شطط صاحب فكرته التي انتصرت في أروقة الأمم المتحدة، وفي العالم الآسيوي خلد الهنود والآسيويون المهاتما غاندي الذي اعتمد خطابًا سلميًا أخلاقيا في حركة الاستقلال الهندية للدفاع عن حقوق الهنود في العدالة والمساواة، لينتصر بالقوة الناعمة وقوة المنطق لا منطق القوة.


انتهازيو اللحظة:
● كما أنهم قدموا ونظروا لمشاريع تمخضت عنها نقائضها، قومية إلى انفصالية، ليبرالية إلى أوتوقراطية، علمانية إلى ثيوقرلطية، وكانهم لم يقرأوا صفحات رصفائهم ممن كتبوا، "من المظلومية إلى الاحتجاج: دراسة في ديناميات الصراع السياسي" للمفكر ألبرت أو. هيرشمان، و"الصراع المجتمعي" لفريدريش غروتير، و"ما بعد النزاع وبناء السلام" لجون داربي، فبقدر اجتهاداتهم التنظيرية وقعوا في فخاخ الأنظمة ااسلطوية المركزية وقنابلها الاجتماعية المفخخة لاسيما بعد حرب 15 إبريل 2023م، وفشلوا في تقديم نموذج معاش لفهم تجاربهم الشخصية وأفكارهم حول العدالة والمظلومية، وانبرى في الاتجاه المغاير ما أسميه (انتهازيو اللحظة)، من (نخب الصدفة) لتمطي موجة الهامش المسلح الجديدة وتسخيرها كعصا غلظة وتذخير عناصرها بأفكار تغذي خطاب المظلومية والتهميش لشرعنة التهشيم للدولة السودانية التي يرمز لها بسودان 1956ك وعاصمته المركزية الخرطوم التي كتب عليها إما أن تتساوى مع بقية السودان فتهمش أو تمسح من على وجه الأرض فتهشم وينهض مشروع جديد منبت لا أب ولا أب له.

تحالف المتخالفين:

● فغالبية (انتهازيو اللحظة) لا يجمع بينهم إلا المطامع السلطوية والبغض للآخر السياسي، ليكونوا تحالفات انتهازية للمتخالفين، ولو قرأنا ألواح المفكرين وللمنظرين البارزين في هذا السياق، سنجد أن بعض هؤلاء المتخالفين متعلق بأفكار ماضوية لكارل ماركس اللينينية، ومتعمد بأطروحات فريدريش إنجلز، وربما متقمصا لدور الحسنين البنا والترابي، وجمبعهم في مركب واحدة، كل يريد قيادتها إلى اتجاه، وكل له نظرته في فهم الطبقات الاجتماعية والاستبداد، والبعض تتلبسه شخصبة ميشيل فوكو ومايكل فوولكلور في تحليل القوى السياسية والعنف في المجتمعات، للدرجة التي لا يرى فيها أي مستقبل لأي كيان سياسي قديم ولا ينبغي أن يكون لأي مشروع حزبي تم تجريبه سابقا مستقبل في البلاد، ما يعني شرعنة تهشيم الحياة السياسية ولو بالبندقية، وإعادة صياغة السودان وفق أسس جديدة كل يصيغها حسب هواه ومرجعيته الفكرية والأيدولوجية من (انتهازيي اللحظة).

● ختاما:
• إن ادعاءات التهميش وأدوات الهامش ستتزايد وتتطور ولن تتوقف ما لم تتوقف عوامل الظلم، ولكن خطاب المظلومية السياسية المتدثر بعباءة الديمقراطية، والمحتمي بفوهة البندقية سواء كان من قوات نظامية أو جماعات مسلحة أو مليشيات إثنية، سيكون مصيره مصير الأنظمة الدكتاتورية التي حكمت البلاد بالحديد والنار، وسيكون تأثيره على الصراعات مقيتا ومدمرا وصفريا لا كاسب فيه، وستنجم عنه وتنشأ ضده حركات انفصالية حادة وجادة وكيانات عنصرية مقيتة وحركات مقاومة جذرية.

• إن الترياق لتلافي ذلك التهشيم واستيعاب كافة دعاوي التهميش هو اضطلاعنا جميعا بواجبنا نحو التحرك الفوري لإهادة بناء الكيانات الوطنية الجامعة وتجديد برامجها وتحديث أفكارها وتغيير قيادتها وتطوير شعاراتها، وتشيد المؤسسات القومية والتنموية المانعة، وصياغة التشريعات القانونية الرادعة لكل من تسول له نفسه امتطاء ظهور البسطاء وتجييشهم لصالح مشاريع ظلامية ونداءات عنصرية وتقسيمية، ما يوجب تضمين جميع الأعراق والأجناس والثقافات والأديان والمجتمعات والفئات والأطراف بغض النظر عن الخلفية العرقية والقبلية والثقافية والدينية، في صياغة مشاريع المستقبل وكتابة العقد الاجتماعي الجديد لضمان الاندماج الوطني والتعايش السلمي وتحقيق السلام العادل الشامل والتحول الدمقراطى الكامل.

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com

السبت، 15 يوليو 2023

تسعون يوما من الفوضى الشاملة .. ثم ماذا بعد؟

تسعون يوما من الفوضى الشاملة، ثم ماذا بعد؟

●مقدمة: 
• في كتابه "حالنا ومآلنا" والعديد من الكتب الأخرى ظل يعدد (الامام الصادق المهدي) ما ستكون عليه أوضاعنا السياسية وانفجاراتها المحتملة، ووضع خلاصة تجربته السياسية العلمية والعملية طوال فترات حكمة الديمقراطية وحكوماته المنتخبة وفترات معارضته للأنظمة السلطوية الدكتاتورية العسكرية، وظل مشددا على ألا سلام بلا عدالة، وان الديمقراطية عائدة وراجعة.

• وفي كتابه "نهاية السلطة: من غرف الاجتماعات إلى ساحات القتال ومن الكنائس إلى الدول ، لماذا لم تكن المسؤولية كما كانت في السابق"، عدد الكاتب مويسس نعيم (Moisés Naím) مخاطر إنزلاق الأمم، وحذر وأنذر من خطورة إنفجار المجتمعات.

• وفي كتابه "عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث"، ذكر الكاتب (نعومي كلاين) كافة أسباب تداعيات الدول، وحمل في طياته جميع أجراس الانذار ووضع عصارة جهده وخلاصة تجربته، مقروءة تلك الكتابات مع كتاب "أفضل ملائكة طبيعتنا: لماذا تراجع العنف" لكاتبه (ستيفن بينكر)، الذي وضع الأسس النفسية التي تولد العنف أو تئده في مهده.

• أما في كتاب "النظام السياسي والانحلال السياسي: من الثورة الصناعية إلى عولمة الديمقراطية" للكاتب (فرانسيس فوكوياما)، نجد تصورات حقيقية لما تم تنفيذه وما سيتم حال انسياق الأمم لمشاريع فوضوية (خلاقة).


● "انطلاقا مما تقدم، واستقراء لقرائن الأحوال ووقائع أيام الحرب في بومها التسعين، أحاول المقاربة بين الفوضى ومسبباتها، والحلول التي يمكن اجتراحها أو استنباطها، من قيم ما كته هؤلاء الحكماء والمفكرين، وهو أقل واجب يمكن نسهم به في ظل أعمدة الدخان التي غطت الحقيقة وغيبت الحقوق، وانتهكت الحرمات، وشردت أصحابها، فإلى مضابط المقالة التالية":


● أولا: لم يكن 15 إبريل 2023م هو ميعاد الأزمة وتاريخها الحقيقي ولكن ما شهدناه في ذلك اليوم هو اندلاع موجات الفوضى والانفجارات السياسية والاجتماعية والأمنية المتراكمة التي كانت بمثابة (قنبلة موقوتة) تحمل في طياتها العديد من العوامل والمسببات، وتشتمل على بعض السياقات الموضوعية وعوامل التأجيج التي ستظل حاضرة مستقبلا مالم نجتثها من جذورها ونطفيء فتيلها، وهي:

1. حالة اللادولة وضعف الحوكمة وغياب الحكم الرشيد، وسوء الإدارة وغياب الشفافية واستشراء الفساد والبطش والتنكيل والعنف والعنف المصاحب لحملات قمع احتجاجات سلمية مدنية شعبية، وغض الدولة طرفها عن صراعات قبلية ومناطقية وجهوية وتركيز جهدها في تأمين القصر الرئاسي في الخرطوم 

2. الانقسامات الاجتماعية والعرقية والجهوية والأيدولوجية التي قادت لانقسامات رأسية في الكيانات القومية وبنية الدولة ومؤسساتها ومرافقها، فالخلافات العميقة بين المجتمعات المختلفة وعجز الدولة عن إدارة التنوع وضعف مؤسساتها القومية، واستغلال أصحاب المشاريع الأيدولوجية ذلك الأمر، تسبب في اضطرابات اجتماعية وانفجارات سياسية، قادت لاصطفافات إثنية ضيقة في بعض الأقاليم، غذتها النعرات وحفزتها الجماعات الأيدولوجية( تنظيم الاخوان) الأمر الذي أدى لمجازر جماعية وتطهير عرقي وجرائم حرب وموجات هائلة من النزوح واللجوء.

3. تضييع مكتسبات الفترة الانتقالية انعكس على الأزضاع المالية للمؤسسات والأفراد، وأدت العوامل الاقتصادية إلى استشراء نسب البطالة العالية، ما قاد لموجات تجنيد وعسكرة حتى لمن هم دون السن القانونية، كما قاد عدم التوزيع العادل للثروة، وتهريب عائدات البلاد، إلى بروز كيانات وأفراد وطبقة متخمة وشبكات مصالح أعدت كل سبل حماية واستدامة سلطة الانقلاب الذي حماهم من إجراءات الملاحقة الجنائية وعمليات استرداد الأموال التي اتخذتها حكومة الفترة الانتقالية، في ظل حالة إفقار متزايد لجموع الشعب السوداني الأمر الذي فاقم من حدة التوترات الاجتماعية وأدى إلى اندلاع المظاهرات واتساع دائرة الحراك المطلبي.

4. الاستغراق والامعان في الارتباطات الخارجية وإذكاء الصراعات القومية، وخدمة المصالح الاستعمارية والاستغلالية لموارد البلاد، وخوف بعض دول الجوار من النداءات الاستقلالية والتحركات المناطقية التي تهدد تلك الدول وتحرك النزاعات التاريخية العالقة (ترس الشمال)، ومقابلة السلطة الانقلابية للأمر بالقمع والظلم الأمر الذي قاد لتوترات وعنف مستمر، وسيستمر حتى وإن توقفت الحرب، ما لم تتحرر السلطة من التوعية وتوقف إجراءاتها القمعية.

5. في مناطق نائية تأثرت بموجات التصحر والتغيرات البيئية والمناخية، هناك أمم تشهد تدهور الظروف المعيشية وندرة الموارد الطبيعية وتصاعد التوترات والصراعات باضطراد، وتنشط فيها موجات النزوح والتسلح والاعتداءات على الموارد والمكاسب المادية والحيوية، وهؤلاء يمثلون أكبر معين للتحقيق العسكري حاليا ومستقبلا.

6. غياب التنمية المتوازنة والمستدامة في البلاد غذى الشعور بالمظلومية، وتمت تغذيته بخطابات جهوية وعنصرية، وتغطيته بعباءة أمنية، وتم في ذلك استغلال إدارات أهلية وقيادات مجتمعية حشدت لصالح سلطة الإنقلاب، وقالت كلمة الحق التي أريد بها الباطل، ونظمت أنشطة إعاقة الانتقال، ودعم الانقلاب والتحشيد والتجنيد للحرب، وهذه المجتمعات ما لم تحظ بالتنمية والتعليم ستظل تحركها أيادي الغرض والمرض بوعي منها أو دون وعي وتجيشها لصالح وأد أي نظام مدني ديمقراطي قائم لأنها ستظل أداة طيعة في أيدي الأنظمة السلطوية.


● ثانيا: نحن لسنا بمعزل عن موجات مشابهة للأمثلة المعاصرة في السياق الإقليمي والعالمي، فجميع الثورات العربية في 2011م (الربيع العربي) في عدة دول عربية، والنزاع الدائر في سوريا منذ عام 2011م، والصراعات في العراق وأفغانستان، والانفجارات السياسية في فنزويلا وبوليفيا في أمريكا اللاتينية، وتوترات فرنسا وإيران في 2023م، جميعها تشكل أعظم دروس عرفتها البشرية في الكتاب المنظور، ومثلت فظائعها وانتهاكاتها تجسيدا للفوضى التي دونتها تقارير الأمم المتحدة حول السلام والأمن الدولي، وتقارير الأمم المتحدة حول التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتقارير منظمة العفو الدولية حول حقوق الإنسان وتقارير هيومان رايتس ووتش حول حقوق الإنسان، وما رصده موقع المنتدى الاقتصادي العالمي، والمراصد الوطنية لحقوق الانسان، واللجان الطبية في الدول، فضلا عن ملاحقات وتقارير المحكمة الجنائية الدولية، فجميعها شواهد لحالة الفوضى التي شهدتها المنطقة وتجسيد حي للجرائم التي لم نشاهدها.


● ثالثا: إن موجات الفوضى التي اندلعت في السودان لم تتحرك من الأطراف هذه المرة، وإنما انفجرت كالبركان من بؤرة النزاع (العاصمة) وتمددت لتجتاح المناطق والمدن والدول المحيطة وهو ما يعرف أيضًا بأعماق الدولة (Deep State) أو الانفجارات الاجتماعية والسياسية، وقد نوعت أشكال وأنماط هذه الموجات حسب الظروف والأسباب التي أدت إلى اندلاعها، وتفاوتت من منطقة لأخرى ومن دولة لدولة، لتمشل الآتي:

1. التحركات العسكرية والموجات المسلحة نحو المدن خارج العاصمة بهدف اجتياحها والسيطرة عليها، كما حدث في ولايات دارفور الأربع، شمالا في الفاشر وكتم وطويلة، وغربا مسابح الجنية. ووسطا حصار والسيطرة على زالنجي، وجنوبا باعتداءات نيالا، وولايات بعيدة نسبيا من بؤرة الصراع كشمال كردفان وحصار مدينة الأبيض، وجنوب كردفان بتحركات الحركة الشعبية في مناطق (كادقلي والدلنج والكرقل)، وفي جنوب النيل الأزرق منطقة الكرمك، والتحشيد العسكري الصامت في الولايات المتاخمة للخرطوم في الجزيرة ونهر النيل والنيل الأبيض، التي ستجر تلك المدن لدائرة الفوضى.

2. وتعد الاصطفافات والنزاعات القومية والعرقية والجهوية والإثنية، أسوأء موجات الفوضى القادمة، والتي يمكن أن تكون مدخلا حقيقيا لصراعات ونزاعات بين أعراق مختلفة أو بين مجموعات إثنية ضمن ولاية واحدة تؤجج الحرب الأهلية بين مكوناتها وتنسحب لجر الحرب بين دولتين أو أكثر، كما حدث في الجنينة، وتزايد موجات الاستغفار والتحشيد في ولايات أخرى.

3. تبعا لذلك ستنشأ توترات سياسية واجتماعية داخلية، في عدد من الأقاليم ومناطق الانتاج الكبرى التي تضم عدد من القوميات، وتنشب بينهم موجة من الصراعات يصعب حلها بصورة سلمية أو مسيطر عليها بسلطة الدولة، وهس التي ستؤدي إلى نشوب صراعات مسلحة بين تلك المجموعات التي تسربت كميات من السلاح لها لأغراض الحماية، ويمكن أن تتصادم فيما بينها وربما مع أجهزة ومكونات وسلطات الدولة، وبالأخص مناطق التعدين الأهلي التي تضم ملايين الأشخاص من مختلف الأعراق في ولايات كالشمالية، ونهر النيل، والبحر الأحمر، وجنوب كردفان، وشمال دارفور، وبعض مناطق شرق السودان.


● رابعا: راح ضحية هذه الفوضى الآلاف من القتلى وأضعافهم من المصابين، وملايين النازحين واللاجئين والفارين من ويلات الحرب، جميعهم خرجوا من بؤرة الصراع الحقيقية، لبؤر فوضى افتراضية سابقة أو محتملة داخل البلاد، في تلك الأثناء لم يتحرك العالم إلا عبر بيانات الشعب والتنديد، متناسين قادته ما تم اتخاذه من إجراءات في حالات مماثلة، والقرارات الدولية التي تم إصدارها في محاولة للتعامل مع موجات الفوضى هي كقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، رقم 1970 و 1973 في عام 2011م، والتي تهدف إلى فرض حظر على السلاح وتنفيذ منطقة حظر جوي في ليبيا خلال النزاع الذي اندلع في تلك الفترة، وقرارات 1590 و1591 و 1593 وهذا الأخير أحال ملف دارفور ومتهميه للمحكمة الجنائية الدولية، هذا التأخير والتقاعس الأممي الذي لم يراوح مكانة البحث والتقارير والبيانات، هو أحد عوامل تمدد الفوضى واتساع دائرتها، ما سيضاعف الخسائر المادية ويزيد الرقعة التدميرية، ويزيد أعداد الضحايا.


● خامسا: نحو 90 يوم ونحن نمضي بسرعة ونتدحرج إلى حضيض الفوضى، ونشهد تراجع السلوك الإنساني الجماعي والفردي، وانحسار منظومة القيم والأخلاق السودانية، واستشراء أخلاق وروح قطاع الطريق نهبا وسلبا وقتلا واغتصابا وانتهاكا، وتهريبا للمقدرات والثروات، وانتشارا للجريمة المحلية والعابرة للحدود، وتجارة الأسلحة والمركبات والمخدرات والبشر، وهو ما يوجب أن يتحرك الجميع نحو الخلاص من هذه الحرب، وإنهاء حالة الفوضى بإيقاف أصوات المدافع واسكات فوهات البنادق، والخروج من الخنادق لأروقة التفاوض والحوار، والآن لا زال لدينا وقت وعدة أدوات وإجراءات يمكن اتباعها لإيقاف حالة الفوضى ووقف الانفجارات الاجتماعية والسياسية والحد من تأثيراتها السالبة على بقية ولايات السودان المختلفة، منها:

1. التوافق الوطني حول رفض الحرب والاجماع حول التفاوض والحوار، كوسيلة فضلى ومثلى لإنهاء الصراع، وذلك باتباع منهج الحوار البناء والتفاهم بين الأطراف المتنازعة، وتشجيع التوافق الوطني والسلام العادل وصولا للمصالحة السياسية الشاملة.

2. اتباع مناهج إدارة الصراع والحوكمة الرشيدة والديمقراطية، فالحوكمة الفعالة والشفافة، وإعمال المؤسسية والإصرار على مدنية المؤسسات وممارسة الديمقراطية، واحدة من وسائل إنهاء الصراع واستعادة الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلاد واستدامته.

3. الشروع في استعادة فورية لمكتسبات الانتقال وبالأخص مشاريع التنمية الاقتصادية، وبرامج الدعم المباشر، وبرامج الغوث الانساني، والتركيز على خطوات التعافي والنمو الاقتصادي السريع وصولا للاستقرار المادي المستدام وتوفير فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة للسكان، وجبر الضرر وتعويض الضحايا.

4. العمل ضمن أطر قانونية ومؤسسية تستنهض كافة المؤسسات والمنظمات والهيئات العاملة في مجال حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية وترسيخ مبدأ عدم الافلات من العقاب، والالتزام بحقوق الإنسان الأساسية وتقديم العدالة الاجتماعية والتساوي في فرص الكافة أمام القانون.

5. حشد جهود إقليمية ودولية ودبلوماسية لتحقيق وبناء وحفظ السلام عبر تعزيز جهود التفاوض والوساطة التي يقدمها منبر جده (السعودي الأمريكي)، وتدعمه منصة الايقاد ومفوضية الاتحاد الأفريقي، والجهد الأخير لدول الجوار السوداني بالقاهرة، والتركيز على جهود بناء السلام من الأمم المتحدة، والتوسط الذي تقوده بعثتها بين الأطراف المتنازعة ودعم جهود ألترويكا والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة للتوصل إلى حل سلمي للنزاعات.


● سادسا: أكرر دوما أن هناك العديد من النماذج الأفريقية واللاتينية والعربية والعالمية التي قامت بتبني الإجراءات عاليه، لوقف الانفجارات الاجتماعية والسياسية، ونزعل فتيل الأزمات والحروب ووأد الفوضى، على سبيل المثال، نماذج رواندا وجنوب أفريقيا والمغرب وتشيلي والأوروغواي، والتي كانت ناجحة في بناء السلام وتحقيق المصالحة الوطنية، وتقديم أفضل أشكال الحل للصراع الدامي، وأقصر طرق إنهاء الفوضى التي أطلت برأسها على بلدانهم، والواجب ليس استنساخ تلظ التجارب، إذ أن لكل دولة خصوصيتها، ولكن الأدنى هو استخلاص الدروس والعبر منها، والنظر إلى ما كانوا عليه وما آلوا له، وما كانوا سيكونون عليه حال استمرت الفوضى في بلدانهم.


● ختاما: 
• يقع على عاتقنا أفراد ومؤسسات الانتباه لهذه المخاطر، والانخراط الجماعي في عمل دؤوب يناهض هذه الفوضى ويوقف هذه الحرب، بجهود فردية وجماعية، واجب كل منا العمل في مضماره الذي يجيد اللعب فيه، وواجب القوى المدنية الحية والكيانات الثورية، النهوض من حالة الثبات واللافعالية إلى لعب دور كبير شعبي وتعبوي ضد الحرب، يؤسس للتعايش والتصافي ويقود حملات التوعية والإعمار والتعافي المجتمعي. 

• وعلى الاقليم ولأسرة الدولية بما في ذلك المنظمات الإقليمية والدولية والمنظمات غير الحكومية، أن تلعب دورًا مهمًا في مساعدة الدول والمجتمعات المتأثرة بالانفجارات الاجتماعية والسياسية، وأن تقدم هذه الأسرة الدعم والمساعدة للمناطق المتضررة في العديد من المجالات بما في ذلك الأمن والتنمية والاقتصاد وكفالة ورعاية وصون حقوق الإنسان، وليس اللكتفاء بإصدار تقارير الأمم المتحدة حول السلام والأمن الدولي وتقارير حول تنمية المجتمعات المتضررة، وحول حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، أو حتى الاكتفاء بالادانات الدولية.

• إن حرب التسعين يوم وتأثيرات موجات الفوضى التي ترتبت عليها ستكون مدمرة للسودان، وستشمل أوجه التدمير سقوط حكومات ولائية وأنظمة اتحادية، وربما تهدد حكومة السودان المركزية، والحكومات الجارة والشقيقة والصديقة، وتتسبب في المزيد من تفكك الأنظمة الإجتماعية والاقتصادية، وتهجير السكان، وتدهور الأمن، وتزايد الفقر والجوع، فالقائمون على هذه الموجات لن يكونوا فقط جماعات مسلحة أو قوى سياسية ذات تأثير قوي، بل ستتسرب إلى السودان جماعات متطرفة تنشط في مثل هذه الحالات.


عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com 

الجمعة، 14 يوليو 2023

حرب السودان: تخريب الدولة وتهريب ثرواتها

حرب السودان: تخريب الدولة وتهريب ثرواتها


● مقدمة: شهدت عدة دول تجريفا وتدميرا كبيرا للمرافق الحيوية ونهبا للموارد، وتهريبا للثروات، وتفكيكا للبنى التحتية الانتاجية، وسرقتها من قبل أفراد ومجموعات وأنظمة ودول، يحدث ذلك غالبا في حدوث انفراط عقد الامن وانهيار منظومة الدولة كما حدث في ليبيا وسوريا واليمن وغيرها، وغالبا ما تتورط في تلك الجرائم الدول المستقرة، إما عبر استغلال حالة السيولة الأمنية بمباشرة عمليات نهب علنية أو سرية عبر مافيا إجرامية، أو بصورة ذكية تحت غطاء الحماية للمدنيين وإجراءات التدخلات العسكرية كما حدث في العراق وأفغانستان.


● أولا: إن استمرار للحرب في السودان بصورتها الحالية لن يقف عند القتل والتهجير والانتهاكات وتدمير البنى التحتية القومية بل سيتعداه لقتل الأمم وسرقة مستقبل الشعوب ونهب قوت أطفالهم، وإضاعة مواردهم، واستغلال ضعف كيان الدولة لكي تكون تابعة متحكم في قرارها، ومسيطر على قيادتها، لذلك يعد نهب الثروات والموارد وتفكيك بنية الدولة أمرًا خطيرًا يؤثر على النمو الاقتصادي لأي دولة ويسهم في سرعة انهيارها وتدحرجها الاقاصادي ومن ثم التداعي السياسي والتمزق للسبيكة الوطنية، فدولة كالسودان غنية بمواردها الطبيعية والبشرية الهائلة، عرضة لتهريب الموارد والتخريب خلال الحروب، وسرقة التاريخ ومحو البعد الحضاري المنافس وهو مشكلة تتطلب حلولًا آنية فعالة وشاملة، تحصن البلاد وثرواتها وشعبها من التداعي في معركة اغتيال الأمم.


● ثانيا: منذ النظام البائد (1989م - 2019م)، لقد تمت استباحة موارد البلاد النفطية، بالصورة التي لم يتم الافصاح عنها عن صادرات النفط وما انتجته الشركات الأجنبية لا سيما الصينية، وتعدى الأمر عقد شراكات ربع قرنية في مربعات التعدين التي لم يفصح عن انتاجها حتى انتهاء العقد مع الشركات الفرنسية في منطقة أرياب، ولا زالت عمليات استكشاف والتنقيب عن ثروات البحر الأحمر في طي الكتمان والنسيان، ولا يعلم عنها أحد شيئا، واستمر الأمر لتدخل مجموعات روسية للعمل في مربعات تعدين مختلفة متجاوزة التراخيص الممنوحة لها للعمل في مجالات أخرى، وانتشرت بصورة أو أخرى عمليات التهريب الرسمي عبر المطارات أو غير الرسمي عبر الحدود والمهابط السرية أو الرحلات الأمنية تحت غطاء إجلاء عملاء شركة فاغنر الروسية من مطار بورتسودان إلى قاعدة اللاذقية السورية، والآن في حالة الفراغ واللادولة الاي يشهدها السودان نرى كيف تزايدت عمليات التهريب للموارظ والمواد الخام في ظل انهيار مؤسسات الانتاج والتصنيع في السودان على قلتها، وهو الأمر الذي تستثمره دول مأزومة لاستغلال الخام السوداني وتصنيعه وتصديره من بلدانهم كبلد منشأ.


● ثالثا: لمنع عمليات التهريب والتخريب التي طالت السودان ومؤسساته الحيوية والخدمية والانتاجية ومشاريعه الزراعية، يجب أن نعمل سويا على إنهاء الحرب اللعينة واستعادة منظومة الدولة وأجهزة إنفاذ القانون الحكومية لتتخذ الدولة حينئذ التدابير الصارمة في محاربة الفساد وتعزيز الشفافية وتطوير نظام قضائي قوي يمكنه ملاحقة المتهمين وتقديمهم للعدالة، بالإضافة إلى ذلك، سنتمكن من تكوين قوة عمل خاصة لمكافحة التهريب وتوطين التكنولوجيا اللازمة للكشف عن التصرفات غير المشروعة والتجارة غير الشرعية التي تمارسها مجموعات وأفراد وأجهزة أمنية وحكومات دول.


● رابعا: ينبغي أن تلعب الأسرة الدولية وجيران السودان دورًا هامًا في حماية الثروات ومنع التهريب والتخريب لمؤسساته، وقد ورد ذلك نصا في كلمات المتحدثين وتوصيات قمة جوار السودان الاي انعقدت بالقاهرة في يوليو ٢٠٢٣م، وهو الأمر الذي يجب أن يتم إتباع القول فيه بالعمل، إذ أن هناك عدد من الدول وجماعاتها الإجرامية متهمة بعمليات النهب والتخريب وإدخال الأسلحة وتهريب الثروات والموارد وممتلكات ومقدرات المواطنين، سواء كان ذلك بصورة رسمية أو عبر جماعات الجريمة المنظمة، وعمليات الإجلاء ورحلات الإغاثة البرية والجوية، لذلك ينبغي على الجميع تكميل وتكامل جهودهم وأن يتعاونوا في مشاركة المعلومات وتقديم الدعم اللازم للسودان في بناء قدراتها الأمنية والتقنية والدفاعية والقضائية، ولبلوغ ذلك ينبغي فتح أبواب التعاون الإقليمي والدولي لمنع تهريب الموارد وملاحقة المتورطين عصابات كانوا أو أفرادا أو حكومات.


● خامسا: قبل الاستفاقة من هول صدمة الحرب وفجيعة متلازماتها العرضية من نهب وسلب وسرقات وتخريب للممتلكات وقتل واغتصاب، وغيره، علينا التفكير في الحفاظ على ما تبقى من الموارد، ودراسة أفضل ما تم اتباعه من خطوات ونماذج وممارسات فضلى في حماية ثروات الشعوب وملاحقة الأصول والأموال والآثار المنهوبة، والتخطيط لتشكيل جبهات شعبية وجهات فاعلة ومؤسسات مستقلة لمكافحة الفساد، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي في استعادة الأصول المنهوبة، وذلك لرفع درجة الوعي الشعبي بخطورة الأمر، وحشد التفكير الجماعي لرصد وضبط تلك المنهوبات والمسروقات الشخصية كانت أو المملوكة لمؤسسات خاصة أو للدولة، والعمل على توفير تدريب فعال لرجال الشرطة في الولايات التي تمر عبرها تلك المنهوبات أو تستقر فيها وتمكين القضاة وتأهيلهم وتدريبهم في مجالات الرصد والتحقيق في جرائم التهريب ونهب الثروات والجرائم الملازمة للحروب.

● سادسا: على المتحاربين التحلي بالقدر العالي من المسؤولية تجاه ثروات ومقدارت البلاد، فالبلاد انهارت بفعل حربهم، ودمرت مرافقها جراء تعنتهم، ولا زال الوقت متاحا لحماية ما تبقى من الأنفس والثمرات وثروات الشعوب ووقف نزف العقول وتهريب الموارد المادية والطبيعية والبشرية التي تحتاجها الدولة لتجاوز حقبة الحرب وضوائقها المعيشية وتمكنها منتعزيز النمو الاقتصادي، لذلك عليهم أن يتحلوا جميعا في المركز والحكومات الولائية والوسطاء في الإقليم والمجتمع الدولي بالإرادة السياسية لدعم جهود وقف الحرب ومنع تداعيات انهيار السودان ومكافحة الجريمة المنظمة في حق شعبه ومنع عمليات الفساد ورصد تلك الانتهاكات لتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا أفرادا كانوا أو جماعات مهنية وتجارية أو مجتمعات قبلية، وما لم يحدث ذلك ابتداء من اليوم بالتزامن مع عمليات ومبادرات الحوار لوقف الحرب لن تتمكن أي حكومة قادمة في السودان والدول الأخرى من وضع سياسات وآليات فعالة وشاملة لحماية مواردها وضمان استفادة الشعب منها بشكل منصف، لأن الوقت سيكون قد تسرب من الجميع.


● سابعا: مثلما يقع على الدولة الغائية دور حماية وحراسة المدنين ومقدراتعم والبلاد وثرواتها، تقع المسؤولية على القوى المدنية والمراصد الحقوقية وجماعات الضغط الشعبية وعناصر المجتمع الفاعلين مسؤولية مماثلة، وهنا يجدر بالجميع العمل استباقيا على رفع وعيهم بتلك القضايا وتطوير عناصر ومؤسسات إنفاذ القانون وأجهزة مكافحة الجريمة، وهو أمر يوجب انخراط الفاعلين وبخاصة المحامين والمراجعين القانونيين والمحاسبين والصيارفة ورجال الدولة حتى أولئك الذين في المعاش لتصميم عدة برامج ومخططات ومناهج لضمان التحسين والتحديث المستمر لمؤسسات تتبع الأصول واسترداد الحقوق، ومن البرامج التي نحتاج للعمل عليها، الآتي:

1. برامج متكاملة للتدريب والتأهيل الحقوقي والقانوني، تكون عالية الجودة للأفراد العاملين في مجال إنفاذ القانون وتأهيلهم بالمهارات المطلوبة لمكافحة الجريمة بفعالية وتعقب الأصول ورصد حركتها، يتضمن ذلك التدريب على التحقيقات الجنائية، وتقنيات جمع الأدلة، وحقوق الإنسان، والقضاء، وهنا يمكن الاستفادة من سودان الشتات الذي يعج بخبراء ومختصين فاعلين وعاملين في هذه المجالات، واجبهم التطوع لتصميم تلك البرامج والانخراط في تدريب الراغبين والالتزام بتقديم يد العون عمليا عقب انتهاء الصراع.

2. برامج صياغة وصناعة التشريعات والنظم القانونية المحصنة للموارد والثروات والحقوق السودانية بما في ذلك الإرث المعرفي والبحوث العلمية والبذور والثروات والمستودعات الجينية، والشروع فورا في دراسة كافة القوانين السارية في السودان والمشرعة من وزارة العدل بغية تحديث وتعزيز تلك التشريعات والنظم القانونية لتتناسب وتتواءهم مع التحديات الجديدة لحماية سودان ما بعد الحرب في مجال مكافحة الجريمة المحلية والعابرة للحدود ومواءمة تلك التصورات مع التشريعات الدولية والمعاهدات والبروتوكولات ذات الصلة، على أن يشمل ذلك تشديد عقوبات الجرائم المنظمة وتهريب الثروات والاغتيال للعقول وغسل الأموال وتمويل الحرب ودعم الأنشطة الإجرامية والإرهابية، ووضع صيغ قانونية تخلص السودان من تركة العقود المجحفة مع الدول والأنظمة التي استغلت أوضاع الحرب وضعف النظام الإنقلابي قبلها.

3. برامج رقمية وسبرانية ومناهج استخدام التكنولوجيا وأدوات الرصد الحديثة، والبدء من حيث انتهى العالم في هذا المجال، ومد العقل السوداني المختص بكافة المعارف المطلوبة والمتاحة في هذا المجال وطرق استخدامها الأمثل، وذلك لما لتقنيات المراقبة، وأجهزة الاستشعار، والتحليل الذكي، من قدرة يمكن أن تكون أدوات قوية لمراقبة الجريمة وتحليلها ورصد مراحلها وتحديد مرتكبيها وملاحقتهم، حينها ستسهم تلك التقنيات في رفع قدرات العاملين على رصد الجريمة وتسهيل عمليات التحقيق للكشف عن كافة الأنشطة غير المشروعة التي ارتكبت في فترة الحرب وما قبلها، وحتما ستؤسس تلك البرامج لنواة مستقبل حمائي لمنظومة الحكم ودرع واقي لصون ثروات وموارد البلاد وحماية حدوده والعناية بالمواطن وحقوقه.

4. برامج التعاون الإقليمي والدولي، التي تمكن من تصميم شراكات ذكية مع حكومات ومنظمات غير حكومية ومعاهد ومراكز وشركات دولية عاملة في هذا المجال وتملك أدواته الفنية والخبرات المهنية، تسهل عملية التشبيك المستقبلي والتبادل المعلوماتي بين الدول لمكافحة الجريمة عبر الحدود، ودراسة ماةيمكن إبرامه من عقود واتفاقيات تعاون مشتركة لتسهيل تبادل المعلومات والمساعدة المتبادلة في التحقيق لاسترداد الحقوق وتقديم المجرمين للعدالة، وهنا يقع العب على كل رجال ونساء الدولة من قادة القوى المدنية ومنظمات المجتمع المدني ووزراء الحكومات السابقة والقضاة والمهنيين للعب هذا الدور الاستكشافي لأفضل الأدوات التي تمكن من صناعة أمثل الشراكات.

5. برامج الوعي المؤسسي والمجتمعي لإرساء الدعائم التوعوية والمبادئ الأخلاقية والتبصير بالحقوق المادية وحقوق الإنسان، وهو برنامج ينبغي أن تؤسس له الجماعات الحقوقية والمنظمات والمراكز الوطنية، لتعتمده مؤسسات إنفاذ القانون بحيث يستند على مبادئ أخلاقية وقيمة قوية واحترام والتزام بصون الكرامة الإنسانية وحفظ وحماية حقوق الإنسان، ووضع ذلك نصب عين تلك المؤسسات عند أداء واجباتها، وهذا الأمر وحده هو الذي سيساعد في بناء الثقة بين الشرطة وأجهزة وسلطات إنفاذ القانون والمجتمع وضمان التعاون في مكافحة الجريمة، خاصة بعد حالة الغياب المريبة لتلك الأجهزة منذ 15 إبريل حتى اليوم.


●أخيرا: حال فراغنا من تلك البرامج المشار إليها أعلاه يقع على عواتقنا كأفراد وكيانات ومؤسسات وجهات مختصة، رصد وتقييم الجرائم والخسائر التي حدثت خلال الحرب، وذلك لأن الأمر يعتبر تحديًا كبيرًا ويتطلب العديد من الوسائل والتقنيات والجهات والممارسات الفضلى التي يمكن استخدامها لرصد وتقييم تلك الخسائر:

1. التحليل الجغرافي ونظم المعلومات الجغرافية (GIS)، الذي يساعد في تحديد وتوثيق ومسح الأضرار والخسائر بشكل متناهي الدقة خاصة بعد الطفرات التكنولوجية التي شهدها هذا المجال، ويمكن استخدام الصور الجوية والبيانات المكانية والمعلومات الأرضية لتحليل تأثير الحروب على المؤسسات والمرافق المختلفة، والكشف عن جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، الأمر الذي سيسهل التخطيط لبرامج جبر الضرر والإنصاف والحقيقة، ومشاريع إعادة الإعمار والتنمية واستعادة المنهوبات واسترداد الموارد والثروات المهربة أو قيمتها.

2. التحليل المالي والاقتصادي الذي يمتلك السودان فيه أميز العقول العالمة والعاملة في دراسة تأثير الحروب على الاقتصاد والنظام المالي، وخبراء التخطيط والإدارة، وهو ما سيسهل خطواتنا جسابيا لبلوغ المستقبل بأقصر الطرق وأقل التكاليف، وذلك بتحديد الخسائر المادية والتكاليف الاقتصادية لتلك الجرائم، لما للخبراء الاقتصاديين والمراجعين دور هام في تقدير الأضرار وتحليل التكاليف، وما يملكون من صلات واتصالات ببيوت خبرة إقليمية ودولية أخرجت بلدان كثيرة من ركام الحروب إلى رفاه الحياة.

3. المراجعات القانونية والتحقيقات الجنائية والمالية والمعلوماتية، فتعقب الأموال والثروات والأصول، وحتى عمليات التصفية، يتطلب الأمر رصد وتحديد أنواع تلك الجرائم خلال الحرب، وذلك من خلال المراجعة القانونية والتحقيقات المكثفة، عبر وحدات متخصصة ونيابات مختصة وعناصر خاصة، والسبيل إلى ذلك إنشاء لجان فعالة وفرق خاصة للتحقيق ووحدات سرية للتحري في الجرائم وتوثيقها، على ألا تكون شبيهة أو مماثلة للوحدات والنيابات الخاصة التي تم تكوينها للابتزاز والتضليل، فالمطلوب هو نموذج فاعل للمراجعة والحقيق والتدقيق يكشف الحقيقة ويصل للجناة ويفيد القضاء لاستخدام الأدلة المستخلصة لتقدير الأضرار، وانصاف الضحايا وحفظ الحقوق.

4. الرصد من خلال الجهات المختصة والمؤسسات الإقليمية والدولية، فهناك العديد من الجهات والمؤسسات الدولية التي تعمل على الانصاف ورصد الانتهاكات وتعقب الأصول، وتنشط في إعادة تأسيس البنية التحتية المدمرة واسترداد الممتلكات المنهوبة وتقدير الخسائر خلال الحروب، وهؤلاء يتمثل دورهم في تقديم المساعدة والموارد اللازمة للدول المتضررة وتوفير الخبرة والدعم في تقييم الخسائر واستعادة الممتلكات.

5. الرصد من خلال الشركات والمنظمات غير الحكومية، والتي يمكن أن تساهم في رصد وتقييم الخسائر والأضرار، من خلال انظمة المراقبة وقوائمهم المالية وبواليص الشحن، والأرصدة والمعاملات البنكية، والعقود المبرمة والصفقات المحلية والإقليمية والعالمية، ويمكنهم أيضا تقديم المساعدة في إعادة التأهيل وإعادة الإعمار، وقد تمتلك بعض الشركات اختصاصات وخبرات في تقييم المخاطر والأضرار وتحديد التكاليف المالية.


● ختاما: 
• إن هناك العديد من الدول التي فجعتها الحرب وقطعت شرايينها الاقتصادية واستحالت حياة الشعوب فيها إلى جحيم ولكن تلك الأنظمة وحكومات تلك الدول والمؤسسات عملت على استرداد ممتلكات شعوبهم وتقييم الخسائر والأضرار والاسراع بالنهوض كما حدث في دولة مثل رواندا وجنوب إفريقيا وتشيلي، عاونتهم في ذلك عدة مؤسسات إقليمية ودولية منها صندوق الأمم المتحدة للتحقيق في جرائم الحرب، والبنك الدولي، وبنك التنمية الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، وتلعب هذه الجهات دورًا هامًا في توفير التمويل والموارد والدعم والاسناد الفني والتقني للدول المتضررة لتحقيق العدالة والاستقرار، واجبنا فتح كافة أبواب التواصل السياسي والدبلوماسي معها تمهيدا لاستعادة تموضع السودان كدولة في المنظومة العالمية.

• ومن واقع يوميات الحرب وتداعياتها شهدنا تنادٍ عالمي لإخراج السودان من حفرة جحيم الحرب، تعاونه في ذلك أكبر وأفضل الدول العربية والافريقية التي تشهد نهوضا اقتصاديا كالمملكة العربية السعودية ودول الخليج ودول الإيقاد، وبعض التي نجحت في الحد من الحروب وخفض معدلات الانتهاكات، ونظمت علاقاتها من خلال اتفاقيات تعاون ناجحة في مجال مكافحة الجريمة، كالولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وألمانيا، واليابان، وقد اعتمد نجاح هذه الدول على توصلها إلى اتفاقيات دولية وإقليمية قوية، وتبادل المعلومات، والتكنولوجيا المتقدمة في مجال مكافحة الجريمة واستخدام أدوات الرصد الحديثة.

• وهي فرصة للسودان أن يستفيد من كل دولة بما يحقق مصلحته، لأنه من المهم أن يستفيد هذا البلد الأمين من البلدان الأخرى ومن التجارب الناجحة الخاصة بهذه الدول وتطبيق النماذج والممارسات الفضلى في مكافحة الجريمة ورصد الانتهاكات والحد من الأنشطة غير المشروعة ومنع تسريب وتهريب الثروات وتخريب الاقتصاد وإيقاف مخطط اغتيال الأمة السودانية حضاريا واقتصاديا وسياسيا وامنيا.

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com

الأربعاء، 12 يوليو 2023

الحرب: أثر نفسي قائم وخطر قادم

الحرب: أثر نفسي قائم وخطر قادم

● مقدمة: بعد النزاعات والحروب والصراعات المسلحة والاقتتال الأهلي، تتولد الكثير من الأمراض وتتخلق العديد من التأثيرات السلبية على سلوك الأفراد والمؤسسات والمجتمعات والأنظمة الإدارية والحكومات بل حتى السلطات التشريعية والقضائية، وتؤدي مخلفات الحرب النفسية والأخلاقية إلى عدم الاستقرار الاجتماعي، وضعف التماسك القومي، وانعدام التواصل الإنساني وبالتالي تهديد استدامة السلام، لذلك ينبغي الاستعداد للتصدي للأمر وذلك الخطر الذي يتهددنا جميعا دون استثناء، وذلك من خلال العديد من الإجراءات التي يمكن اتخاذها لتقويم سلوك الفرد والاستجابة لتلك التحديات.



● أولا: تظل أعظم مهام الأكاديميين والمثقفين والساسة والحكماء هي بذل جهود مضاعفة لدراسة تأثير الحروب والصراعات المسلحة على سلوك الأفراد والمجتمعات اعتمادا على مجموعة واسعة من المناهج العلمية والنظريات السلوكية، لتنزيل ذلك في نموذج التعافي السوداني، ومحاصرة ارتدادات الحرب وانعكاساتها السلوكية على المجتمعات التي لم تصلها نيران الصراع، وهناك عدة نماذج وأفكار قد تم دراستها وتوثيقها على مختلف المستويات في عدد من الدول التي شهدت أطول الحرب وأدمى الصراعات، ومن بين الكتاب والمفكرين الذين أسهموا في هذا المجال، ويمكن الاستهداء بتصوراتهم، هم:

1. الذين صاغوا واتفقوا على ما أسموه نموذج اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، والذي يركز على دراسة التأثيرات النفسية والسلوكية الناجمة عن تجارب الصدمة الشخصية والجماعية خلال الحروب والصراعات، وهؤلاء ساهمت أبحاثهم القينة والدراسات في هذا المجال في تطوير مفهوم اضطراب ما بعد الصدمة وتقديم النصح والعلاج النفسي للأفراد المتأثرين، وخلصوا لمعالجات منهجية تتدرج من المستوى الفردي وصولا للمؤسسات والمجتمعات والأنظمة، وأشهر من كتب في هذا السياق سيباستيان جونغ هيير، في كتابه كتابه "جراح الحروب الكبرى، متحدثا عن تأثير الحروب والصراعات على السلوك البشري" يعرض العديد من الدراسات والأبحاث حول تأثير الحروب على السلوك البشري.


2. أصحاب نظرية السلوك الجماعي، وما اصطلح عليه بسلوك القطيع، وهؤلاء مضوا إلى نظرية تستكشف كيف يتأثر سلوك الأفراد والمجتمعات بمحيطهم والقوانين والتحفيز الاجتماعي، وتسلط الضوء على أهمية العوامل الاجتماعية في تشكيل وتغيير السلوك البشري، ويتخذ هذا المنهج أقوى أوجه التعاون للتعافي الجماعي ويمكن أن يعزز أواصر الود بين المجتمعات التي شهدت قطيعة جراء الصراع، وهنا تجدر الاشارة للكاتبة كاثلين بتجول، وكتابها "العنف السياسي وتداعياته على السلوك البشري"، والءي يشرح تأثير العنف السياسي والصراعات على السلوك الفردي والجماعي.

3. أما من قال بنظرية التأقلم الاجتماعي فهؤلاء ركزوا على كيفية تكييف الأفراد والمجتمعات مع التحديات والظروف الصعبة، ويدرس هذا النموذج كيف يمكن للأفراد أن يتعاملوا مع الضغوط النفسية والاجتماعية ويبنوا قدرات التأقلم الشخصي والاجتماعي، وهو منهج مكلف للغاية ويحتاج لقدرات وإمكانيات عالية للتدريب والتأهيل وصولا لدرجة التأقلم.



● ثانيا: جميع تلك المناهج والكتاب والمفكرين قد وضعوا متلازمة أعراض وأمراض تعزز ما نشهده خلال فترات الصراع والحروب التي قادت تغيرات كبيرة في سلوك الأفراد والمجتمعات والمؤسسات والأنظمة، وتسببت في عدة أشكال لتغير السلوك البشري خلال هذه الفترات، ومن أخطرها:

1. حدة العنف وشدة العداء، فقد تنامى بفضل الصراع مستوى العنف والعداء خلال فترات الصراع والحرب، بالصورة التي جعلت من الإنسان لا يستنكر الموت أو رؤية أخيه السوداني حريق أو مهشم الرأس أو مقطع الأوصال، وهو الأمر الذي زلد الانقسامات الاثنية والمجتمعية وشجيع على التصعيد العنيف في التعاطي بين الأفراد والمجتمعات، كما شهدنا في بعض أحباء العاصمة، ومدن كالجنينة، وزالنجي، ونيالا، وكتم، وطويلة، وعدد كبير من القرى المنسية في هذا الصراع.

2. التغير السريع في القيم والتراجع في المثل والانتكاسة في المعتقدات، فقد كذبت سلوكيات عدد من الناس خلال فترة الحرب أن كثير من أخلاق السمت والموؤة والنجدة السودانية، تخطي كومة من الجشعين وتجار الأزمات وأمراء الحروب، وتم تغيير منظومة القيم والأخلاق والمعتقدات خلال فترات الصراع والحروب للدرجة التي تساقط فيها كثير من عناصر أيدولوجية حزبية في مستنقع الإثن والعرق والقبيلة، واستشرت البراغماتية في كثير من الأوساط، وبلغ الأمر مبلغا عظيما للدرجة التي يتم الترويج لأفكار تعلي النعرات وتؤسس للعداء والانفصال بين الأفراد والمجتمعات، الأمر الذي قد يقود لتقطيع أوصال البلاد.

3. التأثير النفسي وصراع الذات والأمراض الملازمة له، فقد قادت الصراعات والحروب إلى إحداث تأثيرات نفسية عميقة على عدد كبير من الأفراد وأدخلت الكثير من المجتمعات في حالة من الذهان ورهاب الصدمة، وتعرضوا للأزمات النفسية والتوتر والقلق والاكتئاب وصولا لدرجة الجنون، الأمر الذي أثر على سلوكهم اليومي وعلاقاتهم مع الآخرين، في ظل إغلاق كافة المراكز المعنية بالعلاج وتلقي الإرشاد، خاصة المراكز الخاصة بالسيدات من ضحايا العنف. كمركز التروما في جامعة الأحفاد، مع شح شديد في الأدوية والعقاقير وفرار عدد كبير من الاختصاصصين النفسيين جراء الحرب، الأمر الذي قاد للجوء كثيرين لتعاطي المخدرات التي ينشط تجار الحروب في توفيرها وتمويل أنشطتهم عبر ترويجها.

4. سادت حالة كبيرة من القلق وموجة من الشك وضعف اليقين، وعدم الثقة، بين الأفراد فيما بينهم، وبين المجتمعات، وبين المجتمعات والمؤسسات خلال فترات سابقة إلا أنها ازدادت خلال أيام الصراع والحرب، بالصورة التي جعلت الناس يعتقدون أنهم في حالة خطر مستمر، خاصة أولئك الذين نزحوا من مناطق النيران إلى أخرى فأخرى عدة مرات، مما ينعكس على التعاطي اليومي بتزايد الريبة والشكوك وهو ما سيؤثر على العلاقات الاجتماعية الشخصية والعامة، فنماذج التشكيك والاتهام بالولاء لهذا الطرف أو ذاك تجعل من الجوار الآمن أمرا مستحيلا بين الأسر.

ثالثا: نحن جزء من منظومة كونية شهدت حروب وصراعات ونزاعات، وشوهدت فيها انتهاكات وفظاعات، قاد بعضها لانفصال البلاد وتخليق آثار غائرة لا يرجى برؤها، ولكن بذات القدر هناك من النماذج التي قدمت لإبراء الجراح الجسدية والنفسية وترميم الشروخ التي خلفتها الصراعات، وأشهرها:

1. ما فعله نيلسون مانديلا الذي قاد دولته العنصرية وقتئذ جنوب أفريقيا وأوصلها إلى التعافي بعد مسيرة التصالح الجنوب إفريقية متجاوزا بذلك نظام الفصل العنصري، وعمل على بناء جسور التعايش السلمي والتحقق من العدالة الاجتماعية، بالصورة التي مكنت المواطنيين من تقديم نموذجهم كحالات تعليمية وقدوات علاجية تستهدي بها اليوم عدد من المؤسسات ويستضافون في عدد من المحافل والمؤتمرات، وظل نويل باردي رئيس وزراء جنوب أفريقيا الأسبق الذي قاد مسعىً للمصالحة النهائية ونقل البلاد إلى نظام ديمقراطي بعد نظام الفصل العنصري، من أهم نماذج الاتزان النفسي والتعاطي المخلص.

2. لا يذكر كثيرون محمد الطيب الهاشمي، والذي كان يشغل رئيس المجلس الانتقالي في تونس بعد الانتفاضة الشعبية، وقد قاد مسار الانتقال الديمقراطي وبناء مؤسسات التونسية بصورة راسخة قائمة على الحوار والتشاور، الأمر الذي جعل من تونس نموذج مؤسسي واجتماعي قوي رغم المحاولات المستمرة لضرب وإضعافه، وهيأ بتلك المؤسسية مرافق التعافي النفسي والتصافي وإبراء الجراح.

3. قد يبالغ المرء إذا قال أن أقوى نموذج تأثر بالحروب والصراعات والحملات النفسية والأذي الجسدي وأنهى حالات التصافي والتعافي بعد ارتكاب مجازر في حقه كفرد وفي مجتمعه كطائفه، هو الإمام الصادق المهدي، الذي شهد مذبحة الأنصار في المولد، ومجزرة الجزيرة أبا وودنوباوي والكرمك، مع ذلك قاد جهود المصالحة والمقاومة المدنية السلمية، وظل في كل الحقب يدعو للحل السياسي الشامل، ويربي مناصرية على منهج سماه بالجهاد المدني لتقويم السلوك وحراسة الحقوق، ومضى إلى الله وهو ينادي بترسيخ نموذج للحقيقة والمصالحة يبريء الجراح وينصف الضحايا، ويعاقب الجناة شبيه بكوديسا جنوب إفريقيا.


رابعا: من خلال ما تقدم ذكره وما يستقرأ حدوثه مستقبلا علينا بذل جهود حثيثة مسترشدين بالتجارب السابقة وطنيا وإقليميا ودوليا، لتقويم سلوك الفرد والجماعات بعد النزاع ومعالجة مخلفات الحرب النفسية والأخلاقية على التركيبة السكانية السودانية في مدن ما بعد الصراع، ويمكن استخدام أسلوب منهجي يركز على الإصلاح والتعافي الاجتماعي والنفسي الفردي والمؤسسي، تنظمه العديد من العمليات والإجراءات، هي:

1. تقوية أواصر الشعور القومي وبناء الحوار والتواصل، وذلك بتشجيع الحوار والتواصل المفتوح بين الأفراد والمؤسسات المختلفة لخلق فهم مشترك لكافة المشاكل والمخاوف والطموحات المشتركة، وتجنيب المجتمعات خطابات النعرات وتجريم وتحريم التعالي والقطيعة والاستعلاء الاجتماعي.

2. تصميم مشروع قومي ونموذج سوداني للعدالة والحقيقة والمصالحة، يشمل العدالة للأفراد، والانصاف للمجتمعات والاسترداد للمؤسسات، ويتضمن العدالة الجنائية والانتقالية وتلك الدولية، لضمان إكمال كافة حلقات العدالة والمصالحة المجتمعية وضمان الشفافية والتعايش السلمي وتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان عدم الافلات من العقاب لإبراء الجراح وإزالة الشروخ النفسية.

3. تأسيس أكبر المراكز وتكوين أكبر الشبكات الصحية والنفسية ومراكز الدعم لتوفير الدعم النفسي والاجتماعي والمادي، للأفراد والمجتمعات المتأثرة من الصراع، للتعافي من آثار الحرب النفسية والآثار النفسية الأخرى، وتمكين المختصين من أدوات التطبيب النفسي وتأهيل عدد كبير من النساء لقيادة هذه المراكز لكونهن مفتاح تعافي الأسر والمجتمعات والأكثر انتشارا في كافة المرافق والمؤسسات.

4. تكثيف أنشطة التعليم والتثقيف وزيادة أعداد المرافق المختصة بشراكات إقليمية ومحلية ودولية، ورفع مستويات التعليم والتثقيف لتغذية التغيير الإيجابي والوعي بحقوق الإنسان، والمسؤولية الاجتماعية لملاحقة الجناة على أسس قانونية تشمل القانون الدلي الإنساني والمعاهدات والبروتوكولات ذات الصلة، والمواثيق التي تؤسس لانتزاع الحقوق.

5. وتظل التجربة الإنسانية أكبر وسائل التعافي هي التعلم والنظر للنماذج الفضلى للممارسات التي تخلصت من آثار ومضاعفات الحرب كما ذكرنا في إفريقيا والعالم والمنطقة العربية، كبرامج مثل التصالح الجنوب إفريقي بعد نظام الفصل العنصري ومحكمة جنايات رواندا الدولية لمعالجة جرائم الإبادة الجماعية، وعلى صعيد عالمي يمكن الاستفادة من خبرة المحكمة الجنائية الدولية في التعامل مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وفي المنطقة العربية يمكن النظر إلى جهود الإصلاح في مختلف البلدان المتأثرة بالصراعات والحروب، مثل العراق وسوريا، والنموذج الذي يعكف الليبيون على تصميمه.

ختاما:
• إن تأثير هذه التغيرات والصراعات الدموية والحروب على التعاطي اليومي سيكون خطيرًا وكبيرا، ولأن التعاطي بين الأفراد والمجتمعات والمؤسسات يعتمد على الثقة والاحترام المتبادل، والذي ينخفض وربما يتبدد بسبب تدني مستوى الثقة خلال فترات الصراع، يظل واجبنا كأفراد وكيانات التواصل البناء لحل هذه الأزمات والمشكلات والتعاون المثمر، وإلا سنشهد المزيد من حدة التوترات والانفصالات.

• لتحقيق استقرار اجتماعي مستدام وسلام دائم بعد النزاع علينا تقويم سلوك الأفراد والمؤسسات، وتنفيذ أفضل الممارسات التي تعلي من قيم التسامح والتعايش وتكفل العدالة والتعافي الاجتماعي وتسهم في إعادة بناء المجتمعات المتضررة من الحروب والصراعات.

• ولئلا ينسحب الأمر ويتمدد حتى يتأثر التعاطي بين الأفراد والمؤسسات والنظام مع دول أخرى خلال فترات الصراع والحرب، علينا الشروع في وضع مشروع متكامل لأن ذلك قد يغير النهج السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني والإنساني بيننا وغيرنا، مما قد يؤدي إلى زيادة التوترات الإقليمية والدولية وتدهور العلاقات الدبلوماسية والتعاون بين السودان وجواره الإقليمي.

• إن تقويم سلوك الفرد والمجتمعات والمؤسسات خلال هذه الفترة العصيبة سيقود إلى نجاح أكيد في التعاون وبناء الثقة والمصالح المشتركة، ويمكن أن يساهم في استمرار الحوار وتشجيع العمل المشترك وتوفير الدعم النفسي والمجتمعي لاستقرار مستدام وتجاوز للصدمات.

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com 


الثلاثاء، 11 يوليو 2023

خطر الحروب على الحياة والقوى المدنية

خطر الحروب على الحياة والقوى المدنية


● أولا: مقدمة؛ لقد جرفت النزاعات على مر العصور كافة أشكال الحياة المدنية ومظاهر المجتمع المدني المتماسك وغيبت فعالياته وفاعليه السياسيين، والمثقفين، والتجار، والمهنيين، والفئوين، وغيره، وهو ما يعني ان الحرب التي اندلعت بالسودان في 15 إبريل 2023م، لها تأثيرات سلبية كبيرة على الحركة السياسية المدنية والحقوقية والمجتمعات المدنية الأخرى، والتي كانت تهيء نفسها المضي في ترسيخ الأنظمة الديمقراطية، وهنا أعدد دلائل التجريف المادي والمعنوي والنفسي للحياة المدنية وما ترتب عليه من خراب وأضرار يمكن أن تنهك جسد الدولة مستقبلا ويسهم ذلك التدمير إلى استمرارية الحرب.

1. مثل تدمير البنية التحتية لمقار ومرافق الحياة المدنية والخدمية وتحطيم المنظومة المتهالكة سلفا، وهو حتمية إندلاع الحرب، لأن الحروب عادة تكون مصحوبة بتدمير كبير للبنية التحتية للمجتمعات المدنية أكثر من المرافق العسكرية، وبالتالي يتأثر القدرة على توفير الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم ومرافق الترفقه والتعاطي المدني، ونحن اليوم نكابد آثار ذلك الدمار.

2. فرار السكان من الحرب أفرغ المدن من محتواها المدني السياسي والثقافي والاقتصادي والمهني، لأن الحرب قادت إلى تشريد الكثير من السكان وقادة المجتمع ونخبه، حيث اضطروا إلى مغادرة منازلهم ومدنهم بحثًا عن الأمان في مدن أخرى أو عبر الفرار إلى دول الجوار، هذا التشتت قد أثر بصورة مباشرة على استمرار الحرب وزيادة الجرائم والانتعاكات، وحد من القدرة على القيام بالنشاطات السياسية وبناء القوى المدنية والأحزاب والمؤسسات السياسية والمجموعات المدنية والكيانات النقابية التي تسرب عناصرها مخلفين وراءهم كل ما يملكون من رصيد معرفي ومهني ومادي ومقتنيات ومستندات وموروث ثقافي أو قيمي.

3. غيبت الحرب أهم الحقوق الدستورية التي كان يمارسها المجتمع المدني، وهو غياب الحركة الجماهيرية والمظاهرات والمواكب والتجمعات السلمية والوقفات الاحتجاجية التي تناهض الاستبداد بوسائل تعكس مدنية التطلع والطموح، وقد قوضت الحرب قدرة الجماهير السلمية المدنية على التجمع والتواصل والمواكب والمظاهرات السلمية للتعبير عن آرائهم ومطالبهم السياسية، واتخذت السلطة الانقلابية في 25 أكتوبر 2021م إجراءات قمعية خانقة ضد المجتمع المدني وسلبته حرية التعبير وحق الاجتماع، إلا أنها أجهزت تماما على ذلك المجتمع المدني في ظل الظروف الحربية الحالية، بل اتخذت من شرط الاصطفاف مع أو ضد السلطة الحاكمة سبيلا لتصفية الخصوم السياسيين.

4. استشراء الخوف العام والانعدام الأمني في العاصمة وقلته في الولايات، جعل ذلك كافة المرافق المدنية والأماكن الحيوية غير آمنة، وهذا أثر على قدرة الناس على المشاركة السياسية والاقتصادية والمهنية والرياضية والثقافية والنشاط الاجتماعي، حيث يتزايد القلق على سلامتهم الشخصية وحياة عائلاتهم، وقلت فرص التجمع حتى لأداء الصلوات في المساجد والكنائس ودور العبادة.

5. اتخاذ أطراف الحرب من المرافق المدنية والمؤسسات الحيوية والحياتية ثكنات عسكرية ودفاعات أمنية وارتكازات للقناصة والقوات، الأمر الذي أدخل الجامعات والاستادات والمتاحف والمدارس والمشافي ودور الرياضة دائرة الصراع، ومنع ذلك التواجد العسكري كافة الأنشطة المدنية التي ظلت تمارس رغم ظروف السودانيين القاسية قبل الحرب.

● ثانيا: أركز هنا على نماذج إنهيار الأحزاب في فترات الحرب التي تعتمد على الظروف والسياقات الزمكانية الخاصة وعلى سبيل المثال، سيؤدي التدمير الفعلي أو التهديد بالتدمير الناجم عن الحرب إلى تفكك الأحزاب السياسية القومية علي وجه الخصوص وتعزيز الحركات الجهوية والمناطقة والإثنية وربما تزايد الحركات المسلحة المناطقية، حيث يتعذر على القوى المدنية والأحزاب السياسية تنظيم أنشطتها والحفاظ على هياكلها وتأمين قياداتها من حملات الاستهداف والاغتيال المعنوي أو التصفية الجسدية أو التشريد والإفقار وإعداد موروثاتها الفكرية والعبث بوثائقها وموقعها ومرافقها.

● ثالثا: بشكل عام تشير الدراسات المنشورة عن تجارب عربية وإفريقية ولاتينية إلى أن الحرب قادت في غالب الأحيان إلى تقويض الحركة السياسية المدنية وضعف مؤسسات الديمقراطية والحقوق المدنية، ومع ذلك فإن الإصرار الكبير لبعض القوى والاستجابة الشعبية والصمود وكثافة الجهود المبذولة من أجل إعادة بناء المجتمعات والمؤسسات المدنية القوية يمكن أن تلعب فيه تلك القوى دورًا حاسمًا في إحداث التغيير وتعزيز الديمقراطية واستعادة الحكم الراشد وترسيخ دعائم السلام المستدام.


● رابعا: نجد أن عملية تعافي الأحزاب السياسية والقوى الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني من آثار التدمير التي تسببت فيها الصراعات المسلحة تتطلب جهودًا شاملة ومتعددة المستويات (حكومية- شعبية- إقليمية- دولية)، وتشمل العديد من الجوانب المهمة، وهنا أستعرض بعض النماذج لأشكال تعافي المؤسسات والمجتمعات المدنية في بعض الدول العربية والأفريقية والعالم:

1. نموذج التعافي المرتبط بتحقيق السلام والاستقرار، إذ يعتبر بناء السلام والاستقرار أحد أولويات تعافي المؤسسات والمجتمعات المدنية، على سبيل المثال نجد في جنوب إفريقيا بعد زوال نظام الفصل العنصري في 1990م، شهدت المؤسسات والأحزاب السياسية والمجتمعات المدنية تعاونًا وحوارًا شاملاً لبناء نظام ديمقراطي شامل قاد إلى استقرار سياسي وترسيخ مباديء الحكم الراشد وارتفاع معدل النمو الاقتصادي والتطور في كافة المستويات المدنية والحقوقية، بل حتى التموضع الاستراتيجي في القارة الافريقية والقرار الدولي، كل ذلك بفضل تعافي المجتمع المدني.

2. نموذج إعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية واستعادة الحياة في المرافق التي دمرتها أو قتلتها الحرب، فتعافي المجتمعات المدنية يتطلب أيضًا إعادة بناء وتطوير المؤسسات السياسية والبنية التحتية المدمرة. ونجد في النموذج اللبناني بعد الحرب الأهلية، نهوض سريع في تسعينيات القرن الماضي واستقرار حتى مطلع هذه الألفية، فقد قدمت المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني مساعدات لإعادة بناء وتطوير البنية التحتية للمدن المتضررة بالصورة التي جعلت من لبنان نموذج ديمقراطي في المنطقة وقبلة سياحية للعالم ووجهة للتعليم لعدد كبير من أبناء المنطقة العربية، ولا زالت الحركة النقابية والحقوقية المدنية في لبنان من أقوى الحركات في المنطقة.

3. نموذج يكفل المشاركة السياسية ويضمن إسهام الكافة في بناء الدولة وتقوية مؤسساتها، لأن الحركة السياسية والمجتمعات المدنية تعود فور مزاولة نشاطها لتأسيس مبدأ المشاركة السياسية وتنظيم الحوارات والتجمعات السلمية والاعتراف بالآخر، ففي تونس بعد الثورة التي اندلعت جراء حريق بوعزيزي لنفسه، قد تعافت أحزاب المعارضة والمجتمع المدني من خلال تنظيم الحنكة والنشاطات السياسية والتعبير عن الرأي الحر، وتم خلال فترة الثورة استعادة الحياة المدنية وقوة المؤسسات النقابية لا سيما العمالية، وظلت إلى يومنها هذا عنوان لتقويم وتقييم مؤسسات الدولة ومناهضة الإجراءات الشمولية، ويعول على تلك الحركة المدنية لا سيما الشبابية في استعادة تونس إلى المسار الديمقراطي.

4. نموذج بناء الثقة والمصالحة القائم على استعراض الحقيقة وتأسيس منصات الاعتراف، وجبر الضرر وبناء الثقة، وتحقيق المصالحة الوطنية، لتلعب المجتمعات المدنية والقوى الحية دورًا مهمًا في تعافي المجتمعات إذ يتعذر على المتحاربين أو المؤسسات العسكرية القيام بذلك الدور، ونجد أنه في كولومبيا بعد عقود من النزاع المسلح وقع اتفاق سلام تفاوضي بين الحكومة والمتمردين قاد إلى مصالحة شاملة، مما أفسح المجال أمام تعافي الأحزاب السياسية والمجتمع المدني التي تشهد تحركات مدنية وحقوقية ومهنية كبيرة هذه الأيام.

5. نموذج تعزيز الشراكات والتعاون الإقليمي والدولي لإنهاء الصراع في البلدان وانتشالها من الحروب، وربط قواها المدنية بشبكات جارة صديقة وشقيقة، تعمل تلك الشراكات على توطيد أواصر التواصل والتعاون بين المؤسسات السياسية والمجتمعات المدنية والشركاء الدوليين لرفع القدرات وخلق التعافي في المجتمعات، وهذا شهدناه في العديد من البلدان من تعاون المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية للإسهام في خلق نماذج مدنية وديمقراطية وتنموية واستقرار سياسي.

6. أما نماذج الوصاية والتدخل التي اسهمت في كثير من الأحيان إلى التخلص من طبقة مدنية وقوى سياسية واجتثاثها لصالح كيانات أخرى، كما حدث في العراق، ويحدث في اليمن، وليبيا، وما انتهت إليه افغانستان، قاد إلى تشكيل مجتمعات مدنية وقوى سياسية وطبقات اقتصادية لها ارتباطات عضوية بالخارج، أو قطيعة بينية وخصام مزق الوحدة الوطنية وقسم التراب الواحد.

خامسا: واجبنا كقوى مدنية وأحزاب سياسية ومجتمعات محلية ليس الهروب من الحرب إلى ولاءاتنا الأولية، بل بالتوجه القوى والفوري للحفاظ على القوى المدنية والمجتمعات والقطاعات الفئوية والمهنية والنقابات خلال فترات هذه الحرب. وضرورة تحييدها لصالح إنهاء الاقتتال والصراعات لأن ذلك يمثل تحديًا كبيرًا حال النجاح فيه يمكن الإسراع في إنهاء الصراع واستعادة الحياة المدنية وترميم مؤسساتها، ولن يتسنى لنا ذلك إلا باتخاذ بعض التدابير والإجراءات التي يمكن اتباعها للحفاظ على استمرارية هذه المؤسسات والقوى المدنية الحية والحيوية وضمان فعاليتها وتاثيرها، وهي:

1. رفع الوعي بضرورة المؤسسات والمؤسسية وتدريب القادة المحليين والولائيين وعلى المسوى المركزي، وينبغي التركيز على بناء قوة قدرات القيادة ورفع المهارات اللازمة للتعامل مع الظروف الصعبة في فترات الصراع المسلح والحروب والنزاعات، ويمكن توفير التدريب والاستشارة والدعم اللازم للقادة وأعضاء القوى المدنية لتعزيز قدرتهم على الصمود والعمل تحت ضغوط الحرب، وذلك بصورة مباشرة أو عبر استخدام الفضاءات الرقمية المفتوحة، وذلك بأن تعقد تلك القوى شراكات أشرنا إليها أعلاه وتنظيم شبكات محلية تضم كافة الفاعلين والمؤثرين المدنيين والحقوقيين والمبدعين وقادة الرأي ونحوه

2. ربط الجميع بسلسلة حلقات تواصل وتوسيع وتوزيع شبكات الاتصال والتعاون، فالتعاون والشراكات بين المؤسسات والقوى المدنية والقطاعات الفئوية والمهنية والنقابات سيتيح ذلك تقاسم الموارد والمعرفة والدعم المتبادل وتعزيز القوة الجماعية لهذه الجهات، ويسهل التنسيق والتحرك والتنظيم لاستعادة الحقوق ومناهضة كافة اشكال التعدي غير القانوني ورصد ومنع الانتهاكات.

3. تشكيل دروع الحماية وتنظيم أشكال مدنية لحراسة القطاع غير الرسمي (الخاص) من بطش القطاع الرسمي (الحكومي)، وينبغي أن تركز الجهود المدنية على تنظيم وحماية القطاع الخاص في التجارة والصناعة والعمل وغيرع، بما في ذلك المنظمات غير الحكومية والمبادرات المجتمعية، وذلك عن طريق تقديم الدعم المالي والقانوني والأمني لمثل هذه المؤسسات للحفاظ على استقرارها وسلامة أعضائها، ومنع كافة أشكال التعدي ضد أصحابها فنموذج تدمير استثمارات القطاع الخاص ومصالح بعض المدنيين وحرق ونهب مرافقهم يوجب النظر في توفير أقصى درجات الحماية لهم وأن تعكف القوى السياسية المدنية على رصد ذلك في مواقفها وأدبياتها وأفكارها لتبادل المنفعة والحماية لهذه المجتمعات المدنية التي بتعافيها يتعافى التعليم والصحة والاقتصاد وتزدهر البلاد.

4. تجاوز حالة الوجوم التي سببتها الحرب والنهوض للعب الدور المدني الحقوقي والتأثير السياسي لصياغة العقد الاجتماعي الجديد وصناعة الدستور الذي يستعيد الحياة والاستقرار في البلاد، وهو ما يتطلب إعادة بناء قوى المجتمع المدني والقوى الفئوية والمهنية والقطاعية، وتفعيل أدوات التعاطي المدني بصورة أمثل أثناء الصراعات، وسيكون لذلك تأثيرًا سياسيًا قويًا ومهما للمشاركة في التوافقات السياسية وبناء العقود الاجتماعية المطلوبة في الحالة السودانية، كما يمكن أن يكون لهذا الأثر دور حاسم في تحقيق السلام والاستقرار وتنمية المجتمعات المتأثرة بالصراع لا سيما في مجتمعات تدفعها الحرب نحو تقرير المصير الذي إن مكنوا سيكون قرارهم الفرار من الجحيم والانفصال وهذا أمر ترياقه القوى والكيانات المدنية القومية.

● ختاما:
• إن الصراع في السودان تكرر واستمر لعقود ولفترات متفاوتة، عملت فيه السلطة الدكتاتورية وعمدت على تمزيق الكيانات المدنية حتى القبائل والمجموعات الفنية وصمموا لذلك إدارات متخصصة في جهاز الأمن والمخابرات الوطني سيء الصيت، ولكن كل تلك الفترات ليست بصعوبة الوضع الحالي الذي يتخذ من الحرب الحالية واحدة من أدوات تجريف الحياة المدنية، ولا يوجد له شبيه في المنطقة أو العالم سوى نموذج لمؤسسة وحزب صمدا خلال الصراعات هو حركة المقاومة الفلسطينية (مثل حركة فتح وحماس) التي واصلت نشاطها السياسي والاجتماعي خلال الصراع الإسرائيلي، وهو نموذج مغذى بأدوات الصراع العنيفة رغم أن له أجنحة سياسية يتعذر تطبيقه في السودان لكثرة الجماعات والحركات المسلحة ذات الطابع السياسي.
• ولكن يمكن أن تتخذ القوى المدنية وبخاصة الأحزاب السياسية حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا وحزب جبهة البوليساريو في الصحراء الغربية نماذج يمكن الاقتداء بها، وذلك لقدرتهما على الصمود والقيام بنشاط سياسي والمساهمة في بناء نظام ديمقراطي بعد فترات الصراع المسلح.
• وتشير هذه النماذج الاخيرة إلى أن عملية تعافي المؤسسات والمجتمعات المدنية بعد الصراعات المسلحة تحتاج إلى جهود مشتركة من الجميع وتوجه سياسي واقتصادي واجتماعي مستدام لتحقيق الاستقرار والديمقراطية، فيه تحافظ المؤسسات والأحزاب والقوى المدنية على قوميتها وأهميتها لترسيخ ورفع الوعي بالحقوق المدنية وضرورة التنظيم والتواصل الفعال والتجمع وحرية الرأي والاستفادة من شبكات المناصرة والتعاون مع الشركاء المحليين والدوليين.



عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com