• مقدمة:
صرح القائد العام للجيش بعد لقائه مبعوث سويسرا مطلع هذا الأسبوع بأن المؤسسة العسكرية لن تلعب أي دور سياسي مستقبلا، مكررا ذات أقواله قبل وبعد إنقلاب أكنوبر 2021م، وهذا يتطابق تماما مع ما ظلت تنادي له كل القوى السياسية والكيانات المقاومة والأجسام المدنية، وكذلك ظلوا يرددون أنه من الضروري إبتعاد القوات النظامية عن كافة الأنشطة الاقتصادية و تفرغه لمهامه العسكرية المعلومة و المنصوص عليها دستوا، فقد اتضح أن القوات النظامية ولفترات طويلة ظلت منشغلة بالإستثمار و الإستيراد و التصدير ما انعكس سلبا على قوة كيان تلك المؤسسات وضعف بنيتها، وأدى لتمكين أنشطة عسكرية موازية لها قادت لما نحن فيه من صراع وحرب مقيتة، ولأن القوات النظامية (جيش أمن شرطة) من أهم أجهزة الدولة المسؤولة عن حماية الوطن والمواطنين، ولكن الأنظمة التسلطية والاستبدادية استخدمت عناصر تلك الأجهزة من في الخدمة والذين في التقاعد لأغراض خبيثة، وحصن طروادة لهدم الأنظمة المدنية والتسعير للحروب الأهلية، لذلك يتعين على تلك المؤسسات تقديم دور فعال في السلام والاستقرار، ولأن الحرب والصراعات الدائرة في السودان قد أدت إلى تدمير المدن وتشريد الملايين، فإن دور المعاشيين الرافضين للحرب يأتي في مقدمة المأمول فيهم لقيادة عمليات الإصلاح وفي المرتبة الأولى للجهود المبذولة لتحقيق السلام.
● أولا: يعد المعاشيون الرافضون للحرب من الأشخاص الذين يفهمون جيداً ما يعنيه الصراع المسلح، وما يترتب عليه من دمار وخسائر بشرية واقتصادية، وذلك من خلال تجربتهم الميدانية، وأنهم يشعرون بالمسؤولية الكبيرة عن الحفاظ على السلم والاستقرار، والعمل على تحقيق السلام والمصالحة عبر الآتي:
1. التواصل مع المنظمات الحقوقية والمدنية والسلمية المحلية والدولية، والعمل معها على بث رسائل عن مرارة الحرب وتجاربهم وخطورة تمددها لتصبح حربا أهلية.
2. المشاركة في الأنشطة المدنية السلمية كالمؤتمرات والتحركات والاحتجاجات والمسيرات والندوات الحقوقية والسلمية المنددة بالحرب وانتهاكاتها، وذلك لنشر الوعي حول أضرار الحرب وأهمية السلام.
3. التواصل المستمر مع وسائل الإعلام المحلية والدولية، والعمل على نشر رسالتهم حول أضرار الحرب وأهمية السلام، ليسمعوا صوتهم لزملائهم وللعالم وللمواطنين بأن هناك صوت نظامي رافض للحرب.
4. التواصل مع السلطات المحلية والفاعلين من قادة الحرب والمؤسسات الإقليمية والدولية، والعمل على إقناعها بأهمية دعك عملية السلام في السودان والعمل على تحقيقه.
5. التواصل مع المجتمع المحلي والإدارات الأهلية والعمل على نشر رسالتهم ورفع الوعي حول أضرار الحرب وأهمية السلام وحثهم على عدم التحشيد القبلي والجهوي والمناطقي لدعم أي من طرفي الحرب.
6. العمل على توفير الدعم اللازم للضحايا والمصابين والمتضررين، سواء من خلال المساهمة في الجهود الإنسانية أو التبرع للمنظمات الخيرية والإغاثية أو صناديق الزمالة.
7. العمل على تحقيق السلام والمصالحة، وذلك من خلال التواصل مع الأطراف المتحاربة والعمل على إيجاد حلول سلمية للصراعات.
● ثانيا: يمكن للمعاشيين أن يقوموا بدور فعال في دعم عملية السلام، من خلال التحرك للتواصل مع زملائهم في الفريقين المتحاربين، والعمل على إقناعهم بأهمية وضرورة إيقاف القتال والعمل على تحقيق السلام، كما يمكن لهم أيضاً العمل على تسهيل إخلاء الأعيان المدنية وتبادل إطلاق سراح الأسرى، والعمل على وضع خطط لإعادة الإعمار وإعادة بناء الثقة بين الأطراف المتحاربة، من خلال مسارين هما:
أ) ويمكن للمعاشيين المساهمة في عمليات المراقبة والحماية والرصد للانتهاكات عن طريق الاتي:
1. الانضمام إلى المنظمات والهيئات والمراصد الإقليمية والدولية والمحلية التي تعمل على هذه القضايا.
2. العمل مع المجتمع المدني والجمعيات الخيرية والمؤسسات العامة لتحقيق هذه الأهداف.
3. العمل مع المنصات المجتمعية على توعية المجتمع بأهمية الحفاظ على السلم والأمن وحماية المدنيين، وتشجيع الحوار والتفاهم بين الأطراف المتحاربة.
ب) أما بالنسبة لإعادة الإعمار وإعادة بناء الثقة، يمكن للمعاشيين المساهمة من خلال:
1. وضع الخطط والتصورات المطلوبة لهذا الغرض عبر مختصيهم وخبرائهم.
2. العمل مع المنظمات والجهات المعنية لرسم ملامح المنظومة العسكرية والامنية والدفاعية والاستخباراتية في السودان.
3. العمل على توفير المساعدات اللازمة للمصابين وأسر الشهداء، والضحايا والمتضررين من الحرب والمساهمة في إعادة بناء المرافق الخدمية والعسكرية والأمنية والدفاعية التي دمرتها الحرب.
● ثالثا: من خلال الدور الفعال والمرجو للمعاشيين النظاميين، يمكن وضع تصورات لاحقة لهيكلة القوات النظامية ووضع التصور الأمثل للجيش الموحد المهني الاحترافي، الذي يعمل على حماية الوطن والمواطنين بدون اللجوء إلى الحرب والصراعات، ويمكن للمعاشيين وضع تصورات لاحقة بعد السلام، للإصلاحات القانونية للمؤسسات والأجهزة الشرطية والأمنية وجهاز الأمن الداخلي باتباع الخطوات التالية:
1. البدء بتحليل الوضع الحالي للقوات النظامية وتحديد نقاط القوة والضعف والفرص والتحديات وأسباب ورودنا هذا المورد المهلك.
2. تطوير رؤية واضحة للجيش الموحد المهني الاحترافي وتحديد أهدافه ومهامه والموارد المطلوبة لتحقيقها، وبقية المؤسسات الأخرى.
3. وضع خطط عمل مفصلة لتحقيق هذه الأهداف وتحديد المراحل الزمنية المحددة لتنفيذها.
4. تطوير مقاربة شاملة للتدريب والتطوير المستمر للقوات النظامية وتطوير قدراتها في مجالات مثل القيادة والتكنولوجيا واللوجستيات والتخطيط الاستراتيجي.
5. بناء شبكة دفاعية ووقائية وأمنية قوية حديثة ومتطورة وفعالة تعمل على حماية الوطن وحدوده وموارده والمواطنين ومقدراتهم.
6. تحديد سياسات وتشريعات ونظم وقوانين وإجراءات فعالة لتحقيق الأمن والاستقرار ومنع اللجوء إلى الحرب والصراعات.
7. توطيد العلاقات الدبلوماسية والعسكرية مع دول الجوار والدول الصديقة والشريكة لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة والاستفادة من علاقات الزمالة لقدامى النظاميين.
8. إدارة الموارد المتاحة بكفاءة وفعالية لتحقيق الأهداف المحددة وتحقيق الاستقرار والأمن والنمو الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.
● رابعا: الواجب أيضا الاستعداد الجماعي لكل قوى الدولة والفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، لتوظيف المعاشيين في مجالات الإعمار والتطوير والإعادة الإعمارية للبنية التحتية والمنشآت الحيوية المتضررة جراء الحرب، كما يمكن توظيفهم في مجالات الأمن والدفاع والحفاظ على الاستقرار في المناطق المتضررة وإنشاء الشركات الأمنية الحكومية والخاصة، وفي مجالات الإغاثة والتموين والرعاية الصحية للمتضررين من الحرب، وفي مجالات التعليم والتدريب والتأهيل المهني للشباب والشابات الذين فقدوا فرص العمل جراء الحرب، وفي مجالات الإدارة والقيادة والإدارة العامة للدولة والمؤسسات الحكومية المتضررة، ولعب دور مهم فيما يلي:
1. إعادة الإعمار والتنمية بتوظف الجيوش الجرارة من المعاشيين في مجال الهندسة المدنية والمعمارية والإنشاءات لإعادة بناء البنية التحتية المدمرة خلال الحرب.
2. العمل الإنساني والإغاثي، حيث يمكن للمعاشيين العمل في مجالات الطب والصحة والإغاثة لمساعدة النازحين واللاجئين والمتضررين من الحرب.
3. في مجال التدريب والتعليم والخبرات التي يمكن للمعاشيين العمل كمدربين ومستشارين لتدريب الأفراد الجدد في الجيش والشرطة والأمن بعد الحرب، لا استغلالهم كما فعلت الأنظمة السابقة كخبراء استراتيجيين للتحريض والتعبئة المضادة.
4. العمل القانوني للخبراء والمراجع القانونية العسكرية، إذ يمكن للمعاشيين العمل في مجالات القانون والعدالة والحقوق لإعادة بناء النظام القانوني في البلاد، والإسهام في إصلاح مؤسسات كالقضاء العسكري، والآلية الشرطية، والاستشارية القانونية للمخابرات العامة.
5. العمل الإعلامي والاتصال والعمل في مجالات الإعلام لتوفير المعلومات الحقيقية والمهنية المجردة والتواصل مع الجمهور والمجتمع المحلي بشأن السلم والاستقرار وإعادة الإعمار والتنمية.
6. المشاريع التجارية والاقتصادية حيث يمكن للمعاشيين العمل في مجالات الأعمال والاستثمار لتنمية الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل جديدة في القطاع الخاص ومشروعات حكومية تستوعب مسرحي القوات النظامية بعد الحرب، والاستفادة من خبراتهم في تأسيس شركات تأمين للأفراد والمنشئات.
● خامسا: قبل المضي في تلك الخطوات علينا التأكيد أن الولاء للثورة والموثوقية وحدها ليست كافية بالنسبة للتحديات التي تواجه البلاد في الوقت الحالي، فمن المهم أن يتم اختيار الضباط الذين يتمتعون بالكفاءة والخبرة والتدريب الجيد، وأن يتم إعادة تدريبهم وإعدادهم لمواجهة التحديات المعاصرة، وينبغي أن يتم توظيفهم بناءً على الإنجازات والقدرات بعيدا عن الولاءات السياسية أو العقدية، وهذا يتطلب إجراءات واضحة وشفافة للتوظيف وإعادة الخدمة والترقية والتقييم، وتوفير فرص التدريب والتطوير المستمر للضباط والموظفين، وإذا تم تحقيق ذلك من المؤكد أننا سنحظى بقوات نظامية موحدة مهنية قوية ومتجانسة ومؤهلة لحماية البلاد وتحقيق الأمن والاستقرار للجميع، وسينشغل الجميع بأدوار ثانوية في هذه الفترة والفترات اللاحقة سيطغى الملف السياسي، إلا أن هذه المهمة العظيمة للمعاشيين تحتاج إلى تدقيق ودراسة جيدة، ويجب أن يتم اختيار الأفراد الذين لديهم الخبرة والكفاءة في المجالات المختلفة المذكورة والحساسة وبالأخص ملف الحدود وقضايا الأمن القومي والتعاون الدولي، ويجب أن يتم توظيفهم بناءً على الآتي:
1. وضع معايير واضحة وشفافة لا محاباة فيها أو تجاوز للضوابط الصارمة التي لا تقل صرامة عن اختيار رئيس الوزراء وترشيحات حكومته التنفيذية.
2. أن يتم تجنب أي تدخل سياسي أو عقائدي أو أيدولوجي في هذه العملية وإبعاد كل من عليه شبهة انتماء لغير مهنته أو اتهامات فساد وانتهاكات أو مشاركته في أعمال تقويض النظم المدنية.
3. أن يتم توفير الدعم والتدريب اللازم (الآني، المتقدم، الاستراتيجي) لكافة المؤهلين للمشاركة في مشروع البناء القادم، لتمكينهم من العمل بكفاءة ومهنية وفعالية.
4. أن يتم تقييم أدائهم بانتظام لضمان أن يستمروا في تقديم الخدمات بأفضل شكل ممكن يؤهلهم للمساهمة بفعالية في مسيرة الاستقرار والسلام والبناء في السودان والمساعدة في استكمال الثورة.
● سادسا: بعد حريق وإتلاف المرافق والمؤسسات والأكاديميات العسكرية والأمنية يعول على الاستفادة النظرية من مشاركات هؤلاء المعاشيين وبحوثهم العلمية ودراساتهم وتقاريرهم ومساهماتهم الأكاديمية في المؤسسات العسكرية والأمنية، فهي على المستوى الإستراتيجي كفيلة بإيجاد كثير من الحلول اللازمة لكل الأزمات الماثلة والمحتملة، وذلك لارتباط بعضها بالإستراتيجية و السياسة، الجيوسياسي، والحروب واستمراريته، والسلام وبنائه، والفساد ومحاربته ونحوه، وبعض الذي أتلف من تلك الوثائق والملفات لا زال موجود في عقول وأضابير هؤلاء الخبراء، لذلك لابد من اتباع خطوات محكمة تمكن من الاستفادة القصوى من هؤلاء المعاشيين في استعادة ذاكرة الدولة أمنيا وعسكريا وتخطيطيا، بالإضافة لتسخير علاقات المبتعثين العسكريين والأكاديميين والمرتبطين بأرقى الأكاديميات في أطراف العالم المختلفة، لتنفيذ خطط التعاون والتنمية المستدامة، فلا يمكن لأي دولة تحقيق الأمن والاستقرار دون الاعتماد على خبراء عسكريين وأكاديميين متميزين في جميع المجالات العسكرية والأمنية والإستراتيجية، ومن أجل ذلك علينا توفير جميع الدعم والموارد اللازمة لتحسين الأكاديميات والمعاهد والكليات العسكرية وزيادة الاستفادة من خبرات ومعارف الخبراء في هذا المجال، وهذا مجال يرجى المساهمة فيه بقوة وتجرد من هؤلاء الخبراء.
● ختاما:
أ) يرجى أن يضطلع المعاشيون السودانيون في القوات النظامية بوضع تصورات آنية لوقف الحرب، وأخرى لاحقة بعد السلام من خلال العمل على تطوير القوات النظامية وبناء الجهاز الدفاعي والوقائي والأمني الذي يعمل على حماية الوطن وموارده والمواطنين ومقدراتهم ومنع اللجوء إلى الحرب والصراعات، على أن تكون هذه التصورات مستندة إلى تحليل شامل للوضع الحالي وتحديد الأهداف والمهام والموارد المطلوبة لتحقيقها وتطوير خطط عمل مفصلة لتنفيذها.
ب) وينبغي على كافة المعاشيين الرافضين للحرب المؤمنين بدولة المؤسسات والحقوق، أن يعوا أن تحقيق السلام يتطلب جهوداً مبذولة من الجميع وهم ليسوا استثناء فقط هم في استراحة محارب أملتها الظروف، وأنه لا يمكن تحقيق السلام والاستقرار والعدالة إلا بالتنسيق والتعاون بين جميع الأطراف المعنية، ومن خلال دورهم المميز والفعال في تحقيق السلام، يمكنهم أن يصنعوا فارقاً حقيقياً في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في السودان.
ج) وعليهم العمل بروح المسؤولية والتعاون والانضباط المعهود لديهم، والتحلي بالصبر والإصرار لتحقيق الأهداف المنشودة، وأن يكونوا على استعداد لتقديم التضحيات اللازمة لتحقيق السلام والاستقرار في المناطق المتضررة من الحرب، فالتضحية والفداء في أوقات السلم أقسى منها في أوقات الحرب وإبراء الجراح أصعب من صناعتها والتدمير أكثر إرهاقا وتكلفة من التعمير.
عروة الصادق
30 أكتوبر 2023م