الاثنين، 30 أكتوبر 2023

دور معاشيي القوات النظامية في عملية السلام

دور معاشيي القوات النظامية في عملية السلام

• مقدمة: 
صرح القائد العام للجيش بعد لقائه مبعوث سويسرا مطلع هذا الأسبوع بأن المؤسسة العسكرية لن تلعب أي دور سياسي مستقبلا، مكررا ذات أقواله قبل وبعد إنقلاب أكنوبر 2021م، وهذا يتطابق تماما مع ما ظلت تنادي له كل القوى السياسية والكيانات المقاومة والأجسام المدنية، وكذلك ظلوا يرددون أنه من الضروري إبتعاد القوات النظامية عن كافة الأنشطة الاقتصادية و تفرغه لمهامه العسكرية المعلومة و المنصوص عليها دستوا، فقد اتضح أن القوات النظامية ولفترات طويلة ظلت منشغلة بالإستثمار و الإستيراد و التصدير ما انعكس سلبا على قوة كيان تلك المؤسسات وضعف بنيتها، وأدى لتمكين أنشطة عسكرية موازية لها قادت لما نحن فيه من صراع وحرب مقيتة، ولأن القوات النظامية (جيش أمن شرطة) من أهم أجهزة الدولة المسؤولة عن حماية الوطن والمواطنين، ولكن الأنظمة التسلطية والاستبدادية استخدمت عناصر تلك الأجهزة من في الخدمة والذين في التقاعد لأغراض خبيثة، وحصن طروادة لهدم الأنظمة المدنية والتسعير للحروب الأهلية، لذلك يتعين على تلك المؤسسات تقديم دور فعال في السلام والاستقرار، ولأن الحرب والصراعات الدائرة في السودان قد أدت إلى تدمير المدن وتشريد الملايين، فإن دور المعاشيين الرافضين للحرب يأتي في مقدمة المأمول فيهم لقيادة عمليات الإصلاح وفي المرتبة الأولى للجهود المبذولة لتحقيق السلام.

● أولا: يعد المعاشيون الرافضون للحرب من الأشخاص الذين يفهمون جيداً ما يعنيه الصراع المسلح، وما يترتب عليه من دمار وخسائر بشرية واقتصادية، وذلك من خلال تجربتهم الميدانية، وأنهم يشعرون بالمسؤولية الكبيرة عن الحفاظ على السلم والاستقرار، والعمل على تحقيق السلام والمصالحة عبر الآتي: 
1. التواصل مع المنظمات الحقوقية والمدنية والسلمية المحلية والدولية، والعمل معها على بث رسائل عن مرارة الحرب وتجاربهم وخطورة تمددها لتصبح حربا أهلية.
2. المشاركة في الأنشطة المدنية السلمية كالمؤتمرات والتحركات والاحتجاجات والمسيرات والندوات الحقوقية والسلمية المنددة بالحرب وانتهاكاتها، وذلك لنشر الوعي حول أضرار الحرب وأهمية السلام.
3. التواصل المستمر مع وسائل الإعلام المحلية والدولية، والعمل على نشر رسالتهم حول أضرار الحرب وأهمية السلام، ليسمعوا صوتهم لزملائهم وللعالم وللمواطنين بأن هناك صوت نظامي رافض للحرب.
4. التواصل مع السلطات المحلية والفاعلين من قادة الحرب والمؤسسات الإقليمية والدولية، والعمل على إقناعها بأهمية دعك عملية السلام في السودان والعمل على تحقيقه.
5. التواصل مع المجتمع المحلي والإدارات الأهلية والعمل على نشر رسالتهم ورفع الوعي حول أضرار الحرب وأهمية السلام وحثهم على عدم التحشيد القبلي والجهوي والمناطقي لدعم أي من طرفي الحرب.
6. العمل على توفير الدعم اللازم للضحايا والمصابين والمتضررين، سواء من خلال المساهمة في الجهود الإنسانية أو التبرع للمنظمات الخيرية والإغاثية أو صناديق الزمالة.
7. العمل على تحقيق السلام والمصالحة، وذلك من خلال التواصل مع الأطراف المتحاربة والعمل على إيجاد حلول سلمية للصراعات.

● ثانيا: يمكن للمعاشيين أن يقوموا بدور فعال في دعم عملية السلام، من خلال التحرك للتواصل مع زملائهم في الفريقين المتحاربين، والعمل على إقناعهم بأهمية وضرورة إيقاف القتال والعمل على تحقيق السلام، كما يمكن لهم أيضاً العمل على تسهيل إخلاء الأعيان المدنية وتبادل إطلاق سراح الأسرى، والعمل على وضع خطط لإعادة الإعمار وإعادة بناء الثقة بين الأطراف المتحاربة، من خلال مسارين هما:

‌أ) ويمكن للمعاشيين المساهمة في عمليات المراقبة والحماية والرصد للانتهاكات عن طريق الاتي:
1. الانضمام إلى المنظمات والهيئات والمراصد الإقليمية والدولية والمحلية التي تعمل على هذه القضايا.
2. العمل مع المجتمع المدني والجمعيات الخيرية والمؤسسات العامة لتحقيق هذه الأهداف.
3. العمل مع المنصات المجتمعية على توعية المجتمع بأهمية الحفاظ على السلم والأمن وحماية المدنيين، وتشجيع الحوار والتفاهم بين الأطراف المتحاربة.

‌ب) أما بالنسبة لإعادة الإعمار وإعادة بناء الثقة، يمكن للمعاشيين المساهمة من خلال:
1. وضع الخطط والتصورات المطلوبة لهذا الغرض عبر مختصيهم وخبرائهم.
2. العمل مع المنظمات والجهات المعنية لرسم ملامح المنظومة العسكرية والامنية والدفاعية والاستخباراتية في السودان.
3. العمل على توفير المساعدات اللازمة للمصابين وأسر الشهداء، والضحايا والمتضررين من الحرب والمساهمة في إعادة بناء المرافق الخدمية والعسكرية والأمنية والدفاعية التي دمرتها الحرب.

● ثالثا: من خلال الدور الفعال والمرجو للمعاشيين النظاميين، يمكن وضع تصورات لاحقة لهيكلة القوات النظامية ووضع التصور الأمثل للجيش الموحد المهني الاحترافي، الذي يعمل على حماية الوطن والمواطنين بدون اللجوء إلى الحرب والصراعات، ويمكن للمعاشيين وضع تصورات لاحقة بعد السلام، للإصلاحات القانونية للمؤسسات والأجهزة الشرطية والأمنية وجهاز الأمن الداخلي باتباع الخطوات التالية:
1. البدء بتحليل الوضع الحالي للقوات النظامية وتحديد نقاط القوة والضعف والفرص والتحديات وأسباب ورودنا هذا المورد المهلك.
2. تطوير رؤية واضحة للجيش الموحد المهني الاحترافي وتحديد أهدافه ومهامه والموارد المطلوبة لتحقيقها، وبقية المؤسسات الأخرى.
3. وضع خطط عمل مفصلة لتحقيق هذه الأهداف وتحديد المراحل الزمنية المحددة لتنفيذها.
4. تطوير مقاربة شاملة للتدريب والتطوير المستمر للقوات النظامية وتطوير قدراتها في مجالات مثل القيادة والتكنولوجيا واللوجستيات والتخطيط الاستراتيجي.
5. بناء شبكة دفاعية ووقائية وأمنية قوية حديثة ومتطورة وفعالة تعمل على حماية الوطن وحدوده وموارده والمواطنين ومقدراتهم.
6. تحديد سياسات وتشريعات ونظم وقوانين وإجراءات فعالة لتحقيق الأمن والاستقرار ومنع اللجوء إلى الحرب والصراعات.
7. توطيد العلاقات الدبلوماسية والعسكرية مع دول الجوار والدول الصديقة والشريكة لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة والاستفادة من علاقات الزمالة لقدامى النظاميين.
8. إدارة الموارد المتاحة بكفاءة وفعالية لتحقيق الأهداف المحددة وتحقيق الاستقرار والأمن والنمو الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.

● رابعا: الواجب أيضا الاستعداد الجماعي لكل قوى الدولة والفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، لتوظيف المعاشيين في مجالات الإعمار والتطوير والإعادة الإعمارية للبنية التحتية والمنشآت الحيوية المتضررة جراء الحرب، كما يمكن توظيفهم في مجالات الأمن والدفاع والحفاظ على الاستقرار في المناطق المتضررة وإنشاء الشركات الأمنية الحكومية والخاصة، وفي مجالات الإغاثة والتموين والرعاية الصحية للمتضررين من الحرب، وفي مجالات التعليم والتدريب والتأهيل المهني للشباب والشابات الذين فقدوا فرص العمل جراء الحرب، وفي مجالات الإدارة والقيادة والإدارة العامة للدولة والمؤسسات الحكومية المتضررة، ولعب دور مهم فيما يلي:
1. إعادة الإعمار والتنمية بتوظف الجيوش الجرارة من المعاشيين في مجال الهندسة المدنية والمعمارية والإنشاءات لإعادة بناء البنية التحتية المدمرة خلال الحرب.
2. العمل الإنساني والإغاثي، حيث يمكن للمعاشيين العمل في مجالات الطب والصحة والإغاثة لمساعدة النازحين واللاجئين والمتضررين من الحرب.
3. في مجال التدريب والتعليم والخبرات التي يمكن للمعاشيين العمل كمدربين ومستشارين لتدريب الأفراد الجدد في الجيش والشرطة والأمن بعد الحرب، لا استغلالهم كما فعلت الأنظمة السابقة كخبراء استراتيجيين للتحريض والتعبئة المضادة.
4. العمل القانوني للخبراء والمراجع القانونية العسكرية، إذ يمكن للمعاشيين العمل في مجالات القانون والعدالة والحقوق لإعادة بناء النظام القانوني في البلاد، والإسهام في إصلاح مؤسسات كالقضاء العسكري، والآلية الشرطية، والاستشارية القانونية للمخابرات العامة.
5. العمل الإعلامي والاتصال والعمل في مجالات الإعلام لتوفير المعلومات الحقيقية والمهنية المجردة والتواصل مع الجمهور والمجتمع المحلي بشأن السلم والاستقرار وإعادة الإعمار والتنمية.
6. المشاريع التجارية والاقتصادية حيث يمكن للمعاشيين العمل في مجالات الأعمال والاستثمار لتنمية الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل جديدة في القطاع الخاص ومشروعات حكومية تستوعب مسرحي القوات النظامية بعد الحرب، والاستفادة من خبراتهم في تأسيس شركات تأمين للأفراد والمنشئات.

● خامسا: قبل المضي في تلك الخطوات علينا التأكيد أن الولاء للثورة والموثوقية وحدها ليست كافية بالنسبة للتحديات التي تواجه البلاد في الوقت الحالي، فمن المهم أن يتم اختيار الضباط الذين يتمتعون بالكفاءة والخبرة والتدريب الجيد، وأن يتم إعادة تدريبهم وإعدادهم لمواجهة التحديات المعاصرة، وينبغي أن يتم توظيفهم بناءً على الإنجازات والقدرات بعيدا عن الولاءات السياسية أو العقدية، وهذا يتطلب إجراءات واضحة وشفافة للتوظيف وإعادة الخدمة والترقية والتقييم، وتوفير فرص التدريب والتطوير المستمر للضباط والموظفين، وإذا تم تحقيق ذلك من المؤكد أننا سنحظى بقوات نظامية موحدة مهنية قوية ومتجانسة ومؤهلة لحماية البلاد وتحقيق الأمن والاستقرار للجميع، وسينشغل الجميع بأدوار ثانوية في هذه الفترة والفترات اللاحقة سيطغى الملف السياسي، إلا أن هذه المهمة العظيمة للمعاشيين تحتاج إلى تدقيق ودراسة جيدة، ويجب أن يتم اختيار الأفراد الذين لديهم الخبرة والكفاءة في المجالات المختلفة المذكورة والحساسة وبالأخص ملف الحدود وقضايا الأمن القومي والتعاون الدولي، ويجب أن يتم توظيفهم بناءً على الآتي:
1. وضع معايير واضحة وشفافة لا محاباة فيها أو تجاوز للضوابط الصارمة التي لا تقل صرامة عن اختيار رئيس الوزراء وترشيحات حكومته التنفيذية.
2. أن يتم تجنب أي تدخل سياسي أو عقائدي أو أيدولوجي في هذه العملية وإبعاد كل من عليه شبهة انتماء لغير مهنته أو اتهامات فساد وانتهاكات أو مشاركته في أعمال تقويض النظم المدنية.
3. أن يتم توفير الدعم والتدريب اللازم (الآني، المتقدم، الاستراتيجي) لكافة المؤهلين للمشاركة في مشروع البناء القادم، لتمكينهم من العمل بكفاءة ومهنية وفعالية.
4. أن يتم تقييم أدائهم بانتظام لضمان أن يستمروا في تقديم الخدمات بأفضل شكل ممكن يؤهلهم للمساهمة بفعالية في مسيرة الاستقرار والسلام والبناء في السودان والمساعدة في استكمال الثورة.

● سادسا: بعد حريق وإتلاف المرافق والمؤسسات والأكاديميات العسكرية والأمنية يعول على الاستفادة النظرية من مشاركات هؤلاء المعاشيين وبحوثهم العلمية ودراساتهم وتقاريرهم ومساهماتهم الأكاديمية في المؤسسات العسكرية والأمنية، فهي على المستوى الإستراتيجي كفيلة بإيجاد كثير من الحلول اللازمة لكل الأزمات الماثلة والمحتملة، وذلك لارتباط بعضها بالإستراتيجية و السياسة، الجيوسياسي، والحروب واستمراريته، والسلام وبنائه، والفساد ومحاربته ونحوه، وبعض الذي أتلف من تلك الوثائق والملفات لا زال موجود في عقول وأضابير هؤلاء الخبراء، لذلك لابد من اتباع خطوات محكمة تمكن من الاستفادة القصوى من هؤلاء المعاشيين في استعادة ذاكرة الدولة أمنيا وعسكريا وتخطيطيا، بالإضافة لتسخير علاقات المبتعثين العسكريين والأكاديميين والمرتبطين بأرقى الأكاديميات في أطراف العالم المختلفة، لتنفيذ خطط التعاون والتنمية المستدامة، فلا يمكن لأي دولة تحقيق الأمن والاستقرار دون الاعتماد على خبراء عسكريين وأكاديميين متميزين في جميع المجالات العسكرية والأمنية والإستراتيجية، ومن أجل ذلك علينا توفير جميع الدعم والموارد اللازمة لتحسين الأكاديميات والمعاهد والكليات العسكرية وزيادة الاستفادة من خبرات ومعارف الخبراء في هذا المجال، وهذا مجال يرجى المساهمة فيه بقوة وتجرد من هؤلاء الخبراء.

● ختاما: 
‌أ) يرجى أن يضطلع المعاشيون السودانيون في القوات النظامية بوضع تصورات آنية لوقف الحرب، وأخرى لاحقة بعد السلام من خلال العمل على تطوير القوات النظامية وبناء الجهاز الدفاعي والوقائي والأمني الذي يعمل على حماية الوطن وموارده والمواطنين ومقدراتهم ومنع اللجوء إلى الحرب والصراعات، على أن تكون هذه التصورات مستندة إلى تحليل شامل للوضع الحالي وتحديد الأهداف والمهام والموارد المطلوبة لتحقيقها وتطوير خطط عمل مفصلة لتنفيذها.
‌ب) وينبغي على كافة المعاشيين الرافضين للحرب المؤمنين بدولة المؤسسات والحقوق، أن يعوا أن تحقيق السلام يتطلب جهوداً مبذولة من الجميع وهم ليسوا استثناء فقط هم في استراحة محارب أملتها الظروف، وأنه لا يمكن تحقيق السلام والاستقرار والعدالة إلا بالتنسيق والتعاون بين جميع الأطراف المعنية، ومن خلال دورهم المميز والفعال في تحقيق السلام، يمكنهم أن يصنعوا فارقاً حقيقياً في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في السودان.
‌ج) وعليهم العمل بروح المسؤولية والتعاون والانضباط المعهود لديهم، والتحلي بالصبر والإصرار لتحقيق الأهداف المنشودة، وأن يكونوا على استعداد لتقديم التضحيات اللازمة لتحقيق السلام والاستقرار في المناطق المتضررة من الحرب، فالتضحية والفداء في أوقات السلم أقسى منها في أوقات الحرب وإبراء الجراح أصعب من صناعتها والتدمير أكثر إرهاقا وتكلفة من التعمير.

عروة الصادق
30 أكتوبر 2023م

الأربعاء، 25 أكتوبر 2023

رسالتي في ذكرى انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م

رسالتي في ذكرى انقلاب ٢٥ اكتوبر 
● في ذكرى إجهاض حلم الوطن ووأد بناته وقتل بنيه، اتقدم بتحيةً لكل السودانيات والسودانيين مضوا وقضوا بفعل آلة الانقلاب لهم الرحمة والمغفرة ولآلهم وذويهم وعارفي فضلهم الصبر الجزيل، لأولئك الذين تصدوا للانقلاب المشؤوم منذ وهلته الأولى، ونادوا (بهبوا لحماية ثورتكم) منذ تصفير مؤقت الانقلاب الزمكاني، للذين حاول الانقلاب دمغهم بالفساد والاجرام وعجز، للذين ما انقلب العسكر إلا لعزلهم وإبعادهم، للذين كانوا يستخدمون سلاح (الكلمة) فاستخدم (السلاح) ككلمة ولكمة في مواجهتهم.

● للمواكب والتنسيقيات واللجان، للطواريء والمحامين والأطباء وللحراك والطوفان، للذين يعملون جاهدين الآن لوقف الحرب اللعينة في أركان المعمورة كلها، لأولئك الذين لا يسكنون السودان وإنما يسكن السودان بين حناياهم، لأولئك الذين لم يستكينوا لأصوات الإرهاب الفكري والتهديد والوعيد، لأولئك الذين مضوا في رص الصفوف وتوحيد الرؤى، وضم الجميع لمنصة الانطلاق نحو استعادة المستقبل الذي سلبته الانقلابات وحرب أكتوبر ٢٠٢٣م، 

● لأولئك الشباب والنسوة والشيوخ والعمال والصناع والزراع والخبراء، للجوء والفرار والنزوح، للمصابين للمكلومين للأرامل والأطفال والأيتام والجروح، للذين شردتهم الحرب وآلتها، وبطشت بهم أيادي الظلم وآذتها، لتلك الأواصر التي غذتها العنترية والعنجهية والعنصرية ومزقتها، وللكل معوز في دار إيواء، ولكل مريض حرمته الحرب من جرعة دواء، ولكل تلميذ أو طالب هددت الحرب مستقبله التعليمي والأكاديمي وقطعت دراسته العليا.

● للذين قالوا كلمتهم منذ اليوم الأول رفضا للحرب ومنطق (القوة) وانحازوا لقوة (المنطق)، لهم وهم يسعون ويتكبدون عناء ورهق السفر والترحال والتواصل المضني مع بعضهم والعالم، بعد أن فرقتهم السبل وسدت أبواب أوطانهم عنهم بدعاية الكذب والتضليل وبروبوغاندا الحرب، تحياتي لهم وهن وهم لا زالوا متمسكين بسلمية الأدوات ومدنية القنوات لإقامة دولة الحرية والديمقراطية، ولم يتوانوا عند النضال لتحقيق الأهداف التي نادت بها ثورة ديسمبر المجيدة، فالحرية والسلام والعدالة هي الأسس الرئيسية التي يجب أن تقوم عليها الدولة السودانية الجديدة، ولا يمكن الاستغناء عنها أبدا بأي حال من الأحوال.

● ومن هنا (أم درمان) فإنني أحثني وهن وهم والجميع على العمل بروح الوحدة والتضامن والترفع عن الصغائر، وأحضني وهن وهم والجميع على ترك الخلافات الشخصية والضغائن والأحقاد، وأحرضني وهن وهم للعمل بروح البذل والعطاء والتضحية والفداء، والتفاني في خدمة الوطن وبنيه وبناته، الذين أصلت ظهورهم نيران الحرب، وأدخلت حزنها في كل وجدان، وسلبت سعادة كل إنسان، فمن خلال العمل المشترك وحده والتنسيق بين جميع الأطراف الني قادت وحدة الطريق نحو الثورة وحققت خلاصها من اعتى دكتاتوريات القرن والقارة، يمكن أن نخرص أصوات البنادق ونغلق أبواق الحرب، ونردم برك الدم، ونواري رفاة الشؤم، ونبني دولة جديدة تحترم حقوق الإنسان، وتحقق التنمية المتوازنة والمستدامة، وتوفر فرص العمل والرفاهية للجميع.

● ومن المهم أن ندرك جميعاً أن العمل الجاد والمثابرة هي الأساس الذي مكنتا من الانتصار على الأنظمة الدكتاتورية في كل الحقب، وهو ما سيجعلنا قادرين على تحقيق الأهداف التي نسعى إليها سويا وجميعا، فلا يمكن أن نتوقع النجاح إذا كانت الأفكار متشتتة، والجهود مفرقة، والجماعات متشظية، وإذا لم يكن هناك تفاهم وتعاون بين الجميع، فلا يرجى الوصول إلى غاية أو نيل هدف.

● ولذلك فالجميع يرجى منهم العمل بروح وثابة تواقة قوية تدفعها الإيجابية، حتى أولئك الذين تمنعوا عن التواصل مع إخوانهم وزملائهم من رفاق الطريق، واجبنا إيجاد العذر لبعضنا والمضي قدما إلى الاستمرار والاصرار بالاعتماد على الحوار والتشاور سبيلا أوحدا للتعاطي في الشأن السوداني، والتأكيد على أن يكون التعاون المثمر هو الوسيلة التي نبلغ بها سويا وجميعا غاياتنا، وعلى مساندة بعضنا البعض في هذا المسار الطويل الذي ينتظرنا محفوفا بالألغام والآلام، فإننا نثق بأننا قادرون على تحقيق الأهداف التي نصبو إليها بوحدتنا وقوتنا وتماسكنا وتمسكنا بحلم الثورة، وبفضل الإرادة القوية لهذا الشعب والعمل المستمر والمحبة لله والوطن وللإنسان.

● فلنعمل جميعاً بروح الثورة وأدبياتها، ونعمل ونُعمل أدواتها السلمية بالوحدة والتضامن والحوار والتشاور، ولنتحد في سبيل بناء دولة الحرية والديمقراطية التي يستحقها الشعب السوداني والتخلص من شبح الأيدولوجيا الواهمة والسياسات الخاطئة والحروب الأهلية، لنحقق سيادة شعبنا ووحدته، متكاملا متوازنا عادلا متطورا، متصل بمحيط الإقليمي والدولي.

● ختاما: فلنكن أبناء وطن واحد في كل جهاتنا وجبهاتنا وتحالفاتنا وأحزابنا وكياناتنا ومنظماتنا وجماعاتنا، تفرقنا ألواننا وألسنتنا وأدياننا تنوعا موحدا لسوداننا ووجداننا، وتجمعنا وحدة الحقوق والواجبات والاعتراف بكوننا سودانيون نستحق أن نتعايش بإخاء في أرض أجدادنا ومنبت رزقنا، ولنعمل بكل قوتنا وجهدنا وعزيمتنا، لتحقيق الأهداف التي نصبو إليها سويا وجميعا، فالنجاح لن يأتي بالانفراد والعناد والفساد، ولا سبيل إليه إلا بالعمل المضني والجاد والنصر لن يتحقق بغير التضحية والتفاني.

𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔

orwaalsadig@gmail.com
٢٥ أكتوبر ٢٠٢٣م 

الاثنين، 23 أكتوبر 2023

إنهاء الحرب: تحدٍ للصعاب وشغف للشجعان وفرص المحن

إنهاء الحرب: تحدٍ للصعاب وشغف للشجعان وفرص المحن
● نعيش والبشرية من حولنا في عالم مليء بالتحديات والكوارث والحروب والأزمات القاسية، ولكن الحقيقة المثيرة للفكر، والمعملة للتأمل، والشاحذة للعقل، والمعلية للهمم، هي قدرة الإنسانية على تجاوز تلك الصعوبات والمتاعب والخروج منها بنجاح مهما استطالت أيام محنتها، وذلك عندما يتحدى البشر الأقوياء الأسوياء الكرماء غربان الشؤم ورعاة الظلم، ودعاة البطش، وغلاة الفكر، ودعاوى الموت، حتما سُطر في التاريخ أنهم يدحرون جحافل المحن، ويصدون جيوش البلايا، وينيرون أيام الغم والنقم، ويتمكنون من تجاوزها وتحويلها إلى نعم وفرص ومزايا ذهبية للتطور والنمو والرقي، كما قال الإمام المهدي عليه السلام: (المزايا في طيّ البلايا، والمنن في طيّ المحن، والنعم في طيّ النقم).

● أولاً: وقبل كل شيء علينا أن نفهم أن كوامن تحريك أبناء وبنات السودان لوضع لبنات الجبهة المدنية لوقف الحرب، وهي الثقة بالنفس والتفاؤل، وهما مفتاحا نجاح التحديات والمجسران لتجاوز العقبات، فعندما يكون لدى البشر الإيمان بقدرتهم على التغلب وتحقيق النجاح، يصبحون حينها قادرين على إزالة العقبات والتغلب على المصاعب بشجاعة وإصرار وحسم وحزم وتجرد.

● ثانيًا: يمكن أن يكون للإنسان دور محدود في التغيير، ولكن قوة العقل البشري الجماعي تلعب دورًا حاسمًا في تحدي الصعاب، وتجاوز الأزمات، واجتراح الحلول، وتكامل الرؤى، وذلك من خلال اليقين الجازم بأن لديهم الإمكانيات الفكرية والذهنية والقدرة على تغيير هذه الظروف السلبية، وباستطاعتهم سويا وجماعيا العمل بجد وهمة وابتكار للتغلب على العراقيل التي تقف في طريقهم، وحتما سيستطيعون تحويل هذه الأزمات إلى فرص من خلال استغلال المشاكل كمحفز للتطور والابتكار وتعلم الدروس والاعتبار.

● ثالثًا: غاية هذه التحركات البشرية الفردية والجماعية هي إيجاد الحلول المناسبة والإيجابية وسيلتها الحوار والأدوات السلمية المدنية الديمقراطية التي لا تنازل عنها، وهو أمر آخر يساعد البشر على تحدي الصعاب، فبدلاً من الركون لاحباطات الحرب وانغلاق الرأي وتحجيم الدور المدني في البلاد، حرك الجميع التفكير في العقبات والمشاكل كمصادر للإحباط، وانصب تركيزهم على البحث عن حلول مستدامة وجذرية ومبتكرة وإيجابية، وجعلوا من هذا التحدي للحرب فرصة ذهبية أخيرة لبناء السودان، واستعادة استقراره، ومأسسة حكومته، وترشيد حوكمته، لتعمل على رفاه مجتمعه، وتطوير مهارات بنيه وفق أسس جديدة واكتساب خبرات وخيرات مفيدة.

● رابعاً: إن التعاون اللامشروط والتفاني اللامتناهي في سبيل الوطن، والدعم المتبادل الذين تشهدهما أروقة اجتماعات القوى المدنية هما أيضًا من أهم الأدوات القوية التي ستمكننا من تجاوز الصعاب، وعندما يتحد البشر معًا ويسيروا سويا سيتحدون أمل أمر عسير، ويمكنهم عندئذ بتبادل الخبرات والمعرفة ثقب الصخور، وبتقديم الدعم المتبادل والتشجيع لبعضهم البعض يجعلهم يضعون أفضل الخيارات الفكرية والسياسية والمعارف المحلية والإقليمية والدولية أمام أمتهم، وهذه الروح الجماعية تعطينا القوة اللازمة لمواجهة التحديات بشكل فعال والنهوض بأنفسنا من كبوة الحرب والخروج من قمقمها، وإلى الأبد بحول الله.

● خامسًا: يظل العزم والتصميم على عدم الاستسلام هما جوهر النجاح في هذه المهمة التي تعد أعسر خطوات تحدي الصعاب الوطنية لما اعتراها من تخوين وتشويش وتشويه للقائمين عليها، وما نراه من تلك المجموعات وتحليها بكل هذا العزم والتصميم والتجرد، فمن المؤكد أنهم يستطيعون التغلب على المصاعب بسهولة، لأنهم يدركون أن الفشل هو أحد أشكال النجاح، وأن الاستمرار في المحاولة سوف يؤدي في النهاية إلى تحقيق الأهداف، وأنه لا بد من صنعاء وإن طال السفر.

● سادساً: للسودانيين وحدهم القدرة على تغيير مصيرهم وتحدي الصعاب وإنهاء الحرب عن طريق الشجاعة والإصرار والتفاؤل، وعندما يرفعون رؤوسهم للأعلى ويعلقون آمالهم بالثريا ينالةنها ويتجاوزون العقبات، ويحققون نجاحاً حقيقياً ويصنعون مستقبلاً أفضل لأنفسهم وللعالم من حولهم.

● سابعاً: استعادة الشرعية المدنية الديمقراطية السلمية، وانتزاع مشروعية الحرب العبثية وكبت أصوات وأبواق الحرب، وكبح جماح أدوات العنف، وتحجيم منظومته الإخوانية (حزب الشيطان) القائمة على التضليل والأكاذيب والمتعطشة للدماء، ووضع الأسس والرؤى المتكاملة الملبية لتطلعات وأشواق الشعب السوداني، تحقيقا لرغبته وتنفيذا لشعارات ثورته (حرية سلام وعدالة).

● أخيرا: مع كل ذلك لا أحد يستطيع التكهن أو الجزم بنجاح تكوين الجبهة المدنية الموحدة لإنهاء الحرب، إلا أن كافة العوامل التي يمكن أن تساهم في نجاح العمل الجبهوي التحالفي المدني للقوى السياسية والمجتمعية السودانية في إنهاء الحرب أضحت متوافرة في هذا المنبر الذي تنعقد جلساته بأديس أبابا في ٢٣ أكتوبر حتى ٢٦ منه، ومن بين هذه العوامل:

١. الرغبة الأكيدة في الوحدة والتعاون بين القوى السياسية والمجتمعية والتي تعد أمرًا حاسمًا لتحقيق نجاح أي عمل جبهوي تحالفي، وكافة المشتركين وممثلو المبادرات متعاونون ويعملون معًا لتحديد أهداف مشتركة وصياغة استراتيجية فعالة لإنهاء الحرب.

٢. كذلك الشراكة الكبيرة بين القوى السياسية والمجتمع المدني، والدور الفعال للشخصيات القومية والمنظمات غير الحكومية والمجموعات العاملة في المجالات الاجتماعية ولجان المقاومة والمجموعات النسوية والمهنية والفئوية والحرفية والقطاعية ومنظمات حقوق الإنسان، التي تلعب دورًا هامًا في توفير الدعم والتوجيه والموارد للعمل الجبهوي التحالفي.

٣. على غير كثير من الانشطة السابقة لهذا التحرك رؤية واضحة وخطط استراتيجية للتوجهات التي نسعى لتحقيقها، وهي موضوعة بصورة محكمة وخطوات عملية للتحقيق يرجى التوافق عليها.

٤. هناك دور كبير يعول عليه وهو الروافع الإقليمية والدولية التي تساعد في دعم التحركات المدنية السلمية عبر الاتحادين (الافريقي) و(الأوروبي)، ومنظمة (ايقاد)، ودول جوار السودان و(الترويكا)، والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، وهناك تعاون وتفاعل مع الأطراف العربية والإقليمية والدولية التي تهتم بالسلم وحقوق الإنسان واستقرار المنطقة، ومن بين هذه الروافع:

أ. التضامن الدولي الإنساني من الدول والمنظمات الداعمة والعاملة في مجال حقوق الإنسان والسلم والتي تساهم بشكل كبير في دعم الحركات المدنية السلمية، وتشارك تقديم الدعم المعنوي والمالي والتقني والقانوني للسودان عبر منصات مختلفة أهمها سياسيا الامم المتحدة وقرارات الدول الكبرى، وإنسانيا مؤتمر الاستجابة الإنسانية بشان السودان.

ب. تغير الأجندة الدولية وسيادة التوجهات الرامية لتعزيز السلم والأمان وحقوق الإنسان، خاصة بعد استطالة أمد الحرب في أوكرانيا، واندلاع حرب غزة في فلسطين المحتلة، وجميع الدول الآن تسعى لأبرام اتفاقيات ومعاهدات دولية تعمل على إرساء السلم والاستقرار وحماية السكان المدنيين وتنشط فيما تسميه (Zero Conflict Zone) منطقة خالية من النزاع.

ج. هناك دعم إنساني ومالي كبير متعهد به وملتزم به حال تحقق استقرار في السودان، يحفز الجميع للوحدة لجبر ضرر السودانيين، فستقدم الدول والمنظمات الدولية دعمًا ماليًا وإنسانيًا للسودان، ولتحركات وأنشطة منظماته وقواه المدنية السلمية الديمقراطية، وتلك الناشطة في مجالات الغوث، وسيشمل ذلك تقديم المساعدات الإنسانية ودعم العمليات الانتقالية وتعزيز الديمقراطية، والحوكمة الرشيدة، وحقوق الإنسان، وعمليات العدالة ، والعدالة الانتقالية، وجبر الضرر، وإعادة الإعمار، وعمليات حفظ وبناء السلام واعادة اللاجئين والنازحين والفارين من الحرب.

● ختاما: تعتبر هذه العوامل والخطوات والروافع مهمة لتحدي الصعاب ولبلوغ سدرة منتهى التوافق السوداني المدني لإنهاء الحرب واستقرار البلاد، وهي كذلك ضرورية لضمان نجاح العمل الجبهوي التحالفي المدني ودعم التحركات المدنية السلمية في إنهاء الحروب، ومع ذلك فإن تحقيق النجاح يعتمد أيضًا على تكامل بقية الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية في السودان والقدرة على تجاوز التحديات العالمية والمحلية المرتبطة بالحرب في السودان.

عروة الصادق 
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔
orwaalsadig@gmail.com

الجمعة، 20 أكتوبر 2023

دعاة الحرب والظلام والخوف من نور السلام

دعاة الحرب والظلام والخوف من نور السلام
● مقدمة: تبين أن الحرب من أخطر الظواهر الظلامية التي تؤثر على سلوك الإنسان وفطرته السوية وأنها أخطر مسببات أمراض الفرد والمجتمع، حيث أدت حرب السودان إلى تدمير الحياة الإنسانية والمادية والمهنية والاخلاقية وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وخلقت منظومة من أصحاب الأقنعة والخفافيش وتجار الحروب والأزمات، ولذلك تحرك أهل الفطرة السوية والجميع عملا على إيقاف الحرب وإيجاد الحلول السلمية للنزاعات.

• ولكن يبدو أن بعض "الأبالسة" و"البلابسة" و"الجغامسة" من هؤلاء الخفافيش والظلاميين المشعلين والمحرضين على الحرب لا يريدون ذلك، حيث يعتبرون الحرب الوسيلة الأنسب والطريق الأقصر لتحقيق أهدافهم الذاتية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويرون أن إيقاف الحرب يعني خسارة هذه الأهداف وسقوط تلك الأقنعة، ولذلك ينزعجون من محاولات إيقاف الحرب ويخشون من كشف حقيقة وقوفهم خلف أسباب وقوعها والتحضير لها والتحريض عليها.

• بالإضافة إلى ذلك يعتبر هؤلاء الضلالييون المشعلون والمحرضون على الحرب أن الملاحقة الجنائية المحلية والدولية تمثل تهديداً لهم ولأهدافهم، حيث يعتبرون أنها قد تؤدي إلى إيقافهم وملاحقتهم ومحاسبتهم على جرائمهم، ولذلك يصرون على استمرار الحرب حتى يفرضوا واقعاً سياسياً ودبلوماسياً جديداً يحقق مصالحهم ولا يجعل منهم طرداء للعدالة يهيمون في صحراء التيه كما حدث بعد ثورة ديسمبر ٢٠١٨م.

● ولكني أتفهم إصرارهم على (البلبسة) و (الجغمسة) وإنكارهم أن الحرب لا تحل النزاعات ولا تحقق السلام ولا تنتهي بالحرب، بل تؤدي إلى تدمير الحياة الإنسانية والمادية، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ومع هذه (المكابرة) والغطرسة يجتهدون لوأد الحلول السلمية للنزاعات وتقويض فرص الحوار والتفاهم بين جميع الأطراف، ورفض الجهود المبذولة لتحقيق السلام والاستقرار في البلاد والعالم، وذلك لعدة أسباب أهمها:

1. نزغهم للسلطة وشهوانيتهم وتعطشهم للدماء واستبداد الأمر برغبة هؤلاء في تحقيق أهدافهم السياسية والحفاظ على النفوذ الذي يملكونه حتى وإن جلسوا على ركام البلاد المتفككة وجماجم الأبرياء وجثثهم المتحللة، لأنهم يرون ويبررون الحرب والعنف كوسيلة لتحقيق هذه الأهداف ويعتبرون أن أي محاولة لوقف الحرب ستعرض مصالحهم وسلطتهم للخطر ونهجهم الميكافيلي في ذلك أن (الغاية تبرر الوسيلة).

2. تهربهم من المساءلة القانونية والملاحقة الجنائية، ورفضهم الإذعان لأي منظومة حقوقية أو عدلية ليست ربيبتهم أو لا تأتمر بأمرهم، لذا يخشى المشعلون والمحرضون لهذه الحرب اللعينة من إجراءات الملاحقة القانونية المحلية والدولية التي يمكن أن تتخذ ضدهم، في حال تم كشف دورهم في اشعال الحرب أو تشجيعها أو تسعير أوارها بالنفخ في كيرها، خصوصا بعد التحركات الأممية لابتعاث لجنة تقصي حقائق من مجلس الأمن لبحث الحالة السودانية، وتحركات كريم خان مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية، لذلك نجد أن هؤلاء (الحربجية) يعتبرون استمرار الحرب وجدواها مصلحة للتغطية على أفعالهم وتجنب المساءلة عنها.

3. الكسابة والغنامة وهؤلاء أصحاب المكاسب الاقتصادية والمالية، وهنا لا أعني صغار اللصوص من الأفراد المشتبه بهم في سرقات الحرب وناهبي الهواتف النقالة، وإنما أعني منظومة العنف التي تشرف على مصالح اقتصادية بدأت وازدهرت في استمرار الصراع، مثل جماعات الاحتكار للوقود والمحروقات والأسلحة والذخائر والمركبات وأجهزة التكنولوجيا المتعلقة بالحرب، والمستوردين أصحاب شركات الاعفاء الضريبي، ونشطاء التجارة غير الشرعية أو الذين ازدهرت انشطتهم باستغلال تهريب الموارد الطبيعية على رأسها الماشية والمحاصيل النقدية والجماعات الذهبية، جميع هؤلاء يرون أن وقف الحرب قد ينتج عنه فقدان تلك الفرص الاقتصادية لذلك يجب استمرارها.

● أقول: نعم! من الممكن أن تؤدي الملاحقة الجنائية المحلية والدولية إلى زيادة إصرار هؤلاء الأفراد على استمرار الصراع،فيتشبثون ويعتقدون أنه بالإبقاء على المواجهة المسلحة، يمكنهم استخدام القوة والعنف لفرض أجندتهم السياسية والدبلوماسية الجديدة.

● ولضمان حالة استدامة السلم والاستقرار يجب التركيز على مكافحة الإفادة والتكسب والمنفعة الشخصية والمصلحة السياسية وبث ثقافة الحوار والتفاهم، وهو أمر يتطلب جهودا مشتركة من الأطراف المعنية والمجتمع الدولي لتحقيق العدالة والاستقرار وتشجيع حلول سلمية للنزاعات ومحاسبة المسؤولين عن العنف والحرب.

● ختاما: مع العمل على تشجيع التسامح والتعايش السلمي وحقوق الإنسان، يمكن تقليل استمرارية الحرب وإيجاد سبل لوقف دور المشعلين والمحرضين على العنف وإعادة بناء ما تسببت به الحروب من دمار لأجل السلام والاستقرار المستدام في المجتمعات، حينها يمكن تحجيم أدوار هؤلاء العابثين الذين يتطلب حصارهم وتحجيمهم عدة خطوات أهمها:

1- تفعيل دور الإعلام الإيجابي والهادف والمهني والمستقل، وتشجيع وسائل الإعلام على نشر الأخبار الإيجابية والتركيز على الجانب البناء والإنساني للأحداث، وحصار الشائعات والاكاذيب وبروبوغاندا الحرب.

2- تطوير برامج شاملة ومتكاملة للتوعية والتثقيف من أجل تحسين الوعي العام للأهمية الحقيقية لخطورة الصراعات والضرورة الحتمية للسلام والتعايش السلمي والتسامح.

3- تصميم عملية (شريان حياة) لتجديد حياة السودانيات والسودانيين وتشجيع المجتمع المدني والجمعيات الخيرية والمؤسسات الحقوقية والإنسانية على العمل بجدية وتكثيف جهودهم لنشر رسالة السلام والتعايش السلمي وتقديم العون والغوث المطلوب.

4- تحجيم ضوضاء أبواق الحرب وتقليل تأثير الأصوات التي تدعو إلى العنف بإكمال جهود القوى المدنية لإيجاد حلول سياسية ودبلوماسية للصراع واجتثاث جذوره، والتي تتطلب جهود محلية ومشتركة من قبل الجهات المعنية، وخاصة الدول الكبرى والمنظمات الدولية.

5- تجفيف مصادر تمويل وتغذية العنف بتجريد المتحاربين من مواردهم المالية والاقتصادية وتفعيل الملاحقة والقوانين واللوائح الدولية التي تحظر تمويل الإرهاب وأنشطة غسل الأموال والجريمة المنظمة، والتي تتطلب تعاون المجتمع الدولي والإقليمي.

6- أخيرا يأتي الدور الإقليمي والدولي الذي سيساعد بالضغط على الجماعات المستفيدة من الحرب للتوجه نحو نداءات السلام والكف عن تغذية وتمويل الصراع، من خلال التعاون الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي، ودعم الجهود المبذولة لإيجاد حلول سياسية للصراعات.

عروة الصادق 
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔
orwaalsadig@gmail.com

الخميس، 19 أكتوبر 2023

موقع السودان من التطور العالمي المتوقع بعد الاعتداء على غزة والفشل الاستخباراتي



موقع السودان من التطور العالمي المتوقع بعد الاعتداء على غزة والفشل الاستخباراتي
مقدمة:
تعيش المنطقة العربية حاليًا في ظروف صعبة تتطلب تحولًا كبيرًا في نظم الأمان والاستخبارات والمخابرات، بعد الاعتداء على غزة والفشل الاستخباراتي المصاحب، يُتوقع أن يشهد العالم تطورًا جديدًا يتعلق بتشكيل منطقة خالية من الصراع وتطوير نظام استخبارات جديد، وستكون هذه التطورات ذات تأثيرات مهمة على دول المنطقة، وخاصة السودان وجارته مصر، حيث سيتم تنظيمهما في إطار القرارات العالمية المتخذة للتعامل مع الوضع.

١. البحث عن منطقة خالية من الصراع (Zero Conflict Zone)، وستعمل أجهزة المخابرات العالمية بعد الاعتداء على غزة وانكشاف الفشل الاستخباراتي على وقف إمداد البحر الأحمر بما فيه المتدفق من السودان، ظنهم أن هذا الإجراء سيساهم في تقليل انتشار الأسلحة والتهديدات وتحقيق استقرار أمني في المنطقة، وبالتالي ستشهد المنطقة تقدمًا تاريخيًا نحو إنشاء "Zero Conflict Zone"، حيث التمهيد لأن تخلو هذه المنطقة من أي صراعات وتوترات عسكرية واختلالات أمنية، وهو ما يمكن أن يصنع تحالفات جديدة بين الدول على أساس هذا التخلق الجديد.

٢. تطوير نظام استخبارات جديد بعد انهيار سابقه وتأكد فشله، فمن المتوقع أن يؤدي الاعتداء على غزة والفشل الاستخباراتي إلى إعادة تقييم النظم الأمنية والاستخباراتية في المنطقة بأسرها، وعلى رأسها الداخلية في اسرائيل (الشاباك، أمان، الموساد)، وتلك المجاورة لها في المنطقة العربية، أو الغربية (CIA - MI6) أو الشؤقية (روسيا، الصين، ايران)، وستعمل أجهزة المخابرات العالمية تلك على دعم أو ملاحقة التمويل للجماعات المسلحة ومكافحة التهريب وتطوير شبكة معلومات جديدة تمامًا، وستتقاطع تلك التحركات، وستتبلور هذه التحديثات إلى نظام استخباراتي جديد يعتمد على تكنولوجيا متقدمة جدا، وأنظمة أكثر سرية و(شبحية)، وتعاون دولي أكبر لمواجهة التحديات الأمنية المشتركة.

٣. السودان ومصر دولتان محوريتان في أجندة التطور الجديد، وستكونان على رأس الدول التي ستتأثر بشكل كبير بهذه التطورات، فمن المعروف أن السودان يعاني من قضايا أمنية واستقرارية مصيرية، ويمثل عين القرن الإفريقي والبحر الأحمر وبوابة إفريقيا، وبوجود معلومات عن خروج الأسلحة من السودان، ستعمل الأجهزة الاستخباراتية العالمية على وضع يدها على السودان بغية احتواء هذا التهديد ودعم أو وقف تمويل الجماعات المسلحة، ومن جانبها ستواجه مصر تحديات أمنية كبيرة خاصة في منطقة شبه جزيرة سيناء وجنوبا صحراء سيوة وغربا منطقة السلوم، ومع نظام استخبارات جديد وتفعيل الشبكة الجديدة للمعلومات، ربما ستتحسن قدرة الدولتين على مكافحة التهديدات الأمنية وبناء أمن إقليمي أفضل ولكنها لن تأبه برغبة الشعوب في الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو ما سيجعل بعض الدول المتقدمة تقايض الديمقراطية بالاستقرار الأمني وربما دعمت أنظمة باطشة، وغضت الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان.

٤. الأثر العالمي المتوقع سيكون هائلا سياسيا وأمنيا ودبلوماسيا، وسيكون لهذه التطورات العالمية أثر كبير في المنطقة وعلى مستوى العالم أجمع، وستنعكس جهود دعم أو وقف خطوط إمداد البحر الأحمر في تحقيق الأمن والاستقرار العالميين، وستُحدث متغيرات كبيرة في دول المنطقة ربما تشمل تغيير وتشكيل انظمة سياسية جديدة وصعود فاعلين جدد، وتغير أنظمة التسليح، وانتشار قطع حربية جديدة، وبروز قواعد عسكرية وتوسع استراتيجي، بالإضافة إلى ذلك ستكون هناك حاجة للتعاون الدولي لتحقيق نجاح هذه الجهود، والتي يمكن أن تكون نموذجًا يحتذى به في مكافحة التهديدات الأمنية العابرة للحدود.

خاتمة:
من المؤكد أنه بعد الاعتداء على غزة والفشل الاستخباراتي، يُتوقع أن تشهد المنطقة تطورًا كبيرًا في المجالات الرئيسية المذكورة: تشكيل منطقة خالية من الصراع وتحديث نظام الاستخبارات وتأسيس أنظمة سياسية جديدة، وسيتأثر السودان ودول المنطقة بشكل خاص بهذه التطورات وسيكون لها أثرًا عالميًا كبيرا يستوجب اليقظة، وإن تحقيق هذا التطور المخابراتي والاستخباراتي العالمي سيتطلب تعاونًا دوليًا قويًا وإرادة سياسية حقيقية ونظاما مستقرا، بغض النظر عن خلفيته أيدولوجيا دكتاتوريا أو ثيوقراطيا كان، ستدعم الدول العظمى أي نظام سياسيي، شريطة أنه سيساهم بشكل كبير في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم بأسره ويلتزم بأجندة المنظومة الدولية الأمنيةوالعسكرية الجديدة.


عروة الصادق 
١٩. أكتوبر. ٢٠٢٣م 
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔

الأربعاء، 18 أكتوبر 2023

حرب السودان: سرقة مستقبل أطفالنا واستدانة ثرواتهم وتبديد ميراثهم

حرب السودان: سرقة مستقبل أطفالنا واستدانة ثرواتهم وتبديد ميراثهم

• مدخل:
ثلاث أخبار مرت مرور الكرام:
الأول: انخفاض أسعار الذهب في السودان.
الثاني: انهيار سعر الجنيه السودان في مقابلة الدولار.
الثالث: فتح مؤسسات التعليم في البلاد.
وهي مؤشرات تحذيرية من تضييع الوقت والمال والجهد وتبديد موارد البلاد وتهريب ثروات السودان، الأمر الذي يجعل مستقبل الأجيال اللاحقة في خطر، ويضيع فرص حصولهم على حياة كريمة.

• المقدمة:
١. بديهي جد أن موارد الدول من أهم العناصر التي تضمن تطورها وازدهارها، ومنها البلدان الفقيرة التي تعاني من الكثير من التحديات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية رغم ذخرها بالموارد، وإذا لم نتخذ إجراءات جدية لحماية وتنمية هذه الموارد، فإننا سنعرض مستقبل الأجيال اللاحقة للخطر ونهدر فرص النمو والتقدم المستدام، ونستدين مستقبلهم ونبدد ميراثهم دون تسديد ذلك الدين الهالك من العمر والموارد والمستقبل.
٢. وتعتبر الحرب اللعينة التي تدور رحاها منذ عقود في السودان من أكثر الكوارث الإنسانية القاسية التي شلت حياة الشعب وحطمت الأمل في المستقبل الآت، فضلاً عن الدمار والخسائر البشرية والآثار النفسيية، تترك الحروب أثارًا عميقة وخطيرة على الأجيال القادمة، فتصبح الفرص التعليمية والتطور التكنولوجي والتنشئة السليمة محدودة، ويعاني الأطفال والشباب من حرمانهم من الغذاء والدواء الضروريي، إن سلب الحرب لعمر الشعوب وحرمان الأجيال الناشئة يجب أن يستوجب توجيه المساءلة للمرتكبين الذين يسهمون في هذه الكارثة الإنسانية.

● شخصي المتواضع من جيل بددت الدكتاتورية ثلاثة عقود من عمره واستدانت موارده لإنشاء أكبر امبراطورية فساد وإفساد، وأنشطة دمرت عظم الدولة وأغرقتها في الديون وضيعت من عمرنا وقتا ثمينا من عمر الشعوب، الأمر الذي أخرنا من الأمم حولنا وجعلنا في ذيل قوائم النمو وعلى رأس قوائم الدول الفاشلة، والآن تتكرر أمامنا جرائم سرقة أو قل الاستدانة من مستقبل الأجيال القادمة، ونهب مواردهم وثرواتهم لتكون دينا هالكا يجعل منهم مدينون للعالم بأعمارهم وصحتهم وتعليمهم وثرواتهم وميراثهم، ولهذه الجريمة عدة قرائن نعدد منها الآتي:

• أولا: التهريب وتضييع الموارد، لأن ما نراه من عمليات تبديد وتهريب يومي لموارد البلاد الفقيرة المعوزة وتكرار العديد من الأفعال المشينة، مثل الفساد والرشوة وسوء الإدارة، وتدفق نفايات المنطقة من بضائع رخيصة وإغراق أسواقنا بالمنتجات المخالفة للمقاييس، هذه الأفعال تتسبب في خسارة ثروات البلاد وتجعلها غير قادرة على استثمارها في تنمية البنى التحتية وتحسين مستوى التعليم والصحة للأجيال القادمة، ومما يؤثر سلبًا على حياة المواطنين ومؤسسات البلاد.

• ثانيا: سرقة طموح مستقبل الأجيال اللاحقة، وإن ما يتم من تدمير للبنى التحتية والتكنولوجية والتعليمية والصحية والصناعةي وما لحقه من تضييع وتهريب الموارد يؤثر بشكل كبير على مستقبل الأجيال اللاحقة، ويعد بمثابة سرقة للطموح، حيث يفقدهم فرصة الاستفادة من هذه الموارد في تحقيق طموحاتهم وتطلعاتهم ويضيع فرص تحسين مستوى حياتهم، لأنه إذا لم يتم استثمار هذه الموارد بطريقة صحيحة، فإن الشباب لن يجدوا فرص تعليم أو عمل كافية ولن يتمكنوا من تحقيق تطلعاتهم الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية ويفقدوا الرغبة في الحياة برمتها.

• ثالثا: إعاقة النهوض وعرقلة تطور وتقدم السودان: بعد خروج السودان من نفق العقوبات والقوائم السودان، والدول المثقلة بالديون، وانفتاحه للاستثمار العالمي والإقليمي، وبروز فرص لحفظ ثروات أجيال المستقبل بالتوسع في الانتاج الزراعي، لم يعجب الأمر كثير من الدول الخارجية وعملاءها في الداخل، ليمهدوا الطريق لتلك الدول فتعمل على تضييع وتهريب مواردنا ونظل في قاع العالم وتبقى دولتنا في ذيل الأمم وتفتقر إلى التقدم والتطور، فنحرم من الاستثمار وإذا لم تستثمر البلدان المحرومة ثرواتها في تحسين البنية التحتية وتوفير فرص عمل وتعليم جيد، فإنها ستبقى تعاني من الفقر والتخلف وانغماس الأجيال القادمة في قاع الجريمة والتطرف، وبالتالي فإن تضييع وتهريب هذه الموارد يؤثر بشكل سلبي على هذه البلدان ويمنعها من النهوض والنمو.

• رابعا: إهمال وإغفال حماية وتنمية الموارد: معلوم أن الدول الحريصة تضع جدر حماية وسياج آمن لضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة ولمنع تضييع وتهريب موارد البلاد، وتتخذ الإجراءات اللازمة، وتعمل الحكومات على تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد وتعزيز سياسات التنمية المستدامة، علاوة على ذلك تعمل المؤسسات الدولية والمجتمع الدولي على دعم البلدان الفقيرة وتعزيز التعاون الدولي في مجال استعادة الأموال المنهوبة، وهو الأمر الذي وقفت ضده بشدة عصابة إنقلاب أكتوبر 2021م وأجهزت عليه حرب إبريل 2023م، الأمر الذي جعل جماعات التهريب تتعامل مع عمق مؤسسات الدولة وتصل إلى أعلى هرمها وتستخدما مقراتها ومرافقها ومطاراتها السيادية لتهريب الموارد تحت مسمع ومرأى وحماية السلطات.



• خامسا: التسبب في تفاقم الأضرار التعليمية: معلوم أن المنظومة التعليمية في السودان لمختلف المراحل كانت متداعية، إلا أن الحرب صارت أبرز العوائق التي تحول دون حصول الأجيال القادمة على التعليم المناسب، فالتدمير الشامل للبنية التعليمية ونزوح الأسر جعل الوصول إلى التعليم صعبًا أو حتى مستحيلًا في الكثير من الحالات، ورغم أن التعليم هو الأساس الذي يمكن من خلاله بناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة، إلا أنه تعذر عليهم الوصول إلى التعليم المناسب، ما سيجعل لديهم فجوة هائلة في المعرفة والمهارات، وهو ما يقيّد قدراتهم على المنافسة والتعاطي مع سوق العمل المتطور.

• سادسا: الحرب على المرافق وتدمير البنى التحتية وإعاقة التطور التكنولوجي، أجهزت الحرب بصورة عامة على البنى التحتية المتطورة وهياكل المستقبل وأحدثت تباطؤًا وتراجعا كبيرا في التطور التكنولوجي، والتي كانت في الأساس تحتكر وتعطى الأولوية فيها للنماء العسكري والمجهود الحربي عوضا عن التنمية وإعادة البناء، وبالتالي أُهمل قطاع التعليم والبحث والابتكار الذي يحمل مفتاح التقدم العلمي والاقتصادي والتنموي. لذلك، تم تضحية بتطوير التكنولوجيا والإبداع لصالح التسلح والدفاع، مما حال دون استفادة الأجيال القادمة من الوقت والتطورات التكنولوجية الحديثة وحرمهم من الاستفادة من الفوائد الاقتصادية التي يمكن أن توفرها الأوضاع المستقرة.

• سابعا: حرمان الأطفال من التنشئة السليمة: الحرب تسببت في انهيار الهياكل الاجتماعية وفتت الأسر وشظت العوائل والكيانات الأهلية، وبالتالي لها تأثير سلبي على التنشئة السليمة للأطفال، لأن منازل الأطفال دمرت وتركوا بدون مصادر الدعم والرعاية الأساسية، فوجد الأطفال أنفسهم في بيئة غير مستقرة تعج بالعنف والخوف والاستغلال، مما أثر على صحتهم العقلية والعاطفية ونموهم الشامل وربما جعل منهم جانحين مستقلا.

• المطلوب عاجلا: ضرورة التصدي الجماعيي والمساءلة: من أجل الحيلولة دون سرقة فرص الأجيال القادمة وحماية مستقبلهم، يتعين علينا التصدي لهذه الحرب اللعينة ووضع حد لها بأعجل ما تيسر، وأن يكون هناك التزام صارم وقوي بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الحربية والانتهاكات الإنسانية، وأن تنشط هيئات شعبية ورسمية وإقليمية ودولية لحراسة مستقبل هؤلاء الشباب والأطفال، علاوة على ذلك علينا دعم البرامج التعليمية والتكنولوجية والاجتماعية عبر تلك الهيئات الإقليمية والدولية التي تهدف إلى تعزيز التعليم والتنمية في البلدان المنكوبة.

• الخاتمة: 
• إن تضييع وتهريب ثروات البلدان يشكل تهديداً كبيراً لمستقبل الأجيال اللاحقة ويمنعها من الاستفادة من فرص التقدم والنمو والتطوير، واجب الحكومات والمجتمع الإقليمي والدولي التعاون لحماية الموارد السودانية والتصدي للفساد والتهريب والجرائم المترتبة عليه، ونحن بحاجة إلى جهود مشتركة لإنهاء هذه الحرب واستعادة الاستقرار لضمان التنمية المستدامة والعدالة الاقتصادية والاجتماعية لضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة ولتمكينهم من مجابهة التحديات والتقدم نحو التطور.
• و تحذيرًا من آثار الحروب على مستقبل الأجيال القادمة، يجب علينا أن نعمل على اجتثاث كافة مسببات الصراعات في السودان وتعزيز السلام والأمان وبث روح التسامح والحوار والتعايش بيننا جميعا، وأن نتعاون معًا بأقصى قدر ممكن ونسابق الزمن لتوفير التعليم والتكنولوجيا والبيئة الصحية والاجتماعية السليمة التي تضمن للأطفال والنشء في بيئة آمنة ومحفزة ونمنع ونردع كل من ياحاول الاستدانة من أعمارهم أو مواردهم أو موروثاتهم أو ثرواتهم، لإن الاهتمام بمستقبل الأجيال القادمة يعني الاستثمار فيهم وتوفير الفرص الضرورية لتنمية قدراتهم وإمكاناتهم، ونحن بهم نحجز مقعدنا في المستقبل وبدونها ننتظر مستقرنا المحتوم في قاع الأمم.


عروة الصادق
١٨. أكتوبر . ٢٠٢٣م 
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔
Orwaalsadig@gmail.com

الخميس، 12 أكتوبر 2023

السودان والتطبيع بعد طوفان الأقصى

السودان والتطبيع بعد طوفان الأقصى

● المدخل: الأوضاع بعد طوفان الأقصى لن تكون كما قبلها ولن تعود إلى ما كان عليه الحال في 1978م اتفاقية كامب ديفيد مع مصر، ولا إلى الوضع في 1994م اتفاقية سلام مع الأردن، ولا إلى ما تم في 1993م مع منظمة التحرير الفلسطينية، ولا حتى إلى ما بعد حرب أكتوبر 1973م، لذلك حتى المنطقة العربية والإسلامية والعالم عليهم إعادة التفكير بصورة جدية للخروج من سجن القرارت الدولية التي لم تنفذ على إجحافها للفلسطينيين، فالأمم المتحدة التي كانت 51 دولة وأصدرت قرارتها يومئذ اليوم أضحت 193 دولة غالبيتها ترفض الوجود الشاذ لدولة الاحتلال.

● رغم تبدل مواقف بعض الدول العربية والإسلامية وتوجهها للتطبيع، إلا أن موجة السخط التي اجتاحت العالمين العربي والاسلامي وعمت المعمورة ستبدل مواقف تلك الدولة جميعا، حتى المطبعين سيرتدون ويطردون سفراء اسرائيل احتجاجا على الانتهاكات الفظيعة التي مورست في قطاع غزة والضفة ومن قبل تدنيسها المسجد الأقصى واعتقال المرابطات والأطفال، وهذه الحالة التي تعيشها غزة غيرت حتى التكوين الحكومي الداخلي لإسرائيل وستؤثر في مستقبل العلاقات الغربية العربية خاصة بعد الدعم الأعمى لدولة الاحتلال من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وإرسال بارجتين حربيتين في مياه المتوسط وهي خطوة تستفز كل جار يشاطيء غزة البحر ويشاطرها الألم والحزن.


● وضعنا في السودان قسمته سياسيا واجتماعيا خطوات المجلس العسكري بعد الثورة، فقد كانت خطوات البرهان ابتداء خيانة للضمير الوطني والموقف الشعبي الذي خرج إلى الشوارع يطالب بالحرية (التي قيدتها إسرائيل)، وبالسلام (الذي بددت آمال الوصول إليه للشعب الفلسطيني)، وللعدالة (التي ظلت سجون اسرائيل تغص بالأبرياء)، وضد العنصرية (التي مثلها نظام دولة الأبرتايد) الذي أسسته إسرائيل، وقد كان الدخول في أمر التطبيع إكمالا لخطوات رتبتها الراحلة نجوى قدح الدم للمخلوع البشير في آخر أيامه، وأتى البرهان لإكمالها متعديا الخطوط الحمراء في العلاقات الدولية لخرطوم اللاءات الثلاثة، ليجعل منها خرطوم الاستسلام لا السلام.

● وفي رأيي سيحرص قادة دولة الاحتلال ويجدون سعيهم الحثيث لإكمال حلقات التطبيع مع البرهان، وسيكون الثمن هو فائض أسلحة مقابل ذهب تسعى الدولة العبرية لشرائه بكميات كبيرة هذه الأيام، لتلافي الانهيار الاقتصادي للشيكل الإسرائيلي، ولكن ذهب السودان هو اللعنة التي حلت بروسيا، وبسلطة الانقلاب في الخرطوم، وستحل بجميع الدول التي تآمرت على السودانيين وثرواتهم، فلا يمكن أن يحلم الإسرائليون بالتطبيع مع السودان أو الأمة العربية والاسلامية أو مع الضمير الجمعي الإنساني ما لم يوفقوا وضعهم الشاذ، فهم لا زالوا دولة شاذة تتمدد في جسد الأمة العربية والإسلامية وتسيء للإنسانية.


● لذلك سيكون البرهان أمام خيارين أحلاهما مر وهما:

أ. امتلاك السلاح الاسرائيلي مقابل ذهب السودان وشراء دعمه السياسي والدبلوماسي.
ب. أو أن يفقد بعض التأييد والالتفاف حول القوات المسلحة بوصفه قائدها.

● وهذا سينعكس سلبا على البلاد ويدخلها في المأزق الآتي:

أ. اضطراب علاقاتها الدولية التي بالكاد تم استئنافها مع إيران والتي ما رجعت للسودان إلا لدعم القطاع بالسلاح عبر السودان.
ب. سيفقد البرهان ما وصل إليه من تفاهم مع الرئيس الأوكراني وخاصة بعد تصويت أوكرانيا للجنة التحقيق الدولية التي أقرها مجلس حقوق الإنسان.
ج. في حال ارتفع صوت العابثين بإعداد الخارجية السودانية أيضا سيدخل البرهان في ورطة مواجهة التوجه الأمريكي الذي خرج من دور الوساطة التاريخي إلى دور أن يكون طرفا في الحرب على قطاع غزة.

● لذلك ينبغي أن يعلم البرهان أن التطبيع لن يساعد السودان سياسيا، ولا دبلوماسيا في المحافل الدولية، ولا ماليا، ولن يزيل العقوبات عن السودان، ولن يمنع ملاحقات المحكمة الجنائية الدولية، التي ربما ستجمع في ردهاتها كل منتهكي حقوق الإنسان بمن فيهم نتنياهو والبرهان.


● المخرج: ليكن موقفنا دائما وأبدا مع احترام حقوق الإنسان ورفض الانتهاكات والفظائع والعقاب الجماعي للشعوب وأن نقف بقوة مع الالتزام بقرارات الشرعية الدولية وتنفيذها، ورفض الانتهاكات التي تمارسها إسرائيل ضد المدنيين في فلسطين، وداعم لشرعية مقاومة الاحتلال وداعي لوحدة فصائل المقاومة الفلسطينة، ورافض للتطبيع مع دولة إسرائيل بشكلها التوسعي الاستيطاني التقطيعي لجسد الأمة، ما لم تذعن إسرائيل لإرادة الشرعية الدولية وتحترم قراراتها ومؤسساتها، ويرتفع صوتنا لينادي بانخراط الدول العربية والأفريقية والتوقيع على ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية والمصادقة عليه والتمهيد لملاحقة كل منتهكي حقوق الإنسان في المنطقة والعالم.

(رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ) (سورة الإسراء الآية: 80) أو قل (سورة بني إسرائيل).


عروة الصادق 
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔

orwaalsadig@gmail.com


الأربعاء، 11 أكتوبر 2023

الحقيقة والعدالة: هي طريق السودان نحو السلام والديمقراطية

الحقيقة والعدالة: هي طريق السودان نحو السلام والديمقراطية
● أولاً: في خطوة تاريخية ولكنها متأخرة أصدر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قرارا بتشكيل بعثة دولية لتقصي الحقائق في السودان، بهدف التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الدولية التي ارتكبت في السودان تضطلع بالاتي:

١- التحقيق في جميع الانتهاكات والتجاوزات المزعومة لحقوق الإنسان وانتهاكات القانون الدولي الإنساني.
٢- الحصول على أدلة الانتهاكات والتجاوزات وتجمعيها وتحليلها.
٣- القيام بتحديد هوية الأفراد والكيانات المسؤولة عن انتهاكات وتجاوزات حقوق الإنسان.
٤- تقديم توصيات بشأن تدابير المساءلة لضمان عدم الإفلات من العقاب.
٥- التركيز في عملها بشكل خاص على حقوق الإنسان والحالات الإنسانية في المناطق التي تثير أكبر قدر من القلق لا سيما الخرطوم ودارفور.


● ثانياً: هذا القرار يمثل فرصة ذهبية للوصول إلى الحقيقة التي غطتها سحب الزيف وأبواق الحرب، ودفنها ركام الحرب وأخفى ظهورها صوت الدوي اليومي للمدافع والرشاشات وبنادق المتقاتلين وعواء السدنة، وومن خلال مناط تكليفها ربما أمكننا تحقيق العدالة لضحايا النظام السابق والانقلاب اللاحق والميليشيات الموالية له، وكذلك الانتصاف لضحايا قوات الأمن والجماعات المسلحة التي تصدت للثورة أو حاولت استغلالها، لإن توضيح المسؤوليات ومحاسبة المجرمين هي الشرط الأساسي لإنهاء دورة العنف والإفلات من العقاب، وبناء دولة قائمة على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.

● ثالثًا: هذه الفرصة التي عنت لنا لا يمكننا اغتنامها ولا يمكن أن تتحقق إلا إذا تم دعمها من قبل جميع الأطراف المعنية، سواء في الداخل أو في المحيط الإقليمي أو في المجتمع الدولي، فالبعثة تحتاج إلى موارد كافية وإمكانات فعالة لأداء مهامها بشكل مستقل ومهني وشفاف وشامل، كما تحتاج إلى تعاون كامل من قبل السلطات السودانية (سلطات الأمر الواقع) وجنرالات الحرب، الذين يجب أن يفتحوا أبوابهم أمام المحققين وتوفر لهم كل التسهيلات والضمانات والحماية، ولا ينبغي أن يخش أيا منهم من هذا التعاون، فالبعثة ليست ضد أحد وليست عقابا للبلاد، بل هي في صالحها، إذ ستساعدها على تطهير مؤسساتها من المجرمين والمنتهكين وبقايا النظام المخلوع، وربما تستعيد حينئذ مؤسسات الدولة ثقة شعبها وشركائها.


● رابعًا: هذه التعاون لا يجب أن يكون حكرًا على السلطات والنظاميين فقط، بل يجب أن يشمل جميع أطياف المجتمع السوداني، سواء كانوا من قوى الحرية والتغيير أو من بقية قوى المعارضة أو من المجتمع المدني أو من زعماء الدين أو من قادة المجتمعات المحلية، فجميعهم يشاركون في مسؤولية كشف الحقيقة وحماية حقوق الإنسان والدفاع عنها، وجميعهم يملكون معلومات وشهادات ووثائق قد تساهم في كشف الحقيقة وإثبات الجرائم، وجميعهم يجب أن يتحلوا بالشجاعة والصدق والتضامن، وأن يتخلوا عن الانتقام والتحيز والتستر وهي شهادات الواجب يقتضي الادلاء بها دينيا ووطنيا وإنساني فهي شهادة وأمانية : [فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ] (سورة البقرة - الآية: ٢٨٣) .

● خامساً: وليس هذا فحسب بل ينبغي أيضًا أن يكون هناك دورا فاعلاً للدول والمنظمات الإقليمية والدولية، التي لها تأثير كبير على الوضع في السودان، سواء من خلال دعمها أو تدخلها أو تجاهلها، فهذه الدول والمنظمات يجب أن تساند البعثة بكل الوسائل الممكنة، سواء من خلال تقديم المساعدة المالية أو الفنية أو السياسية، أو من خلال ممارسة الضغط على الجهات التي قد تحاول عرقلة عملها أو تشويه صورتها أو حتى تلك التي يمكن أن تعاديها كما فعلت مع المبعوث الأممي السابق للسودان فولكر بيرتس، ومن أوجب واجبات تلك الجهات أن تتحمل مسؤولياتها في تطبيق نتائج التحقيق، سواء من خلال فرض عقوبات على المجرمين أو من خلال دعم ضحاياهم وأسوأ ما يمكن أن تقع فيه هذه اللجان التسويف والمماطلة دون سقوف زمنية ناجزة ومتفق عليها ترضي الضحايا فتأخر العدالة ظلم وتضييع للعدالة.

● ختاما: إن قرار مجلس حقوق الإنسان هو خطوة مهمة نحو إنهاء حالة الجدل والاتهام المتبادل والتنصل عن تحمل المسؤوليات باندلاع الحرب وقفل باب الصراع والانقسام التي عانى منها السودان لعقود طويلة، وإرساء أسس السلام والديمقراطية التي طال انتظارها، لكن هذه الخطوة لن تكتمل إلا بتضافر جهود جميع المعنيين، في الداخل والخارج، لإظهار الحقيقة وتحقيق العدالة، فالحقيقة هي المفتاح لفتح باب المصالحة وقفل أبواب المزايدة والتضليل، والعدالة هي الضمان لإغلاق باب التكرار للفظائع والجرائم والانتهاكات.


● تحبير وتذكير شديد وأخير: نحن لا ينبغي أن نرحب بالتحقيق فقط بل الواجب أن نكون أول الممتثلين والمدلين بشهاداتنا والمستعدين لأي قرار حتى وإن أحالنا الأمر إلى محاكم دولية تقضي بإدانتنا وعقابنا، إذا ثبت تورطنا في أي جرم أو انتهاك مادي أو معنوي أو مباشر أو غير مباسر، وهناك رغبة أكيدة في أن تتوسع أعمال اللجنة لتشمل العديد من الفظائع والانتهاكات التي تتعدى حرب إبريل ٢٠٢٣م.


عروة الصادق 
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔

orwaalsadig@gmail.com
@orwaalsadig 

الثلاثاء، 10 أكتوبر 2023

حرب السودان والعودة إلى( قُم)

حرب السودان والعودة إلى (قُم)

● أعلن طاقم العابثين بخارجية السودان مساء الاثنين ٩ أمتوبر استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إيران بعد قطيعة استمرت عدة سنوات تسبب فيها ذات التنظيم الذي فرخ هذا الطاقم، يأتي هذا الإعلان متسق زمكانيا مع أشواق وتطلعات التنظيم المحلول وسلطته البائدة، إذ قالت عصابة وزارة الخارجية السودانية في بيان إن البلدين "قررا استئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما خدمة لمصالح الطرفين إثر عدد من الاتصالات الرفيعة المستوى التي جرت خلال الأشهر الأخيرة"، وهو ما يعني أننا أمام فصل جديد من فصول الدعاية الإسلاموية الكذوب والمضللة.


● أولا: عودة العلاقات الثنائية السودانية الإيرانية تعد خطوة هامة إذا كانت تحركها المصالح ضمن الإطار العام الذي تتوجهه إيران انفتاحا نحو المنطقة والمحيط العربي والافريقي، ولكن التوقيت يقول بأن الحكومة السودانية تريد استغلال الأمر كسابق عهدها بمراجع (قُم) وعمائم (طهران) واستخدام سلاح الدبلوماسية في استعادة التعاون الأمني والعسكري بين البلدين، وتظهر هذه العودة رغبة كلا الجانبين في تعزيز التعاون وتوطيد العلاقات الأمنية والعسكرية بينهما، إذ أن الجانب الإيراني لا زال يذكر الآتي:

١. المرافق الاستراتيجية الأمنية والعسكرية التي أسسها في الخرطوم.
٢. المخزون الاستراتيجي من الأسلحة والذخائر التي صنعها وخزنها في السودان.
٣. مرافق وحسينيات وملحقيات ثقافية تم إغلاقها دون سابق إنذار.
٤. عوائد جليلة من تجارة الغاز والنفط الإيراني للسودان وأفريقيا وسطا وغربا.

● ثانيا: من الممكن أن تتيح هذه العلاقات فرصاً جديدة لتبادل المعرفة والخبرات الأمنية والعسكرية بين السودان وإيران، لما لإيران معرفة سابقة بمنظومة السودان الدفاعية وتعتبر إيران دولة ذات تجربة واسعة في هذا المجال، وقد تسهم في تعزيز قدرات السودان الأمنية والدفاعية، ولكن في الوقت الحالي سيثير هذا الأمر حفيظة الكثير من الدول خاصة مع اندلاع طوفان الأقصى.

● ثالثا: يمكن أن تكون عودة العلاقات السودانية الإيرانية خطوة للاتفاف على الحظر والعقوبات المفروضة على إيران، فالسودان يعتبر بوابة إفريقية لإيران، وهذا يعني أنها قد تمثل لها طريقًا للتواصل والتعامل مع دول أخرى في القارة الأفريقية، وهذا قد يفتح بابًا جديدًا للتجارة والتعاون السياسي بين إيران والدول الأفريقية، وهو ما يمكن أن يسهم في تخطي العوائق التي فرضتها العقوبات.

● رابعا: إيران يمكن أن تكون للسودان مخرجًا للحصول على الأسلحة والمعدات العسكرية والمحروقات، إذ يعاني السودان من صعوبات اقتصادية وضعف في البنية التحتية العسكرية، وبالتالي فإن إيران قد توفر له الدعم الضروري في هذا الصدد، وهو في رأيي تطلع جنرالات الحرب وعناصر التنظيم الإخواني في الخارجية.

● خامسا: ينبغي أن نذكر أن هذه العلاقات الجديدة إذا حققت مصالح البلدبن فأهلا وسهلا بها، وإذا اتخذت لغير ذلك فستثير مخاوف بعض الدول والأطراف الإقليمية والدولية، فإيران تعتبر دولة ذات سجل طويل في مجال دعم وتمويل الجماعات المسلحة، وهذا قد يعطي استدراجًا للتوترات في المنطقة، خصوصاً مع وجود بعض الصراعات القائمة في مناطق أفريقية وعربية.

● سادسا: يمكن القول أن عودة العلاقات الثنائية السودانية الإيرانية تمثل خطوة مهمة إذا استخدمت في مجالات تخدم المواطن السوداني وستكون وبالا اذا استغلت في تعزيز التعاون الأمني والعسكري، لذلك الأجدى جعلها خطوة لتوفير فرص جديدة للتعاون والتبادل بين البلدين، فإنه من المهم أيضًا ضمان أن هذا التعاون يتم وفقًا للقوانين والمعايير الدولية ولا يساهم في زيادة التوترات في المنطقة.


● أخيرا: على إيران الرسمية والشعبية تذكر أن هذه المنظومة التي تحكم البلاد إلى زوال، وأن أي محاولات لإحياء رميمها ستبوء بالفشل، وأنها ستستنزف موارد طهران، وعليها أن تسخر جهدها لما بدأته طهران من مرافق ومؤسسات مدنية كمحطات المياه التي توقف العمل فيها منذ إنقطاع العلاقات، ومشاريع استدامة الطاقة والتكنولوجيا، وبعض التجارب الزراعية، ولكن التوجه العسكرتاري والأمني يجب ألا يرتبط بالحرب في الخرطوم أو المعارك التي تدور في محيطنا الأفريقي والعربي.