● من واقع الحرب في السودان وتحشيداتها واستعداداتها، ومن قبلها اصطفاف القوة للقوى الأوروبية مع أوكرانيا، واليوم استحضار أعتى الأساطيل القوية في البحر الأبيض المتوسط، لحماية دولة الاحتلال القوية أو المستقوية على فلسطين والفلسطينيين، يتبن لنا جليا أن القوة ليست في فعالية العنف والسلاح، والحياة لا تُوجد بالقوة، بل الحياة هي التي تصنع القوة المطلقة المستمدة من الأحياء الذين هم الشعوب، وقد رأينا كيف قتلت القوة والعنف المدن، وجردت الحواري والحارات والأحياء من أصوات الشعوب والكائنات جميعا، وكيف دُمرت الحياة بقوة باطشة، فانتزاع الدماء من الشرايين الحية بالقوة يقتلها ويفجرها، وضخها فيها بقوة أيضا يسلبها الحياة، لذلك الواجب هو تنازل القوة لصالح التوازن، لذا هناك ضرورة قصوى للتكامل والتوازن بين القوة والمنطق القوي.
● وعندما ننظر إلى العالم من حولنا، نرى أن القوة والعنف وأدوات القهر تتصدر الكثير من الأحداث والتفاعلات هذه الأيام، في كثير من المناطق والبلدان وفي العديد من الحالات، ويستخدم الناس العنف والجهل والسلاح للوصول إلى أهدافهم حتى من قبل الأنظمة التي تدعي التطور وبلوغ أقصى مراقي العلم والمعرفة الأكاديمية والتكنولوجية والتقدم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ومع ذلك فإن القوة الحقيقية ليست في هذه الأشياء السلبية، بل في المعرفة والحكمة التي تصنع القوة بصورة أكثر اتزانًا.
● حقيقة الأمر في هذا العبث الذي نشهده والحروب التي نشاهدها، أننا نشهد نمذجة جديدة لتخليق العديد من الأمثلة والأنماط الحديثة للتدليل على كيفية تدمير العنف والقوة للمدن والحواضر والحياة المستقرة والمنارات العلمية ودوائر التفكير والتخطيط، وهو تنفيذ شائه حتى لتصورات (الفوضى الخلاقة)، ومحاولات لتحقيق تنظير فرانسيسكو فوكاياما (نهاية التاريخ)، وتطبيق رؤى صامويل هنتجتون (صدام الحضارات)، ولدينا محليا نظرية (وسع قدها) ولدى دولة الاحتلال اسرائيليتهم (الشمسون وهد المعبد)، حيندئذ يتبن أنه عندما يتم استخدام القوة للقمع والتسلط والبطش يتلاشى العقل ويتبدد التفكير ويندثر الحوار والتعاون وتنفجر الأوضاع، وعند تهمش أصوات الحكماء بل الكائنات الحية في وحول المجتمع، بالصورة التي يتم فيها تدمير الحياة بوحشية، ويسلب الأفراد حقهم في الحرية والكرامة الإنسانية، تتلاشى كل النظريات ويتأثر بالصدام حتى عرابوها.
● لذلك من الأهمية بمكان أن نسعى لتحقيق توازن بين القوى التي تهيمن على القوة وتلك المستندة على المنطق القوي، ويتطلب هذا أن نعترف بذواتنا وحقوقنا في العدالة والمساوة والتكريم كوننا من بنووة آدم عليه السلام، وأن نقر بأن القوة ليست غايتنا أو الهدف النهائي، وإنما هي وسيلة فقط لتحقيق أهداف معينة، في الغالب يستخدمها الجهلاء والطغاة والمفسدون لسلب الآخرين حيواتهم، وإشباع تعطشهم للدماء، وتلبية رغباتهم ونزواتهم، ولكن عندما نستخدم القوة بمنطق وحكمة، يمكننا تحقيق التوازن الذي نسعى إليه والحصول على نتائج إيجابية، تؤسس لأوضاع سوية نقية وقوية مفعمة بالحيوية، وواجبنا استخدامها لإحياء الناس ومن حولنا كائنات لخلق التوازن الكوني المطلوب وتشاركية مسؤولة لكوكبنا.
● في حالة الانغلاق التي تشهدها بلادنا والمنطقة العربية والأفريقية والشرق الأوروبي مع روسيا والعالم، سادت حالة التجهيل والعودة بالعقول إلى تجارب كررتها الإنسانية وقوى القوة الدولية بعنف في (WW1& WW2) ونحن نسعى بهمة وجهل لتكرارها بالتوجه نحو إشعال (WW3)، ومفتاح إخمادها قبل اندلاعها هو الركون (لقوة الحجة) و(منطق العلم) للجم قوى الهيمنة الامبريالية، فهما مفاتيح التوازن والتكامل بين القوة والمنطق القوي، ولاحتواء الأمر ومنعه أن يتجاوز حدوده الحالية لئلا يقود إلى دمار شامل مستدام في العالم، وتدارك انزلاق بلادنا لحرب أهلية، علينا نمذجة عملنا وقراراتنا وفق الحقائق الموثوقة، والمعرفة العلمية، والأسس الأخلاقية، والمعايير المنطقية، حينها تتحول القوة إلى قوة منظمة وفعالة ومنضبطة ومحتكرة بقانون، تشرعه وتنفذه مؤسسات الحوكمة الرشيدة وسلطاتها المستقلة، التي تحمي الاستقرار وتحافظ على وطننا ولا تدمره، وتصنع الحياة فيه ولا تنهيها، وتصبح قوتنا موجهة نحو العدالة والإنصاف تحيي الموتى والناس جميعا، وتكفل التعاون والتطور في المجتمع ودول المنطقة.
● العالم اليوم يقوده عرابوا الخراب، وغربان الشؤم، وهؤلاء منهم علماء وخبراء وأكاديميون وحقوقيون وإعلاميون واستراتيجيون وتجار الحروب، ولكنهم يستغلون جهل العامة لزجهم في المحارق، واستنفارهم للقتال، ينشط هؤلاء في استبطان الحكام لهم لتزيين الباطل وتمكين سلطتهم، والتطفيف في الحقوق للكيل بمكاييل عدة لإثبات نظرياتهم الداحضة، تكرارا لتاريخ يتجدد منذ عقود كثيرة، وكأن الإنسانية لم تتعلم من ماضيها، إذا فلنتعلم من التاريخ ولنعتبر من الماضي ولنستلهم دروسنا من الأخطاء التي ارتكبتها أيدينا، وصنعتها أفعالنا، وصاغتها نخبنا، ووقع فيها قادتنا، ورسمتها البشرية في الماضي، فكل دروس التاريخ تؤكد حتمية أن تحقيق التوازن بين القوة والمنطق القوي هو الأمر الحاسم لبناء وطن آمن وعالم صالح وكون أفضل وكوكب أكثر ازدهارًا.
● إن أجلى مظاهر القوة وأعلى درجات الاستحواذ المطلق عليها ما يعرف اليوم بالقوى النووية، بمختلف أشكالها الذرية والهيدروجينية، وعلى أقل تقدير تلك القوى الباليستية أو النيتروجينية أو قنابل الفسفور وللغرابة ٩٩% من أجسام هذا الكائن الضعيف تتكون من (الهيدروجين، والأكسجين، والنيتروجين، والفسفور، والكالسيوم، والكربون) ومع ذلك لا يستخدم هذه الجزيئات الذرية لتحفيز الحياة والمنطق، ولكنه يحفزها بقوة الطرد المركزي ليصنع منها الجحيم، وهذه المصائب الذرية تهيمن عليها دول متضادة فيما بينها، تسعى كثير منها للتمدد على رقعة (الشطرنج) أو التموضع في المسرح العالمي للعبة الاستحواذ والنفوذ ولو على حسابنا نحن في (دول الجنوب)، وفي سبيل ذلك مثلا تتسارع الجارتان الصين والهند في التسابق للتمدد غربا، وتسبقهم روسيا للبحر الأحمر والقرن الأفريقي، والتي بدورها تحاول قطع الطريق الذي يسلكه المعسكر الغربي نحو الشرق الأوسط وإفريقيا، وتسابق القوى القوية النووية هذا سيكون بمثابة (صراع الأفيال) الذي ستضرر منه أمم وشعوب لن تنال إلا الحصرم، أو بعض (فتات) المفاعلات الصغيرة للأعمال السلمية، والتي ستكون كألعاب (البالغين) في أيدي (اليافعين)، لا يتم اللعب بها إلا بوجود الكبار وإشرافهم، وهو منطق استرقاق دولي جديد لسلب الشعوب حريتهم، ونزع الدول سيادتها، واحتكار القوة والنفوذ والهيمنة، وحد لتطلعات الشعوب والتحكم في محدودية تفكريهم.
● ولكي نلحق بالعالم القوى من حولنا ونلزمه الاستماع لمنطقنا القوي، ونزيل الغشاوة التي وضعت على أعيننا وجعلتنا في ذيل الأمم، ولنتحرر من قيود القوى العظمى لنمضي سويا نحو الغد، متجاوزين مرارات الأمس الموروثة، ولنثبت أن هذه البلاد محروسة، ليس أمامنا إلا أن نتجرد من النوازع الذاتية، ولنتخل عن الأجندة الضيقة، ولننبذ النزوات والأهواء، ولنتحل بالحكمة والتفكير النقدي للذوات قبل الآخرين، ولنجرد أنفسنا من الجهل والأفكار الضيقة، سيما تلك الأيدولوجية الواهمة التي دمرت البلاد، ولنجرم الاستعلاءات، ولنحاكم السياسات الخاطئة، ولنرصد انتهاكات الحروب الأهلية، ولنستعد للركون للمساءلة والمحاسبة تمهيدا لتحقيق العدالة وعدم الإفلات من العقاب، ولنتعالى على صغار الإثنية، والمناطقية، والنوعية، والجهوية، والأنا والذوات، ولنتواضع مهما ارتفعت درجاتنا، وسمقت قاماتنا، وسمت هاماتنا، لنتعلم من خبراتنا وخيباتنا وكبواتنا، ولنستخدم اتزان العقل، ورجاحة الوعي، وفيض الحكمة، ونور المعرفة، لتوجيه قوتنا نحو أهداف تستند إلى العدل والتعاون والتوازن والتكامل، لا أن نترك القوة هي التي توجهنا وتتحكم في مصيرنا وقرارات أمتنا.
● كذلك علينا إعمال القوة المطلقة وهي قوة الشعوب، والتي هدمت وهزمت النازية وجدار برلين، وغيرت مفهوم العالم للحرب، إذ لم يتم تدمير الاتحاد السوفيتي بالقوة وإنما بالقوة المطلقة التي تم استخدامها في الحرب الباردة، ورأينا كيف للقوة المطلقة للشعوب أن تنهي أسوأ أنظمة الفصل العنصري في العام ١٩٩١م لتحمل تلك القوة نيلسون مانديلا من السجن إلى قيادة الدولة، كما أن لنا في الثورة السودانية المكررة في ١٩٦٤م، و١٩٨٥م، و٢٠١٨م، وما بينها من هبات شعبية قوية جسدت الإرادة المطلقة للشعوب نحو الحرية والانعتاق، ونرى في عالم اليوم تأثير الشعوب على قرارات الحكومات، وتحدي العقبات وتسور سياج العقوبات، لتنفجر موجات السخط والغضب الشعبي في كل أركان المعمورة احتجاجا على استخدام القوة المفرطة ضد العزل المدنيين في فلسطين المحتلة في مواكب رفض تجسد الإخاء الإنساني، رغم أن هذه الحرب تقف خلفها أعتى الدول وأقوى الجيوش وتسندها حكومات قوية بتشريعات وعقوبات وإجراءات تمنع أي نشاط مناهض للكيان المحتل، ولكن القوة المطلقة تظل هي المتحكم في العالم والمهيمن على قراراته وهي وحدها التي تستطيع خلق حالة التوازن المنشود.
● هذه القوة المطلقة موجودة داخل دولنا وكياناتنا ومجتمعاتنا، والاستماع لها هو ما يخلق التوازن، وهذا المنطق ينبغي أن ينسحب أيضا على آليات الحسبة الداخلية والمظلومية وأجهزة الثواب والعقاب المحلية قبل الإقليمية والدولية، فلا تتم مساءلة الضعفاء وجلد ظهور الفقراء، وترك المجرمين طلقاء لأنهم أثرياء أو أقوياء، فتحقيق مبدأ المساءلة لن يكون قائما في منظومة الحكم الرشيد التي تتكيء عليه كركن من أركانها، إلا عندما يصبح القوي ضعيفا حتى يؤخذ الحق منه، وأن يشعر الضعيف بالقوة حتى ينتزع الحق له، فالوضع الحالي مختل يضع (الفيتو) في يد المستبد والطاغي والغازي والمحتل، ويحجب الإدانة عن المجرم لأنه يحظى بمحاباة أهل القوة فيذل، ويُدان الضعفاء ويصنفهم العالم جماعات إرهابية لأنهم بلا قوة فعالة أو هم في موازينها أقل، وهذا يحفزهم للبحث عن القوة وأدواتها واستكمال مفاعيلها وإنشاء مفاعلاتها، ولو كان الوصول للأمر بصورة غير شرعية، يأتي في مقدمة ذلك منع الضعفاء من تقديم مسائلهم ومساءلة منتهكي حقوقهم، وشرح مطلوباتهم حتى يظفروا بحقوقهم، تدرجا من تخفي المسؤولين عنهم، فهذا الاحتجاب وإسدال الحجاب يستخدمه اليوم حتى قادة المسلمين الذين في تراثهم، ما قَالَه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا، فَاحْتَجَبَ عَنْ أُولِي الضَّعَفَةِ وَالْحَاجَةِ احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، لَا يَجْنِي وَالِدٌ عَلَى وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ ".
● ختاما: علينا أن نستذكر دوما وأبدا أن التكامل والتوازن بين (منطق القوة) و(المنطق القوى) ليسا مجرد مفهومين فلسفيين، بل إنهما فلسفة حياة كاملة متكاملة متوازنة تنبض بالقوة والحيوية، وتؤسس لمفاهيم الحرية والانعتاق، والكرامة الإنسانية، والسلام والاستقرار، والعدالة الاجتماعية، والتوازنات الجهوية، والوثبات التنموية، وتلبية المطالبات الحياتية للشعوب، وتقود لمساواة الأمم، والتعايش والاحترام، وتلك الفلسفة تعد نهجا منقطع النظير لصنع فرص جديدة للسلام والاستقرار وتغيير إيجابي في وطننا المكلوم، وإقليمنا ومحيطنا والعالم من حولنا.
عروة الصادق
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔