جاء في الأثر أن السيد المسيح عليه السلام قال: "مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَبًا، أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِينًا؟"، وهو سؤال نضعه أمام كل من ظن أن هذه الحرب ستثمر خيرا ورفاهية ونماء لهذه البلاد، وأنه سيكون بمقدوره التنعم بمكتسبات السلطة والجاه، فصار جميع داقي طبولها طرداء، وقادة ألويتها أفئدتهم هواء، وجنى من ورائهم الشعب ثمار الحصرم والعلقم ومن أوقدوها يتبادلون نخب كؤوسهم المليئة بالدماء، يقهقهون ملء أفواههم ويمدون ألسنتهم لأولئك الشباب الذين أطاحوا بهم وهم يصرخون (مدنياااا) فأحالوهم إلى مشردين أو لاجئين أو نازحين أو حملة للسلاح عوضا عن أقلامهم التي كانوا يحملونها وهم قادمون من الجامعات والمعاهد، وهم - أي أولئك- يرفل أبناؤهم في ثياب من سندس وحرير ويتنعمون بما تشتهيه أنفسهم من أرقى مراقي المدنية والحرية والرفاه.
ولم يمض عام إلا وصرنا مجرد أرقام في تحديثات وتقارير الأمم المتحدة وهيئاتها ووكالاتها، ومجرد عناوين ثانوية في نشرات الأخبار، وقد تبدى للقاصي والداني أن الأزمة السودانية هي مدخل للتكسب والتربح وليست مبعثا للشفقة والتدخل الإنساني العاجل، وها هم تجار السلاح والبشر والازمات والمخدرات وجماعات الغلو والتطرف، صاروا فاعلا رئيسيا في تغذية الصراع في السودان، ومن يدفع الثمن هم مواطنون ابراياء عزل تحولوا لمجرد أرقام يتم رصدها ورفعها في تقارير بواسطة موظفي تلك الهيئات الأممية.
عام واحد كان كفيلا ليبرز السودانيون أفضل ما فيهم وأسوأهم، وتبارى في ذلك المحسنون والمسيئون، وما بينهما مزيني الباطل وسدنة الطاغوت من جماعات وأبواق دعوية دينية وإعلامية وتجار المواقف والحرب، وكرر قادة الحرب الأخطاء التي ارتكبها نظام الإنقاذ في ثلاثة عقود، أتوا بها جميعا في هذا العام ليرتكبوا كافة موبقات نظام الإنقاذ التي ألبت الشعب عليه، وذلك لأن القائمين على أمر هذه الحرب هم ذات أمرائها ودعاتها ومموليها وكتابها وتجارها ونافخي كيرها ومهووسيها من جماعات التنظيم المحلول، ونراهم منقسمين إلى فساطيس على رأس الجماعات المتحاربة والموالية لها رغبة في الإجهاز على كل ما له صلة بثورة الشعب التي قضت على حكمهم.
وتفاقمت تبعا لذلك الأزمات والضوائق الإنسانية والسياسية والاقتصادية وتزايدت معدلات الانتهاكات والفظائع التي نبهنا لخطرها منذ اليوم الأول الذي قلنا فيه لا للحرب، وللأسف تعامل العالم مع الأزمة في السودان كجند ثانوي في أجندتهم الدولية، ورغم سعي كثير من الأشقاء والأصدقاء والدول العربية لإنهاء الحرب وعقد مؤتمر للاستجابة الإنسانية بالتعاون مع دول العالم الأول إلا أنه وبعد عام تقاعست الدول عن الايفاء بالتزاماتها إذ لم يتجاوز السداد المالي ٤٠% مما تم إعلانه، وكذلك تراجع المنظمات الدولية العاملة في الحقل الإنساني وهيئات الأمم المتحدة عن العمل في بعض المناطق الملتهبة واكتفوا فقط بالتنديد والشجب والإدانة ورصد الأرقام التي تتجاوزها الحقيقة بأضعاف مضاعفة، لأن الرصد لم يبن على وقائع وأرقام ميدانية، وهنالك مناطق في السودان وصلتها المجاعة لم يسمع بها العالم ولم تصلها منظماته أو وكالته، ولا زال المتحاربين يحشدون الأسلحة والعدة والعديد.
وقد مثلت الحرب ذرة أسباب انعدام الأمن الغذائي، سبقها في ذلك وهيأ له الانقلاب الذي تم في السودان في أكتوبر ٢٠٢١م، الذي عطل الموسم الزراعي واسهم في فشل إنجاح الجهود التي بذلتها الحكومة الانتقالية بالتوسع الزراعي، وبالانقلاب توقفت عمليات الدعم المالي المباشر للشرائح الضعيفة وهو برنامج نظته الحكومة بتمويل دولي، كذلك تسببت إجراءات الانقلاب في التضخم الاقتصادي الذي تضاعف في فترة الحرب ليتم الاجهاز على كافة القطاعات الإنتاجية والصناعية، وشردت الحرب ودمرت كل مواعين الانتاج الزراعي والصناعي والانتاجي وبذلك أصبح السودان وولاياته المختلفة أكبر تجمع للعاطلين عن العمل والمتكدسين نزوحا وفرارا من الحرب في ظل شح مقومات الحياة وانقطاع سلاسل الامداد الغذائي والدوائي بفعل الحرب، وقد أسهم تمدد الحرب من الخرطوم نحو الولايات في تبديد المخزون الإغاثي الأممي واتلافه أو نهبه.
مثلما منعت الحرب وصول قطاعات مهنية وفئوية وخدمية وطلابية إلى حيواتهم الطبيعية فإن الحرب في هذا العام دمرت غالبية المصانع والشركات المحلية التي تنتج تلك المواد الغذائية والتموينبة وعطلت عمل المذابح والمعاصر، ومصانح إنتاج السكر وغيره، وقيدت دخول منتجات محددة وسلع مهربة رديئة التصنيع من دول جارة، وصارت هناك ولايات تعتمد كليا على السلع المهربة باهظة التكاليف، وبعضها مجهول التصنيع وتاريخ الصلاحية، وانقطعت عن بعض الولايات سبل المواصلات والنقل الأمر الذي ضاعف تكاليف ترحيل السلع ما عذر حصول المواطنين عليها نسبة للغلاء وفي هذا تعاني معظم ولايات الوسط وولايات كردفان ودارفور، بالإضافة لانقطاع سلع رئيسية تأتي من اقاليم الإنتاج عن ولايات غير منتجة للغذاء ما أدى أيضا للأزمات الغذائية الخانقة، وينطبق هذا الأمر على الأغذية الضرورية والألبان وغذاء الأطفال ومزارع الإنتاج الحيواني والأسماك والدواجن، وهو الأمر الذي تسبب في سوء تغذية لعدد كبير من الأطفال وكبار السن الذين يحتاجون لنظام غذائي معين.
ختاما: إن هذا العام فتح للسودان بابا للجحيم يمكن إحالته لأعظم أبواب النعيم، وذلك بالاستقامة والحقيقة والصدق، والكف عن المناورة والمزايدة وبعيدا عن النوازع الذاتية والمحركات الشخصية من حظوظ النفس (الأمارة)، فالجميع بات يعلم أن أسوأ نموذج للحكم والحرب بات مسجلا في سفر التاريخ باسم أسوأ جماعة دينية مرت على السودان وحكمت باسم أحنف وأعظم الأديان إلا أنها قدمت النموذج الأفظع والأقبح في التاريخ، وهؤلاء الآن على شفير البقاء أو الفناء، الواجب هو إدراك خطرهم على البلاد وجيشها ومؤسساتها وكيانها الموحد، وأن استهزاءهم بالشعب وثورته والدم السوداني وحرمته لن يتوقف طالما هم في صفوف الفريقين المتقاتلين يتحكمون في زمام الأمر ويحاولون العودة عبر البندقية كما جاؤوا من خلالها للحكم في ١٩٨٩م.
واجب السودانيين نخبا وشعبا أن يمضوا في طريق رفضهم الواسع للحرب وألا يأكلوا من ثمارها المروية بالدماء ودموع الأبرياء، وواجب العالم دعم هذا الخيار الراجح واستشعار خطره على المنطقة والسلم الإقليمي والدولي، فباب الجحيم إن فتح في السودان فسيحرق أقصى نقطة في الكوكب، وإذا استحال إلى باب نعيم فسيجني ثمرته وزهر ربيعه كل من يريد عالما آمنا مستقرا خيرا، لأن هذه البلاد فيها ما يبحث عنه العالم من موارد ورجال ومقدرات تمكن من تحقيق الأمن والاستقرار والأمن الغذائي والمائي والاسهام البيئي والمناخي وكل ما يحتاجه المستقبل من معادن رقائق الذكاء الصناعي والخام النووي، فأمامنا الخيار الأفضل والأمثل قبل أن ييسرنا الله للعسرى ولا أعسر من استمرار الحرب وارتكاب موبقاتها التي توجب سخط الخلق وخالقهم القائل جل جلاله: (فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ) سورة الليل.
عروة الصادق
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔
• الإثنين: ٦. شوال. ١٤٤٥ه.
• الموافق: ١٥. أبريل. ٢٠٢٤م