● الخبر الذي لم يكن منتظرا، فالموت رغم ما شاهدناه منه وعايشناه وعرفناه فيه لم نألفه، يفزعنا كل يوم في عظيم، عظم الله أجرنا وربط على ما تبقى من نياط قلوب دامية، فقد تقفر وتفقد الأرض ثراها وتتصلد أو تصبح كثيبا مهيلا أو يكسوها البياض وتتجمد، فلا تصلح أو زرع، واليوم تخلت الكلمة عن حروفها العارية واختارت خبء الزمان لتنزل علينا وقع الفجيعة في رحيل نجم سطع في سماء الكلمات الباقيات الخالدات، أنار الطريق ضييا وضيئا، هام في الأرض مهموما لم تخب همته ولم تخر عزيمته ولم تشتر عبارته، فكان الطود كجبل كردفان يعانق كل القادمين ويوادعهم ومودعا كل المغادرين لأب قبة فحل الديوم موطنه ومسقط رأسه.
● كان كالفجر لم يكذب قط ولم يتأخر عن ميقاته، تجلد بكل الصبر وفيض الحكمة، وجالد الطغاة بكل رباطة جأش ورحابة صدر، شجاعا شجيا، معطاء قويا، آثر المغارم، ولم يركن للمغانم، فترك إرثا غنيا، مؤثرا وطنه على نفسه، فرحت ملهما ومؤثرا ليس في أبناء جيله وإنما حتى في (جيلي أنا) الذي يصغره بعقود.
● حاول الطغاة حبسه، فسجنهم وكان المنتصر في أكتوبر منذ الأزل ولم يزل، وما ذكر ذا الشهر إلا وكان ود المكي حاضرا بأكتوبرياته تحض على الوثوب والهبات وعدم الركون للخيبات:
في علم البلاد ودثروه بحقدها وعويلها
بتأجج الغضب المقدس فوق تربتها وملء سهولها
بشموخ وثبتها إلى الحرية الحمراء تقطر بالنجيع
وتدفقوا متظاهرين محطمين العار والذل الطويل
وكل ألوية الخنوع
لا البطش يرهبهم ولا الموت المحدق بالجموع:
" لن تفلت الأفعى ولو حشدت أساطيل الجحيم
وحصنت أوكارها
الثورة الشعبية الكبرى تغذت بالدماء وأضرمت
فوق المآذن نارها
والنصر حف بها وبارآت البلاد مسارها
● كان مؤمنا ولم يزل بهذا الشعب المشرئب إلى النجوم لينتقي صدر السماء فلا زال يردد:
إنني أومن بالشعب،حبيبي وأبي
وبأبناء بلادي البسطاء
وبأبناء بلادي الفقراء
الذين اقتحموا النار
فصاروا في يد الشعب مشاعل
والذين انحصدوا في ساحة المجد
فزدنا عددا
والذين احتقروا الموت فعاشوا أبدا
● رغم النكبات التي اعترت مسيرته، صعودا وهبوطا إلا أنه سما محلقا لاعقا جراحه محرضا ضد اليأس ضد الخنوع ضد الركون إلى الهوان:
.
إذا أتوكم قائلين ها مليكنا فلا تبايعوه
لا تكسروا نظرتكم أمامه
ولا تكرموه
لا تمنحوه غير حقدنا الحارق
لا تهادنوه
وثبتوا أقدامكم يا إخوتي
فنحن واثبون ليلة وخالعوه.
● كان ملهما مفكرا رؤيويا له نبوءاته ومبشراته التي سبقت وصدقت، وكان يرى سقوط الطغاة من ترنحهم في سكراتهم وهم يعمهون، وكانت قصائده مرآة عاكسة لروح الشعب السوداني، تعبر عن آماله وطموحاته، وتناضل من أجل قضاياه العادلة، فمزج بين الأصالة والمعاصرة، بين التراث والحداثة، ليخرج لنا بقصائد خالدة.
● رحمك الله يا أبا الكلمة، ورمز جيلك وملهم جيلي، يا من حملت نبض قلبك بهموم شعبك ورنا فكرك لشأن أمتك ولم يشغلك عن شؤون جميلتك القصيدة ولا عن التغني في حسن كردفان وحسان الزمان، ويقيني أن الله سيؤتيه أجرا عظيما: ﴿هَلۡ جَزَاۤءُ ٱلۡإِحۡسَـٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَـٰنُ﴾ [الرحمن ٦٠]، لأنه أوفى ما عاهد الله عليه، فقد رحل مؤمنا معذرا لله وموقرا ومبايعا لحبيبه الرسول الأعظم ﷺ في مدينته الخضراء أنحاء يثرب، نردد معه ونحن نفتقده كذلك نفتح الحزن:
ومن يومها والمشاوير بيني وعينيك
تزداد نأيا وبعدا
وشوقي لعينيك يخبو
رويدا.. .. رويدا
ونزداد ما بين ذلك قبحا وصمتا
ونشبع موتا.
هو الله
قل لا إله سوى الله والموت حق
وشوقي لعينيك حق
● نسأل الله أن يرحمه ويسكنه الفراديس كما هداه إليه وإلى الجهاد فيه: ﴿وَٱلَّذِینَ جَـٰهَدُوا۟ فِینَا لَنَهۡدِیَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ب.ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [العنكبوت ٦٩]، وأن يرزقه معية المحسنين، ﴿مَعَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِیِّـۧنَ وَٱلصِّدِّیقِینَ وَٱلشُّهَدَاۤءِ وَٱلصَّـٰلِحِینَۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ رَفِیقࣰا﴾ [النساء ٦٩]، ولنردد مع القائلين : ﴿ٱلَّذِینَ إِذَاۤ أَصَـٰبَتۡهُم مُّصِیبَةࣱ قَالُوۤا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّاۤ إِلَیۡهِ رَ ٰجِعُونَ﴾ [البقرة ١٥٦]