الأحد، 29 سبتمبر 2024

رحيل ود المكي: الخبر الذي لم يكن منتظرا

رحيل ود المكي: الخبر الذي لم يكن منتظرا


● الخبر الذي لم يكن منتظرا، فالموت رغم ما شاهدناه منه وعايشناه وعرفناه فيه لم نألفه، يفزعنا كل يوم في عظيم، عظم الله أجرنا وربط على ما تبقى من نياط قلوب دامية، فقد تقفر وتفقد الأرض ثراها وتتصلد أو تصبح كثيبا مهيلا أو يكسوها البياض وتتجمد، فلا تصلح  أو زرع، واليوم تخلت الكلمة عن حروفها العارية واختارت خبء الزمان لتنزل علينا وقع الفجيعة في رحيل نجم سطع في سماء الكلمات الباقيات الخالدات، أنار الطريق ضييا وضيئا، هام في الأرض مهموما لم تخب همته ولم تخر عزيمته ولم تشتر عبارته، فكان الطود كجبل كردفان يعانق كل القادمين ويوادعهم ومودعا كل المغادرين لأب قبة فحل الديوم موطنه ومسقط رأسه.

● كان كالفجر لم يكذب قط ولم يتأخر عن ميقاته، تجلد بكل الصبر وفيض الحكمة، وجالد الطغاة بكل رباطة جأش ورحابة صدر، شجاعا شجيا، معطاء قويا، آثر المغارم، ولم يركن للمغانم، فترك إرثا غنيا، مؤثرا وطنه على نفسه، فرحت ملهما ومؤثرا ليس في أبناء جيله وإنما حتى في (جيلي أنا) الذي يصغره بعقود.

● حاول الطغاة حبسه، فسجنهم وكان المنتصر في أكتوبر منذ الأزل ولم يزل، وما ذكر ذا الشهر إلا وكان ود المكي حاضرا بأكتوبرياته تحض على الوثوب والهبات وعدم الركون للخيبات: 
في علم البلاد ودثروه بحقدها وعويلها
بتأجج الغضب المقدس فوق تربتها وملء سهولها
بشموخ وثبتها إلى الحرية الحمراء تقطر بالنجيع
وتدفقوا متظاهرين محطمين العار والذل الطويل
وكل ألوية الخنوع
لا البطش يرهبهم ولا الموت المحدق بالجموع:
" لن تفلت الأفعى ولو حشدت أساطيل الجحيم
وحصنت أوكارها
الثورة الشعبية الكبرى تغذت بالدماء وأضرمت
فوق المآذن نارها
والنصر حف بها وبارآت البلاد مسارها

● كان مؤمنا ولم يزل بهذا الشعب المشرئب إلى النجوم لينتقي صدر السماء فلا زال يردد:
إنني أومن بالشعب،حبيبي وأبي
وبأبناء بلادي البسطاء
وبأبناء بلادي الفقراء
الذين اقتحموا النار
فصاروا في يد الشعب مشاعل
والذين انحصدوا في ساحة المجد
فزدنا عددا
والذين احتقروا الموت فعاشوا أبدا

● رغم النكبات التي اعترت مسيرته، صعودا وهبوطا إلا أنه سما محلقا لاعقا جراحه محرضا ضد اليأس ضد الخنوع ضد الركون إلى الهوان:
.
إذا أتوكم قائلين ها مليكنا فلا تبايعوه
لا تكسروا نظرتكم أمامه
ولا تكرموه
لا تمنحوه غير حقدنا الحارق
لا تهادنوه
وثبتوا أقدامكم يا إخوتي
فنحن واثبون ليلة وخالعوه.

● كان ملهما مفكرا رؤيويا له نبوءاته ومبشراته التي سبقت وصدقت، وكان يرى سقوط الطغاة من ترنحهم في سكراتهم وهم يعمهون، وكانت قصائده مرآة عاكسة لروح الشعب السوداني، تعبر عن آماله وطموحاته، وتناضل من أجل قضاياه العادلة، فمزج بين الأصالة والمعاصرة، بين التراث والحداثة، ليخرج لنا بقصائد خالدة.

● رحمك الله يا أبا الكلمة، ورمز جيلك وملهم جيلي، يا من حملت نبض قلبك بهموم شعبك ورنا فكرك لشأن أمتك ولم يشغلك عن شؤون جميلتك القصيدة ولا عن التغني في حسن كردفان وحسان الزمان، ويقيني أن الله سيؤتيه أجرا عظيما: ﴿هَلۡ جَزَاۤءُ ٱلۡإِحۡسَـٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَـٰنُ﴾ [الرحمن ٦٠]، لأنه أوفى ما عاهد الله عليه، فقد رحل مؤمنا معذرا لله وموقرا ومبايعا لحبيبه الرسول الأعظم ﷺ في مدينته الخضراء أنحاء يثرب، نردد معه ونحن نفتقده كذلك نفتح الحزن:
ومن يومها والمشاوير بيني وعينيك
تزداد نأيا وبعدا
وشوقي لعينيك يخبو
رويدا.. .. رويدا
ونزداد ما بين ذلك قبحا وصمتا
ونشبع موتا.
هو الله
قل لا إله سوى الله والموت حق
وشوقي لعينيك حق

● نسأل الله أن يرحمه ويسكنه الفراديس كما هداه إليه وإلى الجهاد فيه: ﴿وَٱلَّذِینَ جَـٰهَدُوا۟ فِینَا لَنَهۡدِیَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ب.ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [العنكبوت ٦٩]، وأن يرزقه معية المحسنين، ﴿مَعَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِیِّـۧنَ وَٱلصِّدِّیقِینَ وَٱلشُّهَدَاۤءِ وَٱلصَّـٰلِحِینَۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ رَفِیقࣰا﴾ [النساء ٦٩]، ولنردد مع القائلين : ﴿ٱلَّذِینَ إِذَاۤ أَصَـٰبَتۡهُم مُّصِیبَةࣱ قَالُوۤا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّاۤ إِلَیۡهِ رَ ٰ⁠جِعُونَ﴾ [البقرة ١٥٦]



الخميس، 12 سبتمبر 2024

عنف السودان: مسؤولية الساسة لجم الأيدولوجيا وحماية المدنيين

*عنف السودان: مسؤولية الساسة لجم الأيدولوجيا وحماية المدنيين*
● تعصف بالسودان وستستمر صراعات لا تنتهي حال استمرت حالة العته والسفه التي تعتري قادته، وتُضاف إلى مآسيه جرائم جديدة تُرتكب بحق المدنيين الأبرياء، ففي ظلّ الاشتباكات المستمرة، تُصبح الأسواق والمناطق الآمنة هدفًا للطيران، مُحولةً مُدنًا سلمية إلى مُجازر تُزهق الأرواح وتُدمّر الممتلكات، وفي ظل الحرب المستمرة التي تعصف بالسودان، تتجلى وحشية الاقتتال والصراعات من خلال استهداف الأسواق والمناطق الآمنة بالطيران، مما يعد واحدة من أخطر الجرائم التي تُرتكب بحق المدنيين الأبرياء. هذه الهجمات لا تقتصر على الأضرار المادية فحسب، بل تترك آثارًا بشرية مدمرة تستمر لسنوات عديدة، وتعتبر هذه الهجمات جرائم حرب بامتياز، حيث تستهدف بشكل مباشر المدنيين العزل والبنية التحتية الحيوية مثل الأسواق والمستشفيات والمدارس، ورغم أن الهجمات الجوية تُبرر عادة بأنها تستهدف المسلحين، إلا أن الواقع يكشف عن استهداف جماعات أيدولوجية لمدنيين بريئين بشكل مباشر، مما يجعلها جرائم تتطلب محاسبة دولية، ووراء الأهداف الحقيقية لهذه الهجمات، يتضح أنها تحمل أهدافًا سياسية تهدف إلى زعزعة الاستقرار وخلق الفوضى في المنطقة، وربما تحقيق مكاسب سياسية على حساب أرواح وممتلكات المواطنين.

- وهذه التكلفة الإنسانية الباهظة لهذه الهجمات لا يمكن تجاهلها، فهي تتسبب يوميا في خسائر فادحة في الأرواح وتدمير للبنية التحتية الحيوية، وتقع المسؤولية على النخب السياسية لوقف هذه الجرائم وحماية المدنيين، بدلاً من استخدامهم كأدوات في صراعاتها السياسية وهو ما يوجب على القادة السياسيين الراشدين التحرك الفوري لوقف هذا الجنون بالإقدام بشجاعة ويتخذوا إجراءات فورية لحماية المدنيين والعمل على تحقيق السلام والاستقرار في البلاد بالتواجد معهم في خندق واحد، كما أن مستقبل السودان بعد انتهاء الصراع يعتمد بشكل كبير على قدرة هؤلاء على بناء مجتمع موحد ومزدهر يقوم على قيم العدالة والسلام، وعلى جميع المتورطين في الصراع أن يتوجهوا نحو حلول سياسية تضمن حقوق الجميع وتحقق الوحدة الوطنية، وعلينا أن نتذكر دائمًا أن السلام والعدالة هما الأساس الذي يمكن أن يبنى عليه مستقبل مشرق للسودان، فلا سلام بلا عدالة، والسلام وحده الذي سيطبب الجراح لكل المجتمعات المنكوبة بالصراعات، كما أن عدم وقوعنا في فخ الانتقام والعنف هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم والاستقرار المستدام.

- إن هذه الهجمات ليست مجرد عمليات عسكرية، بل تُخفي في طياتها أهدافًا سياسية تُحركها أطماع النخب الأيديولوجية الحاكمة التي تُقدم مصالحها على حياة الشعب، وظلت تُستخدم هذه الهجمات إدعاء وشكلا لإضعاف الدعم السريع عسكريًا واقتصاديًا من خلال تدمير مصادر الدخل وإعاقة الحركة الاقتصادية، إلا أنها حادت كليا عن غايتها لإرهاب السكان وتخويفهم من التعبير عن آرائهم أو مقاومة السلطة، ظنًا من القائمين عليها بالقدرة على التحكم في المناطق الاستراتيجية وإخضاع السكان للسيطرة العسكرية، ولكنها لم تقد إلا لإزهاق أرواح المدنيين الأبرياء وإصابة العديد منهم بجروح بليغة، وإجبار العديد من السكان على النزوح من مناطقهم والتشرد في مخيمات اللاجئين، وانهيار البنية التحتية الأساسية مثل المستشفيات والمدارس والمؤسسات الحكومية والأسواق آخرها قصف سوق حلة كوكو ونيالا والضعين والدالي ومليط في ١٢ سبتمر الجاري.

- ولا تقع المسؤولية الأخلاقية هنا على العسكريين وحدهم لأن هناك مواعين أيدولوجية عطنة تمثل العقل السياسي لمعسكر "الحربجية" تُحرض تلك النخب على استمرار العنف والتحريض على القتل من خلال خطابها السياسي ووسائل الإعلام التي تُسيطر عليها، وتعمل عبر أدوات الحكومة الدبلوماسية والحقوقية للتستر على الجرائم التي تُرتكب بحق المدنيين وإخفاء الحقيقة عن العالم، ويعملون جاهدين بهذه الهجمات على إعاقة كافة جهود الحل السلمي وقطع الطريق أمام المباحثات والتفاوض تشبثًا بالسلطة وإصرارًا على الحل العسكري طمعا في استعادة حوزتهم المفقودة.

- ظل هذا العقل الإخواني العطن يقف وراء كافة الهجمات التي تستهدف المدنيين وحرق الأسواق والمرافق المدنية، تحركه أيديولوجية كراهية متجذرة تهدف إلى ترويع وتدمير المجتمع المدني (فلترق كل الدماء).

- هذه الأعمال العنيفة لا تقتصر على الأضرار المادية فقط، بل تهدف أيضًا إلى تمزيق ما تبقى من النسيج الاجتماعي السوداني وتحطيم أي أمل في التعايش السلمي بين أفراد المجتمع، وتوصل الجميع إلى حافة الانفصال مثلما أوصلوا جنوبنا الحبيب، وتستند هذه الأيديولوجية إلى ركيزة التطرف والتعصب والأحادية التي ترى غيرها، وتسعى إلى زعزعة الاستقرار وإثارة الفوضى من خلال استهداف المدنيين الأبرياء والبنية التحتية الحيوية، وترى أن تدمير الأسواق والمرافق المدنية يحقق رغبتهم في ترويع الناس لتحقيق أهدافهم السياسية على حساب حياة وسلامة المدنيين، وواجبنا ليس المناداة بوقف الحرب فقط بل التنادي الفوري لمكافحة هذه الأيديولوجيات الهدامة وهزيمة خطابات الكراهية ونسفها من جذورها، وعلينا أن نواصل فضح المشروع الذي هزمته الثورة السودانية وتوضيح فظاعة أجندته للإقليم والمجتمع الدولي، لاتخاذ جهود حثيثة لمحاربة التطرف وترسيخ دعائم الوحدة الوطنية وقيم التسامح والتعايش بين الجميع ورفع الوعي والتثقيف للحد من انتشار هذه الأفكار المسمومة والموسومة باسم الاسلام، وهذا لن يأت إلا بإشاعة قيم الاحترام المتبادل والتعاون بيننا كسودانيين.

- إن حملات التعصب الديني والقومي والتعالي الاثني التي تتصاعد اليوم غايتها التحريض على بعضنا من بعضنا، وصولا لتدمير النسيج الاجتماعي السوداني وتقويض أي أمل في التعايش السلمي، واستغلال الجهل والفقر لتدمير النسيج الاجتماعي السوداني وتقويض أي أمل في حياة كريمة، والاستقواء بالتأثيرات الخارجية لتحقيق أجندة الخارج التي سقفها تمزيق السودان إلى دويلات، فيعمد بعضنا للعمل تحت جنح الخارج لتحقيق تلك الأجندة التمزيقية.

- إننا سنُواجه مُهمة صعبة منع هذه الفظائع التي تقودها جهالة أيدولوجية وغبائن إثنية وتطلعات سلطوية، والصعوبة تكمن في أن آلة الحرب أعتى إعلاميا وماديا من كل جهة تنادي لنبذ العنف وخطابات الكراهية وترفض الحرب، وتطلب السلام والاستقرار لإعادة الإعمار بعد انتهاء الصراع وإصلاح البنية التحتية والمُؤسسات الحكومي، ومحاكمة الجناة وتحقيق مُهمة قادمة أكثر صعوبة وهي المصالحة الوطنية صعبة التي تحتاج جهودًا كبيرة من الجميع لإعادة الثقة بيننا ككيان وطني ممزق، والأصعب من كل هذا هو تحقيق مُهمة العدالة الجنائة والانتقالية والترميمية الضرورية لإحقاق حقوق ضحايا الصراع والمتضررين وإعادة الثقة في النظام القضائي، وعدم تمكين أي طرف من الإفلات من العقاب.

● ختاما: إنني أكتب بوصفي أحد الذين يرون سوءة الحرب عن قرب، وأرى آثارها في الحواري والأحياء والأسواق والمدن، فقد أنهكت فظاعات الحرب السودانيات والسودانيين، وأفزعت انتهاكات أطرافها قلوبهم وروعت أطفالهم وشتت شملهم، لذلك يظل رأيي منذ اليوم الأول إلى اليوم هو وقف الحرب والعودة إلى منضدة التفاوض حبًا لله، وإعمالًا للمسؤولية وتجاوز الراديكاليين الدمويين الذين يريدون البقاء في السلطة ولو بفناء الشعب، وعلى جميع أطراف الحرب كف أكفهم عن استهداف المدنيين والالتزام بالقوانين الإنسانية الدولية والتحلي بأخلاق السودانيين والوقوف عند حدود الله بلا تجاوز، هذا القول بحت أصواتنا ونحن نردده ودفعنا ثمنه ولا زلنا على استعداد لدفع ثمنه، وما لم تتم الاستجابة له فإن التحرك الإقليمي والدولي لوقف هذه الجرائم مهما تأخر لن يقف في محطة التنديد والاستنكار وإدانة المرتكبين بل سيمضي لفرض عقوبات نراها رأي العين وإحالة القضية إلى محكمة الجنايات الدولية ليصير قادة الحرب طرداء العدالة الجنائية، إلى ذلك الحين علينا التكاتف والتضامن لتجاوز أوجاع الحرب وحالات العوز والفقر والموت والمرض إلى أن نحقق حلمنا في إحلال السلام وإعادة بناء بلدنا، لأن الدمار الذي تسببه هذه العنجهية لا يمكن إصلاحه بسهولة، وإن الضحايا لا يمكن تعويضهم بالحديث والكلام، بل برسم أوجه التعويض الشامل والتحقيق الكامل للعدالة والتنمية والإيفاء بكل استحقاقات السلام المستدام، وتحقيق شراكة عادلة مع المجتمع الدولي والإقليمي وتجاوز حالة الترويض التي تمارسها دول الإقليم على أطراف الصراع استغلالًا لهم في نهب ثروات البلاد.

الخميس، 5 سبتمبر 2024

خطاب البرهان: بين السعي للدعم الدولي ومخاوف التدخل الأممي

خطاب البرهان: بين السعي للدعم الدولي ومخاوف التدخل الأممي

𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`

● لا زال الجنرال يلعب على التضاد ويحاول الجري على الحبال لا المشي المتوازن، فهو يأتي بالشيء وضده ويتحدث عن السلام في الوقت الذي يحشد فيه للحرب، ويتجه لجذب الاستثمار وهو يطرده ويعرقل وصوله ويضع وزير ماليته عقابيل ومصدات بيروقراطية حتى في (حيكورة) بورتسودان والولايات الآمنة، ويقول بالإعمار وآلته الحربية تعيث في الارض دمارا، وتأتي هذه الزيارة للصين وتلك الحملة الدبلوماسية في إطار التحضير لاجتماعات الأمم المتحدة المقررة منتصف الشهر الجاري على نسق تحركات المخلوع التي أوردته الهلاك وزوال حكمه، والمتوقع أن يتم مناقشة الوضع في السودان بشكل مكثف في الجمعية العامة للأمم المتحدة منتصف الشهر الجاري، ويتوقع البرهان أن يتم إقرار التدخل الأممي في مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما يرفضه بشدة البرهان وعناصر الحزب المباد.

- تعلم عزيزي القاريء أن الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يسمح لمجلس الأمن باتخاذ تدابير قسرية، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية، لحفظ السلم والأمن الدوليين، وهذا السيناريو يثير قلق البرهان، الذي يرى أن التدخل الأممي قد يؤدي إلى تفاقم الوضع الداخلي وتعقيد الأزمة بدلاً من حلها، لذلك البرهان يصر على أن الحل يجب أن يكون سودانيًا بحتًا، وأن أي تدخل خارجي يجب أن يكون محدودًا وموجهًا لدعم الجهود الوطنية لتحقيق السلام والاستقرار، في الوقت الذي سد فيه الباب والحدود ومنافذ التواصل مع كل الجهات والقوى المدنية التي ترى بذات رؤيته ويحاولون جاهدين منع التدحرج للفصل السابع.

- ومعلوم أن الصين تلعب دورًا محوريًا في مجلس الأمن، حيث يمكنها استخدام حق النقض (الفيتو) لصالح السودان، والصين التي تربطها علاقات ومصالح اقتصادية واستراتيجية قوية بالسودان وخاصة بعناصر الحزب اامحلول، قد ترى في التدخل الأممي تهديدًا لمصالحها في المنطقة، لذلك من المتوقع أن تدعم الصين موقف البرهان وترفض أي قرار أممي يهدف إلى التدخل العسكري في السودان.

- حديث البرهان الأخير يعكس محاولة واضحة لحشد الدعم الدولي والإقليمي للسودان في مواجهة التحديات الناتجة عن الصراع الدائر، فالبرهان يسعى إلى تأكيد أهمية التعاون مع الصين والدول الأفريقية لتحقيق الاستقرار والتنمية في السودان، وفي ذات والوقت عملت مجموعته الدبلوماسية على تخريب علاقاته مع كل الجوار الأفريقي وسعى هو ومساعدوه لاستعداء دول تشاركه المصير والمستقبل، وظل يشدد على ضرورة إعادة النظر في تجميد عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، ويطالب بتصنيف قوات الدعم السريع كمنظمة إرهابية، كل هذه الدعوات تأتي في إطار حملة دبلوماسية مكرورة وبائسة مقروءة من ذات اللوح المكسور للحزب المنحل تهدف إلى جذب الدعم الدولي والإقليمي للسودان.

- البرهان مضى لتكرار سردية الحرب متهما قوات الدعم السريع بمحاولة الاستيلاء على السلطة بالقوة وخدمة أجندات أجنبية متناسيا أنه شاركهم ذات الجريمة في أكتوبر ٢٠٢١م بتقويض السلطة المدنية الشرعية والاطاحة بها والغدر بقياداتها وإيداعهم السجن، يتحدث البرهان وكأنه لم يستول على السلطة ليتسولها ويتوسل العالم شرعنتها، ويصف الجرائم التي ارتكبتها هذه القوات بأنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ويطالب بتصنيفها كمنظمة إرهابية، هذا الاتهام يهدف إلى تبرئة الحكومة من المسؤولية عن الأزمة الحالية وإلقاء اللوم على قوات الدعم السريع والقوى الخارجية، وهي الذي صادق على تدخل طائرات وطيارين وجنود وعناصر استخباراتية أجنبية للدخول والتدخل في الشأن السوداني بعدتهم وعديدهم، فارتكبت طائراتهم جرائم توازي الفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، وهو ما سيجعل من التصنيف مشتركا إذا حاجج الطرف الآخر بنفس المنطق.

- يظن البرهان أنه بالحديث عن أهمية التعاون مع الصين سيسهم الأمر في إعادة إعمار السودان والاستفادة من مبادرة الحزام والطريق، ولكن الحقيقة هي أن الصين عطلت كل مشروعها في منطقة حوض البحر الأحمر لعدم الاستقرار والتوترات في اليمن وفلسطين المحتلة، فكيف سيغامرون بالدخول في كرة اللهب التي يشعلها البرهان، والذي يحاول بدوره طمأنة المستثمرين بأن الأوضاع ستستقر قريباً، وأن السودان يمثل وجهة واعدة للاستثمار، مع يقيني التام أن هذا التعاون يعتبر حيوياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي في السودان بعد الدمار الذي خلفته الحرب، وأن الصين مؤهلة لذلك ولكن هذا الأمر يعد (الوتد) الذي يتم دقه في الأرض قبل شراء (الحمار)، أو كما قال المثل: (حبال بلا بقر).

- ومن المتوقع أن يواجه خطاب البرهان انتقادات من بعض الأطراف التي تعتبر أن الحكومة السودانية تتحمل جزءاً من المسؤولية عن الأزمة الحالية، كما أن ردود الفعل الدولية والإقليمية على هذا الخطاب ستكون مؤشراً على مدى نجاح الحملة الدبلوماسية السودانية، والنتيجة يمكن استكناهها من مستوى الفتور الذي قوبل به البرهان فهو أمر جلي يوضح التحديات التي يواجهها في جذب الدعم الدولي والإقليمي.

- كما سعى البرهان من خلال هذا الخطاب إلى محاولة تقوية موقفه التفاوضي في أي مفاوضات مستقبلية مع قوات الدعم السريع، فهو يظن أنه بالتلويح بكرت العقوبات والتهديد بتصنيفها كمنظمة إرهابية يزيد من الضغط عليها للقبول بشروط الحكومة، كما يرغب البرهان في خلق المزيد من التحالفات الإقليمية والدولية للسودان، خاصة مع الصين والدول الأفريقية.

● ختاما: تظل الاجتماعات المقبلة للأمم المتحدة محطة حاسمة في تحديد مستقبل السودان ومحور التحركات الدبلوماسية للبرهان، فالبرهان وعناصر الحزب المنحل يعولون على دعم الصين وأعضاء آخرين في مجلس الأمن لمنع أي تدخل أممي قد يزيد من تعقيد الأزمة، ولكن الدواء الذي يبحث عنه البرهان بجواره في السودان، وبين يديه ماثلا أمام ناظريه ويبقى الأمل في أن يتمكن السودانيون وحدهم لا شريك لهم من إيجاد حل داخلي يحقق السلام والاستقرار دون الحاجة إلى تدخلات خارجية قد تكون لها تداعيات سلبية على البلاد، وذلك لن يتأتى في ظل استبضاع البرهان للدعم والتحشيد والتأييد، ومن أوردوا البشير إلى الهاوية وقطعوا رأس نظامه سيفعلون برأس البرهان، الذي سيتدحرج من قمم جبال البحر الأحمر إلى درك سحيق أراه رأي العين، وأردد أخيرا مع القائل:

يا ويحَ عبسٍ .. أسلَمُوا أعداء َهم
        مفتاحَ خيمتِهم ، ومَدُّوا القنطرة
فأتى العدوُّ مُسلَّحاً ، بشقاقِهم
            ونفاقِهم ، وأقام فيهم مِنبرَه
ذاقوا وَبَالَ ركوعِهم وخُنوعِهم
          فالعيشُ مُرٌّ .. والهزائمُ مُنكَرَة
هذِي يدُ الأوطانِ تجزي أهلَها
      مَن يقترفْ في حقّها شرّا .. يَرَه
ضاعت عُبَيلة ُوالنياقُ ودارُها
   ولم يبقَ شيء ٌ بَعدَها كي نخسرَه
فدَعوا ضميرَ العُربِ يرقدُ ساكناً
   في قبرِهِ .. وادْعوا لهُ .. بالمغفرة


╭┈ *𝙊𝙧𝙬𝙖 𝘼𝙡.𝙎𝙖𝙙𝙞𝙜* ─ ೄྀ࿐ ˊˎ-
╰┈➤ ❝[ *𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔*] ❞