الأحد، 24 نوفمبر 2024

أم دبيكرات .. حينما تحدى الإيمان المدفع

`أم دبيكرات.. حينما تحدى الإيمان المدفع`

𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`
● مهدّت أحداث مهمة وكبيرة الطريق أمام الثورة المهدية في عام 1881م، وقادت أحداث أيضا إلى زوال الدولة وبناء الدعوة باستشهاد سيدي الخليفة عبد الله بن السيد محمد خليفة المهدي عليهما السلام، والذي لم يكتف قاتلوه بتصفيته الجسدية بالسلاح الفتاك، وإنما لجأوا لاغتياله معنةيا عبر أقلام المخابرات الحربية الاستعمارية، إلى جانب توفير رودلف سلاطين المعلومات الاستخباراتية الحيوية حول دولاب الدةلة المهدية، إلا أن هناك من الرجال من كتبوا روايات مفصلة ومنصفة عن شهاداتهم في السودان تفصيلا.

● من أعماق التاريخ السوداني تتألق معركة أم دبيكرات كنجمة ساطعة تشع نور البطولة والتضحية والفداء لتلتقي مع واقع مر ومريع معطون في الدم والدمع، وتبزغ بسالة الشجعان وقتذاك، واتحد أبناء السودان، وتحدوا آلة البطش، واستقبل القائد العام للجيش وأركان حربه مصيرهم المحتوم مقبلين غير مدبرين طالبين لقاء الله العلي الأعلى.

● هذه المعركة الخالدة التي وقعت في 24 نوفمبر 1899م، ليست مجرد معركة عسكرية، بل هي ملحمة كبرى تجسدت فيها أسمى معاني الصمود والمقاومة في وجه الغزو الاستعماري، وخلدت انطباعا رهيبا تهابه جحافل الغزاة بأن السودان أرض الرجال الذين لا يقهرون، ووضعتنا في صدارة أعظم الذابين عن حياض وطنهم حتى كان في (الفروة) مسك الختام.

● لم تكن معركة أم دبيكرات مجرد مواجهة عسكرية عادية، بل كانت تعبيرًا عن إيمان راسخ بقضية عادلة، وعن إصرار على الحفاظ على الدين والهوية والكرامة، فبعد هزيمة كرري، لم يستسلم الخليفة وصحبه الميامين ، بل قرر ترتيب صفوفه والعودة إلى أم درمان لمواجهة الغزاة، هذا القرار الجريء، الذي أثار دهشة القائد الغازي كتشنر، وأيقن أيما إيقان أن إرادة هذا الشعب فوق تصوره فهو يتحلى برباطة جأش صلبة وعزيمة لا تلين.

● لقد كانت معركة أم دبيكرات معركة أشبه بالأسطورة، حيث تصدى فيها حماة الدين والوطن من جميع كيانات السودانيون بسلاح الإيمان والعزيمة لجيش مجهز بأحدث الأسلحة في القرن العشرين، ورغم تفوق العدو عدديًا وعسكريًا، إلا أن آباءنل المجاهدين قابلوه ببسالة وشراسة وشموخ دفاعًا عن أرضهم ودينهم.

● نعم! انتهت المعركة بانتصار ساحق لقوات الجيش الغازي، واستشهاد سيدي خليفة المهدي وصحبه الميامين وعدد كبير من الأنصار، ولكن رغم الهزيمة العسكرية، فإن معركة أم دبيكرات حققت انتصارًا معنويًا كبيرًا، حيث أثبتت للعالم أجمع أن الشعب السوداني شعب عظيم، وأن روح المقاومة وجذوتها لا تموت.

● تترك لنا تلك المعركة الخالدة على سهل منطقة أم دبيكرات غربي النيل الأبيض العديد من الدروس والعبر زمانا ومكانا وعرفانا، منها:

* إن الإيمان بالقضية - أي قضية حقيقية- والتصميم على تحقيق الأهداف هما أقوى السلاح في مواجهة أي تحد، وأكبر دليل على ذلك بعد 141 عام هناك من يسير على تلكم الطريق متلمسا الحرية والانعتاق.
* إن التضحية بالنفس من أجل الوطن والدين هي أعلى مراتب الشرف والكرامة، وأن الوطن يستحق كل غالٍ، وأنه أمانة في الأعناق التنازل عنها خيانة للآباء.
* إن الوحدة والتكاتف هما سر القوة والانتصار والاستمرار، فما صنعته الهزيمة في أم دبيكرات من آلام كانت محفزة لترابط الأنصار والتفافهم حول الإمام عبد الرحمن ليحققوا الاستقلال والتحرير الثاني على أيدي المهدوويين.
* إن الخيانة تجري مجرى الدم في عروق أهلها، ومهما تبدل الزمان وتغير المكان، فهناك من يتحسس ويتجسس ويسترخص دماء الآباء ليبيعها بثمن بخس دراهم معدودات، بل منهم من يفتح للمعتدي ليغتصب الكيان والأرض ويسيء للدين.

● ختاما: في ذكرى هذه المعركة الخالدة (أم دبيكرات)، نستذكر آبائنا وأبطالنا الذين ضحوا بأرواحهم من أجل هذا الوطن، وإنهم قدوة لنا جميعًا، وهم مصدر إلهام للأجيال القادمة في البسالة والشجاعة والإقدام والحرص على سيادة ووحدة تراب هذا الوطن، لذلك علينا أن نحافظ على تراثنا العريق، وأن نستلهم من بطولات أجدادنا العزيمة والإصرار لبناء مستقبل مشرق لسوداننا الحبيب.


الثلاثاء، 19 نوفمبر 2024

"تقدم" جسر التقدم نحو السلام

"تقدم" جسر التقدم نحو السلام


𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`

● الجماعة السياسية السودانية تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية "تقدم" شكل حراكها وجهودها للتوسط في الصراع الدائر في السودان، مدخلا لإزعاج حكومة الأمر الواقع ومناصريها من دعاة الحرب ومعسكر التكسب من السدنة والحلفاء، وهنا نجد أنها اتُهمت ظلماً بالخيانة بسبب سعيها إلى التدخل الدولي لحماية المدنيين وهي ذات الفرية والطريقة التي تم تصميم بها ادعاء أن تقدم هي من أشعلت الحرب، يشارك في ذلك كل حلفاء الانقلاب ضد الثورة السودانية، لأنهم يعلمون أن الضرر الذي تسببوا فيه بقطع طريق الانتقال المدني الديمقراطي في السودان هو الذي قاد لحرب إبريل ٢٠٢٣م، وستظل الاتهامات مستمرة لتصرف نظر العالم والتشويش على السودانيين وصرف الأنظار عن تسليط الضوء على معاناة الشعب السوداني وفشل كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في حماية المدنيين.

● باشرت قيادة الحرية والتغيير وبعض قوى الكفاح المسلح قبل أن تستحيل لتقدم مؤخرا، باشرت دورها في التواصل الفوري مع قيادة الجيش والدعم السريع في الساعات الأولى لاندلاع الصراع رغم الحرب ونيرانها، وبعضهم كادت الرصاصات أن تخترق جسده أمام القيادة العامة فترديه صبيحة يوم الحرب، ومنهم من بقي في البلاد وظل يتواصل مع أطرافها لوقف الحرب، فتم استهداف سكنه بالطيران لقطع أي طريق للوساطة ونجاهم الله من ذلكم الحريق، ومع ذلك رفضوا الانتصار لأنفسهم واستثارة عواطف جماهيرهم وتأليبهم للانحراف نحو خيارهم الأوحد الرافض للحرب وعبثيتها التي قال بها عرابوها، وهنا أفند بعض الأحابيل التي استمرأت أبواق الحرب بثها واستمرت في ترديدها حتى صارت وكأنها حقائق:

- أولا: أكبر الادعاءات والانتقادات التي تتعرض لها تقدم أنها قاصرة الفكر وناضبة المبادرة السياسية، وهو ما ترفضه قرائن الحال الموضوعية، فجميع من يهاجمها بسبب افتقارها إلى رؤية لإنهاء الحرب، عليه أن يراجع كل أدبيات تقدم منذ نشوب أو صدام بين البرهان وحميدتي، وتوسط قيادات الحرية والتغيير وقتئذ لاحتواء الخلاف بتدخل د. حمدوك وقتها ونزع فتيل الانفجار لضمان سلامة الوطن، ولكن ما أن لبث الأمر قليلا إلا وانقض الدعم السريع والجيش على قوى الحرية والتغيير التي أصلحت بينهما، ليعود الطرفان ويجددان الاشتباك بعد إنقلاب أكتوبر ٢٠٢١م، ومع ذلك وفي الوقت الذي فيه بعض قيادات الحرية والتغيير في السجون، تواصلت الحرية والتغيير لنزع فتيل الخلاف بينهما، ووضع تصور راجح لنزع فتيل الخلاف واستعادة الانتقال المدني الديمقراطي، ووقع عليه البرهان ومن بعده حميدتي الذي قطع زيارته لدارفور التي اعتزل العاصمة إليها مغاضبا، ولا زال الطرح الذي تقدمه (تقدم) هو الأكثر تقدما وموضوعية في كل ما يطرح اليوم.

- ثانيا: ظلت حفنة اللصوص والقتلة والسفاحين وطباليهم من سدنة النظام البائد والحزب المحلول وجماعات اعتصام القصر تصم قيادة (تقدم) بالعمالة ووجهت لهم اتهامات بالخيانة وأنها اليوم تسعى إلى التدخل الدولي، في الوقت الذي كان فيه السودانيين يديرون أمرهم بأيديهم عبر حكومة انتقالية أثمرتها ثورتهم، نجد أنه قد ملكت سلطة الأمر الواقع (روسيا) من ذهب السودان ومياهه وأجوائه، ومكنت (مصر) كذلك من موارد البلاد وحدودها وسيادتها ودولاب الدولة وموظفيه ومؤسساتها، وانتقل الصراع ليستعين كل طرف بمن يراه حتى صار السودان اليوم أكبر سوق للسلاح والتسليح بعد أوكرانيا، وفي ذلك تنشط شركات محلية وإقليمية ودولية لتجارة السلاح والوقود وموارد ولوجستيات الحرب حتى طعام الجنود ومهماتهم ومستلزماتهم الشخصية.

- ثالثا: إن جميع الجهود التي تبذلها (تقدم) تهدف إلى أمر واحد أوحد ووحيد وهو أن تكون جسرا للعبور نحو السلام والتقدم نحو الاستقرار لحماية المدنيين السودانيين الذين تجاذبتهم أيادي طرفي الحرب انتهاكا وترويعا وإذلالا وبطشا وتنكيلا، دون الاكتراث لأي وازع ديني أو أخلاقي أو حتى أعراف الحرب أو حقوق الإنسان، ومضوا لتجريم كل من ينادي بوقف الحرب، وحشدوا أبواقهم لبث خطابات الكراهية والتحريض التي صممت (تقدم) حملات لمحاربتها، ونشطت الآن في كل دول اللجوء والنزوح في التدريب على كيفية الحد من تلك الدعاية الحربية لتشبيك وتسبيك الهوية الوطنية، ومنع البلاد للانزلاق في وحل البغض والعنف الذي يهدد حياة وسلامة المدنيين ويدفعهم نحو دائرة الحرب دفعا جراء الانتهاكات والممارسات السيئة التي تتدرج من الاعتقال إلى الذبح وقطع الرؤوس والحرق والاغتصاب والاغتيال.


- رابعا: في الوقت الذي رصدت فيه تقدم الانتهاكات والضحايا في كل مناطق السودان ودعم قيادتها بعض التكايا وغرف طواريء الحرب وشكلوا منصة لطيف سياسي مدني شايع وواسع قابل للانفتاح نحو الآخر، ولهث قيادتها خلف أي بصيص أمل لرتق الفتق وإيقاف الحرب وغوث المتضررين وانتشال السودان وحشد الدعم الإنساني والتسهيل الاجرائي لللاجئين في دول الجوار، في تلكم الأثناء وقف دعاة الحرب يسخرون الأموال والموارد على قلتها لشراء النبال في الوقت الذي تفتقر فيه بيوت أهلهم للقمة والدواء وحليب الأطفال، وجعلوا من البلاد أكبر مكب لنفايات التسليح التقليدي في عالم صار يتجه نحو حروب الجيل الخامس وأدواتها وتقنياتها، ويشتري أطراف الحرب بأموال طائلة من موارد البلاد ومدخراتها وثرواتها ببلايين الدولارات أسلحة وذخائر مخزنة منذ الحرب العالمية الثانية عجزت دول وشركات عن التخلص منها، ووجدت ضالتها في ضلال قادة الحرب في السودان وسماسرتهم الذين لا يميزون بين شراء الحياة وبيع الموت، وفي ذلك لم تكلف (تقدم) خزينة الدولة فلسا واحدا.

- خامسا: أُقر أني تقدمي انتسابا وقناعة وأدعو مع ذلك لفتح كل باب يوصلنا للتحقيق النزيه الشفاف والمستقل الذي يحاكمنا وقيادة (تقدم)، وتوضع في صحيفتها كل لائحة الاتهام التي لفقها النائب العام ونزيد عليها كل ما يتهمنا به أبواق الحرب، ونقف أمام شعبنا مجردين من كل منصب وحصانة، ونقدم دفعنا وحججنا وليأت وقتئذ كل فريق بأدلته وبراهينه، ومتى ما تمت إدانتنا حينها نقبل العقاب شنقا أو صلبا أو حتى حرقا تذرو رمادنا الرياح إلى وادٍ غير ذي زرع، لأن هذه البلاد أطهر وأشرف من أن تدنسها جثث نجسة اقتاتت من أرواح ودماء وأموال الشعب السوداني.

- سادسا: موقفي من تقدم ليس من باب حرق الجوخ وتقبيل ولعق الأحذية وإنما موقف مبدئي فيه حتى المناصخة والانتقات لتقدم وقصور أدائها، وضعف دورها الإعلامي، وبطء خطواتها، وانعدام آلياتها، وتنافس غير مرضٍ لقياداتها، وتمثيل ضعيف للنساء بإمكانات محدودة، واحتشاد للأفكار التي تصل حد التضاد في طريقة إدارة العمل والممارسة التنظيمية، وفي هذا كتبت تقييم (متواضع) وقمت بقديم تحليل محايد للموقف (التقدمي) منذ أن أتم تكوينها حتى تمامها المائة يوم، وهي كيان الواجب علينا تقويمه لا تقزيمه، وتقويته وتوسعته، لا إضعافه ونسفه.

- سابعا: تختلف رؤتي لمعالجة تعقيدات الصراع في السودان وتحديات الوساطة المطلوبة عن كل ما هو ماثل الآن ولكني أدعم الخيارات التي تتوافق عليها قيادة تقدم، ومثلما كانوا هم السبب في ابتدار منبر جدة في أول أيام الحرب، وتسببوا أيضا في فتح مجال للتواصل بين قيادة الجيش والدعم السريع بعد خروج كباشي ومن بعده البرهان من حصار القيادة العامة، يقيني أنهم إذا ضاعفوا جهدهم وحركتهم وتخلصوا مما ذكرته آنفا سيوقفوا هذه الحرب بأعجل وقت ويمنعوا انزلاقها نحو الحرب الأهلية الشاملة ويحصنوها من التمزيق والانقسام، ويصدوا أيادي التدخل الدولي.

- أخيرا: أقولها وبصدق وتجرد ما كتبته وصاغته قيادة (تقدم) ليست ناموساً مقدساً وإنما جهد بشري قابل للتطبيق والتحقيق ويستوعب كل جرح وتعديل، وجميع (التقدميين) لديهم بعد النظر وإمكانية تطوير توجهاتهم نحو وجهات نظر بديلة وحلول محتملة قد تكون أفضل من تصوراتهم المنشورة.

● ختاما: أستطيع القول أن (تقدم) أجابت على أهم تساؤلات وشواغل المواطن السوداني المنكوب في الداخل والفيافي والمنافي، عن ماهية الحرب ومفتعليها وتجارها وأبواقها وداعميها وكارتيلاتها، وما هي المطالب المحددة للشعب السوداني لاقتصاص والعدالة وجبر الضرر، وكيف يمكن مخاطبة مظالمه ومعالجتها؟ وما هو الدور الذي تقوم به (تقدم) وما يمكن أن تلعبه المنظمات الإقليمية والدولية في حل الصراع وحماية المدنيين وغوثهم ومنع تدفق أدوات الحرب للبلاد من الأفراد والشركات والدول والتحالفات؟ وقدطرحت (تقدم) خارطة تدخل إنساني شاكلة وتفصياية لإمكانية إسهام المجتمع الدولي وتقديم مساعدات إنسانية فعالة دون تقويض سيادة السودان وأدوات ضغط دولي مناسبة والحالة السودانية، وجميعنا قرأ مؤخرا وسمع وشاهد تقارير رصد وتوقعات للآثار الحالية للانتهاكات والفظائع وتابعنا التنبؤات الطويلة الأجل لأثر الصراع على السودان والمنطقة والإقليم والعالم، والتي صاغها خبراء (تقدم) وقادتها وجميعها تأتي كفلق الصبح، وهؤلاء بعضهم يقود جهود صناعة السلام والاستقرار والتنمية الاقتصادية في مستوى العالم، وهؤلاء يمثلون حُداة التطلع نحو المستقبل والتغيير وبُناة جسر العبور نحو الاستقرار، وهم حبل التواصل بين سودان الداخل والشتات، وهم عرى التوثيق للأواصر التي مزقتها خطابات الكراهية، واجبنا عونهم وتقويمهم وتقديم يد العون لهم ولو بالرأي والنصيحة.

الاثنين، 18 نوفمبر 2024

حرب السودان و"مصرنة" الشرطة السودانية

*`حرب السودان ومصرنة الشرطة السودانية`*


𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`

● أقتبس: "اعلنت رئاسة قوات الشرطة السودانية عن فتح با التقديم بالمنحة السودانية المقدمة من مصر للدراسة بكلية الشرطة السودانية، وقالت رئاسة الشرطة في تعميم صجفي أن كلية علوم الشرطة والقاون أعلنت لطلاب الدفعة (71) ثانويين الترشيح للالتحاق بكلية الشرطة المصرية وفق شروط محددة، ودعت الشرطة الراغبين في الالتحاق الحضور إلى مقر كلية علوم الشرطة والقانون بمدينة بورتسودان وفققا للمكتب الصحفي للشرطة" انتهى الاقتباس.

- هل هناك حوجة لهذه الخطوة؟ بداهة لا يوجد ما يستدعي هذه الخطوة في ظل وجود جامعات وكليات جامعية ومقار للشرطة بالولايات وميادين تدريب ومعاهد استراتيجية حتى في الولايات التي لم تصلها الحرب، خاصة مع قدرة الحكومة على تأهيل مطارات، وكذلك وجود عدد كبير من قادة وخبراء الشرطة السودانية في الإذن والراحة، ويمكن الاستعانة بمن تراه، وما الحوجة لتدريب دفعة بالمنهج المصري في هذا التوقيت؟؟

- هناك تجربة ماثلة أمامنا عام 1986م كانت الدفعة (55) تم قبولهم حوالي اقل من (60) طالب ، وهي الدفعة التي سبقتها الدفعة (54) دفعة مدير عام الشرطة الحالي الفريق خالد حسان، والتي استوفت خطوات الترشيح والقبول واستيفاء مطلوبات طالب كلية الشرطة السودانية، ولكن جل منسوبي الدفعة (55) التي درست بمصر عندما تخرجت رفضت مصر استيعابهم في سلك الشرطة المصرية، وعند عودتهم للسودان تم رفض تنسيبهم أيضا للشرطة السودانية، ولكن تمت لهم معالجة بعد تدخلات السياسة فتم قبولهم كطلبة جدد بكلية الشرطة السودانية لأن من بينهم ابن وزير داخلية النظام المايوي وقتئذ عباس مدني، وعندما تفجرت هذه الأزمة تم إنشاء دفعة جديدة لاستيعابهم سميت بـالدفعة (55)، دخلت الكلية بعد مضي شهرين تقريبا من دخول الدفعة (54) ووفق ما هو متعارف لا يتم استيعاب دفعة إلا بعد عام على أقل تقدير من تاريخ قبول الدفعة الأخيرة وهي (54) أي بموجب الشهادة السودانية الجديدة.

- هذه الفوضى بإنشاء دفعة جديدة في مصر، هي استسهال للتلاعب بالسيادة السودانية، واستصعاب لتحمل المسئوليات، في ظل حكومة أمر واقع لديها المقدرة على تدريب واستيعاب عشرات الآلاف من المليشيات والكتائب وجماعات الظل وتنظيمات جهوية وجبهوية مسلحة، وصارت ميزانيتها ونوازنتها العامة ميزانية حرب بامتياز.

- تخيل عزيزي القاريء كان هناك 4500 مرشح (ضابط تأهيلي) كانوا يتبعون للدعم السريع في معسكرات التدريب كانوا على وشك التخرج تم سحبهم من معسكراتهم يوم الخميس الثالثة عصرا بعد ورود إشارة للحوجة لهم : (1500 دارس بمعسكر الاحتياطي المركزي، ومثلهم بمعسكر قري، ومثلهم بمعسكر جبيت)، يعكف على تدريبهم ضباط من القوات المسلحة من الذين تمت إحالتهم للتقاعد بكشوفات البرهان الأخيرة، تم سحبهم يوم الخميس قبل الحرب بيومين، هذا يعني أن البلاد بها مواعين تدريبية قادرة على استيعاب ما يفوق حوجة البلاد من دفعة ضباط شرطة.

- ولكن محاولة (مصرنة) مؤسسات الدولة السودانية التي بدأت منذ محاولات انقلاب بكراوي وما سبقها، واستمرار الأمر حتى بعد الانقلاب، بانتداب المئات من منسوبي دولاب الحكومة السودانية خاصة في مجلس الوزراء والوحدات التابعة له، ومجموعة من ضباط القوات المسلحة وعدد كبير من الوزراء وأخيرا تعيين وزير لوزارة سيادية بتعميد من السيسي وأجهزته الرسمية، لذلك عندما طالعت الإعلان عاليه، لم يساورني أدنى شك أننا نتجه لمستويات جديدة في تفكيك بنية مؤسسات الدولة لصالح الشقيقة مصر.

- لست ضد تطوير الكوادر الشرطية والقوات النظامية لأن مثل هذه الفرص قطعا تساهم في تطوير كوادر شرطية سودانية مؤهلة، مما يرفع كفاءة الأجهزة الأمنية في السودان، وتتيح للسودانيين الاطلاع على الخبرات المصرية في مجال العمل الشرطي، وتعزيز التبادل الثقافي والمعرفي بين البلدين، ويمكن أن تكون فرصة لتعميق العلاقات الثنائية بين السودان ومصر، والمساهمة في التعاون في المجالات الأمنية.

- ولكن من منا يكترث اليوم بشأن تأثير هذه المنحة على ولاء الخريجين للوطن الأم، خاصة إذا تلقوا تدريباً مكثفاً في دولة أخرى تنظر إلينا كعمق أمني استراتيجي وليس دولة ند لها، وما الضامن ألا يستغل البعض هذه المنحة كأداة للتدخل في الشؤون الداخلية السودانية، أو لتجنيد بعض الخريجين لأهداف سياسية ومخابراتية معينة؟ وهل سنبقى هكذا جل اعتمادنا على الخبرات المصرية في مجال التدريب الشرطي والنظامي؟ الأمر الذي يعني تسفيه الخبراء والمحترفين والمهنيين السودانيين، وتقليل قدرة السودان على تطوير كوادر شرطية مستقلة ذاتية الاعتماد.

- ومن المعلوم بالضرورة أن هناك استحداث لأقسام جديدة في كليات الشرطة حكر لفئة معينة حتى للمصريين أنفسهم كأمن المعلومات والسيبرانية، ومكافحة الإرهاب، وأمن الطاقة والبنية التحتية، وأمن الحدود، والذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في العمل الشرطي، وأمن الطيران والموانئ، وأمن المنشآت الحيوية، وأمن الفعاليات، وتحقيق الجرائم الاقتصادية، والأمن البيئي: يهتم بحماية البيئة من التلوث والجرائم، والأمن النووي والإشعاعي، وغيره، هذه لن تكون في متناول مصريين من البلد ناهيك عن أجانب سودانيين!! وستكتفي الشرطة المصرية بتدريسهم علم النفس الجنائي، والعلوم الجنائية، ومكافحة الشغب، ولا أتوقع أن يجد أحد الراغبين في دراسة القانون الدولي الإنساني ضالته من أبنائنا الذين يريدون دراسة هذا المجال الذي تحتاج البلاد لخبراء فيه.

- للأسف بالتجربة والأنظمة المتوارثة تغيب الضوابط الصارمة في عملية اختيار الطلاب المرشحين للمنحة، والتأكد من ولائهم للوطن، ويقتصر الأمر على الولاء للحزب والمحسوبية وبنووة أبناء السلك، ومثل هذه التدريبات لا تحظى بتدريب وطني موازٍ للي يتلقاه الطلاب في مصر أو أي دولة بتدريب وطني مكثف يركز على القيم الوطنية والولاء للوطن.

- واجب الساعة هو تطوير الكوادر التدريبية السودانية والاستثمار في تأهيلهم لكي يتمكنوا من تقديم برامج تدريبية متخصصة في مجال العمل الشرطي، والأجدر هو متابعة الخريجين الذين تخرجوا خديثا، وتقييم مدى استفادتهم من التدريب الذي تلقوه، والتأكد من ولائهم للوطن، ووضع برامج محفزة لاستقدام كوادر الشرطة والكفاءات التي فرت بأسرها من جحيم الحرب.

- وعلى السودان عدم الركون لدولة واحدة في ظل حالات الاستقطاب الإقليمي والدولي الحالية، بل مخاطبة كل الدول في المنطقة لتقديم منح دراسية متبادلة في كليات الشرطة والأكاديميات العسكرية، بهدف تبادل الخبرات وتقوية العلاقات الثنائية، ليس لأغراض التخابر والجوسسة وتغيير هيكل الدولة لصالح جهة أو نظام، والسودان القدح المعلى في هذل الأمر فله برامج تدريب مشترك للضباط والجنود آخرها تدريبات قوات إيساف التي تمت استضافتها في جبيت، وتخربج طلاب الدراسات العليا من أكاديمة نميري العسكرية وغيرها من المشاريع المشتركة التي تساهم في توحيد المفاهيم والتكتيكات العسكرية، كما أن للبعثات العسكرية أثر كبير للمساعدة في تدريب قواتها الأمنية، وكان مقترحا أن تنظم تدريبات عسكرية سودانية أمريكية قطع الطريق أمامها إنقلاب أكتوبر ٢٠٢١م.


● ختاما: حالة الانهيار الحالية التي تشهدها مؤسسات الدولة السودانية توجب الانفتاح نحو العالم والاستفادة من كل الفرص المتاحة، بل وطلب المنح قبل أن تتفضل علينا بها الدول، ولكن أن يتم الأمر بندية وشفافية ووفق ضوابط لا تنتهك السيادة الوطنية، ولا تعبث بالثوابت السودانية، ولا تخل بدرجة انضباط هذه المؤسسات الحساسة، كما أن الحرب الحالية في السودان أكدت أن هناك طبيعة جديدة للتهديدات الأمنية التي تغيرت وتتغير باستمرار، مما يستدعي إنشاء أقسام جديدة لمواجهتها، كما أن التطورات التكنولوجية أدت إلى ظهور جرائم جديدة تتطلب مهارات وتخصصات جديدة، لا مجال لتغافلها أو نسيانها، والواجب هو التوجه نحو منابعها، فأحدث أجهزة الشرطة تقنيا وتكنولوجيا ليست مصر، وإنما اليابان وكندا وأمريكا والنرويج وهولندا وكوريا الجنوبية وأستراليا، وكثير من الدول الأروبية، وإفريقيا مصر تصنف من ضمن أسوأ قوات الشرطة في المنطقة وتتربع بوتسوانا والجزائر ورواندا على أفضلية التميز الشرطي لذلك علينا أن ننظر إلى الثريا لا الثرى، وينبغي على السودان البدء في رحلة البناء من حيث انتهت البشرية تطورا وليس تكرار تجربة اكتشاف (العجلة) لأن الحالة التي نحن فيها تحتاج نظرة مستقبل واستقلال لا نظرة عمالة واستغلال، وعلى شرفاء قوات الشرطة ومعاشييها تتبع خيوط هذه الصفقات المشبوهة التي تبرم يوميا بين سلطة الأمر الواقع وأجهزة المخابرات الجارة والشقيقة.

الجمعة، 15 نوفمبر 2024

تصحيح لما قاله الشفيع خضر حول عملية شريان الحياة الثانية

*`تصحيح لما قاله الشفيع خضر حول عملية شريان الحياة الثانية`*

𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`
● في ظل الأوضاع الإنسانية الكارثية التي يعيشها السودان اليوم، تبرز الحاجة الملحة لإنشاء عملية شريان حياة جديدة لتوصيل المساعدات الإنسانية إلى المدنيين المتضررين من النزاع. ومع ذلك، من المهم تصحيح بعض المعلومات الخاطئة التي وردت عن غير قصد أو تعمد في ما صاغه الكاتب الشفيع خضر حول هذه العملية.

- عملية شريان الحياة الأولى التي انطلقت في مطلع عام 1989 كانت تجربة فريدة وناجحة في تاريخ السودان، تمت هذه العملية في ظل حكومة ديمقراطية بقيادة الإمام الصادق المهدي، بعد مشاورات عديدة بين الحكومة والأمم المتحدة والحركة الشعبية لتحرير السودان، وقتها كان الفريق عبد الماجد حامد خليل، وقام بتيسير وتنسيق العنلية اللواء وقتئذ فضل الله برمة ناصر، هذه التجربة أثبتت أن التعاون بين الأطراف المتحاربة يمكن أن يؤدي إلى نتائج إيجابية لحماية المدنيين وتوفير المساعدات الضرورية لهم.

- فكان المهدي صاحب فكرة شريان الحياة التي سجلت في الأمم المتحدة باسم (الصيغة السودانية) وذلك لمصلحة احتياجات النازحين والمتضررين من الحرب، ولتوصيل الإغاثة لهم داخل خطوط النار، وقد اقترح تلك الفكرة علي الأمين العام للأمم المتحدة فوافق عليها وبموجبه نظمت أكبر عملية إغاثة من نوعها داخل خطوط النار بين جهات متحاربة. وهي بالفعل الصيغة التي تشبه السودان لا ما حدث في 2009م من طرد منظمات الإغاثة التي تعيل النازحين في دارفور بسبب الغضب من النظام الدولي لأن المحكمة الجنائية الدولية وجهت اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لرئيس النظام، وكان من آثار ذلك حرمان المتضررين من الحرب من الإغاثة التي كانت تقدمها تلك المنظمات منذ 2009م وحتى الآن. ومن ثم حرمان المدنيين المتضررين من الحرب في جنوب كردفان والنيل الأزرق في 2011م من الإغاثة الدولية. وكذلك طرد المنظمات في الشرق عام 2012م.

- من المهم البداية الصحيحة للوصول لنهايات صحيحة، وهذا لا يعني سوى التأكيد على أن المبادئ الإنسانية والقانون الدولي الإنساني يجب أن تكون فوق أي اعتبارات سياسية، فالحكومة الديمقراطية في ذلك الوقت أظهرت احتراماً كبيراً لهذه المبادئ من خلال السماح بمرور المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية، مما يعكس التزامها بحماية المدنيين وتقديم المساعدات الضرورية لهم. هذا يختلف تماماً عن النظام الذي جاء بعد انقلاب 1989م، والذي كان مبنياً على صناعة الموت وليس إنقاذ الحياة.

- بالنظر إلى الوضع الكارثي الحالي في السودان، من الضروري إنشاء عملية شريان حياة جديدة لتوصيل المساعدات الإنسانية إلى المدنيين المتضررين من النزاع. وينبغي أن تكون هذه العملية مبنية على نفس المبادئ التي قامت عليها عملية شريان الحياة الأولى، مع التأكيد على ضرورة التعاون بين الأطراف المتحاربة والمجتمع الدولي لضمان وصول المساعدات إلى المحتاجين دون عوائق، وحجب هذه العملية من أي عمليات تكسب سياسي أو تجارة واستنفاع من المستغلين.

- والنموذج السوداني المودع والمجرب لدى الأمم المتحدة يمكن أن يطبق مع الاستفادة من التجارب الإقليمية والدولية الناجحة في تقديم المساعدات الإنسانية في مناطق النزاع، مثل عملية شريان الحياة الأولى، لتطوير آليات فعالة تضمن وصول المساعدات إلى المدنيين في السودان. على أن تكون هناك آليات رقابية صارمة لضمان عدم نهب المساعدات وحماية العاملين في المجال الإنساني من الهجمات.

- يمكن الاستفادة من شهادات الشهود الأحياء الذين شاركوا في عملية شريان الحياة الأولى لتسليط الضوء على أهمية هذه العملية ونجاحها في توفير المساعدات الإنسانية للمحتاجين. هذه الشهادات يمكن أن تكون دليلاً قوياً على ضرورة إنشاء عملية شريان حياة جديدة في السودان.

● ختاما: إن عملية شريان الحياة الأولى كانت نموذجاً حياً لتعاون الأطراف المتحاربة واستجابتها للاحتياجات الإنسانية بتقديم تنازلات سياسية لحماية المدنيين. من خلال التركيز على المبادئ الإنسانية والتجارب التاريخية الناجحة، يمكننا تقديم مقاربة موضوعية تدعم ضرورة إنشاء عملية شريان حياة جديدة في السودان، مستندة إلى التجارب التاريخية الناجحة والمبادئ الإنسانية الأساسية.
______
*ملحوظة: تم إرسال المقال قبل مدة لصحيفة القدس العربي عبر أحد صحفييها ولم تنشره .. ورأيت أن أنشره للعامة*

اللجوء إلى مصر والطرد منها إلى جحيم الحرب

اللجوء إلى مصر والطرد منها إلى جحيم الحرب

𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`
الجارة الشقيقة مصر تنتهك يوميا لأجزاء أساسية من اتفاقية جنيف الخاصة بوضع اللاجئين، خاصة فيما يتعلق بإجراءات طلبات اللجوء والمرضى، وإجراءات الرفض والترحيل، فقد حددت الاتفاقية طريقة التعامل مع طلبات اللجوء والمرضى بالتسريع في النظر في الطلبات خاصة في حالات المرض أو الحالات الإنسانية الحرجة، وتوفير الرعاية الصحية لطالبي اللجوء على الرعاية الصحية الأساسية، بغض النظر عن وضع طلبهم، وكذلك الحماية من الإعادة القسرية إذ لا يجوز إرجاع أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه للاضطهاد أو التعذيب.
 
- وقد وضعت الاتفاقية سياجا محكما وضوابط لإجراءات الرفض تضمنت حق الاستئناف من طالبي اللجوء الحق في استئناف قرار الرفض، وما يعرف بالحماية المؤقتة والتي يمنح فيها طالبي اللجوء حماية مؤقتة حتى يتم النظر في طلبهم بشكل كامل.
  
- للأسف رغم حتمية دور منظمة الهجرة الدولية (IOM) وواجبها في أن تلعب دورًا حيويًا في مساعدة اللاجئين والنازحين، بما في ذلك توفير المشورة والمساعدة في إعادة التوطين، إلا أنها إلى الآن تغض الطرف عن انتهاك مصر للمعاهدة الدولية كدولة موقعة ومصادقة عليها، وهي تقوم يوميا بترحيل آلاف الفارين من الحرب وإعادتهم إلى الجحيم دون الرضا طوعيًا وبممارسة الضغوط والاخفاء القسري والاعتقال.

- المعلوم أن الاتفاقية تشجع على العودة الطوعية بدلاً من الترحيل القسري، وهنا نصت المعاهدة على أن تتأكد الدول من أن الأشخاص الذين يعودون إلى بلدانهم لن يتعرضوا للاضطهاد أو التعذيب، وللأسف رأينا كيف تم ترحيل المواطن السوداني عبر شاحنات نقل الماشية وجرارات الأنعام التي ترسلها شركات الجيش السوداني معبأة بالابقار والإبل والأغنام لتعود مملوءة بالسودانيين والسودانيات مكدسين فوق بعضهم البعض.

- ورغم أن الاتفاقية ملزمة قانونًا للدول التي صادقت على الاتفاقية وملزمة قانونًا بتطبيق أحكامها، وفي ذلك قدم المجتمع الدولي دعما كبيرا لمصر لاستضافة هؤلاء الفارين من الحرب وتم اقتطاع جزء كبير من مساهمات مؤتمر الاستجابة الإنسانية وتحويله لمصر بما يفوق ضعف ما منح للجيران كجوبا واثيوبيا وارتريا وليبيا بل حتى تشاد التي استضافت أعدادا تفوق من فروا لمصر.

- لذلك فإن ترحيل اللاجئين السودانيين من مصر بشكل قسري، ليس مخالفة أخلاقية بل منافية ومجافية للدين الحنيف: ﴿وَإِنۡ أَحَدࣱ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ یَسۡمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَ ٰ⁠لِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمࣱ لَّا یَعۡلَمُونَ﴾ [التوبة ٦]، وهي انتهاك واضح للقانون الدولي لحقوق الإنسان وقانون اللاجئين ويوجب هذا الأمر مطالبة الأمم المتحدة بالتواصل مع كبار المسؤولين المصريين للتعبير عن القلق إزاء هذه الانتهاكات، وضرورة توجه اللاجئين إلى رفع شكاوى رسمية ضد الحكومة المصرية لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وأن يتحلى الصحفيون والكتاب والمنظمات الحقوقية بالشجاعة والإقدام على تسليط الضوء على هذه القضية واتخاذ إجراءات قانونية ضد الحكومة المصرية.
 
- وواجب الساعة التأكيد على ضرورة حماية حقوق اللاجئين السودانيين وتقديم الدعم اللازم لهم، ورصد توثيق الانتهاكات بجمع أدلة موثوقة عن حالات الترحيل القسري وانتهاكات حقوق الإنسان الأخرى التي يتعرض لها اللاجئون السودانيون في مصر، والتواصل مع المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان واللاجئين، مثل منظمة العفو الدولية واللجنة الدولية للصليب الأحمر، للحصول على الدعم، و تنظيم حملات إعلامية واسعة النطاق لتسليط الضوء على هذه القضية وجذب انتباه الرأي العام الدولي، كما يجب الضغط على الحكومات الداعمة لمصر لتقديم مطالب رسمية للحكومة المصرية لوقف هذه الممارسات خاصة وأن عدد كبير من الحكومات ساهمت في مؤتمر الاستجابة الانسانية الداعم للسودان والذي حصلت مصر على حصة كبيرة من أمواله.

● ختاما: أضع مسودة لرسالة مفتوحة في بريد كل المهتمين بحقوق اللاجئين وعلى رأسهم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والدول الداعمة والمساهمة ولوكالات الامم المتحدة ومكاتبها المختصة علينا أن ننسخها في صفحاتنا وحستباتنا والاشارة لهم في صفحاتهم الرسمية:

"نحن، مجموعة من الأفراد والمنظمات الحقوقية، نكتب إليكم للتعبير عن قلقنا البالغ إزاء التقارير التي تفيد بترحيل اللاجئين السودانيين قسراً من مصر. هذه الممارسات تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان وقانون اللاجئين، وندعوكم إلى التدخل العاجل لحماية هؤلاء اللاجئين وضمان عدم إعادتهم إلى مكان يواجهون فيه خطر التعرض للاضطهاد."


الخميس، 14 نوفمبر 2024

تجديد الدين بالدم إحياء لتاريخ دامٍ

تجديد الدين بالدم إحياء لتاريخ دامٍ
𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق
إن التاريخ الإسلامي ما بعد انتقال النبي الأعظم ﷺ وانتهاء دولة الخلافة وما تمخض عن ذلك من دويلات المُلك العضود (أموية، عباسية، فاطمية ... الخ) يمثل مرآة تعكس حاضر الحركات الإسلاموية، يجعلنا نفهم لم قتلت الجواري مروان بن الحكم بالوسادات لمجرد سخريته من بن زوجته بن يزيد؟ وكيف قتل مروان بن محمد آخر أمراء بني أمية، وما سبب قتل الحجاج لعبد الله بن الزبير بن العوام وصلبه؟ وكيف قتل من يفترض لنه أمير للمؤمنين مخمورا في الدولة العباسية وأعني المتوكل الذي بقر بطنه باغر التركي؟ وكيف غدر الحسين عليه السلام في كربلاء؟ وغيرهم وغيرهم من تاريخ دامي ومفجع سطره بن كثير والسيوطي والذهبي وابن خلدون وغيرهم من أصحاب التأريخ وكتاب السير والأعلام.

تُظهر مليا وجليا دراسة التاريخ الإسلامي أن الأحداث والاتجاهات التي نشأت في الماضي لها تأثير عميق على الحركات الإسلامية المعاصرة، ويمكننا ملاحظة هذا التأثير في عدة جوانب أهمها، الصراع حول السلطة وما عرف بصراعات الخلافة وتأثيرها، والصراعات التي دارت حول الخليفة وكونه ونسبه وأصله في العصور الأولى للإسلام، مثل الصراعات التي تناسلت عن الخلاف بين سيدنا الإمام علي بن أبي طالب وسيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، ققد تركت أثرًا عميقًا على التوجهات الشيعية والسنية الماثلة اليوم، وتتكررت مثل هذه الصراعات في الحركات الإسلاموية المعاصرة تآمراُ بتآمر ووقع حافر بحافر، كما رأينا في انقسامات داخلية في بعض الحركات والسودان أسفر عن نموذج إسلاموي شائه كان نموذج الحركة الإخوانية السودانية بمسمياتها المختلفة وواجهاتها المتشظية.

اتخذ قادة تلك الانقسامات التاريخية حجية التفسير المتعدد للنصوص، وتبنوا التنوع في تفسير القرآن والسنة أدى إلى ظهور مذاهب إسلامية مختلفة، مثل المذاهب الأربعة عند السنة، والمذاهب الاثني عشرية عند الشيعة، هذا التنوع البراغماتي تكرر في الحركات الإسلاموية المعاصرة، حيث تناسلت تيارات متعددة لكل منها تفسيره الخاص للنصوص، وصار الاجتهاد ألزم من النص والتعصب للتيار والفرع أشد من الامتثال والانتساب للأصل، وهذا ما تراه في المناهج التبريرية التي ساقها شيوخ الحركات الإسلاموية لتبرير الوقوع على الدولة سفاحا والوصول للسلطة وانتهاك حقوق الإنسان وتجاوز حالة الدول القطرية وعدم الاعتراف بالسيادة.

انغمس أولئك الشيوخ في الممارسة السياسية، وتشيخ الفسدة والبراغماتيون من الساسة، فحدث تزاوج خبيث بين السياسة والدين لدى الحركات استخدم الدين في التاريخ الإسلامي كأداة للسياسة، وكذلك إستخدام أدوات السياسة وساطة الدولة لتنفيذ المشروع الديني، وهو زواج أشبه بمواقعة الخيل للحمير فتنتج بغالا، وهنا شهدنا صراعات بين الحكام والعلماء، وارتمى كثير من الشيوخ في أحضان السلطان وانتجب عدد من السلاطين جمهرة من الشيوخ واتخذوهم أخلاء، يحلون لهم الحرام ويحرمون على خصومهم الحلال، هذا النمط تكرر في الحركات الإسلاموية المعاصرة مرارا بذات الصورة، وهو ما قاد بعض الحركات إلى مزاوجة شائهة الدين بالسياسة، وأدى إلى صراعات داخلية وخارجية، في نموذج ضياء الحق باكستان، وطالبان أفغانستان، وأربكان أردغان في تركيا، ومورو والغنوشي في تونس، والطامة الكبرى تجلت في التجربة السودانية التي مثلت أسوأ ممارسة سياسية باسم الاسلام، وأقبخ تجربة دينية مارست السياسة.
 
تاريخيا كان دور العلماء مهما وحاسما في استدامة استقرار الحكم، فقد كان للعلماء دور كبير في تشكيل الفكر الإسلامي عبر التاريخ، وكانوا يؤثرون على الرأي العام ويوجهون الأحداث، واتسم ما كتب من تاريخنا وموروثنا الاسلامي بكثير من الانحياز حتى بلغ أحدهم مبلغ أن يقول بأن يحج الناس إلى المسجد الأقصى، وافتى كثير من فقهاء السلطان وقتئذ بفتاوى ترتب عليها أحكاما سلطانية، هذا الدور لا يزال قائماً في الحركات الإسلاموية الحالية تضطلع به حفنة ممن قصروا والتحوا ونعقوا مع كل ناعق بشر أو بخير، وللأسف لعب بعض العلماء دورًا هامًا في تضليل الرأي العام وتفسير النصوص حسب الحوجة فأبرز بعضهم ما عرف بطبعات منقحة لكتب التفاسير والحديث وأسقط كثير منهم نصوصا قطعية ولم يوردوها في كتبهم أو يستدلوا بها في خطبهم، وأصدر بعضهم فتاوى وتشريعات باسم الإسلام قطعت الأوصال وقتلت وقادت حروبا سياسية جعلتها دينية جهادوية، ومنهم من نصب نفسه أميرا للمؤمنين وجبت بيعته.

لذلك يمكننا أن نرى بجلاء انعكاسات هذه الأنماط التاريخية على حالة المؤتمر الوطني المنحل وما تشهده حركته الإسلاموية، بما فيها الواجهات الفكرية والأيدولوجية والاقتصادية، صراعات داخلية مشابهة للصراعات التي شهدتها دول (الخلافات)، حيث تتنافس الفصائل على الزعامة والنفوذ والسلطة والمال.
 
وقد أصيب الحزب المنحل المؤتمر الوطني، بكل الأدواء التي بث خبثها وسط الكيانات المناوئة له بأجهزته الأمنية وأذرعه القبلية في الحركة والتنظيم، فأصبح حالة متفردة من التشظي والانقسام والتشاكس، كما في أي حركة إسلاموية متحمسة ومتمسحة بالدين سابقة وربما لاحقة، تجاذبته تيارات براغماتية وآراء فكرية مختلفة حول تفسير الإسلام وتطبيقه والحكم والشريعة نظرية وتطبيق، وهو ما قاد إلى ما نشهده اليوم من تنازع في الرؤى والأهداف، واصطفافات إثنية وقبلية تحتدم يوما بعد يوم ولا تحترم التأسي بالدين الحنيف بل تؤطر لذلك الخلاف بانتقاء ما يتساير مع هوى قادة الحزب والحركة.

كذبوا يوم أن قالوا وتبنوا مقولة (الإسلام هو الحل) حتى تخلوا عنه، وضللوا يوم أن رفعوا شعار السيفين والشمس ليستعيضوا عن السيف بالكتاب، واستعاضوا عن العبارات البائدة بأخرى زائلة، فقد رفعوه شعارا كما رفعت من قبل المصاحف على أسنة الرماح، ومارسوا نموذجا سلطويا قاهرا ظالما كهنوتيا أمنجيا دمويا مستبدا وفاسدا، خارج عن الدين ومُبدِّل لنصوصه المنزلة، ومُعدِّل لسنته المؤصلة، فانتقوا الآيات والفتاوى والأحاديث وضلوا وأضلوا عن سواء السبيل ولا زالوا في غيهم يعمهون، ظانين بالله ظن السوء أنهم يحسنون صنعا، حتى بلغ برئيسهم المخلوع البشير أن يصرح للجميعابي بأنه سيتقرب إلى الله بقتل شيخه الترابي، وكذلك يفعلون، مثلما فعلوا بكثيرين من زملائهم في القوات المسلحة كالزبير وإبراهيم شمس الدين وفي الحزب كمجذوب الخليفة وغيرهم في الحركة كثير، وحتما ستدور عليهم الدائرة: ﴿وَجَزَ ٰ⁠ۤؤُا۟ سَیِّئَةࣲ سَیِّئَةࣱ مِّثۡلُهَاۖ فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِینَ﴾ [الشورى ٤٠]، ولن نقمط من أحسن منهم حقه لأن الله قال: ﴿هَلۡ جَزَاۤءُ ٱلۡإِحۡسَـٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَـٰنُ﴾ [الرحمن ٦٠]، وقوله: ﴿وَسَیُجَنَّبُهَا ٱلۡأَتۡقَى﴾ [الليل ١٧]

واجبنا أن ندمج السياسة والدين دمجا مقاصديا يجمع ولا يفرق، ييسر الحياة ولا يعسر، يبشر الناس ولا ينفر، يرتق الشقاق ولا يفتق، يغني الضعفاء ولا يفقر، يقدم الأمم ولا يؤخر، يكرم الإنسان ولا يجرم، هذا ما ينبغي أن يطلع به العلماء والفقهاء والأئمة والدعاة وأن يلعبوا دورًا هامًا في توجيه الرأي نحو هذه المقاصد فيكون (الدين المعاملة)، و الدين النصيحة لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم، وتفعيل مؤسسات معرفية ومراجع دينية تهدي إلى الحق وتضطلع بتفسير النصوص الدينية بما يتوافق مع مقاصد الشريعة وليس مع أهداف الحركة أو المذهب أو الحزب أو الطائفة.

علينا جميعا أن نستأصل هذا النهج المتناسل من الاستبداد ونؤصل صحيح المعتقدات والمعاملات والتفسيرات التاريخية بعمق في نفوس المؤمنين، ونزرع في نفوس أبنائنا جذور الدين لا قشوره بما يجعل من الصعب تغييرها أو تجريفها بالرياح العواصف من ملهيات العصر، وذلك بالاستناد إلى النماذج التاريخية السليمة القويمة التي لم تعبث بها أيادي التنقيح والتجريح، والتي تستند على قطعيات الورد والدلالة، وتهتدي بنماذج تاريخية معينة، مثل الخلافة الراشدة، حينئذ سنشكل إطارًا مرجعيًا لأفكارنا وأفعالنا يوحد أهل القبلة ويفتح الحوار مع أهل الإيمان ويسهل التعايش والتسامح مع الحضارات والملل والنحل الأخرى.

 وعلينا عدم الركون لانتصار أصحاب الحناجر العالية والعقول الخاوية، وألا نجزع من غياب بدائل هدائية واضحة، لأنه في ظل غياب بدائل قيادية واضحة، تبقى وتستمر النماذج التاريخية هي المرجع الأساسي والملهم للاعتبار والاجتهاد وهي الطريق للانتصار فمثلما اغترف بعض المتأسلمين من آسن التجارب، هناك من يستطيع أن يغرف غرفة من بحر علوم الأولين لا يظمأ ولا يضل بعدها أبدا.

ختاما: أؤكد أننا قادمون من الماضي ذاهبون إلى غد آتي في دورة حياة تتكرر فصولها بأشخاص غيرنا ولكن تبقى الحقائق هي الراسخة والنصوص القطعية هي الباقية والتجارب الصحيحة هي الموثوقة، لذاك فإن فهم التاريخ الإسلامي يمنحنا أدوات لفهم واقعنا المعاصر بشكل أفضل، فالتاريخ ليس مجرد سلسلة من الأحداث، بل هو سياق يساعدنا على فهم أسباب الصراعات، وتنوع الأفكار، وتطور الأشياء خاصة هذه الحركات الإسلاموية، مع يقيني التام أن التاريخ ليس حتمية وأنه لا يحدد المستقبل، ولكن فهمه يساعدنا على اتخاذ قرارات أفضل، وأن التنوع هو أصل الأشياء وأن ما انطبق على نموذجنا الإسلاموي الإخواني الشائه لا يمثل كل التجارب فالحركات الإسلامية المعاصرة متنوعة ومتفردة، ولا يمكن حصرها في نموذج واحد، وكذلك التغيير والتطور سمة كونية غالية، بموجبها يتغير التاريخ الإسلامي باستمرار، ويتطور مع تغير الظروف والأزمنة، فقد قال الامام المهدي عليه السلام: (لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال).



الثلاثاء، 12 نوفمبر 2024

كفى كفى .. صفقة سرية جديدة مشبوهة تهدد أمن السودان

كفى كفى .. صفقة سرية جديدة مشبوهة تهدد أمن السودان

𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق

تتداول في الأوساط السودانية أنباء عن صفقة سرية تهدف إلى فرض تأمين سفر إلزامي على كل مواطن سوداني عند استخراج جواز سفره. هذه الصفقة، التي تشير المعلومات المتوفرة إليها أنها تتم برعاية من المخابرات المصرية، تحمل في طياتها مخاطر جسيمة تهدد أمن السودان واستقلاله.


وفقاً للمعلومات المتداولة، فإن شركة تابعة للمخابرات المصرية تسعى إلى الحصول على عقد لتوفير تأمين سفر إلزامي على كل جواز سفر سوداني، وتقدر قيمة التأمين بـ 80 دولارًا أمريكيًا، وهو مبلغ مبالغ فيه مقارنة بسعر التأمينات المشابهة في الأسواق العالمية، والتي لا تتجاوز عادة 10 دولارات.

تتمثل أخطار هذه الصفقة في عدة جوانب:
* يمثل فرض تأمين سفر إلزامي بقيمة 80 دولارًا عبئًا إضافيًا على المواطنين السودانيين، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشونها.
* تتيح هذه الصفقة للشركة المصرية الحصول على بيانات شخصية شاملة عن جميع المواطنين السودانيين الذين يستخرجون جوازات سفر، مما يمثل تهديدًا خطيرًا لأمن السودان واستقلاله.
* إن تدخل جهاز أمني أجنبي في شؤون السودان الداخلية يعد انتهاكًا صارخًا للسيادة الوطنية، ويهدد استقرار البلاد.

نفس هذه الشركه كانت قد حصلت على موافقات من مكاب كل من: (وزير الداخلية ووزير الاتصالات ومدير الشرطة ومدير الجوازات وأ. آدم حريكة من مكتب رئيس مجلس الوزراء)، كان ذلك أيام حكومة رئيس مجلس الوزراء د. حمدوك.

زار مندوب الشركة أجهزة ووحدات معنية في البلاد للحصول على موافقتها والتي كان على رأسها حادبون على مصلحة وأمن الوطن والمواطن، وبعد التحري رفضت مؤسسات الدولة إعطائهم الموافقة، بما فيها الرفض القاطت من جهاز المخابرات العامة والأمن الاقتصادي.

 وبجهود كبيرة والتواصل بمكتب دكتور حمدوك تم احتواء الأمر في آخر لحظة، وتحصين معلومات البلاد وتحجيم الخطر والتمكن من إيقاف هذه الجريمة، ولكن يبدو أنهم الآن وجدوا ضالتهم بعد انقلاب أكتوبر 2021م والإطاحة بدكتور حمدوك وحكومته وأجهزته الحادبة على مصلحة البلاد والعباد.

والآن قد تمت الموافقة من دكتور جبريل وزير المالية وإدارة الجوازات والسيطرة الهجرية، والآن يتولى مكتب البرهان تنفيذ الأمر مع وفد من المخابرات المصرية.

نعم! حاولت جهات حكومية سودانية سابقة في الحكومة الانتقالية إحباط صفقات مماثلة، حيث تم رفضها من قبل مؤسسات نزيهة وقوية وصارمة كما أسلفنا، وذلك لما تحمله من مخاطر على الأمن الوطني، ولكن كما يقال في المثل: (عندما يغيب أب شنب يلعب أب ذنب)، وهو ما يؤكد أن الظروف السياسية الحالية في السودان، بعد الانقلاب العسكري، قد مهدت الطريق لسدنة الإنقاذ وفلول الحزب الحاكم لإعادة طرح هذه الصفقة (العطنة) وتنفيذها.

إن هذه الصفقة تمثل جريمة في حق الوطن والمواطن، وتستوجب من الجميع الوقوف في وجهها، وأدعو الشرفاء قي كل مؤسسات الدولة ومرافقها وقوانا الحية السودانية إلى حض حكومة الأمر الواقع التراجع عن هذه الصفقة، وحماية مصالح الشعب السوداني وأمنه واستقراره، ولا سبيل لقيادات المجتمع المدني والقوى السياسية إلا التكاتف والعمل سوياً لإفشال هذه المخططات المشبوهة، مخطط العملة، مخطط بيع البلاد، مخطط تهريب الثروات، مخطط التقسيم، وأخيرا مخطط تمكين الأجهزة الأمنية الخارجية من معلومات السودانيين.

ختاما: إن ما يحدث في السودان اليوم هو محاولة ممنهجة لتقويض مؤسسات الدولة ونهب ثرواتها، ويمبغي على الشعب السوداني أن يكون يقظا وعلى قدر المسؤولية، وأن يقاوم كل أشكال التدخل الأجنبي والتآمر على بلاده، وقديما قال الشاعر:
العندو حق بضحي وبحميهو بي زندو
والما عندو حق ضهرو الجبل ما بسندو


كفى كفى .. أوقفوا هذه الحرب اليوم قبل أن نستيقظ غدا ونجد السودان محافظة مصرية وسكانه رعايا لنظام غير الذي يحكم بورتسودان.


حسبنا الله ونعم الوكيل .. وكفى بالله حسيبا

الجمعة، 1 نوفمبر 2024

شرق السودان تنازع الهويات وتدافع المصالح

شرق السودان تنازع الهويات وتدافع المصالح


𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق
يشهد شرق السودان تحولات عميقة ومعقدة ونزعات جهوية وهوياتية كبيرة تجلت في حديث عدد من المتحدثين باسم الشرق كالناظر ترك وشيبة ضرار وغيرهما، هذه التحولات تتأثر بشكل مباشر بالصراعات الدائرة في البلاد إذ أن الشرق ظل الأداة الطيعة والعصا التخريبية في أيدي الطغاة على مر الأنظمة العسكرتارية، فمنذ اندلاع الحرب الأخيرة، تحول الإقليم إلى ساحة صراع بين قوى متعددة ومحتشد للعدة والعديد من مختلف الألوان والأعراق كل يحمل سلاحا مستقلا، الأمر الذي قاد لتفاقم الأوضاع الإنسانية والسياسية والأمنية، في الشرق وانعكس الصرف العسكري على وضع البلاد عموما.

لا يمكننا فهم الأزمة في شرق السودان بمعزل عن التطورات الإقليمية والمطامع الدولية والمخاوف الأممية، فالتنافس بين الدول الإقليمية على النفوذ في المنطقة، وتحديدًا بين السودان وإريتريا، يلقي بظلاله على الأحداث الجارية، وترى الدول المتشاطئة على البحر الأحمر أنها أحق بالهيمنة على أمن واستقرار البحر الأحمر، وهو ذات ما حفز التنافس الروسي الأمريكي للسيطرة والتموضع فيه، فيما ترى دول ذات أشواق تاريخية لبحث دولة فارسية أو عثمانية أنه من الواجب أن تجد موطيء قدم لها في ساحل البحر الأحمر، وتسعى كافة هذه الدول إلى استغلال الصراعات الداخلية لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وتموضعات جيوسياسية، مما يزيد من تعقيد الأزمة الداخلية ويهدد أمن الوطن وسلامة المواطنين ويمدد آماد الحرب.

وما يؤسف له تلعب القوى المسلحة دورًا محوريًا براغماتيا يصل حد الانتهازية والابتزاز في تأجيج الصراع، فالتناسل الهندسي لجماعات مسلحة على أسس إثنية ووجود هذه المليشيات، سواء كانت من داخل السودان أو من دول مجاورة، يزيد من حدة التوترات ويهدد الأمن والاستقرار، وينذر بوعيد شديد لمواطني الشر، كما أن هذه المليشيات وقادتها غالبًا ما ارتبطت بشبكات تهريب الأسلحة والمخدرات والبشر لفترات طويلة ومثلت مافيا خارجة عن القانون تقتلت من تلك العمليات والآن تم تمكينها من أسلحة ومتحركات وأموال تحت مرأى ومسمع السلطات مما يزيد من خطورتها.

ظلت شعوب شرق السودان من نزاعات هوية ونزع انتماء، حيث استغلت بعض القوى الاجتماعية تلك التناقضت وتنازع القوى السياسية المختلفة على تمثيلها، هذا الصراع على الهوية زاد من الانقسامات الاجتماعية والسياسية، وجعل من الصعب تحقيق المصالحة الوطنية حتى في الحيز الضيق المستقر والذي تتخذ منه حكومة الامر الواقع ملاذا آمنا، فالتنازع في أوجه والتضاد في ذروته، والآن يعمد النظام وأجهزته الأمنية إلى التلاعب واستخدام تلك الحالة للتحشيد والاستنفار والتسليح، مع العلم أن الشرق فيه من التضاريس والحدود المفتوحة التي تعذر أي محاولات سيطرة على هذا السلاح حال انفلاته.

لا أرجم الغيب ولكن مستقبلاً شرق السودان سيواجه تحديات كبيرة بعضها آني وآخر آتي من أهمها:
* تعذر الحفاظ على وحدة وسبيكة سكان شرق السودان المجتمعية، مما سينعكس سلبا على تسبيك وتشبيك لحمة الوطن السودان، وسيتعذر تجاوز الانقسامات الإقليمية والقبلية.
* مع الارتباطات الخارجية الماثلة سيتعذر بناء دولة قوية وعادلة ومستقلة وذات سيادة تحترم حقوق جميع المواطنين.
* مع إدماج وإدراج المجرمين وتجار البشر وأمراء الحرب سيتعذر تحقيق مكافحة الفساد المستشري في البلاد، وستنعدم سبل الوصول لإعمال الشفافية والمساءلة.
* التلاعب الحالي على حبال التفريق والتمزيق سيحول دون إجراء حوار وطني شامل يجمع جميع الأطراف السودانية للخروج من الأزمة الحالية.
* مع تكاثر وتناسل أطماع كثيرين من الداخل والخارج في ثروات الشرق وموارده الطبيعية (نفط، ذهب، غاز، معادن، أسماك، سياحة .. الخ) سيتعذر حماية تلك الثروات من التهريب والنهب والسلب، لأن المدافعين ليسوا أفراد وإنما مافيا وعصابات ودول وأحلاف.

لذلك يقع على عاتق حكماء الشرق بمختلف تكويناتهم القبلية والسياسية وطوائفهم الدينية وانحيازاتهم الخارجية، أن يمنعوا كل عابث من اللعب بمصالح الأهل فيه، وأن يرجعوا كل متمادٍ إلى جادة الصواب، وأن يردعوا كل متدخل بسوءٍ في أجندة الشرق، وإلا سينجرف شرقنا الحبيب إلى بحيرة الدم التي غاصت فيها أقدام بقية الأقاليم، ويرجى ألا يكون أهل الشرق مطية لأجندة خارجية ونزعات تقسيمية لأنهم إذا وحدوا كلمتهم وقووا عزيمتهم بإمكانهم جعل الشرق ملاذاً إنسانيا للفارين من الحرب ووجهة استثمارية لكل من ينشد التجارة أو التصدير أو الاستيراد أو العمران أو حتى العمل الحرفي اليومي، وبذلك سيكون الشرق رئة التعافي الوطني، التي من واجب كل حادب الحفاظ عليها منتعشة حية وحيوية وإلا فباختناقها ستختنق حياة المواطنين وتزداد حالة الانهيار للاقتصاد القومي تدحرجا.

ختاما: إن الأزمة في شرق السودان هي نتيجة لتراكمات تاريخية من التهميش والظلم، ولأن شرق السودان يشهد نزيفًا مستمرًا جراء صراعات لم تنته، سيمر شرق السودان بمرحلة حرجة في تاريخه، ونحن في حالة مخاض قد تتحول فيه أرض البجا إلى ساحة حرب لا قدر الله، لتدفع تلك الأرض ثمن طموحات القوى الكبرى، ويتطلب الخروج من هذه الأزمة رؤية واضحة واستراتيجية شاملة، الواجب على جميع الأطراف السودانية، بدعم من المجتمع الإقليمي والدولي، العمل معًا لبناء مستقبل أفضل للشرق ولعموم البلاد وكبح جماح المتدخلين بسوء في الشرق، وينبغي أن نعمل جميعًا على وقف هذه الحرب لبناء سودان واعد وواعٍ ومتجدد، يرتكز على الوحدة والمساواة والكرامة الإنسانية ويحافظ على شعارات الثورة في أجندته المستدامة (حرية، سلام، عدالة)، ولن يتأتى ذلك إلا بالركون لصوت الحكمة والعقل، لأن الحوار هو السبيل الوحيد للخروج من هذه الأزمة، وليس السلاح.