*`صيدنايا كابوس يستثير آلام الضحايا في السودان`*
𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق
● مشاهد السجون السرية والمخابي البوليسية والمقابيء القميئة وبالخصوص ما نشر من داخل سجن صيدنايا السوري والصور القبيحة التي تداولتها وسائل الإعلام، وتناقلتها الوسائط بنشر فيروسي ضجت به المواعين الإعلامية مؤخراً، ما نشر من فظائع صدم من شاهده وقوبل بدفق للمشاعر الصادقة، وتبدى عار البشرية في قرنها الحالي بجلاء، وبتلكم الفوادح التي لاحت لتمثل جرحاً غائراً لن يبروء أبد الدهر، ووسما بالنار على جبين هذه الأمة العربية ومخرزا مغروسا في ضمير الإنسانية، فقد تكشف للعالم بجلاء حجم الجرائم الوحشية التي ارتكبها نظام الأسد بحق بني وطنه.
- تلكم المناظر المفزعة حفزت العقل الإنساني وحركت كوامن الضمير الوجداني وأثارت العديد من الأفكار والتساؤلات عن إمكانية ارتكاب نظام أو جهة أو سلطة ما لمثل تلك الفظائع، فقد رأينا غرفة الإعدام والمكبس الآلي التي توضح بجلاء مدى التخطيط المسبق والمنهجي لجرائم الإعدام الجماعية في سجن صيدنايا، وكيف استخدام المكبس الآلي لتدمير الجثث؟ وهو ما يدل على رغبة النظام في طمس الأدلة وإخفاء جرائمه، هذا الفعل ليس بغريب فقد رأينا كيف كانت توجيهات الرئيس البشير لقياداته بإخفاء الآثار، وفي أعوام الحرب في دارفور كانت جثث الضحايا تحرق ثم تردم وتطمر بها الآبار ويقتل من نفذوا المجازر وتحرق الآليات بعد التخلص من الفاعلين كما حدث في وادي صالح وبندسي ومهاجرية ومكجر وشطايا وقريضة وغيرها من القرى التي مسحت عن الوجود.
- مشهد السجينات الخارجات من السجن ومعهن أطفال صغار نتيجة جرائم الاغتصاب مثل جريمة إضافية أخرى مفزعة ومروعة، ويكشف عن مدى الوحشية التي تعرضت لها النساء السوريات في السجون، فقد بدين مذعورات وهن يسمعن صرخات الثوار لإطلاق سراحهن غير مصدقات ولا مطمئنات حتى، وهذا أيضا يماثله في السودان عشرات الأطفال من أبناء ناجيات الحرب لم يروا آباءهم بل لا يعرفونهم حتى من هم وأين ذهبوا، إلا أن ذلك لم يتم توثيقه ولم يؤبه به يومئذ.
- أما مشاهد التعذيب المؤلمة تؤكد حجم المعاناة التي تعرض لها المعتقلون في سجون النظام، وتفضح أساليب التنكيل الوحشية التي تم استخدامها، وهذه لنا فيها قصب السبق في السودان، فقد تفننت الانظمة الاستبدادية في تعذيب الضحايا فهناك من قابل ربه وهو مشوه الجسد ومقلم الاظافر ومحروق الجسد ومخروق الدبر، ولي تجربة شخصية ولأقراني وزملائي حكايات لا أعلم لماذا لم نبح بها إلى الآن ورواية تفاصيلها، هل ربما لأننا استصغرناها أمام أرواح من فقدناهم من زملائنا رفاق النضال؟؟ فقد مورست ضدنا جميعا أشد أنواع التنكيل والتعذيب في عهد المخلوع البشير ولا زال زبانيته وعناصره الأمنية التي سامتنا سوء العذاب طلقاء، فقد قابلت يوما جلادي الذي كان يعلقني في الباب مقيد اليدين معصوب العينين ويسومني ما شاء من حصص التعذيب، والتقيت بالضابط الذي كان يأمر بجلدي وغيره ممن رأيتم في مختلف محطات الاعتقال، جميعهم طلقاء بل في الخدمة!!! ويشاركون في مؤتمرات العملية السياسية التي انطلقت في السودان وتم إجهاضها بحرب أبريل 2024م.
- هذه المشاهد ذكرتني بمسيرة الانتهاكات التي كابدتها وزملائي ومن سبقني، وقفزت إلى ذهني مشاهد، الاعتقال العنيف والهجوم علينا بالهراوات ودس رؤوسنا في أكياس معتمة سوداء تقطع الأنفاس مصحوبا ذلك بأقذع الأوصاف وأبذأ العبارات، وكل أنواع السباب والإساءات للأم والأب والدين والذات العلية الإلهية إذا قدر الله لك وأن رددت في سرك حوقلة أو حسبنة، أو استرجعت لله أو نطقت بالشهادة، ستسمع ما لن ترضاه في الله وفي أمك وأهلك أجمعين.
- تذكرت أطفالا كانوا يعتقدون وهم يخرجون من المساجد أيام الجمع (الشهيرة) فيؤخذوا ليعذبوا وينكل بهم وكيف تستخدم بذاءات التعذيب لانتهاك براءاتهم، وكيف يتم كبنا على وجوهنا بعضنا فوق بعض وجلوسهم علينا والقفز على ظهورنا بالأحذية، وسلخنا بألسنة غلاظ حتى الوصول إلى المحطات الفرعية، في العربي بالخرطوم أو العمارات شارع 61، أو 51، أو لفة الجريف، أو مقابر الصحافة، أو أم درمان مبنى العاشرة أو سوق الشهداء أو مركز بانت، وغيره من المعتقلات التي عرفنا أماكنها، وغيره من بيوت الأشباح التي افتتحت بكوادر القوى السياسية والنقابيين والتي لا يعلمها كثير منا، والتي كان يعمل فيها كوادر التنظيم الطلابية والفئوية الذين يستلذون بزملائهم وأول من فعل ذلك نافع علي نافع بالدكتور الشهيد علي فضل.
- تذكرت كل تلك المسيرة المنهكة وأنت تصل ما يعرف بالمحطات، مثخنا بالجراح ومهانا، وغارقا في الدماء، ليمارس عليك ما كان يعرف بالحفلة، فيتقاطر الجلادين المنتشين بحصادهم، أو ما يعرف بالفنانين، وتبدأ حفلات السمر والسهر لتستمر لساعات وربما لأيام، تخرج وردية لتستلم أخرى، فيصل بنا الحال لدرجة عدم الشعور بما حولنا، وبعضنا يغمى عليه فتسكب عليه المياه الباردة ليستيقظ فيستمر تعذيبه، ومن أغشي عليه ولم يفق يتم إرساله لقارعة الطريق إن لم يكن لهم فيه حوجة، أو يتم استبقاؤه معتقلا في مشافيهم ومراكزهم العلاجية كما حديث لشقيقي وعيني وعوني وعمادي عماد الذي فقئت عينه بالتعذيب.
- صرخات المعتقلات السوريات وهن يطالبن بالأمانات (متعلقاتهن) وأوراقهن الثبوتية (هوياتهن)، ذكرتني تجريدنا من متعلقاتنا وأغراضنا كيف تأخذ ويتم التفتيش الشخصي والخاص، بصورة توضح سوء أخلاق من يمارسون تلك المهنة، الذين لا تصمت ألسنتهم عن ملاحقتك بالبذاءات ولا تكف أياديهم عن التحرش والإيماءات القذرة، وكيف يستغلون خوف البعض فينهبون ما غلا ثمنه من هواتف وأموال واكسسوارات من الفتيات، وهم يصرخون في وجهك عند تسجيل أشيائك في - محطة التسليم- بتلك العبارة التي ترن في الأذن: (في زول شالوا منو حاجة؟؟!!)، وهذا السائل يعلم أنكم مجردون إلا من شهادة لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ، فقد أهدرت كرامتكم الإنسانية قبل أن تصلوه ليذلكم هو بدوره من جديد ويهينهم ويمسح بما تبقى منها بلاط الزنازين البارد، الذي يخلط في الشتاء بالماء.
- تذكرت فرحتنا بالوصول إلى الزنازين وابتهاجنا بوحشتها التي تعني انتهاء وحشية حفلات التعذيب أو فرصة للالتقاط الأنفاس للعودة يوما آخر مع التحقيق، وإمكانية أن تلتقط أنفاسك لتبدأ بالتفكير في اليوم التالي، بعضها كزنزانة نيابة أمن الدولة دخلتها وهي مطبخ في بيت علمت فيما بعد أنه مملوك لواحدة من سيدات النظام البائد مستأجر لنيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة، وكان يومها هذا المطبخ الذي لا تتجاوز مساحتة (3×5 م.م) به ما يزيد عن (35) معتقل وجميعهم رجال بالغين، ليس له سوى منفذ واحد، وغيره زنازين وحراسات كثيرة منها زنازين الإعدامات في كوبر وما يعرف بخمسة دقايق ولكن أكثرها رسوخا في الذاكرة (ثلاجات الموز)، وهي معتقلات باردة إضاءتها لا تنطفي لأي سبب والتكييف فيها لا يقف أبدا لا تعرف فيها الليل من النهار، دخلتها في فترات متعددة ومتفاوتة، لها باب فولاذي محكم به فتحتين واحدة تكفي لإدخال صحن الطعام، وأخرى دائرية (عين) بمقدار غطاء علبة، وتبرز صورة جدران كوبر التي نقش على حجارتها ودون فيها أسماء المعتقلين في المنتظرين وحوش الطواريء في حقب كل الدكتاتوريات ففي قسم الشيكات أذكر نقشا لاسم الراحل محمد أحمد عمر أبو الجدي أحد شهداء يوليو 1976م، ومنها كنا ننظر للمقصلة الحديدية التي صممت لإعدام شخص واحد وهو الشهيد الأستاذ محمود محمد طه، وفي قسم المنتظرين نقشت أسماء كثيرة لساسة جنوبين وشمالين، حاولوا طمسها بالطلاء الجيري ولكنها لا زالت موجودة وفي المعاملة (ج) رأيت زنزانة الامام الصادق المهدي عليه الرحمة والرضوان الانفرادية في حوش منفصل ببابها الذي يتجه جنوبا، وفي الشرقيات زنزانة الراحل حسن الترابي تجاورها شجرة النيم، والتي قضيت فيها عدد من الأيام رفقة العميد كمال إسماعيل والحبيب محمد صالح مجذوب، وأبو بكر التجاني من الأبيض، وغيرهم.
- بدا لي وقتها تصميم تلك الزنازين معايرا للمواصفات، فقد كانت المفارش بريطانية مقاومة للماء والاتساخ، والأسرة فولاذية مثبتة على الأرض والجدران وطاولة ومقعد ومروة وحوض الحمام ومقعده جميعها حديد (stainless) وباب خشبي قصير يرتفع عن الأرض حوالي (30) سم، ولتصل هذه الزنازين التي تتوزع على ثلاثة طوابق تستغل مصعد كهربائي أمريكي الصنع، من المشاهد التي لا أنساها فيه كيف كان يقتاد أبناء إقليم دارفور زرافات للتحقيق وعينما يعودون تسبقهم دماؤهم النازفة لأرضية المصعد، وكيف كان (نصر الدين) الملقب (بحضرة صول) يعود إلي في الزنزانة متألما من جراحه، رافقني بآلامه لمدة مع السنجك من حزب البعث ومصطفى من شباب حركة الاخوان المسلمين مصري الجنسية وعدد من الشباب.
- ذكرتني تلك المشاهد شباب تزاملنا معهم في تلك (الثلاجة) يتبادلون التحايا والصيحات بعد أن فتحت تلك الشرعة التي أشرت إليها فيتفقدون بعضهم بعضا، بعد أن كانت طمأنتهم تقتصر على الضرب بقبضة اليد على الجدران، وابتكروا ما عرف بمكالمات الزنازين، منهم من خرج تلك الأعوام من البلاد ولم يعد أبدا ومنهم من عاد ومنهم من بقي يناضل حتى سقوط المخلوع في إبريل 2019م، أسماء كثيرة لا يسعني المجال لذكرها منهم قيادات في الحركة السياسية، الثمانينيين كاللواء فضل الله برمة ناصر والعم صديق يوسف والعم علي الريح السنهوري، والسبعينيين كالدكتور إبراهيم الأمين والعم السباعي، والشباب الذين كانوا لا تحصر أعدادهم خاصة حينما تشتد المواكب ويتزايد الحراك، فتسمع بوصول الأسماء تباعا المهندسين صديق الصادق وعمر الدقير وقادة القوى السياسية رجال ونساء عميدتهم في سجن النساء الحبيبة سارة نقد الله التي ألفت تلك السجون مع زميلاتها الراحلة سارة الفاضل وصويحباتهن وبناتهن من بنات جيلي والفتيات اليافعات اللاتي ضجت بهن حراسات الطواريء إبان الثورة، وتعلم فيما بعد أنه قد تم اعتقال أعداد من الولايات وتم ترحيلهم إلى هناك ومجموعات يتم ترحيلها من الخرطوم إلى الولايات وغالبا كان الخيار الأقسى هو سجن بورتسودان (الأسود).
- صيدنايا ليس سجنا سوريا فحسب وإنما شرارة تلهب اشتعال شعور كل المفجوعين والموجوعين وتستثير في دواخلهم الأبعاد النفسية والاجتماعية والصدمات النفسية التي تركت آثاراً عميقة على كل الناجيات والناجين والمشاهدين على حد سواء، فلا أحد يعلم كم هن الصامتات اللاتي اغتصبن ولم يذكرن ذلك، وكم من الآلام تعرضن لها ولا زلن في المخابيء والمعتقلات السرية وكم هن المخفيات قسريا والمستعبدات جنسيا في تلك الحقب وفي ظل الحرب الحالية التي وثقت تقارير لفظاعات في حقهن ومشاهدات لما ارتكب من جرائم على أجسادهن.
- سيتذكر الجميع ممن شاهدوا صيدنايا الانتهاكات الجنسية وجريمة الاغتصاب في السجون والتي هي في الأساس جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية تناساها كثيرون ولم يتجرأ إلا عدد قليل بذكرها، وكيف كانت تضرب مناطقهم الحساسة بالهراوات وأطواق القفل الحديدية؟ وكيف ظلت تلازمنا الآلام لأيام فننزف ونتبول الدم، إنه لألم!! ذكرتني صيدنايا كل ما كابدناه من آثار نفسية واجتماعية ستظل باقية، ظننت أني نسيتها، ومثلي كثير من الضحايا ذوي النفوس المشروخة التي لم تبرأ جراحها بعد.
- الغريب في الأمر لم يتملكني يوما شعور الانتقام، ولم أذهب لخيارات الاعتداء والعنف، بل لا زلت أذكر أسماء ومناطق وأشكال ضباط وأعرفهم كراحة اليد: (عمر، ياسر، عاطف، أنس، المنصوري، فرح، الحقنة، برير، خالد، موسى، نصر، ومجموعة بواليس الإعدامات في سجن كوبر الاتحادي ورأسهم اللواء ضحية ورؤساء الأقسام (الشرقيات الغربيات المعاملة (ج) والشيكات والمنتظرين) وأقسام جهاز الأمن (العنابر والغرف جوار الجزاءات الشرقية .. إلخ) هذه الأسماء الأولى بعضها حقيقي وبعضها علمت فيما بعد أنه حركي، كان توجهي دائما أنهم مستخدمون وما هم إلا أدوات، ووجهت في كل المراحل نضالي ضد رأس الحية المخلوع وأعوانه: (قوش، وعطا، وعبد الغفار) ومن سبقهم ممن فتحوا بيوت الأشباح: (قطبي، ونافع وغيرهم)، وكابدت وزملائي في مشوار إسقاطهم لئلا أعود لهؤلاء السجانين أبدا بأي حال، وإطلاقا لم تدفعني تلك الممارسات وكثير ممن معي من الناجيات والناجين وأهالي الضحايا إلى الرغبة في الانتقام، وسرنا وثرنا سلميا حتى أطحنا بالطاغية، شاركنا في ذلك التحرك السلمي حتى أولئك الذين خرجوا معنا من المعتقلات وحملوا السلاح اختاروا طريق الثورة السلمية، عادوا ليسيروا معنا في الشوار بسلاح الهتاف.
- كان بمقدورنا استخدام هذه التأثيرات لتصميم حملات انتقامية شرسة حقودة، وجعل هذه القصص والسرديات أداة في الصراع على السلطة، لنشيطن بها أولئك الجلادين والزبانية ليلاحقهم الثوار في بيوتهم، ويعلقوهم على الأشجار وأعمدة الكهرباء وتسلخ جلودهم، ولكن كان الخيار هو المضي في الخيارات التي سنتها الشرائع السماوية وارتضها المجتمعات المتطلعة للعدالة والحرية والسلام، والتزاما بشعارات الثورة: (سلمية سلمية).
- رغم ما للضحايا من حقوق رد كرامة واعتذار من تلك الجرائم لم يتكبد عناصر النظام السوري المباد وجلاديهم في صيدنايا عناء الاعتذار بل هربوا بما خف وزنه وغلا ثمنه، وهو ذات ما حدث في السودان، فقد خرجوا جميعا بصالات مطارات الخرطوم الدولي والمعابر البرية يحملون الأموال التي اكتنزوها، ومن بقي منهم في السودان لم يخرج حتى للصلاة في المسجد خشية نظرات الناس التي تحتقرهم، وهو الذي كان الشيخ والأمام ومفتي الديار ورئيس اللجان الشعبية والشبابية والحزبية، ولكن فسحة التعامل القانوني السهل والسلس جعلتهم يستخدمون تلك الأموال المنهوبة لهدم كيان الدولة وتقويض الحكومة من منصات داخلية وخارجية، واستمروا في شراء الذمم لاستعادة فردوسهم المفقود واستعادة الجلادين لسياطهم وأدوات السحل والتعذيب وفتحت بيوت الأشباح التي أوصدتها حكومة الحرية والسلام والعدالة، ليتنفسوا بعد انقلاب أكتوبر ويتغطرسوا بعد حرب إبريل ويعودا لضلالهم القديم أشد بأسا وأشد تنكيلا.
- إن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم العدوان التي ارتكبت في سجن صيدنايا مؤكد أنها لا تغتفر، وتخضع للمساءلة القانونية الدولية، وهو ذات ما حدث في السودان بقتل واغتيال مليوني نفس في حرب الجنوب وما بزيد عن (300) ألف نفس في إقليم دارفور وعشرات الألاف في المنطقتين، وهو ما استوجب ملاحقة جنائية دولية من المحكمة الجنائية الدولية(ICC ) للرئيس المخلوع وعدد من قيادات حكومته وحزبه الذي تحالف مع البعث السوري في آخر أيامه، ولكن التهاون في الاقتصاص جعل من هؤلاء الملاحقين جنائيا حكاما وقضاة ومسؤولين تمت استعادتهم بأيديهم السرية في الدولة العميقة الخفية، وهو ما يمكن أن يحدث في سوريا ما لم تتحقق العدالة والإنصاف للضاحايا وجبر الضرر وتحقيق مبدأ عدم الافلات من العقاب.
- لذلك سوريا الجديدة تقع على عاتقها مسؤولية عظيمة وهي إقامة العدل ومسؤولية بواقي النظام السوري القائم تملي عليهم أن يتحملوا المسؤولية الكاملة عن هذه الجرائم ويدلوا بشهاداتهم، ويجب على النظام القادم أن يضطلع بدور رد الحقوق وألا يتأخر المجتمع الدولي في طلب بشار للعدالة الدولية وملاحقته ومحاسبته، حتى لا ترتد أيادي النظام الذي جثم لستة عقود على صدور شعبه، مثلما أدى تهاون المجتمع الدولي في التقصير عن دعم تحقيق العدالة في السودان ليعود نظام متطرف عنيف قضى ثلاثة عقود على رقاب الشعب السوداني ليعود بعد ثورة عظيمة أشادت بها دول العالم ليمارس ما هو أشد فظاعة وتنكيلا بعد انقلاب أكتوبر 2021م ويخرج المطلوبون للعدالة الدولية مادين ألسنتهم للعالم.
- إن الحالة السورية الآن مدفوعة بتيارين، أحدهما المندفع نحو المصالحة التي تكفل له تجاوز المساءلة عن انتهاكاته وجز رؤوس الأبرياء وأن يكافأ على ذلك بالعفو لأنه قاد مواكب التحرير، والثاني هو التيار الذي يتمسك بحقه في الانتصاف، وهذه الجرائم تعقد عملية المصالحة الوطنية في سوريا، وتجعل من الصعب تحقيق السلام والاستقرار، لذلك الأجدى والأجدر المواءمة بين العدالة والاستقرار وليس المفاصلة بينهما أوالمساومة بواحدة مقابل الأخرى، فلا سلام بلا عدالة، وإلا سيرتد أولئك كما ارتد علينا البشير وسدنته.
- وذلك لأني الآن خلال مشاهدتي لفظائع صيدنايا أيقنت أن الذاكرة الجماعية للشعوب ستُبقي هذه الجرائم محفورة في أقصى مكان ونيرانها تخبو ولكنها لا تنطفيء، ومتى ما استثيرت بخطابات العنصرية والكراهية ستنفجر بركانا من الغضب وستؤثر على السلامة النفسية وتمزق الهوية القومية، وتشظي الوحدة الوطنية، وتفتح الباب لعودة المجرمين والسدنة وفلول النظام السابق وأصحاب المصالح.
- لذلك في اعتقادي أن الواجب الإنساني والأخلاقي والقانوني والسياسي والاجتماعي هو محاسبة الجناة وينبغي على كل دعاة الحقوق رفع الصوت عاليا للمطالب بإنصافهم وعلى المجتمع الدولي بذل كل الجهود لدعم محاكمة المسؤولين عن هذه الجرائم وتقديمهم للعدالة وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا وأسرهم وعدم السماح للأنظمة بالتهاون في إقامة وتطوير مؤسسات عدلية تحقق الإنصاف وتردع المجرمين وتمنع تكرار مثل هذه الجرائم ببناء نظام قضائي عادل يحمي حقوق الإنسان، وفي ذلك قطع لطريق نيل القصاص باليد والمحاكمات الانتقامية التي ستولد العنف المضاد.
● ختاما: مشاهد سجن صيدنايا هي تذكير مؤلم بوحشية النظام السوري وجرائمه ضد الإنسانية، ولكنها تحفيز لكل ضحايا بيوت الأشباح والمعذبات والمنكل بهم أن يخرجوا عن الصمت ويرووا ويُسمعوا العالم ما كابدوه في السودان تحت وطأة نظام المخلوع البشير، وعلى العالم أن يتحرك قبل أن يشاهد مثلها مكررا مرة في السودان بفعل الحرب الحالية التي صمم طرفيها نماذجا خاصة للاعتقال في البيوت المهجورة والحاويات والسجون وتحت الأرض، ولأن من عيوب الثورة السودانية أنها لم توثق لكثير من الجرائم والانتهاكات التي كان بعضها يرتكب في جنح الظلام كالاعتقال والقتل والرمي في النيل مثلما حدث للشهيد الطيب صالح أو غيره من شهداء الحركة الطلابية، ولكن الآن فقد تكفل الجنود والمقاتلين والمستنفرين وحدهم بتوثيق جرائم الاغتصاب والاعتقال والإغتيال والحرق والتعذيب وجز الرؤوس وبقر البطون وأكل الأحشاء ونهب البيوت وحرقها بالطيران أو المسيرات أو القصف العشوائي، وليعلم الطغاة أن يومهم آت لأن هذه الجرائم لا يمكن أن تسقط بالتقادم، وتقع على المنظمات الحقوقية والغرف الإنسانية والمجموعات المتخصصة والمؤسسات الإعلامية رصد هذه الانتهاكات زمانا ومكانا وضحايا وخسائر مادية ومعنوية، وعلى المجتمع الدولي أن يتحمل بدوره مسؤوليته الجادة في تحقيق معادلة الانصاف والاستقرار بتشكيل لجان تقصي حقائق قادرة، وآليات ضغط قوية لتجعل الأنظمة راغبة في تحقيق العدالة، وتسليم المجرمين للمحاكم حتى يراهم غرماؤهم في قفص الاتهام مثلما رأى أهل دارفور اليوم من ضحايا حرب الابادة الجماعية علي كوشيب وهو يقبع خلف القضبان.