الأربعاء، 18 ديسمبر 2024

في ذكرى 19 ديسمبر: محاولات تصفية ثورة ذكية بحرب الأغبياء


في ذكرى 19ديسمبر: محاولات تصفية ثورة ذكية بحرب الأغبياء

 

𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 

`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`


● يتنامى قلقي حقًا كلما تطاولت أيام الحرب لأنها لا تسعى لإنهاء ما سمي بالتمرد وإنما تتآمر سلطة الاستبداد وأيادي الظلم والظلام وتتحالف مع القوى الدكتاتورية المتسلطة لإسكات المجتمع المدني، تُرى ما هي خُطتهم؟ وأد الثورة وطرد قواها الحية وإسكات أصوات المواطنين من المؤسسات المدنية والسماح للسدنة والفلول و الشركات الفاسدة والمجتمعات الغنية المنتفعة بإدارة دفة الأمور في البلاد والتحكم في مصائرنا، هذا أمر غير مقبول ومثير للسخط والغضب، فهو ذات الأمر الذي حفز السودانيين للنهوض في 19 ديسمبر 2018م!

- منذ اندلاع الحرب في 2023م وحتى الأسابيع القليلة الماضية، تلقى عدد كبير من رفاقنا و زملائنا وأصدقائنا في القوى المدنية والكيانات الاجتماعية وتنظيمات الشباب والنساء وغرف الطوارئ وعدد المنظمات غير الحكومية العاملة في الغوث الإنساني والعون الحقوق والرصد للانتهاكات رسائل تحذيرية و تهديدية جماعية وفردية، تهددهم من الانخراط في أعمال الحملات الثورية أو إحياء ذكرى ديسمبر المجيدة والتي تعتبرها السلطة "خطراً على بروباغندا الحرب". وهذا يوضح لنا ما هي الأسباب الرئيسية لإخضاع هذه القوى المدنية لتقويض أركان الثورة ومحو شعاراتها واحدا تلو الآخر، ابتداء بتكميم الأفواه الذي يئد الحريات، وتسعير الحرب الذي يقطع الطريق أمام كل نداءات (لا للحرب – نعم للسلام)، وتدجين المؤسسات العدلية لتمكين الجناة من الإفلات من العقاب وجعل مؤسسات العدالة سيفا مسلطا على رقاب كل من شارك أو ساهم أو نشط أو دعم مسيرة ثورة ديسمبر المجيدة.

- في ذكرى الثورة المجيدة نحن مطالبون بإنقاذ حملة الكلمة، وإعلاء أصواتهم لإسكات أصوات البنادق التي يحملها أصحاب الأجندة التمزيقية لتاريخ الثورة، لأن هذا الهجوم ليس المنظم على قوى الثورة ليس سوى البداية، فاليوم تُستهدف القوى الثورية والكيانات المدنية والجماعات النسوية والمهنية والشبابية وتجمعات النازحين واللاجئين وتعادى المنصات الديمقراطية والإعلاميون الأحرار والمحامون الشرفاء. وغدًا تستهدف أي مجموعة تدافع تنادي بالـ(الحرية والسلام والعدالة) وتباد المجتمعات المهمشة، وتنتهك حقوق الأقليات وتضيع مطالب العمال، وتسكت أصوات السودانيين الذين يرنون لغد أفضل.

- منذ فض الاعتصام في 2019م لم تتوقف القوى العسكرية متحالفة مع قوى النظام المباد وسدنة الدكتاتوريات عن محاولات اختراق القوى الثورية وتشويه صورتها وتفتيتها من الداخل، ونشطت غرف استخبارية وأمنية في ترويج المخدرات والممنوعات، واستأجرت شخصيات على سدة رئاسة المجلس شقق للشباب بحجة حمايتهم وقتئذ، ولكنها كانت غرف للتجنيد والاستقطاب، وقدر رأينا ثمرة ذلك في معسكر الحرب الحالي، واستمرت هذه المحاولات حتى يومنا هذا بالترغيب والترهيب عبر ما يعرف بتنسيقيات القبائل، والأجسام المهنية والشبابية والنسوية، منحا صكوك الولاء ومنعا شهادة البراءة من الخيانة والعمالة والارتزاق وممالأة "التمرد"، فكل من لم ينصع لتلك التهديد لن تنصع صحيفته الجنائية من تهم قد تصل عقوبتها للإعدام أو السجن المؤبد، فالاستهداف اليوم لقيادات القوى المدنية وبعض النشطاء، غدا سيشمل جميع من ساروا في مواكب مناهضة الدكتاتورية طوال حقبتها (1989م حتى 2024م).

- التهديد الذي نشهده وطيف كبير من قيادات ونشطاء وقوى الثورة ليس مهددا لهم في شخوصهم وكياناتهم، ولا يعطل مصالحهم الشخصية، فالحلول البديلة متاحة على الصعيد الشخصي، ولكن هذا الأمر يجعل كل أحلام شعبنا في الحرية والكرامة الإنسانية والمساواة والحكم الراشد والعدالة والديمقراطية مهددة بالزوال، وعلينا ألا نقف مكتوفي الأيدي حيال ذلك وألا نستجيب لما يبث من خطابات تفريقية وتمزيقية تؤسس للكراهية والتشظي والانفصال الوجداني والتقسيم الجغرافي، فكافة أدوات السلطة المستخدمة اليوم تؤكد أننا نمضي نحو تمزيق الوجدان الثوري الموحد، وتشتيت الكتلة الشبابية الحية التي كادت أن تؤسس للسودان الجديد، وتبديد كافة مكتسبات الثورة المجيدة!

- إننا بحاجة إلى التحرك الآن قبل الغد، قبل استحكام حلقات التآمر الداخلي والخارجي على البلاد، وقبل فوات الأوان بتمزيق البلاد وتقسيمها، وقبل أن ينسى بعضنا أن ما يوحدنا أكثر بكثير مما يفرقنا، ولا يمكن أن نستجيب لهذا الابتزاز بنزع الوطنية وانتزاع الهوية ولا ينبغي أن تستسلم لهذا الضغط الذي تسببه الدعاية الحربية، لأن لدينا الفرصة للتصدي لمشروع تصفية الثورة واغتال الثوار، ولدينا إمكانية وقف هذه المؤامرة التي تغذيها أيادي أيدولوجية وتستخدم فيها قوة السلاح وسلطة المال، علينا أن نتحرك قبل أن تبدأ الأمور في التحرج أكثر فأكثر نحو التمزيق والحرب الأهلية الشاملة وربما التدخل الدولي، وحدوا صفوفكم الثورية وراجعوا أخطاءكم واعترفوا بها وتنازلوا تجاه بعضكم البعض، أسدي هذا النصح لحزبي وكياني والمجموعات المدنية التي أنشط بها، وعلكم استدراك أهمية المجتمع المدني وقوته الناعمة في تحقيق الاستقرار واستعادة الحياة الكريمة، وتأسيس جديد لدولة مدنية ديمقراطية فدرالية آمنة وصحية وتعددية نباهي بها الأمم، مثلما فعلنا ذلك في ديسمبر 2018م نستطيع فعل ذلك كلما اشرأبت أعناق الطغاة وأينعت تدابيرهم إنا لقادرون على قطافها.

● ختاماً: أمامكم حصاد ثلاثة أعوام من الثورة وحصيد عامين من الحرب، إلى أين كان بإمكاننا الوصول وإلى أين نحن صائرون حال استمرت الحرب؟؟ تخيلوا وطناً تتمدد الحرب لكل أوصاله، حيث لا يستطيع المواطنون النبس ببنت الشفاه، أو التصدي لقضاياهم الحياتية، أو حتى التمتع بالحقوق الأساسية في الأمن والغذاء والتنقل والتعبير والتعلم والتملك، وغيره من الحقوق التي كفلتها الشرائع السماوية والتشريعات الوضعية والحقوق الإنسانية، وطن لا يستطيع سكانه تنظيم أنفسهم لتحدي الظلم ورفض الانتهاكات ومناهضة القوانين الجائرة والسياسات الخاطئة والممارسات السيئة، وطن الهيمنة فيه لكارتيلات الفساد، والسلطة فيه بيد الطغاة، والمؤسسات فيه بيد الفاسدين الذين أسقطتهم ثورة 19 ديسمبر 2019م، وطن لا تديره أيادي الكفاءات المهنية أو الخبرات المعروفة وإنما تتحكم فيه أيادي العابثين الموالين للطاغية، وتملك الشركات الخاصة موارده وتتحكم في عجلة انتاجه وتسخيره لدعم المجهود الحربي، وهم وحدهم أصحاب الإرادة في صياغة تشريعات وسياسات وأجندة الوطن، فلا تركنوا لتلك الأجندة التدميرية ولا تنحازوا لهذه النداءات الخبيثة المعطونة في خطابات الكراهية، ولا تنجرفوا وراء مخططات تمزيق البلاد، وانتقلوا إلى منصة التأسيس التي جمعتكم واجتمعتم عليها متناسين قبائلكم أديانكم ثقافاتكم اثنياتكم جهوياتكم مللكم ألقابكم ومستوياتكم، وسطرتم معالم طريق عبد الدم والعرق والدموع، ولا تسايروا الهالكين في طريق الحرب القاتم الوعر العسير، فطريق السلام أقصر وأنضر وأيسر.

 رحم الله شهداء الثورة المجيدة وجميع ضحايا هذه الحرب اللعينة وشفا الجرحى والمرضى والمصابين ورد الغائبين والمفقودين والنازحين واللاجئين إلى بيوتهم ردا جميلا.



الأحد، 15 ديسمبر 2024

تأثيرات الحرب على الزخم الثوري في السودان

*`تأثيرات الحرب على الزخم الثوري في السودان`*

𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق
● إن هذه الحرب التي اندلعت فجر ١٥ إبريل ٢٠٢٣م أحدثت تحولات جوهرية في المشهد السياسي، وانهيارُا كارثيًّا في المناحي الإنسانية، وشرخا عميقا على الصعيد الاجتماعي، وتدهورا فظيعا قاد للتردي الاقتصادي، مما أثر بشكل كبير على الزخم الثوري والاستعداد لإحياء ذكرى 19 ديسمبر، واستعادة مكتسبات الانتقال المدني، ومن أخطر تلك الآثار الرئيسية ما حدث من تشتيت لجهود القوى الثورية، حيث تحولت الأولويات وتراجعت "أوج" من المطالبة بالكرامة الإنسامية والديمقراطية والحرية والسلام والعدالة إلى "حضيض" الاكتفاء بالبقاء والنجاة، وقد تعرضت حيوات الكثير من النشطاء والكوادر الثورية للتهديد بالاغتيال أو الاعتقال أوالقتل والتهجير، مما أضعف بنية الحراك الثوري وتراجعت المشاركة الشعبية خوفاً على الأرواح والممتلكات.

- وقد اضمحلت الاحتجاجات والمظاهرات وتآكلت الكتلة الثورية الشعبية لدرجة الانحسار، مما قلل من الضغط الشعبي على الأطراف المتحاربة، وبدورها أدت الإجراءات الأمنية القمعية غير المسبوقة إلى تعميق الانقسامات وزيادة أشكال (المسخ المدني الاجتماعي)، وزادت الحرب من تفكيك سبيكة السودان الهوياتية وزيادة الانقسامات الاجتماعية والسياسية، مما أعاق كافة فرص "التواصل" لتحقيق السلام المستدام و"الوصول" إلى المصالحة الوطنية وقطع :الإتصال" وقفل الطريق أمام بناء دولة مدنية ديمقراطية مستقلة ذات سيادة، وقامت القوى المتحاربة بإضعاف بينية المؤسسات المدنية وهدم المجتمع المدني بتعريضه لضربات قوية طالت الجميع دون استثناء، مما أثر على قدرتهم على تنظيم الأنشطة والفعاليات من الاجتماعات وصولا للمؤتمرات والمحافل القومية.

- وكذلك ساهم مشعلوا الحرب من الجماعات الإخوانية التي سقطت في تصفية الثورة والثوار بدرجات متفاوتة تدرجا من الاغتيال المعنوي وصولا للتصفية الجسدية، وقد لعبوا دوراً محورياً في استغلال الصراع لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية على حساب تطلعات الشعب، ومكنتهم سلطة انقلاب أكتوبر ٢٠٢١م من استعادة كل ما جردتهم منه الثورة من شرعية، وسلطة، وأموال، ومناصب، ومكاسب، ليعودوا ويستخدموا جميع تلك الإمكانيات والقوة المفرطة لقمع الحراك الشعبي واستهداف النشطاء، الأمر الذي أدى إلى سقوط العديد من الشهداء والجرحى سواء في غرف الطوارئ أو لجان المقاومة أو قادة الرأي أو النشطاء المدنيين، وقاد فيما بعد لما نحن فيه من حرب راح ضحيتها عشرات الآلاف، والتي ساهمت غرف البروبوغندا فيها بتضليل الرأي العام وتشويه صورة القوى الثورية بهدف تقويض شرعيتها، وحاولوا جاهدين الإساءة والتخوين لقادة الثورة ورموزها بزعم أنهم أداة في أيدي قوى خارجية، ومضوا للترويج بالدعاية الحربية لإكساب أصحابها مشروعية تمكنهم من اجتثاث الثورة وتأسيس نظام على ركام البلاد وجثث الأبرياء المحروقة.

- ولا أنكر أن الحرب قد أثرت بشكل كبير على المطالب الشعبية وأولوياتها، حيث تشتتت الجهود وتفرقت القوى الثورية وتوجهت نحو مواجهة التحديات العسكرية والأمنية بوسائل تقليدية كالاختفاء أو الامتناع عن التصريح أو التزام الصمت خاصة لمن هم داخل البلاد، وتراجع تبعا لذلك الاهتمام بالمطالب السياسية والاقتصادية، وتغيرت الأولويات الأساسية للشعب السوداني لتصبح الغاية الأسمى هي البقاء والنجاة وتوفير الاحتياجات الأساسية من الغذاء والدواء والمأوى، بدلاً من التركيز على المطالب الديمقراطية والعدالة الانتقالية، وصارت مؤسسات العدالة وديوان النائب العام سيفا مسلطا على جميع من يوق (لا للحرب) أو ينادي بوقفها أو يندد بانتهاكاتها.

- مثل رهاب الحرب وحالة الخوف من الاضطهاد والقمع والعنف الذي يمارسه أطراف الصراع أكبر كابح لجموح الثورة وتطلعات أبنائها وبناتها، فقد أدى ذلك الرهاب والإرهاب إلى ترويع المواطنين وتخويفهم وإرعابهم من المشاركة في أي نشاط سياسي أو مدني حتى في الأسافير، وتم استهداف رياحين الثورة من فتياتها ونسائها القائدات الفاعلات، ومورست على أجسادهن فظائع وانتهاكات وتجلى عنف المتحاربين ليكون الاغتصاب واحدة من سمات هذه الحرب القذرة وتتصدر التساء تقارير العنف الجنساني والاستعباد في تقارير محلية ودولية، مما تسبب في تراجع الحراك الشعبي والتعبئة والأنشطة والحملات الإسفيرية التي وصلت عقوبة المشاركة فيها الاتهام بالخيانة وعقوبات ربما يصل بعضها للإعدام، وقد تم تقديم عدد كبير قرابين لمقاصل الحرب لمجرد مشاركتهم أو تواصلهم في مجموعات أسرية ناهيك عن منابر إعلامية أو منصات تضامن أو حملات رافضة للحرب.

- كما أن انهيار الخدمات الأساسية في البلاد وتوقف العديد من المؤسسات الحكومية وتعطل الكثير من المرافق زاد من معاناة المواطنين، وأدخلهم ملهاة التعب والرهق والعناء مما جعل المطالب الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية في صدارة الأولويات وتذيلت اهتمامات الشعب وتطلعاته الطموحة والمستقبلية قاع قائمة تلك الأولويات، مع ذلك يظل يقيني أن الظروف الصعبة التي يعيشها الشعب السوداني حتما ستزيد من إصراره على تحقيق هذه المطالب في المستقبل، فهو الشعب الوثاب الذي لم ترهبه اعتقالات ولم تخفه اغتيالات.

- والمطلوب منا جميعا الوفاء لهذه البلاد الودود الولود، وإعادة توحيد الشارع الثوري واستعادة زخم الثورة، في ظل الانقسام الحالي، وذلك يتطلب جهوداً كبيرة ومتواصلة وتنازل منا لبعضنا البعض، وتتوقف فرص نجاحنا على العامل الزمني الذي كلما طال أمده طال الانقسام، وزادت الفجوة بفعل الحرب وصعوبة تجاوز آثارها وانغرس سم الكراهية وسهم الانفصال في خاصرة الوطن، لأن مرور الوقت يؤدي إلى ترسخ الخلافات وتعميقها ويعبيء المجتمعات بغبائن متراكمة وجرائم فائلة، ترتكب بعناية وتوثق وتبث لتخدمة أجندة الحرب والتقسيم، وتمهد لظهور قيادات جديدة ذات مصالح متعارضة هدفها فقط تنفيذ تلكم الأجندة، مما يزيد من عمق الانقسام ويمنع الوصول لطاولة السلام.

- وقد رأينا كيف صار مشروع الحرب يمزق قومية الثورة ووحدتها، ليرتبط بقضايا أيديولوجية أو مصالح شخصية ونزعات انتقامية واصطفافات عشائرية وانحيازات اثنية، مما يجعل عملية التوحيد الثوري والوحدة السياسية أكثر صعوبة وتطلب وقتاً أطول لمعالجة آثار الحرب وانتهاكاتها التي ارتكبت وروج لها بعناية، لتمحو ما ولد في مسيرة استمرت من ٦ ديسمبر في مايرنو لتمضي إلى ١٣ من ذات الشهر إلى الدمازين وتنفجر وتبلغ ذروتها في التاسع عشر بعطبرة ويحترق بنارها وثن الآلهة وتبدد يومئذ شبح الطاغية ليزول في فجر ١١ إبريل ٢٠١٩م.

- لذلك تحتاج الحركة الثورية إلى قيادة موحدة قادرة على حشد الجماهير والتعبير عن طموحاتها، وتقديم رؤية واضحة للمستقبل، كما أن للضغوط الخارجية من الإقليم والمجتمع الدولي والمؤسسات المعنية التي يمكن أن تلعب دوراً هاماً في دفع القوى الثورية إلى الحوار والتوافق، ويظل الوعي الشعبي هو كرت الرهان الأوحد الذي يلعب دوراً حاسماً في عملية التوحيد، فكلما زاد وعي الجماهير بأهمية الوحدة والتضامن، زادت القدرة على الضغط على القيادات للوصول إلى توافق، ووقف شلال الدماء ومنع الجرائم والانتهاكات، وردع دعوات التمزيق والتقسيم للبلاد.

- أما في حال استمرار الحرب الحالية وازدياد انتهاكاتها، وتعالي نعراتها، وتنامي ثاراتها، وتواصل غاراتها، سيؤدي ذلك إلى تغييرات جوهرية في معادلة الشارع، ولكن من الصعب التنبؤ بالاتجاه الدقيق الذي ستسلكه هذه التغييرات، إلا أن هناك عدة سيناريوهات محتملة، منها تقوية أحد الأطراف على حساب الآخر وهو سيناريو تدعمه بوضوح دول خارجية لها أجندتها ومطامعها ولا تأبه للوطن السودان ولا مواطنيه، حينها يؤثر تدخل هذه الدول المخربة في تغيير موازين القوى على الأرض وزيادة نفوذه، وهذا السيناريو سيتحكم في العديد من العوامل كالتمويل الخارجي، والكفاءة العسكرية، والقدرة على حشد الدعم الشعبي والاستنفار لمعسكري الحرب، وربما يشهد الشارع السوداني ظهور قوى جديدة أو تحالفات مختلفة تسعى إلى لعب دور الوسيط أو فرض حل وسط بين الأطراف المتصارعة، وهذه القوى ربما تكون من الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، أو حتى من القبائل والشيوخ والإدارات الأهلية، أو هجين متمازج من هؤلاء، وغالب الظن أن يقود استمرار الحرب إلى زيادة تعميق الانقسامات الاجتماعية والسياسية في السودان، مما يجعل من الصعب تحقيق المصالحة الوطنية وبناء دولة ديمقراطية تنادى لها السودانيون ودفعوا لأجلها الغالي والنفيس، وهذا ربما قاد لحرب أهلية تقسم البلاد وتفتحها للتدخل الدولي.


● ختاما: على الرغم من أن الحرب في السودان شكلت ضربة قوية للثورة السودانية وأدت إلى تراجع كبير في الزخم الثوري، إلا أن روح الثورة وجذوتها لا تزال حية في قلوب الشعب السوداني، وستظل ذكرى 19 ديسمبر تلهم الأجيال القادمة لمواصلة النضال من أجل الحرية والديمقراطية ودوننا انتصار الثورة الثورية بعد وأدها لثلاثة عشر عاما، وما الظروف الصعبة التي يعيشها الشعب السوداني في معسكرات اللجوء والنزوح ومراكز الإيواء والقابعون في العراء إلا غمة مؤقتة ستزول بزوال الحرب والطغاة الذين قالت سنن الله والتاريخ بزوالهم، وجميع تلك الظروف القاسية والخانقة لهذا الشعب لن تقلل من إصراره على تحقيق أهدافه في المستقبل، ومع قليل من الدعم الإقليمي والدولي الحميد والرشيد والمستمر، يمكن للشعب السوداني أن يحقق السلام والاستقرار وسيتعيد ثزرته، ويعيد بناء دولته على أسس ديمقراطية عادلة.

الاثنين، 9 ديسمبر 2024

صيدنايا كابوس يستثير آلام الضحايا في السودان

*`صيدنايا كابوس يستثير آلام الضحايا في السودان`*

𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق
● مشاهد السجون السرية والمخابي البوليسية والمقابيء القميئة وبالخصوص ما نشر من داخل سجن صيدنايا السوري والصور القبيحة التي تداولتها وسائل الإعلام، وتناقلتها الوسائط بنشر فيروسي ضجت به المواعين الإعلامية مؤخراً، ما نشر من فظائع صدم من شاهده وقوبل بدفق للمشاعر الصادقة، وتبدى عار البشرية في قرنها الحالي بجلاء، وبتلكم الفوادح التي لاحت لتمثل جرحاً غائراً لن يبروء أبد الدهر، ووسما بالنار على جبين هذه الأمة العربية ومخرزا مغروسا في ضمير الإنسانية، فقد تكشف للعالم بجلاء حجم الجرائم الوحشية التي ارتكبها نظام الأسد بحق بني وطنه.

- تلكم المناظر المفزعة حفزت العقل الإنساني وحركت كوامن الضمير الوجداني وأثارت العديد من الأفكار والتساؤلات عن إمكانية ارتكاب نظام أو جهة أو سلطة ما لمثل تلك الفظائع، فقد رأينا غرفة الإعدام والمكبس الآلي التي توضح بجلاء مدى التخطيط المسبق والمنهجي لجرائم الإعدام الجماعية في سجن صيدنايا، وكيف استخدام المكبس الآلي لتدمير الجثث؟ وهو ما يدل على رغبة النظام في طمس الأدلة وإخفاء جرائمه، هذا الفعل ليس بغريب فقد رأينا كيف كانت توجيهات الرئيس البشير لقياداته بإخفاء الآثار، وفي أعوام الحرب في دارفور كانت جثث الضحايا تحرق ثم تردم وتطمر بها الآبار ويقتل من نفذوا المجازر وتحرق الآليات بعد التخلص من الفاعلين كما حدث في وادي صالح وبندسي ومهاجرية ومكجر وشطايا وقريضة وغيرها من القرى التي مسحت عن الوجود.

- مشهد السجينات الخارجات من السجن ومعهن أطفال صغار نتيجة جرائم الاغتصاب مثل جريمة إضافية أخرى مفزعة ومروعة، ويكشف عن مدى الوحشية التي تعرضت لها النساء السوريات في السجون، فقد بدين مذعورات وهن يسمعن صرخات الثوار لإطلاق سراحهن غير مصدقات ولا مطمئنات حتى، وهذا أيضا يماثله في السودان عشرات الأطفال من أبناء ناجيات الحرب لم يروا آباءهم بل لا يعرفونهم حتى من هم وأين ذهبوا، إلا أن ذلك لم يتم توثيقه ولم يؤبه به يومئذ.

- أما مشاهد التعذيب المؤلمة تؤكد حجم المعاناة التي تعرض لها المعتقلون في سجون النظام، وتفضح أساليب التنكيل الوحشية التي تم استخدامها، وهذه لنا فيها قصب السبق في السودان، فقد تفننت الانظمة الاستبدادية في تعذيب الضحايا فهناك من قابل ربه وهو مشوه الجسد ومقلم الاظافر ومحروق الجسد ومخروق الدبر، ولي تجربة شخصية ولأقراني وزملائي حكايات لا أعلم لماذا لم نبح بها إلى الآن ورواية تفاصيلها، هل ربما لأننا استصغرناها أمام أرواح من فقدناهم من زملائنا رفاق النضال؟؟ فقد مورست ضدنا جميعا أشد أنواع التنكيل والتعذيب في عهد المخلوع البشير ولا زال زبانيته وعناصره الأمنية التي سامتنا سوء العذاب طلقاء، فقد قابلت يوما جلادي الذي كان يعلقني في الباب مقيد اليدين معصوب العينين ويسومني ما شاء من حصص التعذيب، والتقيت بالضابط الذي كان يأمر بجلدي وغيره ممن رأيتم في مختلف محطات الاعتقال، جميعهم طلقاء بل في الخدمة!!! ويشاركون في مؤتمرات العملية السياسية التي انطلقت في السودان وتم إجهاضها بحرب أبريل 2024م.

- هذه المشاهد ذكرتني بمسيرة الانتهاكات التي كابدتها وزملائي ومن سبقني، وقفزت إلى ذهني مشاهد، الاعتقال العنيف والهجوم علينا بالهراوات ودس رؤوسنا في أكياس معتمة سوداء تقطع الأنفاس مصحوبا ذلك بأقذع الأوصاف وأبذأ العبارات، وكل أنواع السباب والإساءات للأم والأب والدين والذات العلية الإلهية إذا قدر الله لك وأن رددت في سرك حوقلة أو حسبنة، أو استرجعت لله أو نطقت بالشهادة، ستسمع ما لن ترضاه في الله وفي أمك وأهلك أجمعين.

- تذكرت أطفالا كانوا يعتقدون وهم يخرجون من المساجد أيام الجمع (الشهيرة) فيؤخذوا ليعذبوا وينكل بهم وكيف تستخدم بذاءات التعذيب لانتهاك براءاتهم، وكيف يتم كبنا على وجوهنا بعضنا فوق بعض وجلوسهم علينا والقفز على ظهورنا بالأحذية، وسلخنا بألسنة غلاظ حتى الوصول إلى المحطات الفرعية، في العربي بالخرطوم أو العمارات شارع 61، أو 51، أو لفة الجريف، أو مقابر الصحافة، أو أم درمان مبنى العاشرة أو سوق الشهداء أو مركز بانت، وغيره من المعتقلات التي عرفنا أماكنها، وغيره من بيوت الأشباح التي افتتحت بكوادر القوى السياسية والنقابيين والتي لا يعلمها كثير منا، والتي كان يعمل فيها كوادر التنظيم الطلابية والفئوية الذين يستلذون بزملائهم وأول من فعل ذلك نافع علي نافع بالدكتور الشهيد علي فضل.

- تذكرت كل تلك المسيرة المنهكة وأنت تصل ما يعرف بالمحطات، مثخنا بالجراح ومهانا، وغارقا في الدماء، ليمارس عليك ما كان يعرف بالحفلة، فيتقاطر الجلادين المنتشين بحصادهم، أو ما يعرف بالفنانين، وتبدأ حفلات السمر والسهر لتستمر لساعات وربما لأيام، تخرج وردية لتستلم أخرى، فيصل بنا الحال لدرجة عدم الشعور بما حولنا، وبعضنا يغمى عليه فتسكب عليه المياه الباردة ليستيقظ فيستمر تعذيبه، ومن أغشي عليه ولم يفق يتم إرساله لقارعة الطريق إن لم يكن لهم فيه حوجة، أو يتم استبقاؤه معتقلا في مشافيهم ومراكزهم العلاجية كما حديث لشقيقي وعيني وعوني وعمادي عماد الذي فقئت عينه بالتعذيب.

- صرخات المعتقلات السوريات وهن يطالبن بالأمانات (متعلقاتهن) وأوراقهن الثبوتية (هوياتهن)، ذكرتني تجريدنا من متعلقاتنا وأغراضنا كيف تأخذ ويتم التفتيش الشخصي والخاص، بصورة توضح سوء أخلاق من يمارسون تلك المهنة، الذين لا تصمت ألسنتهم عن ملاحقتك بالبذاءات ولا تكف أياديهم عن التحرش والإيماءات القذرة، وكيف يستغلون خوف البعض فينهبون ما غلا ثمنه من هواتف وأموال واكسسوارات من الفتيات، وهم يصرخون في وجهك عند تسجيل أشيائك في - محطة التسليم- بتلك العبارة التي ترن في الأذن: (في زول شالوا منو حاجة؟؟!!)، وهذا السائل يعلم أنكم مجردون إلا من شهادة لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ، فقد أهدرت كرامتكم الإنسانية قبل أن تصلوه ليذلكم هو بدوره من جديد ويهينهم ويمسح بما تبقى منها بلاط الزنازين البارد، الذي يخلط في الشتاء بالماء.

- تذكرت فرحتنا بالوصول إلى الزنازين وابتهاجنا بوحشتها التي تعني انتهاء وحشية حفلات التعذيب أو فرصة للالتقاط الأنفاس للعودة يوما آخر مع التحقيق، وإمكانية أن تلتقط أنفاسك لتبدأ بالتفكير في اليوم التالي، بعضها كزنزانة نيابة أمن الدولة دخلتها وهي مطبخ في بيت علمت فيما بعد أنه مملوك لواحدة من سيدات النظام البائد مستأجر لنيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة، وكان يومها هذا المطبخ الذي لا تتجاوز مساحتة (3×5 م.م) به ما يزيد عن (35) معتقل وجميعهم رجال بالغين، ليس له سوى منفذ واحد، وغيره زنازين وحراسات كثيرة منها زنازين الإعدامات في كوبر وما يعرف بخمسة دقايق ولكن أكثرها رسوخا في الذاكرة (ثلاجات الموز)، وهي معتقلات باردة إضاءتها لا تنطفي لأي سبب والتكييف فيها لا يقف أبدا لا تعرف فيها الليل من النهار، دخلتها في فترات متعددة ومتفاوتة، لها باب فولاذي محكم به فتحتين واحدة تكفي لإدخال صحن الطعام، وأخرى دائرية (عين) بمقدار غطاء علبة، وتبرز صورة جدران كوبر التي نقش على حجارتها ودون فيها أسماء المعتقلين في المنتظرين وحوش الطواريء في حقب كل الدكتاتوريات ففي قسم الشيكات أذكر نقشا لاسم الراحل محمد أحمد عمر أبو الجدي أحد شهداء يوليو 1976م، ومنها كنا ننظر للمقصلة الحديدية التي صممت لإعدام شخص واحد وهو الشهيد الأستاذ محمود محمد طه، وفي قسم المنتظرين نقشت أسماء كثيرة لساسة جنوبين وشمالين، حاولوا طمسها بالطلاء الجيري ولكنها لا زالت موجودة وفي المعاملة (ج) رأيت زنزانة الامام الصادق المهدي عليه الرحمة والرضوان الانفرادية في حوش منفصل ببابها الذي يتجه جنوبا، وفي الشرقيات زنزانة الراحل حسن الترابي تجاورها شجرة النيم، والتي قضيت فيها عدد من الأيام رفقة العميد كمال إسماعيل والحبيب محمد صالح مجذوب، وأبو بكر التجاني من الأبيض، وغيرهم.

- بدا لي وقتها تصميم تلك الزنازين معايرا للمواصفات، فقد كانت المفارش بريطانية مقاومة للماء والاتساخ، والأسرة فولاذية مثبتة على الأرض والجدران وطاولة ومقعد ومروة وحوض الحمام ومقعده جميعها حديد (stainless) وباب خشبي قصير يرتفع عن الأرض حوالي (30) سم، ولتصل هذه الزنازين التي تتوزع على ثلاثة طوابق تستغل مصعد كهربائي أمريكي الصنع، من المشاهد التي لا أنساها فيه كيف كان يقتاد أبناء إقليم دارفور زرافات للتحقيق وعينما يعودون تسبقهم دماؤهم النازفة لأرضية المصعد، وكيف كان (نصر الدين) الملقب (بحضرة صول) يعود إلي في الزنزانة متألما من جراحه، رافقني بآلامه لمدة مع السنجك من حزب البعث ومصطفى من شباب حركة الاخوان المسلمين مصري الجنسية وعدد من الشباب.

- ذكرتني تلك المشاهد شباب تزاملنا معهم في تلك (الثلاجة) يتبادلون التحايا والصيحات بعد أن فتحت تلك الشرعة التي أشرت إليها فيتفقدون بعضهم بعضا، بعد أن كانت طمأنتهم تقتصر على الضرب بقبضة اليد على الجدران، وابتكروا ما عرف بمكالمات الزنازين، منهم من خرج تلك الأعوام من البلاد ولم يعد أبدا ومنهم من عاد ومنهم من بقي يناضل حتى سقوط المخلوع في إبريل 2019م، أسماء كثيرة لا يسعني المجال لذكرها منهم قيادات في الحركة السياسية، الثمانينيين كاللواء فضل الله برمة ناصر والعم صديق يوسف والعم علي الريح السنهوري، والسبعينيين كالدكتور إبراهيم الأمين والعم السباعي، والشباب الذين كانوا لا تحصر أعدادهم خاصة حينما تشتد المواكب ويتزايد الحراك، فتسمع بوصول الأسماء تباعا المهندسين صديق الصادق وعمر الدقير وقادة القوى السياسية رجال ونساء عميدتهم في سجن النساء الحبيبة سارة نقد الله التي ألفت تلك السجون مع زميلاتها الراحلة سارة الفاضل وصويحباتهن وبناتهن من بنات جيلي والفتيات اليافعات اللاتي ضجت بهن حراسات الطواريء إبان الثورة، وتعلم فيما بعد أنه قد تم اعتقال أعداد من الولايات وتم ترحيلهم إلى هناك ومجموعات يتم ترحيلها من الخرطوم إلى الولايات وغالبا كان الخيار الأقسى هو سجن بورتسودان (الأسود).

- صيدنايا ليس سجنا سوريا فحسب وإنما شرارة تلهب اشتعال شعور كل المفجوعين والموجوعين وتستثير في دواخلهم الأبعاد النفسية والاجتماعية والصدمات النفسية التي تركت آثاراً عميقة على كل الناجيات والناجين والمشاهدين على حد سواء، فلا أحد يعلم كم هن الصامتات اللاتي اغتصبن ولم يذكرن ذلك، وكم من الآلام تعرضن لها ولا زلن في المخابيء والمعتقلات السرية وكم هن المخفيات قسريا والمستعبدات جنسيا في تلك الحقب وفي ظل الحرب الحالية التي وثقت تقارير لفظاعات في حقهن ومشاهدات لما ارتكب من جرائم على أجسادهن.

- سيتذكر الجميع ممن شاهدوا صيدنايا الانتهاكات الجنسية وجريمة الاغتصاب في السجون والتي هي في الأساس جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية تناساها كثيرون ولم يتجرأ إلا عدد قليل بذكرها، وكيف كانت تضرب مناطقهم الحساسة بالهراوات وأطواق القفل الحديدية؟ وكيف ظلت تلازمنا الآلام لأيام فننزف ونتبول الدم، إنه لألم!! ذكرتني صيدنايا كل ما كابدناه من آثار نفسية واجتماعية ستظل باقية، ظننت أني نسيتها، ومثلي كثير من الضحايا ذوي النفوس المشروخة التي لم تبرأ جراحها بعد.

- الغريب في الأمر لم يتملكني يوما شعور الانتقام، ولم أذهب لخيارات الاعتداء والعنف، بل لا زلت أذكر أسماء ومناطق وأشكال ضباط وأعرفهم كراحة اليد: (عمر، ياسر، عاطف، أنس، المنصوري، فرح، الحقنة، برير، خالد، موسى، نصر، ومجموعة بواليس الإعدامات في سجن كوبر الاتحادي ورأسهم اللواء ضحية ورؤساء الأقسام (الشرقيات الغربيات المعاملة (ج) والشيكات والمنتظرين) وأقسام جهاز الأمن (العنابر والغرف جوار الجزاءات الشرقية .. إلخ) هذه الأسماء الأولى بعضها حقيقي وبعضها علمت فيما بعد أنه حركي، كان توجهي دائما أنهم مستخدمون وما هم إلا أدوات، ووجهت في كل المراحل نضالي ضد رأس الحية المخلوع وأعوانه: (قوش، وعطا، وعبد الغفار) ومن سبقهم ممن فتحوا بيوت الأشباح: (قطبي، ونافع وغيرهم)، وكابدت وزملائي في مشوار إسقاطهم لئلا أعود لهؤلاء السجانين أبدا بأي حال، وإطلاقا لم تدفعني تلك الممارسات وكثير ممن معي من الناجيات والناجين وأهالي الضحايا إلى الرغبة في الانتقام، وسرنا وثرنا سلميا حتى أطحنا بالطاغية، شاركنا في ذلك التحرك السلمي حتى أولئك الذين خرجوا معنا من المعتقلات وحملوا السلاح اختاروا طريق الثورة السلمية، عادوا ليسيروا معنا في الشوار بسلاح الهتاف.

- كان بمقدورنا استخدام هذه التأثيرات لتصميم حملات انتقامية شرسة حقودة، وجعل هذه القصص والسرديات أداة في الصراع على السلطة، لنشيطن بها أولئك الجلادين والزبانية ليلاحقهم الثوار في بيوتهم، ويعلقوهم على الأشجار وأعمدة الكهرباء وتسلخ جلودهم، ولكن كان الخيار هو المضي في الخيارات التي سنتها الشرائع السماوية وارتضها المجتمعات المتطلعة للعدالة والحرية والسلام، والتزاما بشعارات الثورة: (سلمية سلمية).

- رغم ما للضحايا من حقوق رد كرامة واعتذار من تلك الجرائم لم يتكبد عناصر النظام السوري المباد وجلاديهم في صيدنايا عناء الاعتذار بل هربوا بما خف وزنه وغلا ثمنه، وهو ذات ما حدث في السودان، فقد خرجوا جميعا بصالات مطارات الخرطوم الدولي والمعابر البرية يحملون الأموال التي اكتنزوها، ومن بقي منهم في السودان لم يخرج حتى للصلاة في المسجد خشية نظرات الناس التي تحتقرهم، وهو الذي كان الشيخ والأمام ومفتي الديار ورئيس اللجان الشعبية والشبابية والحزبية، ولكن فسحة التعامل القانوني السهل والسلس جعلتهم يستخدمون تلك الأموال المنهوبة لهدم كيان الدولة وتقويض الحكومة من منصات داخلية وخارجية، واستمروا في شراء الذمم لاستعادة فردوسهم المفقود واستعادة الجلادين لسياطهم وأدوات السحل والتعذيب وفتحت بيوت الأشباح التي أوصدتها حكومة الحرية والسلام والعدالة، ليتنفسوا بعد انقلاب أكتوبر ويتغطرسوا بعد حرب إبريل ويعودا لضلالهم القديم أشد بأسا وأشد تنكيلا.
 
- إن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم العدوان التي ارتكبت في سجن صيدنايا مؤكد أنها لا تغتفر، وتخضع للمساءلة القانونية الدولية، وهو ذات ما حدث في السودان بقتل واغتيال مليوني نفس في حرب الجنوب وما بزيد عن (300) ألف نفس في إقليم دارفور وعشرات الألاف في المنطقتين، وهو ما استوجب ملاحقة جنائية دولية من المحكمة الجنائية الدولية(ICC ) للرئيس المخلوع وعدد من قيادات حكومته وحزبه الذي تحالف مع البعث السوري في آخر أيامه، ولكن التهاون في الاقتصاص جعل من هؤلاء الملاحقين جنائيا حكاما وقضاة ومسؤولين تمت استعادتهم بأيديهم السرية في الدولة العميقة الخفية، وهو ما يمكن أن يحدث في سوريا ما لم تتحقق العدالة والإنصاف للضاحايا وجبر الضرر وتحقيق مبدأ عدم الافلات من العقاب.

- لذلك سوريا الجديدة تقع على عاتقها مسؤولية عظيمة وهي إقامة العدل ومسؤولية بواقي النظام السوري القائم تملي عليهم أن يتحملوا المسؤولية الكاملة عن هذه الجرائم ويدلوا بشهاداتهم، ويجب على النظام القادم أن يضطلع بدور رد الحقوق وألا يتأخر المجتمع الدولي في طلب بشار للعدالة الدولية وملاحقته ومحاسبته، حتى لا ترتد أيادي النظام الذي جثم لستة عقود على صدور شعبه، مثلما أدى تهاون المجتمع الدولي في التقصير عن دعم تحقيق العدالة في السودان ليعود نظام متطرف عنيف قضى ثلاثة عقود على رقاب الشعب السوداني ليعود بعد ثورة عظيمة أشادت بها دول العالم ليمارس ما هو أشد فظاعة وتنكيلا بعد انقلاب أكتوبر 2021م ويخرج المطلوبون للعدالة الدولية مادين ألسنتهم للعالم.

- إن الحالة السورية الآن مدفوعة بتيارين، أحدهما المندفع نحو المصالحة التي تكفل له تجاوز المساءلة عن انتهاكاته وجز رؤوس الأبرياء وأن يكافأ على ذلك بالعفو لأنه قاد مواكب التحرير، والثاني هو التيار الذي يتمسك بحقه في الانتصاف، وهذه الجرائم تعقد عملية المصالحة الوطنية في سوريا، وتجعل من الصعب تحقيق السلام والاستقرار، لذلك الأجدى والأجدر المواءمة بين العدالة والاستقرار وليس المفاصلة بينهما أوالمساومة بواحدة مقابل الأخرى، فلا سلام بلا عدالة، وإلا سيرتد أولئك كما ارتد علينا البشير وسدنته.

- وذلك لأني الآن خلال مشاهدتي لفظائع صيدنايا أيقنت أن الذاكرة الجماعية للشعوب ستُبقي هذه الجرائم محفورة في أقصى مكان ونيرانها تخبو ولكنها لا تنطفيء، ومتى ما استثيرت بخطابات العنصرية والكراهية ستنفجر بركانا من الغضب وستؤثر على السلامة النفسية وتمزق الهوية القومية، وتشظي الوحدة الوطنية، وتفتح الباب لعودة المجرمين والسدنة وفلول النظام السابق وأصحاب المصالح.

- لذلك في اعتقادي أن الواجب الإنساني والأخلاقي والقانوني والسياسي والاجتماعي هو محاسبة الجناة وينبغي على كل دعاة الحقوق رفع الصوت عاليا للمطالب بإنصافهم وعلى المجتمع الدولي بذل كل الجهود لدعم محاكمة المسؤولين عن هذه الجرائم وتقديمهم للعدالة وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا وأسرهم وعدم السماح للأنظمة بالتهاون في إقامة وتطوير مؤسسات عدلية تحقق الإنصاف وتردع المجرمين وتمنع تكرار مثل هذه الجرائم ببناء نظام قضائي عادل يحمي حقوق الإنسان، وفي ذلك قطع لطريق نيل القصاص باليد والمحاكمات الانتقامية التي ستولد العنف المضاد.

● ختاما: مشاهد سجن صيدنايا هي تذكير مؤلم بوحشية النظام السوري وجرائمه ضد الإنسانية، ولكنها تحفيز لكل ضحايا بيوت الأشباح والمعذبات والمنكل بهم أن يخرجوا عن الصمت ويرووا ويُسمعوا العالم ما كابدوه في السودان تحت وطأة نظام المخلوع البشير، وعلى العالم أن يتحرك قبل أن يشاهد مثلها مكررا مرة في السودان بفعل الحرب الحالية التي صمم طرفيها نماذجا خاصة للاعتقال في البيوت المهجورة والحاويات والسجون وتحت الأرض، ولأن من عيوب الثورة السودانية أنها لم توثق لكثير من الجرائم والانتهاكات التي كان بعضها يرتكب في جنح الظلام كالاعتقال والقتل والرمي في النيل مثلما حدث للشهيد الطيب صالح أو غيره من شهداء الحركة الطلابية، ولكن الآن فقد تكفل الجنود والمقاتلين والمستنفرين وحدهم بتوثيق جرائم الاغتصاب والاعتقال والإغتيال والحرق والتعذيب وجز الرؤوس وبقر البطون وأكل الأحشاء ونهب البيوت وحرقها بالطيران أو المسيرات أو القصف العشوائي، وليعلم الطغاة أن يومهم آت لأن هذه الجرائم لا يمكن أن تسقط بالتقادم، وتقع على المنظمات الحقوقية والغرف الإنسانية والمجموعات المتخصصة والمؤسسات الإعلامية رصد هذه الانتهاكات زمانا ومكانا وضحايا وخسائر مادية ومعنوية، وعلى المجتمع الدولي أن يتحمل بدوره مسؤوليته الجادة في تحقيق معادلة الانصاف والاستقرار بتشكيل لجان تقصي حقائق قادرة، وآليات ضغط قوية لتجعل الأنظمة راغبة في تحقيق العدالة، وتسليم المجرمين للمحاكم حتى يراهم غرماؤهم في قفص الاتهام مثلما رأى أهل دارفور اليوم من ضحايا حرب الابادة الجماعية علي كوشيب وهو يقبع خلف القضبان.

الجمعة، 6 ديسمبر 2024

درس سوري لأنظمة المنطقة والإقليم

*`درس سوري لأنظمة المنطقة والإقليم`*


𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق

رغم أهمية سوريا الاستراتيجية لروسيا والتي اتاحت لها تموضعا جيوساسيا مكنها من إنشاء القاعدة العسكرية الروسية في طرطوس وهي الوحيدة من نوعها لروسيا في البحر الأبيض المتوسط وهي حجر الأساس للوجود الروسي، وتوفر لبوتين منصة استراتيجية لإجراء العمليات العسكرية والإنسانية المعلنة وتلك الخفية التي تنطلق لدول المنطقة تموضعا وانتشار، الأمر الذي منحها وجودًا عسكريًا متقدمًا في المنطقة وتأثيرًا كبيرًا.

- رغم أن المصالح الروسية متعددة وكثيرة وكبيرة في المنطقة، لكن تتجاوز أهمية سوريا بالنسبة لروسيا الجانب العسكري لتشمل التوازن الاستراتيجي وتحديًا للمصالح الغربية في المنطقة، وتساهم بذلك في إضعاف نفوذها والحد منه، وتمنح روسيا حليفًا قويًا في قلب الشرق الأوسط، مما يقوي مكانتها كقوة عالمية تسعى لتفكيك القطبية الآحادية بتحالف (BRICS).

رغم نشاط حركة التجارة والأســ.ـــلحة الروسية في سوريا والمنطقة، والتي تمثل سوقًا مهمًا للأســ.ـــلحة الروسية بوجود شركات حكومية، وأخرى دفاعية، وشركات التعاقد الخاصة، كروزوبورون إكسبورت، ومجموعة فاغنر، وشركات تصنيع الطائرات والدبابات والصواريخ، والتي تقدم منتجاتها إلى سوريا وتسربها من مطاراتها لدول إفريقية وأخرى عربية، ورغم أن تعاونًا اقتصاديًا متزايدًا شهده البلدين طوال العقد السابق، إلا أن روسيا جوبهت بالعبء الاقتصادي والعسكري المتضاعف، فإن الحرب في أوكرانيا وضعت ضغوطًا اقتصادية وعسكرية كبيرة على روسيا، مما يحد من قدرتها على تقديم الدعم اللازم لسوريا.

- كما أن رفض الأسد التفاوض والدخول في عملية سياسية علي هدي مباحثات استانا أدخل الروس في حرج بالغ حتى مع حلفائهم في المنطقة من ضامني تلك الاتفاقات، هذا الموقف جعل من الصعب على روسيا إيجاد حل سياسي للأزمة السورية، وأثار حنق الرئيس التركي ليصرح متدخلا بسفور في الشأن السوري، وعجل هذا بتدحرج كرة الثلج من الشمال الغربي السوري حتى تجتاح غالبية المحافظات الشمالية، وهو ما يُضعف موقف سلطة الأسد التفاوضي.

- انفرد النظام منذ اندلاع الثورة السورية بالأجهزة الإعلامية وخلق هالة من الأكاذيب حوله، وخوّن قوى المعارضة وشردهم ونكل وقتــ.ـــل واغــ.ـــتال من بقي منهم في البلاد، ومع ذلك تآكل الدعم الشعبي للنظام، حتى في حمص التي شهدت تصاعد الأصوات الاحتجاجية ضده، والسويداء التي لم يهدأ إنسانها يوما وظل يغلي كالمرجل، ويواجه اليوم نظام الأسد هذا التآكل بصورة تجعل من الصعب عليه الحفاظ على السلطة أو حتى التضحية بدعمه.

- وهنا تقف جمهورية إيران الإسلامية موقف المتفرج بعد اتخاذ جمهورية العراق قرارا مسؤولا منع جر قواتها النظامية وحشدها الشعبي إلى التدخل في الشأن السوري، كما أن التطورات الأخيرة في لبنان عطلت أدوات التدخل الإيراني، لأن الضربات الإسرائيــ.ـــلية أثرت بشكل كبير على قدرات حــ.ـــزب الله اللبناني واستنزفت من ناصروه من حــ.ـــزب الله السوري وكتائب فاطمــ.ـــيون وزينــ.ـــبيون وغيرها، مما أجبر بوتن على إعادة تقييم أولوياته في سوريا والمنطقة.

- ما يجعل الحيرة تقفز إلى ذهني حتى الآن حالة الحذر الإيراني بعد عمليات القصف والرد المتبادل بينها وبين إسرائيل، ويبدو أن إيران بعد تلك الضربات ومقــ.ـــتل قادتها وقادة حزب الله، وما شهدته من تدمــ.ـــير لحلفائها في الشرق الأزسط، أصبحت أكثر حذرًا في تدخلاتها الخارجية، وتركز حاليًا على الدفاع عن أراضيها ومصالحها الأساسية وتغض إدارتها الطرف عن تحركات المعارضة السورية.

- هنا مثل التدخل الجيوستراتيجي الحاسم بالدور التركي، وربما والتوافق الروسي-التركي، والذي تجلى في الدعم التركي للمعارضة، والذي غض بوتن عنه النظر، إذ لا شك أن تركيا قدمت دعمًا كبيرًا للمعارضة السورية، سواء كان عسكريًا أو لوجستيًا، ورصدت المخابرات الروسية واستخبارتها حركة الأرتال والمركبات والأسلــ.ـــحة والمسيرات وتسربها وتحركها لتنسحب اليوم وتأمر منسوبيها بالخروج من سوريا فورا، بصورة تشبه خروج أمريكا من أفغانستان والخروج المذل لفرنسا من الغرب الأفريقي، في الوقت الذي وجدت فيه اسرائــ.ـــيل ضالتها في التخلص من أسلــ.ـــحة حزب الله وفصائل موالية لإيران ومواصلة استباحة قطــ.ـــاع غــ.ـــزة.

- ومن دلائل التوافق الروسي-التركي حديث كافة المحللين الروس والخبراء الاستراتييجين أن هناك تفاهمًا بين روسيا وتركيا حول ضرورة إيجاد حل سياسي دبلوماسي للأزمة السورية، مع اختلاف في الرؤى حول مستقبل الأسد، الذي وقف العرب الذين استضافوه في آخر قمة لهم واستقبلوه استقبال الفاتحين، وقفوا موقف الدب الروسي المتفرج، ويرجى ألا يجد مصير من سبقه من القادة العرب حتى لا يتوارث السوريين مرارات الانتقام، فميــ.ـــتة القذافي الشنيعة لا زالت تحــ.ـــرق ليبيا، وتصفــ.ـــية علي عبد الله صالح لا زالت دمــ.ـــاؤها تغرق اليمن، والحبال التي شنــ.ـــقت صدام يحاول محمد شياع السوداني أن يستنقذ أغناق الشعب العراقي من مشانقها، الواجب هو اتباع حلول سلمية تحقق الاستقرار وتحقن الدماء وتكفل الانتصاف للضحايا، وتمنع تسلل المخربين والإرهابيــ.ـــين للأوطان، وتضمن العودة الآمنة للفرين بعد أن تهيء لهم ديارهم بمشاريع إعادة إعمار وشرايين حياة تتكفل بها تضامنات دولية تدعم تلك الصناديق التعميرية، وتتوقف أيادي العبث الخارجية عن دعم النزاعــ.ـــات وتغذية الحــ.ـــروب.

- ينبغي على كل طغاة المنطقة ومستبديها، قراءة مستقبلهم في هذه المرآة السورية التي تبدي المستقبل السوري مليئلا بالتحولات الكبيرة، وتراجع ملحوظ ومدروس لنفوذ روسيا وإيران، وتزداد قوة تركيا والمجموعات المعارضة، والتي بعضها ضمن قوائم الغرب السوداء، وبعض قادتهم موصومون بالإرهـــ.ـــاب.

- لذلك لا مناص من التوجه الفوري لــ(فورملا) الحل السياسي السلمي الشامل في المنطقة جميعها، والعمل على خلق منطقة خالية من الصراع (No Conflict Zone)، ومثلما أصبح الحل السياسي للأزمة السورية ضرورة ملحة، هو الأمر كذلك في السودان، واليمن، وغزة، ولكن تحقيق ذلك يتطلب جهودًا دولية كبيرة وضغطا كبيرا يحقق حلا جذريا وتوافقًا حقيقيا بين الأطراف المتحــ.ـــاربة.

- إن المشهد الذي نراه من موجات بشرية لمئات الآلاف من اللاجئين السوريين وخروجهم خفافا وثقالا من تركيا لوطنهم والتي مثل خروجهم منها تخفيفا لأعباء استضافة امتدت لسنوات، يرينا هذا المشهد التحديات المستقبلية الكبيرة التي تواجه العالم وكل المنطقة في الفترة المقبلة (العراق، مصر، ليبيا، تشاد، جنوب السودان، تشاد، وكل دول جوار الدول الملتهبة)، فجميع هذه الدول موعودة بهزات منها أو إليها جراء هذه الموجات وتحديات كثيرة، والتي من بينها إعادة إعمار ما دمرته الحــ.ـــرب، ومكافحة الإرهــ.ـــاب، وعودة اللاجئين.

- لذلك مثلما لن يستطيع أي شخص بالتكهن لأي مدى ستستمر روسيا في دعم نظام الأسد، سيعجز أي نظام في المنطقة عن دفع استحقاقات الحماية الروسية، فلا ذهب السودان أهم من تموضع روسيا في البحر الأحمر ولا المصالح والمصانع والمفاعلات النووية السلمية في مصر أجدى من قواعد عسكرية بحرية وبرية في ساحل البحر الأبيض المتوسط، بحميميم وطرطوس واللاذقية وغيرها من المدن السورية.

- سيحمل انهيار نظام الأسد وانسحاب روسيا العديد من التداعيات والتأثيرات المحتملة على المنطقة برمتها، وستؤثر التطورات الأخيرة في سوريا على العلاقات بين تركيا وروسيا، وسنشهد تنافسا( كسرويا، قيصريا، خديويا)، كل منهم يستعين بأدواته وخادميه وعملائه في المنطقة، وهنا سيهرع كل من له مصلحة مع دولة لعرض خدماته لصاحب النفوذ والقوة والمال والسيطرة، وإلى ذلك الوقت لن يكون هناك دور يذكر للمجتمع الدولي في حل الأزمة السورية، بل سيقفون موقف المتفرج والصمت دلالة على الرضا عن تقدم المعارضة السورية لحين استلام دونالد ترامب المنطقة (نظيفة) من كل الهواجس المزعجة ليتفرغ في ولايته التي تبدأ فبراير ٢٠٢٥م للمعركة الاستراتيجية مع الصين.

● ختاما: على الطغاة في المنطقة الاتعاظ من هذا المشهد، واستعادة عقولهم الطائشة إلى رشدها، وتوطين الحلول السلمية والدبلوماسية والتوافقية، وعدم الاستمرار في تحشيد القدرات الأمنية والعسكرية، فجميع الأســ.ـــلحة الاستراتيجية المسموح بها والمحرمة دوليا لم تمنع الاستيلاء على المدن في سوريا كما شاهدنا، وفي حالتنا السودانية هناك فرصة كبيرة للاتقاط القفاز، واستئناف التفاوض على أسس سابقة وحقن دماء السودانيين والسماع لصوت الحكمة والعقل، فمن يعول على الســ.ـــلاح سيجد أن هناك قوى أخرى ستزود مناوئيه بســ.ـــلاح أفتك، وتستمر رحا الحــ.ـــروب لتحرق ما تبقى من الأوطان، وتهلك الحرث والنسل وتشرد الإنسان.

الخميس، 5 ديسمبر 2024

كلمتي لله والتاريخ والسودان

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمتي لله والتاريخ والسودان
          عروة الصادق
مقدمة: ما تشهده بلادنا هو تكرار لاستنساخ أكثر الأوجه قساوة من القهر والاستبداد والإجرام والتنكيل والانتهاكات والتدمير للإنسان والبنيان فـ "الإنسان بنيان الله ملعون من هدمه"، دون مراعاة لحرم دم أو مال أو حتى اكتراث لسيادة وطن، لذلك نجد أن تأثير المظالم والغبائن التاريخية والاعتداءات الآنية وحملات وخطابات الكراهية تضاعف، ولم يعالج ذلك الظلم المتراكم وعجل وجعل من توجهات الشعوب نحو تقرير المصير أكبر من كل احتمال لطاقة البشر السوي، والذي تحفزه رباعية ذهبية للحياة الكريمة والأمل في الاستقرار وهي: التطلع نحو الحريات والنهوض سلميا بالثورات الشعبية، واستشعار الكرامة وحقوق الإنسان، والنضال من أجل الاستقلال وسيادة الشعب على نفسه، وتحقيق مقاصد الحكمانية بالسلام والديمقراطية والحكم الرشيد، ولكن المظالم السياسية والاجتماعية والتهميش والتفاوت الطبقي والتنموي واختلال التوازن جميعها أو منفردة تقود إلى تراكم الاحتقان الشعبي، وتولد شعورًا عميقًا بالظلم والاستبعاد والاستعبا،. هذا بدوره يدفع الشعوب المظلومة إلى التفكير جدياً في خيار تقرير المصير، سعياً لتحقيق العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية.

وقد استخدمت الأنظمة الاستبدادية آليات التأثير أو ما أسمية أدوات الطرد المركزية السياسية التي أعملت في جنوب السودان حتى فصلته وفي المنطقتين وإقليم دارفور حتى أيقنت شعوب تلك المناطق ألا شيء يوحد وجدانها أو يوحدها إلا الغبائن والمظالم المتوارثة والتركة الاستعمارية، لذلك عمد المستبدون والطغاة إلى تفكيك تلك السبيكة الاجتماعية، وتحطيم الممسكات الوطنية، وتعزيز الفرقة والتشتيت عن طريق تفعيل أدواته السامة، وهي:
تضخيم الشعور الهوياتي وتقزيم الحس الوطني، لعلم ساسة وسدنة الأنظمة المستبدة أن هذه المظالم تعمل على تحفيز الهوية الجماعية للشعوب المظلومة، وتقوي الروابط الاجتماعية والثقافية بين أفرادها، وهذا الشعور بالهوية المشتركة يزيد من الوعي بالقضية المشتركة، ويشجع على التضامن والمقاومة ومن ثم اختيار أدوات المناهضة.
تحطيم المؤسسات وبنية الدولة في الأقاليم المهشمة لتتآكل الثقة في النظام، حتى تفقد الشعوب المظلومة ثقتها في الأنظمة الحاكمة، وتشعر بأنها لا تمثلها ولا تحمي مصالحها، وهذا يؤدي تلقائيا إلى تآكل الشرعية السياسية للنظام، ويزيد من رغبة الناس في التغيير أو التقرير.
ارتكاب كل فظيعة تولد الشعور بالظلم انطلاقا من التهميش الساسي والتفاوت الاجتماعي والاقتصادي لتولد شعور عميق بالظلم والاستبعاد لدى الشعوب المظلومة، وهذا الشعور يدفعهم إلى المطالبة بحقوقهم المشروعة، ويساهم في رفع الأصوات الإنحيازية المنغلقة.
التمييز بين المناطق لتحفيز تزايد المطالب بالمساواة، وذلك بإفشال النظم المحلية والإقليمية والولائية والحاكمة في الاستجابة لمطلوبات شعوب الحيز المكاني أو تأخيرها نموها زمانيا، وهنا نجحت الإنقاذ في تحويل الشعور بالظلم إلى غضب وحقد، وهو ما يدفع الناس إلى البحث عن بدائل.
التدمير المعرفي ساهم بدوره في تزايد الوعي بالحقوق، ونهضت الشعوب المظلومة للمطالبة بحقوقها، وخاصة حقهم في تقرير مصيرهم، هذا الوعي يدفعهم إلى المطالبة بتحقيق هذه الحقوق، ويساهم في رفع روح المقاومة، وتنامي وتيرة الرفض سلما أو حربا.
إشاعة خطاب المظلومية لتقليص التأييد للقومية لصالح تزايد الدعم الشعبي للحركات التحررية، لأن النضال من أجل التحرر يحظى بدعم شعبي واسع، خاصة عندما يشعر الناس بأنهم ضحايا للظلم والاستبداد.

تراكمت كل تلكم العوامل المؤثرة لتقصم ظهر الوجدان الشعبي وتعجل بالتفكير في اتخاذ قرار تقرير المصير، فقد اشتدت المظالم وتراكمت وكلما زادت حدة المظالم التي يتعرض لها الشعب، زادت رغبته في التغيير، وانتفى كيان الدولة ليتقوقع في خدمة مصالح عصابة محدودة المكان والوصف والتأثير وتضاءلت طبيعة النظام الحاكم، وكلما كان النظام الحاكم أكثر قمعًا واستبدادًا، زادت رغبة الشعب في الفكاك منه والتخلص من كل علائقه، وتناظر هذا الموقف أشواق لقادة مستحدثين في الصراع ومتحمسين، وكذلك وجود وجود قيادة حقيقية على الأرض أو افتراضية في الوسائط قوية وذات تأثير قادرة على تنظيم الجماهير وتوجيه نضالها وتحييد آرائهم ف طيف الصراع وتسليحهم بالأسلحة المختلفة سلما أو حربا، كل هذا يزيد من فرص نجاح التحركات الإنفصالية أو لنقل الاستقلالية، وهنا يلعب الدعم الخارجي للأطراف دورًا مهمًا في تقوية موقفها، وتسهيل تحقيق أهدافها، خاصة إنه إذا طابق بجهل أو بعلم تصورات تمزيقية إنفصالية وأجندة مخابرات دولة الاحتـ.ـلال كما صرح بذلك آفي دختر مسؤول الموساد الأسبق، أو تلك الرؤى التوسعية والأشواق الاستعمارية للجيران.

أولا: انطلاقا من هذه الافتتاحية أقول أن بعض القوى الساسية والعسكرية السودانية والقوى المسلحة والنخب المنحازة لطرفي الصراع، وبناء على ما تفضلنا به من أجندة ذاتية وموضوعية وأخرى أمنية تآمرية تروج لفرضيتين الآولى؛ مواصلة الاستئثار بالسلطة والاستمرار في الحرب حتى سحق التمرد لتحقيق الاستقرار، والثانية؛ مناههضة الظلم وتعبئة الشعوب المهمشة حتى انتفاء الدكتاتورية لإقامة دولة مستقرة، ولو كان ذلك الأمر على حساب وحدة السودان وسلامة أراضية، وفي ذلك مضت حكومة الأمرالواقع في بورتسودان في وقت مبكر منذ اندلاع الحرب لترقيع الوثيقة الدستورية (2019م تعديل 2020م الممزقة في أكتوبر 2021م)، ولفتح نقاشات سرية وجهرية عجزت عن تنفيذ مقرراتها فور ما انتقلت بالعاصمة الإدارية شرقاً، فقد أوعز بعض الساسة والسدنة لمعسكر الشرق بتكوين حكومة تصريف أعمال، أو حكومة طواريء، أو حكومة حرب.. الخ، وترددت قيادات الحرب الحالية في اتخاذ ذلكم القرار لأن النظام منزوع الشرعية والاعتراف الإقليمي وهو لا زال نظام إنقلابي منذ أكتوبر 2021م، وائتمر أولئك في ورش داخلية وخارجية (أركويت، القاهرة، أسمرا، بورتسودان) لإيجاد تكييف قانوني ودستوري، يكفل للبرهان صيغة مقنعة للمحيط الإقليمي والدولي من ضمن مخرجاتها حكومة طواريء، ومنعا للتيار المناويء عسكريا في تكوين حكومة أمر واقع في مناطق سيطرته، وقطعا للطريق أمام التيار الآخر الذي كان متوقع منه منذ الانقلاب أن يرفض الإنقلاب ويتمسك بشرعية حكومة الثورة المنقلب عليها، ولكن تم تفتيت هذا التوجه بإجراءات أمنية لاحقت الوزراء وتحفظت على أعضاء مجلس السيادة واعتقلتهم ومنعتهم من التواصل مع رئيس الوزراء الذي تم إخراجه من الإقامة الجبرية ليوقع وثيقة إذعان، تضادت مع روح الثورة فدفعته لاستقالة ألبست الموقف السياسي السوداني لباس الإرباك والتشويه حتى يومنا هذا، حينئذ أيقن الجميع أن أعظم النصوص تسقط إذا جُرِّدت روحها، وقديمًا جاء في الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس (2 كورنثوس 3: 6) قول بولس: "الذي جعلنا كفاة لأن نكون خدام عهد جديد، لا الحرف بل الروح، لأن الحرف يقتل ولكن الروح يحيي." ليضطر الجميع إلى التواضع على صيغة الخُدّام المعطونة في الروح الثورية والتي كانت ترضي طيفاً واسعاً من السودانيين والسودانيات للتأسيس الجديد الذي يدعم أهداف الثور ولا يهدم أركانها وفق منظومات الاتفاق الإطاري الذي شكل أكبر هواجس قوى الردة من نظام الثلاثين من يونيو وسدنة الإنقلاب وجماعات التضليل التي تنشط في دعم الحرب وترفض إيقافها أو الركون إلى كلمة سواء.

ثانيا: لا شك أن الحوجة الآن في السودان لسلطة حقيقة متراضى عليها موثوقة مأمونة الجانب، ذات سيادة يحكمها دستور وتحدها قوانيين تحدد السلطات المخولة، تستغني عن تدابير الحرب القسرية والقهرية الاستبدادية الماثلة تأسيسا لوضع دستوري جديد يحقق فصل السلطات ويكفل الرقابة الشعبية والقضائية، ولكن اللهث خلف سراب السلطة الشكلية، والذي نرى نتائجه اليومية في نموذج بورتسودان المُمتَهَن والمُرتهِن من وللخارج، سيوصلنا إلى نظام مماثل له مجحف لا كبير له إلا نزوات قادته، ولا يوجد من يسائله لأنه متجرد من كل كابح أرضي أو سماوي أو حتى وازع أخلاقي، ومن السهولة بمكان بمجاراته في مسيرته التي يتسدرج لها الناس منذ ثلاثة عقود ونصف وهي استفزاز الشعوب لتمزيق البلاد بالحرب الأهلية والسياسات الخاطئة والأيدولوجيا الواهمة، حتى يخلو لهم وجه النيل أو قل مثلث حمدي خدمة لأجندة لا علاقة له بالوطن ولا المواطن.

ثالثا: قبل الذهاب والإسهاب في موجة التقسيم ونداءات التحطيم للوحدة الجزئية والتقزيم لكيان (تقدم)، علينا الوصول لحلم السلطة المستقرة والسيادة الكاملة على الأراضي الموحدة ولن يكون ذلك إلا بإيقاف هذه الحرب الملعونة بخطوات مدروسة وملموسة، تبتديء بتوحيد التصورات المدنية حول الثوابت الوطنية وصياغة رؤية متوافق عليها من كل القوى الرافضة للحرب، عبر الحوار الشامل، الذي يشرك جميع القوى السياسية والمجتمعية في حوار وطني شامل، يحقق التراضي الوطني حول القضايا الأساسية، ويلي ذلك الحديث عن اليوم التالي للحرب وبناء الدولة المؤسسية القوية الفاعلة المسؤلة المستقلة، نزيهة القضاء موحدة الجيش وكفوءة الشرطة والأجهزة النظامية، تحقق فصل السلطات وتفعيل الرقابة عليها، بما يضمن تفكيك بنية النظام الاستبدادي الآحادي وإزالة تمكين دولة الحزب لصالح دولة الوطن، ومكافحة الفساد بإعمال سيادة القانون وتطبيقه على الجميع دون استثناء، وألا يخشى منفذوه في الحق لومة لائم بما يبني ثقافة احترام القانون، ويستعيد الثقة في أنظمتنا العدلية وسلطتنا القضائية التي مسها رجس الإنقلابات وتجريف الطغاة.

رابعا: هذا كله لن يتأتى إلا بتفعيل دور القوى المدنية بمسؤولية تتجاوز الأهواء والمطامع الشخصية والغبائن والتظلمات التاريخية، لأن أعظم دور يمكن أن تقوم به هذه القوى هو دور ممسلك للحمة الوطنية يرتق ولا يمزق، يجمع ولا يفرق، ويداوي ولا يجرح، وسيسهل حينئذ استرداد الدور الحقيقي للقوى المدني وتفعيل دور المجتمع المدني في الرقابة على السلطة وكفالة مشاركة الجميع في صنع القرار، وتمثيل قطاعاته الحيوية في الشباب والمرأة والنساء والفئويين والقطاعات المختلفة، وهؤلاء سيكونون المفتاح الوحيد للإستقرار والتنمية المستدامة، وبهم يمكن استعادة مكتسبات الانتقال المدني في التنمية الاقتصادية الشاملة والعدالة الاجتماعية، ومن خلالهم يمكن قطع الطريق أمام حملات الجييش والتحشيد والاستنفار العسكري لصالح التعبية التعليمية والاستثمار في التعليم وبناء جيل واعٍ قادر على المشاركة الفعالة في البناء، وإلا سيفرغ كل فريق من تكوين حكومته ليبدأ في تحشيد القوى المدنية والقطاعات الحية للاصطفاف في جانبه ودخول معسكراته التي ستكون إلزامية بموجب قانون كما كان الأمر في تسعينيات القرن الماضي.

خامسا: إن أي توجه آحادي أو تمزيقي للبلاد وتفريقي للقرار الوطني سيحول دون وضع أسس حقيقية متراضى ومتفق عليها حتى وسط قوى الكيان الجديد والسودان الوليد، وهو ما سيضع الجميع أمام تكرار أخطاء الحكومات المتعاقبة في عدم صياغة دستور دائم يحدد صلاحيات السلطات المختلفة ويضمن حقوق المواطنين، ومن المؤكد أن الأمر لن يقف عند هذا الحد بل سيلبي رغبة محيطنا الإقليمي الذي لا يرغب في انتشار الديمقراطية ونرى نموذجا إنفصاليا حال دون إجراء انتخابات حرة ونزيهة لانتخاب ممثلين للشعب في البرلمان والحكومة المحلية، وأسس لسلطة آحادية تتذيل قوائم الحريات وحقوق الإنسان، وأي محاولة لاستيلاد نظام جديد مكافي للنظام المتطرف في بورتسودان سيولد نظاما أكثر تطرفا يعذر مكافحة الإرهاب ويعجز عن حماية الأمن والاستقرار، ويهدم ما بقي من مؤسسات الدولة ويدمر القطاع الحكومي ويحول دون تطوير القطاع الخاص فيمنع خلق فرص عمل وتحفيز النمو الاقتصادي، وفي رأيي أن نظام وليد كهذا سيحول دون التعاون الإقليمي والدولي، ويقطع كل سبيل لبناء علاقات متوازنة ندية ومتكافئة مع الدول الأخرى، بل سيكون صاحب المصلحة وحده هو الداعم للقرار، وهذا سيكون على حساب موارد الشعب ورفاهه.

سادسا: كل من يريد أن يمضي نحو هذا الاتجاه الاستفزازي عليه أن يضع نصب عينيه أنه مهما تمزق السودان بحجة الاثنيات والقبليات والتمايز الاجتماعي والتمييز السياسي سيكون داخل الجسم المفتت، كيانات فسيفسائية مفتتة ومتحاربة، وستستحوذ نخبة متسلطة على كيان السودان المنقسم، لذلك على كل ذي لب إدراك أن التعدد العرقي والتنوع الثقافي يمثل تحديًا كبيرًا في تحقيق الوحدة الوطنية، وأن هذا التعدد لن يستطيع إنكاره أهل دولة النهر والبحر، ولا من انفصلوا في دولة جنوب السودان، ولا من ينتون إقامة دولة جديدة في الغرب، بل حتى الشرق بصورته الحالية منقسم اجتماعيا بصورة قد تكون إنفجارية، وتحفز كل ذلك الأزمات الاقتصادية التي تؤثر سلبًا على استقرار البلاد وتتسبب في تهريب ثرواته ونهب موارده، وسيكون هذا مدخلا خبيثا وسلسا للتدخلات الخارجية، فالجميع يعلم أن هناك قوى إقليمية ودولية تسعى للتأثير على الشأن السوداني، تأثيرا استنزافيا لموارده الطبيعية وكوادره البشرية وأرضه وتشريدا لشعبه، تتنافس تلك القوى بكل أدواتها اللا أخلاقية ومن يدفع ثمن هذه الجريرة مواطن يفترش الأرض ويلتحف السماء وامرأة ثكلى تبكي فقد ابنها وزوجها وأخيها وأبيها الذين قتلتهم أيادي الغدر أو تدابير القدر بالمرض والعوز أو الغبن، هذا إن لم يكن في جسدها كية من نيران الاعتداء والعنف الجنسي.

سابعا: من يظن واهما أن هناك من يستطيع أن يدعمه في مثل هذه القرارات من أي دولة أو كيان فلينظر إلى عجز النظامين الإيراني والروسي في ترسيخ دعام أمنية قوية للنظام السوري، وهذا تؤيده قرائن الأحوال في توسعة العجز الإقليمي والدولي في دعم أنظمة الأمر الواقع أو حكومات الطواريء، وأستطيع إيراد عدد من الأمثلة التي لا تخطئها العين، فالأمم المتحدة والتي تعتبر الأمم المتحدة أكبر منظمة دولية تعمل في مجال الإغاثة الإنسانية وبناء السلام، ورغم قوة روافدها ووكالاتها المتخصصة مثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، ومنظمة الصحة العالمية (WHO)، وغيرها الكثير، عجزت عن الوصول إلى المتضررين من الحرب في السودان حتى في المناطق المستقرة نسبيا وعجزت، هيئات كاللجنة الدولية للصليب الأحمر أن قتوم بدورها في حماية وحماية ضحايا النزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية، وتقديم المساعدات الإنسانية لهم، وغابت الأهلة الحمراء والصليب الأحمر عن سماء السودان، ولم نر شبكة عالمية من الجمعيات الوطنية التي تقدم المساعدات الإنسانية في حالات الطوارئ، وكذا الحال ينطبق على كثير من المنظمات غير الحكومية الدولية التي تعمل في مجال الإغاثة الإنسانية، مثل منظمة أطباء بلا حدود، ووكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية (USAID)، والمعونة البريطانية وغيرها.

ثامنا: لم تستطع جميع هذه المنظمات فور اندلاع الحرب الوصول إلى للموانيء والمطارات فرار خارج الحدود أو الوصول لملاذ آمن في بورتسودان، وتقاعست عن تقديم المساعدات الإنسانية كالغذاء والدواء والمأوى والرعاية الصحية، حتى بعد فتح المعابر، وبعضها استجاب لاستفزازات حكومة الأمر الواقع ورضي بالركون إلى قراراتها في تأخير الاجراءات الإدارية ومنح ومنع الفيزا وصولا للطرد، وإلى يومنا هذا تقف جميع هذه الكيانات الأممية والمنظمات الدولية ومن خلفها دولها عاجزين عن حماية المدنيين وضمان سلامتهم وتوفير الحماية لهم، ومن باب أولى سيتجلى عجزهم في فرض أي عملية أو بناء للسلام، لأن من واجباتهم تحقيق الاستقرار ومن ثم العمل على المصالحة الوطنية وإعادة بناء المجتمعات المتضررة، ودعم جهود الإغاثة وتنسيق الجهود وتقديم الدعم اللوجستي والمالي، وحماية الشعوب وسيادتها وصون قراراتها وكفالة سيادة القانون وحقوق الإنسان ورأينا كيف عجزت الأمم المتحدة طوال فترات الإنقلاب عن إدانته أو تسميته إنقلاب وفرض عقوبات على مرتكبيه وصمتت حتى اندلاع الحرب الإدارة الأمريكية عن تفعيل قانون حماية الانتقال الديمقراطي في السودان، إلى أن تفاجأ الجميع باندلاع الحرب في 2023م.

تاسعا: أي إنسان يظن أنه بإنشائه سلطة جديدة وكيان دولة دون وضع تلك الاعتبارات والعوامل التي ستعيق عمل مؤسساته غير الحرب التي ستستمر باستمرار حالة الانقسام الوجداني والتدابر الاجتماعي، لأن أي قوة في الدنيا ستقف عاجزة عن تجاوز طبيعة الأزمات في السودان والتي تختلف طبيعة الاستجابة لها ، والسودان تتناسل فيه الأزمة تلو الأزمة (نزاع مسلح، نزاعات قبلية، حروب على الموارد، كوارث طبيعية، وهو بلاد مترامية الأطراف يتعذر على أي قوة في الدنيا الوصول إلى المناطق المتضررة فيها طالما أن هناك أزمات ولنا في انقطاعنا إنسانا ووجدانا حتى بعد الثورة عن منطقة جبال النوبة التي ظلت فاقدة ليد السودان الأم وعطائها الجم، هذا عن حكومة فما بالك بالمنظمات الأممية والمحلية التي ستواجه صعوبات في الوصول إلى المناطق المتضررة بسبب انعدام الأمن والتحديات اللوجستية، ولا يوجد شخص في هذا العالم مستعد لتمويل كيان أو دولة دون ضمان مصالحة، فما سيعطيه لعرابي التقسيم سيكون خصما على موارد البلاد وثرواتها، وهذا ينطبق تماما على تمويل أنشطة التأسيس للدولة وتمويل المنظمات العاملة في مجالات إنسانية.

عاشرا: العالم برمته لن يدعم توجها دكتاتوريا إلا بعض المشيخيات والإمارات والسلطنات والممالك والدول الدكتاتورية، وهذه جميعا ستتجه لدسترة أوضاعها السلطوية والملكية لتوسع دائر المشاركة السياسية استجابة لأهداف التنمية المستدامة التي تنتظم الأمم المتقدمة، بل حتى تلك الدول الديمقراطية الراسخة ككوريا الجنوبية حينما أراد رئيسها تسور السياج الديمقراطية ألجمه حزبه قبل المعارضة وقوض البرلمان قراره القاضي بتفعيل الأحكام العرفية (أحكام الطواريء)، وفي ذات الأسبوع اتجهت قوى اليمين واليسار في فرنسا للتحالف وقطع الطريق أمام الرئيس لئلا يستخدم الفصل السادس عشر من الدستور الفرنسي، وإجراء تدابير معينه (عرفية) بالتشاور مع رئيس الوزراء وهو ما عجل بموقف قوي سحب الثقة عن الحكومة الفرنسية، وقاد للحديث عن استنطاق المجلس الدستوري واستشارته في تحجيم مثل هذه الخطوات الآحادية التي غالبا ما يمارسها سلطويون متسلطون، وهو ما يقودني إلى أننا لسنا بحاجة إلى شرعية أمر واقع حربا أو سلما بل نحن في أمس الحوجة لشرعية توافقية تنطلق من أسس الشرعية الشعبية المستمدة من الثورة السودانية، وأي ذهاب لتوجه مماثل لتوجه البرهان سيكون عبارة عن سلطة طواريء غير مدسترة، ستستمر كاستمرار الدبيبة والمشري وخليفة حفتر في ليبيا أو تكرار تجربة جنوب السودان (سلفا/رياك)، وحينها سنكون موعودون بحروب بينية في تلك المناطق مغذاة من الخارج في كل الجزر المعزولة، لأن امتدادات النظام المباد متشعبة في كل التكوين الجيوسياسي السوداني، ونرى تغلغله في الكيانات الاجتماعية التي هرعت لدعم الحرب والتكسب منها، أو الشخصيات الانتهازية التي تسلقت مؤسسات الدولة ومالأت أحد الفريقين.

أخيرا: ما أطرحه هنا الخروج من حالة الالتباس الماثلة، وعدم الركون للاستفزازات التي تمارسها توجهات الإنفصاليين وأوهام الأيدلوجيين، وغبائن الأخطاء والفظائع والجرائم، والمضي بمسؤولية نحو مساومة تاريخية تحفظ وحدة البلاد وسلامة أراضيه وتصون سادته وتتخلص من نوازع الارتهان للخارج العربي أو الغربي أو الشرقي، وتنهي النزاع الحالي كما انتهت النزاعات في كل العالم بتصورات ككوديسا جنوب أفريقيا وحقيقة ومصالحة رواندا وسلام كوديفوار، يحقق الجميع فيه إنهاء وصاية السلاح والأيدولوجيا وتحجيم نفوذ سلطة التمكين وسلطات العسكر، تتحدث تلك الرؤية عن عدالة انتاقالية وعدالة إجرائية تمهد الطريق للمحاكمات العادلة مثلما فعل تحالف (لا) في شيلي ضد دستور الديكتاتور أوغستو بينوشيه بعد انقلاب عام 1973م، والسبيل الأوحد لذلك هو تماسك المؤسسات المدنية ولن تستطيع أي قوة في الأرض فعل أي شيء، وإلا فالجميع سيمضي في الاستفزاز وانعدام الإرادة ويضل في طريق عدم الواقعية السياسية، مع يقيني التام أن هذا الحل ليس هو الحل المثالي، وإنما هو حل يمكن أن يوصلنا للحل السياسي الشامل تدرجا، والذي يخاطب هواجس السودانيين في حقن الدماء وتحقيق الأمن والاستقرار، ويلبي أشواق الضحايا في الانتصاف العادل، ويجبر ضرر المتظررين، ويعيد شتات اللاجئين والنازحين، ويكفل مطلوبات التحول الديمقراطي في السودان ساسيا واقتصاديا ونظام حكم راشد يتخلص من المركزية القابضة لفدرالية تؤمن مشاركة جميع أبناء وبنات السودان.

ختاما: حتى تحقق ذلك علينا جميعا أن ندافع وندفع نحو وحدة السودان، لأن يكون السودان للسودانيين، وأن نتحمل مسؤولياتنا ولا نتنصل عنها بالهروب إلى الحلول السهلة، وهو نصحي لكل جنرال عسكري أو زعيم كيان سياسي أو ديني أو قبلي فالقائد لا يُستفز ولا يُستثار، وتقع على كاهل كل سوداني داخل وخارج البلاد، التصدي لخطابات الكراهية، والكتابات والمسودات منزوعة الروح، والمشاركة الفعالة تأثيرا لا تأثرا في قرار الحرب والسلم، فالسودان للجميع وليس لحزب أو كيان أو جهة، والوعي بهذه المعاني سيحبط كل محاولات المزيق والتفريق والتقسيم التي تنشط بها أيادي عابثة خارجية وداخلية، وأدعو الله أن يحسن خلاص بلادنا من كل شر ويحميها من كل ضر وأرجو مرددا: (رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ ۗ وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ) (سورة الأنبياء الآية 112)، صدق الله العظيم.

الأربعاء، 4 ديسمبر 2024

حرب السودان والمناخ تضيع فرصًا في قلب الكوكب

*`حرب السودان والمناخ تضيع فرصًا في قلب الكوكب`*


𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`


● تواجه دول العالم أجمع تحديات جمة تتعلق بتغير المناخ في الكوكب الذي استحال بفعل الغازات الدفيئة إلى موقد تتزايد درجات حرارته عامًا بعد عام، وتأثيرات ذلك التغير المتزايدة على مختلف مناحي الحياة البشرية والبرية والبيئية وعلى سائر المخلوقات، وفي قلب هذه المعضلة الكونية، يبرز السودان كواحد من أكثر الدول تأثرًا وتأثيراً بتغير المناخ، وذلك نظرًا لموقعه الجغرافي واعتماده الكبير على الزراعة والموارد الطبيعية.

* تعاني بلادنا السودان من مشكلة التصحر بشكل حاد وزحف صحراوي تسبب في انحسار مساحات الأحزمة الغنية والخصبة، مما أدى إلى تدهور الأراضي الزراعية وزيادة الفقر، وحريق تلك الأحزمة بالحروب والنزاعات على الموارد.
* شهدت البلاد في السنوات الأخيرة زيادة في حدة الفيضانات، مما تسبب في خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات والبنية التحتية. تأثرت منها غالبية مناطق ولايات لم تكن تعرف عنفوان الطبيعة في ولايات الشمالية والبحر الأحمر مع تأثر ولايات الوسط وكردفان ودارفور.
* ارتفعت درجة الحرارة في السنوات الأخيرة لمستويات فوق المعدلات المعتادة، الأمر الذي تسبب في زيادة التبخر وتناقص المياه المتاحة، مما هدد الأمن الغذائي والمائي، وقلل مساحات الزراعة المطرية في السنوات العشر الأخيرة بصورة كبيرة فاقمتها الحرب الحالية.

● وفي قمة كقمة كوب ١٦ التي تستضيفها المملكة العربية السعودية ديسمبر الجاري، تبرز أهمية حضور السودان كبلد مساهم في المحافل المناخية التي تهتم بمسؤوليات الدول تجاه الكوكب، وذلك لضرورة تولي السودان بالأصالة لا الوكالة رفع صوته في هذه المحافل ليضطلع بالآتي:
* الدفاع عن مصالحه ومنافعه المادية والبيئية والمناخية. ويعتبر حضور السودان في المحافل المناخية أمرًا حيويًا للدفاع عما يريد والمرافعة والمدافعة في هذا الشأن، وحشد الدعم الدولي للتكيف مع آثار تغير المناخ والتخفيف من حدتها.
* المشاركة في صنع القرار الدولي ضمن ما يزيد عن ١٩٠ دولة، إذ يمكن للسودان من خلال مشاركته الفعالة في هذه المحافل أن يساهم في صياغة السياسات المناخية العالمية، وأن يؤكد على أهمية دعم الدول النامية في إدارة شؤون الكوكب.
* يستطيع السودان بحضوره القوي الفعال والمؤثر في المحافل المناخية أن يجتذب الاستثمارات الأجنبية الموجهة نحو المشاريع المستدامة في مجال الطاقة المتجددة والزراعة الذكية مناخيًا، وهذا لن يتأتى في ظل غياب القطاع الحكومي المهني والقطاع الخاص المسؤول. ورأينا كيف حصدت الجارة كينيا ثمار الاستثمار فيها.
* يمكن للسودان من خلال هذه المحافل أن يبني شراكات مع الدول والمؤسسات الدولية، مما يساهم في تحقيق وتوثيق التعاون الدولي في مجال مكافحة تغير المناخ، إلا أن هذا الأمر تذروه رياح الحرب.

● ليس تعظيمًا وتزيدًا وانحيازًا لبلادي، ولكن الجميع يعلم أن دور السودان المحتمل مناخيًا دور متعاظم لا يمكن لأي قرار أو توصية أممية تجاوزه، فهو صاحب الفرص الحصرية التالية التي لا يشاركه فيها أحد:
* للسودان الواحد الموحد المستقل الآمن المستقر أن يضطلع بلعب دور قيادي في المنطقة في مجال مكافحة تغير المناخ، وأن يكون مثالًا يحتذى به للدول الأخرى، بل مفتاحًا لدرء مفاسد التغير المناخي في كل الكوكب.
* السودان له ما يؤهله ليساهم في تطوير حلول مبتكرة للتحديات المناخية التي تواجهه، مثل الزراعة الذكية مناخيًا وإدارة المياه بشكل مستدام، وإنتاج الطاقة النظيفة بمختلف أنواعها (رياح، هيدروجين، شمس، حيوية، توربينية، حرارية، سدود .. إلخ).
* السودان الدولة الأكثر حظًا للنجاة من كل الكوارث المحتملة، بل من الممكن أن يكون منطقة أمان بيئي ومناخي حال اندلعت حرب عالمية ثالثة (WWIII) ذات تأثير نووي أو تدميري يفوق تصورات الحواسيب الذكية واحتمالات خوارزمياتها.
* في فترة وجيزة جدًا استطاع السودان أن يساهم في رفع الوعي بأهمية مكافحة تغير المناخ على المستوى الوطني والإقليمي، وقادت بعض القيادات السودانية دورًا أمميًا للحفاظ على الكوكب نظيفًا آمنًا، على رأسهم الراحل الحقاني الإمام الصادق المهدي الذي خلد موروثًا ثقافيًا وتوعويًا يؤهل السودان لريادة الوعي بالقضايا المتعلقة بالأمن والسلام المناخي وسلامة الكوكب.

● ختامًا: يعد حضور السودان الرسمي المسؤول والمساءل في المحافل المناخية أمرًا بالغ الأهمية، ليس فقط لحماية مصالحه الوطنية، بل أيضًا للمساهمة في الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ، لذلك الواجب على السودان الرسمي (المتحارب) والشعبي (المغيب الغائب) أن يستغل هذه الفرصة لرفع صوته على الساحة الدولية عبر مؤسساته ومنظماته البيئية، وأن يسعى إلى بناء شراكات قوية مع الدول والمؤسسات الدولية لدعم جهوده في هذا المجال، وألا يترك كرسي السودان خاليًا أو في ذيل قائمة الدول المهتمة بالشأن المناخي، وألا ينزوي من يمثلون السودان في المقاعد الخلفية ويشاركون على استحياء.
جدير بالذكر أن السودان شأنه شأن العديد من الدول النامية، وقع على اتفاقيات ريو الشهيرة التي خرجت عن قمة الأرض عام 1992م هذه الاتفاقيات، والتي تشمل اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ واتفاقية التنوع البيولوجي واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، تشكل إطاراً عالمياً للتعاون في مجال البيئة، من خلال المشاركة الفعالة في هذه الاتفاقيات، يمكن للسودان أن يحصل على الدعم التقني المتطور، والتمويل المالي والكبير اللازم لتنفيذ مشاريعه المناخية.
وأرجو من زملائي في الكيانات المدنية السودانية تعظيم دور الشباب السوداني في مكافحة تغير المناخ، ورفع صوت النساء في مجال التحديات التي تواجه المرأة السودانية في هذا السياق، وأن يستعرضوا المشاريع الناجحة في مجال الطاقة المتجددة أو الزراعة المستدامة في السودان التي شهدناها بجهود ذاتية وبأيادي أبناء بعض المناطق في دول المهجر ممن دعموا أهلهم ومناطقهم بمشاريع تنمية مستدامة ذات تأثير مناخي.