الجمعة، 16 يناير 2026
`في ذكرى الإسراء والمعراج ٢٧ رجب ١٤٤٧ هـ الموافق ١٦ يناير ٢٠٢٦م`
الخميس، 8 يناير 2026
حرب الألف يوم
السبت، 3 يناير 2026
البرهان: هل يريد مصالحة الاصطفاف أم عقد الدولة؟!
البرهان: هل يريد مصالحة الاصطفاف أم عقد الدولة؟
عروة الصادق
● فوق ركام القصر الجمهوري القديم "قصر الجلاء" وفي خطاب الأول من يناير 2026م، بمناسبة الذكرى السبعين للاستقلال، قدّم الفريق أول عبد الفتاح البرهان عبارة ذات وقع مريح في ظاهرها: “باب المصالحة الوطنية مفتوح” مع تأكيد أن “السودان يسع الجميع”، مترافقة مع نبرة حرب مهتزة وبصوت متهدج تصف ما يجري بوصفه معركة استقلال جديدة وتَعِد بحسم عسكري قريب. هذه الصيغة الخبيثة، في ميزان السياسة زمن النزاع، تُقرأ رسالة محسوبة السقف، تُدار بمنطق العبارة الجامعة التي تُبقي الاحتمالات متداولة، ثم تُنزَّل ميدانيًا وفق مقتضى القوة ومقتضى الشرعية معًا.
● المصالحة في هذا السياق المضطرب تكاد تنفصل عن معناها المجتمعي الذي يستدعي الاعتراف بالأذى، وترتيب جبر الضرر، وإصلاح بنية الدولة، وصيانة الحقوق بضمانات نافذة، والاعتراف بالحقيقة، لتقترب من معنى آخر يرمي إليه البرهان وهو: توسيع معسكر السلطة عبر الاستيعاب، وصناعة قبول سياسي قابل للتسويق داخليًا وخارجيًا، مع بقاء مركز القرار محروسًا بمنطق الضرورة الحربية، وهكذا تتحول المصالحة إلى عملية ضمّ سياسي أكثر من كونها عقدًا اجتماعيًا جديدًا بين الدولة والمجتمع.
● في قاموس الخطاب البرهاني، تتكرر ثلاثية ثابتة رديئة الحبك: توصيف الحرب بوصفها معركة سيادة وكرامة، ثم مناداة القوى “الوطنية” للالتفاف حول الجيش والدولة، ثم فتح الباب لمن يلتحق بهذا الصف، وعند هذا المفصل تتشكل مصالحة الاصطفاف؛ مصالحة تُقاس بدرجة القرب من مركز السلطة زمن الحرب، لا بدرجة القرب من روح الوطن زمن السلم؛ ويصبح المعيار موقعك من الميدان، ثم تُمنح اللغة ما يلائمك من مفردات السعة والتسامح والبيت الجامع؛ ولكن كل ذلك ينهار أمام شحوب وجه البرهان وكلاحة وفداحة مشهده التصويري.
● في مدرسة الفكر الوطني الديمقراطي ظللنا نردد أن المصالحة عمران أخلاقي وسياسي: تتحول فيها الدولة من حَكَم طرفي إلى حَكَم عدلي، وتنتقل القوة من وظيفة غلبة إلى وظيفة حماية، وتنتظم الذاكرة الجريحة عبر مسار عدالة انتقالية يداوي ويُحاسب ويمنع التكرا، أمّا مصالحة الاصطفاف فتنقل المجتمع من انقسام إلى انقسام آخر، من انقسام السلاح إلى انقسام الشرعية، ومن انقسام الجبهات إلى انقسام المجال المدني ذاته، ومن انقسام الجغرافيا إلى انقسام الاثنيات.
● العبارة المعلنة واسعة للغابة؛ غير أن الحدود تُفهم من المرافقة الخطابية: وعد بالنصر العسكري وربط المصالحة بالسير في طريق المعركة، وعند هذه المرافقة يتخلق استثناء ضمني؛ المصالحة تُفتح أساسًا لمن يبدّل موقعه باتجاه معسكر الدولة أو لمن يُقبل ضمن ترتيبات داخل المعسكر المدني غير المسلح، بينما الطرف المسلح المقابل تُطرح معه شروط تُشبه تسوية من بوابة الانسحاب، فتغدو المصالحة معه صورة مؤجلة أكثر من كونها مسارًا تفاوضيًا متكافئًا.
● وبذلك تتوزع المصالحة على مسارين متداخلين: ترتيب الحاضنة المدنية حول القيادة العسكرية عبر استدعاء قوى إلى بورتسودان وإبعاد أخرى وتقسيم المجال العام إلى “وطني” و”مُعطِّل”، والتقاط الأفراد من الضفة الأخرى عبر منافذ عودة ووعود وظيفة وانتقال تُفكك الخصم من أطرافه مع إبقاء الرأس السياسي والعسكري خارج الاعتراف، وهذه هندسة مجال سياسي في سياق حرب طويلة أكثر من كونها إعادة تأسيس دولة على قواعد مشتركة.
● إن اختيار البرهان منصة الاستقلال السبعينية لإطلاق خطاب المصالحة يمنح العبارة أدوارًا ثلاثة في آن واحد:
داخليًا، تُصنع شرعية الصبر؛ ففي حرب تطول يتضخم الإرهاق الشعبي ويحتاج مركز السلطة إلى خطاب يوازن بين التعبئة والتنـفيس، فتعمل المصالحة صمامًا اجتماعيًا يمنح جمهورًا متعبًا أفقًا سياسيًا من غير تغيير جوهر المعادلة الميدانية.
خارجيًا، تتشكل لغة قابلة للتسويق الدبلوماسي؛ فالعواصم والوسطاء يبحثون عن مفردات مرونة، وجملة “باب المصالحة مفتوح” تصلح للاقتباس وتغليف الموقف بوصفه قابلًا للحل السياسي.
تنافسيًا، تُسحب مركزية الحل نحو القيادة العسكرية بوصفها الممر الإجباري لأي تسوية، فتتحول المصالحة إلى مظلة تصنيف: شراكة لمن يدخل تحتها واعتراض معزول لمن يقف خارجها.
● لذلك أقول: أن المصالحة الجذرية تُقاس بأفعال قابلة للتحقق، فالمعيار برودة الإجراء المنضبط لا حرارة العبارة، وعلاماتها العملية تشمل القبول بهدنة ووقف إطلاق النار وحماية المدنيين بإجراءات معلنة قابلة للرصد، وفتح مسارات إنسانية موثقة، وجدول ترتيبات أمنية تدريجي واضح المعالم يضع السلاح في موضع وظيفي داخل الدولة، والتزامًا صريحًا بعدالة انتقالية تشمل الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار، إضافة إلى تفكيك اقتصاد الحرب عبر شفافية الموارد وضبط الجبايات وتحييد التمويل المسلح وفتح ملفات التعاقدات العامة وتفكيك الدولة الخفية الاي أججت الحرب ويحتمي البرهان بظلالها. في المقابل تظهر المصالحة التكتيكية في لجان بلا ولاية، ومؤتمرات بلا ضمانات، وحوارات تُدار لتجميل صورة السلطة ثم تُترجم إلى حصص ومقاعد وواجهات، حيث يتحول الحق الجماعي إلى عرض سياسي، والعقد المُلزِم إلى حملة علاقات عامة، وتتجسد مناورة الشرعية.
● كما أن طرح الواجهات المدنية والشبابية والمهنية والنسوية يحمل قابلية عالية للاستعمال زمن الحرب ضمن مشروع مصالحة على مقاس السلطة: إنتاج مجتمع مُعترِف بدل بناء دولة مُنصِفة. هنا تتبلور مفردة تصلح للتداول: شبكات القبول؛ شبكات تُصاغ عبر التمويل والرعاية والإعلام، ثم تُقدَّم للعالم باعتبارها الصوت المدني، بينما المجتمع الحقيقي يتفكك تحت وطأة النزوح والجوع والخوف، وعندئذٍ تصير المصالحة إعادة هندسة للمجال المدني: من يمثل ومن يتحدث ومن يجلس قرب الطاولة ومن يُترك خارج الصورة.
● في ضوء بنية الخطاب البرهاني، تميل التطورات إلى ثلاثة اتجاهات كبرى:
مسار استيعاب سياسي يتوسع عبر لقاءات ولجان بعنوان المصالحة مع انتقاء مدروس للمدعوين وتدوير خطاب السعة بوصفه تفويضًا لتجميع الحاضنة كما حدث في حوار الوثبة البشيري،
ومسار تصلب عسكري مع بقاء العبارة متداولة بينما يظل الميدان الحكم الفعلي،
ومسار ضغط خارجي يفرض إجراءات جزئية مثل هدن إنسانية محدودة وخطوات إجرائية تحت ضغط الوساطة مع احتفاظ مركز السلطة بسقف سياسي مرتفع. هذه الاتجاهات تُظهر كيف تعمل الكلمة السياسية زمن النزاع: تُفتح الأبواب لغويًا وتُقفل الممرات بنيويًا.
● ختاما: أؤكد أن المصالحة التي تليق بالسودان تقوم على قاعدة واحدة: الدولة تتسع للجميع عبر القانون والحقوق، لا عبر الاصطفاف. فإذا بقيت المصالحة رهينة الالتحاق بالصف تحولت إلى مشروع لإعادة ترتيب الولاءات، وصار الاستقلال شعار تعبئة، وتحول الوطن إلى مساحة امتحان للانتماءات. الميزان الحاسم يظل ميزان التحقق: حماية المدنيين، خارطة ترتيبات أمنية، أساس عدالة انتقالية، وتجفيف اقتصاد الحرب. عند تحقق هذه العلامات يدخل السودان بوابة مصالحة تعيد بناء الدولة، وعند بقائها في حدود العبارة يلوح فصل جديد من مناورات الشرعية في زمن حرب ممتدة.
الخميس، 1 يناير 2026
ما فاتنا طوال سبعين عامًا: رؤية استراتيجية عساها ترى النور ولو بعد حين
ما فاتنا طوال سبعين عامًا: رؤية استراتيجية عساها ترى النور ولو بعد حين
عروة الصادق
تمهيد
أكتب هذا المقال لابنتي صافية وبني وبنات جيلها عساهم يظفرون بما لم نحققه ولم ندركه، فمثل هذا اليوم قبل سبعين عاما ووسط فرحة الاستقلال ورفرفة العلم الوطني، فتحت أمام السودان صفحةٌ ملؤها الأمل والعزيمة، وفي لحظة الانتصار هذه، اجتمع الامام عبد الرحمن المهدي رفقته رجال ونساء صمموا على الحرية ورسم خطوطها وتحديد مسارها وخياطة ورفع رايتها، ووحدوا بذلك وجدان الأمة بعد سنوات الكفاح لتؤمن بأن زمن التبعية غاب، وأن كرامة القرار الوطني انتصرت؛ ولكن مع أن البهجة كانت عارمة، اكتشفت أجيالنا الحالية سريعًا أن التحرير الرسمي لم يُصحبه تأسيسٌ مؤسسيٌّ كامل؛ فقد بقي الانتماء للسودان رفعة في الوجدان وعبارة جميلة في الشعارات، بينما ظلت إدارة شؤون البلاد متذبذبة وخالية من قاعدة حكم ثابتة، لذلك لم يكن الاستقلال تاريخًا يكتفى بالاحتفاء به فحسب، وإنما وعدًا بانجازٍ مستمر، وبناءٍ يحتضن التنوع وتعززه المصالح المشتركة بدل من أن يجهز عليه الصدام الجزئي.
التجربة السودانية خلال سبعين عام تكشف عن ثلاثة أسسٍ انعدمت أو تأجلت، فأفرغت جوانب الاستقلال من معناها العملي: تأسيس عقد وطني لم يكتمل، وتحرير الدولة من سلطة السلاح المؤجلة، وتحويل الهوية الجامعــة إلى منطق حكم عوضَ الاستقطاب المستمر، فغابت القواعد الدستورية الصريحة التي تعرّف العلاقات بين المواطنين والدولة، فنمت دولةٌ تقاسُ بقوانين تنساب تحت الرغبات وتبدّلها مزاجات القوة ونزوات العسكر، تركنا أيضًا تركيبة العلاقة بين الدين والدولة عُرضةً للجدل، فاختلط خطاب الشريعة بالسياسة فخلق انقسامات ثيوقراطية/ علمانية عميقة، وكان الاقتصاد متنفسًا لانتفاخات المحسوبية بدل توفير عدالة توزيع تُنمي الانتماء الوطني، واستجابت ثقافتنا السياسية للأزمات بعاطفة حماسية سريعة تفتقد التنظيم والنضج المؤسسي. وفي كل ذلك ظل «السلام الدائم» بعيد الأفق حين اعتُبر حلقةً انتقالية فقط، لا جزءًا من تنظيم الدولة نفسه.
هذه الوثيقة أحاول فيها قراءة ما فاتنا طوال سبعين عامًا بعيون اليوم: بدمج التاريخ والواقع مع الرؤية الاستشرافية لسنوات قادمة، وهدفها ليس إلقاء اللوم أكثر من استخلاص دروس البناء، فالدولة الراشدة التي نطمح لها هي تلك التي تُعقد فيها المواطنة الدستورية وتَشرف سيادتها المدنية على القوة، وتُدار بالمشاركة لا بالسيف، ويكون الإنتاج الاقتصادي منصفًا لا منه، ولا تزال الفرصة قائمة لتحويل طاقتنا وحماستنا إلى عقد جديد يحيي الاستقلال المعنوي ليكتمل عملاً وقانونًا، وإعادة صياغة الميثاق القومي الجامع تحتاج حوارًا عميقًا وشاملاً، يضع للصراع أدوات سياسية بدلاً من كونها مواجهات حادة.
في أجزاء متتالية، سأستعرض مفصلاً المحاور التي صاغت مسارنا خلال سبعين عام:
العقد الوطني المؤجَّل: غياب دستور وجامع مدني.
معادلة السيادة والقوة: تنازع الشرعية السياسية مع الأجهزة العسكرية.
الهوية الجامعة: من تعدد مصطلحات إلى تكامل رؤى.
الشرعية وهندسة الحكم: الرضا العام مقابل آليات السلطة.
الاقتصاد والعدالة الاجتماعية: كيف تحول الرأسمال إلى شبكة امتياز.
الثقافة السياسية: من تفاعل انفعالي إلى بناء مؤسسات.
الدين والدولة: صياغة مرجعية قيمية جامعة.
المركز والهامش: تصحيح اختلال التوزيع المكاني.
السلام وإدارة التنوع: بناء الأمان الشامل بدلاً من التسويات المؤقتة.
أفق الاستقلال المتجدد: مقتضيات «الاستقلال الثاني» ودور كل القوى.
تلك الرحلة الفكرية تأتي مدفوعة بالاعتبار التاريخي ورغبة في استكمال المسيرة، أعواننا هم قيم الشورى والديمقراطية الحقيقية، المنقاة من تجزيء الأحزاب والانقسامات الحزبية، فتكسبها بعدًا حكوميًا وضامنًا، لعلنا نستعيد بتلك الرؤية قوة إرادتنا الوطنية، فينتشلها الاستقلال الجديد من أطياف الاستبداد الداخلي ونماذج السيطرة القصيرة، ويدعمه الحشد الشعبي في الداخل والدعم الإقليمي والدولي معًا لأفقٍ يكمل ما شرعته الأجيال الماضية من طريق نحو وطنٍ متجدد.
العقد الوطني المؤجَّل
عند لحظة الاستقلال الأول ظنّنا أننا نضع الأسس لدولة مدنية مرتسمة، غير أننا اكتفينا بأحتفال رمزي بانتهاء الاحتلال، فقد مكّننا هذا التحرير من السيادة السياسية لكنه غاب عن تحويله إلى دستور دائم وواضح يُنظم عمل الدولة والحقوق والحريات، ما لبث أن بات «الاستقلال» ذكرى مفرحة في النشيد والاحتفال، بينما أحكام الواقع السياسي تعرضت لانزلاقات، والعقد القومي الجامع أي الميثاق الذي يُفصِّل «من نحن» و«كيف نتحاور ونقود» و«أي أسس تحكمنا "كيف نُحكم"»، ظل نداءً في الخيال السياسي لا قاعدة ثابتة.
نتيجة ذلك انتشرت في بداية المرحلة ما يشبه حكومةً عريضة بلا رسم؛ أجوبةٌ جزئية لأسئلة الفوضى المؤقتة: من يحكم؟ بمَن؟ وبأي صلاحيات؟ كل قوة تحمل تاريخًا أو مكانًا أو صوتًا، حاولت وضع تفسير وعيها الخاص لدور الدولة، فكان النهج يسير وفق مراكز النفوذ الآنية: تتشكل السلطات على مقاس المؤثرين في كل دور سياسي، ولا يضبطها نص شامل، فأصبح السودان مختلفًا من عهدٍ إلى عهد: ما أن تتبدل صُفوف الفاعلين، حتى يتبدّل معها وجه الدولة ومسارها، ووسط هذا التناوب، تضاءلت القيمة الحقيقية لـ«إرادة الشعب»؛ إذ أيّد قرارٌ يصنعه من يملك القوة مهما تراجعت معه ثقة الشعب، وهذا انتقص من العقد الوطني الذي يجب أن يعطي الدولة شرعية دوامها.
في الفكر الإصلاحي للآباء المؤسسين كان العقد الوطني هو «عقد المواطنة» الأول: وثيقة وقناعة مشتركة تفوق أي طوائف أو كيانات، وتحكم عمل السلطة والقانون. هذه المعادلة يعني أن الدولة لا تُدار من أعلى إلى أسفل ضد معارضة الداخل أو الخارج، ولكنها تقوم السلطة فوق التوازنات السياسية، وتكون مقيِّدة بآلياتها، وعندما تغيب هذه الممارسة، يصبح الأداء السياسي عرضة لتقلب المزاج والولاءات، ما يستدعي الاستمرار في إعادة التأسيس من الصفر في كل منعطف.
درسان علي هذا: أن أية محاولة بناء دون عقدٍ دستوري جامع ستفشل في توفير المأوى القانوني للمواطن، وسيستمر الوضع كما هو: صراع دائم بين تناقضات تارة تفرز حكومة هشة، وتارة أخرى تجبرها على مفاوضات طارئة، وإذا أردنا أن يسجل الاستقلال فعلاً في سجل الحكم، لا شك أن علينا العودة إلى صياغة عقد قومي جديد، عقدٌ يُقرّ بمحورية الدولة الحارسة لجميع المكونات، وينقل الوطنية من مجرد شعور إنشادي، إلى ملكة مدنية يؤمن بها الجميع، بمشاركة كاملة في صنع مستقبل بلادهم.
معادلة السيادة والقوة
قضية أخرى أساسية تمثل فخًّا في تاريخنا: كيف تتوزع السيادة بين السياسة والسلاح؟ بعد الاستقلال ظل السؤال دون رد نهائي: "هل تخضع القوة للمبادرة السياسية المدنية؟" أم تظل السياسة رهينة القوة المهيمنة؟ تشكلت في السودان، عمليًّا، دولة ذات شطرين؛ شطر يُفوِّضُه الناس عبر صناديق الاقتراع والأحزاب، وشطرٌ يرى أنّ دوره حماية الوطن بالذخيرة والبطولات، فليس أسلوبه الاعتيادي صناديق انتخاب وإنما «أجهزة أمن» تتدخل عند الخلافات، كلا الجانبين اشتغلا أحيانًا بالتناوب: تارة يظهر هويته السياسية بوصفها إرادة عامة، وتارة يقحم السلاح باعتباره حارسًا للمسار.
في أيام السلم النسبي اتخذ البعض مقاربة تعتمد على «استقرار الشرعية»، وتظهر الدولة بأحزابها هي رأس السيادة، ثم تمر لمسات التوتر فتظهر فجأة أن الجيش والمخابرات يعتبرا أن مصالح الوطن تصبح مسؤوليتها الحاسمة، وقد تُخرج سياسيًّا ما إذا شعر بالتعثر، وفي دقائق التوتر هذه، تنسل خلايا القوة من المراقبة الطبيعية وتسلل الدبابات تحت جنح الظلام، مما يخلق مواقف تهدد بإلغاء حكومات مدنية، والنتيجة على مدى السنين كانت محصلة مريرة: الاهتزاز الدائم الذي يجعل الدولة تهتز بحدتها العسكرية أو تدفع بالمشاركات السياسية كلما زادت الاحتياجات الأمنية.
الفهم الذي أقدمه هنا، من مدرستنا، هو أنه ينبغي ترسيخ السيادة المدنية بحيث تخضع موارد القوة لمؤسسات الدولة لا أن تُسمَّر كأعضاء موازية لها. بعبارة أخرى، نحتاج لنظام تَضمّنه قواعد أخلاقية ومهنية للقوى المسلحة، مع قضاء عادل يحمي الشعب من أي استخدام فوضويٍ للسلاح. في هذه المعادلة، يبقى الجيش أداة وطنية تخدم الأمن العام، لا معرّفًا للدولة أو مانعًا من ذهابها إلى صناديق الاقتراع، وحين تضع الدولة خطوطًا واضحة لضبط القوة، وتضمن وصول الأشخاص المناسبين بإرادة مجموعة واسعة، تتعزّز فكرة أن الأحزاب والبرلمانات والمؤسسات هي الأصل في صنع القرار؛ وبذا تنتقل بلادنا من مناخ يقول فيه الطرف الأقوى «أنا»، إلى واقع ترى فيه الدولة المؤسسية «نحن» الموحدة وراعية للاستقرار.
الهوية الجامعة
في تجربتنا السودانية ظل هيكل الهوية الوطنية تشكَّل من طبقات ثقافية ودينية وتاريخية وفكرية، تتراكم فينا روافد «المهدية»، و«الأنصارية»، و«الحركات العربية»، و«التنوُّر الأفريقي، والتنوع البانتيو نيلي والنيجر كنقولي والنايلوصحراوي»؛ كلّه يشكل نسيجًا ثقافيًّا ثريًّا؛ والرؤية الرشيدة في هذا المجال ترى أن هذه العناصر ليست عقبات، ولكن يمكن تأطيرها في «مركب هوية» جامع ومتعدد بثراء، فالهوية حين تكون مرآةً لانتماءاتنا الروحية والقومية، وتضمّ قيمًا وأعرافًا، فإنها تصبح حجةً للحوار والتلاقي، لأن بناء المواطنة يتطلب أن تشعر الجماعات المختلفة أنها جزءٌ من هذه الهوية الأوسع، لا أن تُظلم أو تُقصى، وألا تُحجب عنها قيمة الدولة بوصفها وطنًا لكل أبناء السودان.
أصبح الواقع مغايرًا: بدل أن تُوظّف التنوع في صنع الوحدة، تحوّلت الانتماءات إلى ساحة تلاسن حادة، وكل فئة كانت تبحث عن أكبر مساحة هوية تمثلها، ما أدى إلى إشاعة التعصب ونمو ثقافة الحسابات المفرطة، وغابت لغة «الوطن أولًا» أمام الأصوات المقتاتة على طبقات الهوية الفرعية الآحادية الاستعلائية. على سبيل المثال، حينما احتلت قومية عربية أو تطوعت عَشيرة دينية بتأييد حصري للسلطة، انحرفت معادلة الانتماء من هدف جماعي إلى وسيلة للنجاة السياسية، وهكذا صارت الهوية مسرحًا للخصومة، ولم تُبذل جهودٌ كافية لصياغتها في قانون اجتماعي أو دستور يُلزم الجميع بالمشاركة.
التسبيك والتشبيك الهوياتي يتطلب تجديد اللحمة الوطنية ويحتاج أن نعيد صياغة الهوية الجامعة صياغة تحكي تاريخنا دون أن تقصي فئتنا، وألا نرفض خصوصية أحد؛ لكننا نؤكد أن الاختلاف ينبغي أن يمثل مصدراً للتشارك، لا سببًا للتمييز. لهذا نحتاج لإقرار دستوري يوضح أن الجميع جزءٌ من السودان بأمر القانون، وأن القيم المشتركة (قيم الدين والأخلاق والإسلام والمسيحية والعروبة والأفريقانية والسيادة الوطنية) فوق الجميع، وأن اللغة الرسمية المكتسبة (العربية أو الإنجليزية أو أي لغة محلية) تساوي الجميع. حين نجعل من الجمهورية البوابة التي يحتكم إليها الجميع، تختفي فكرة أن لكل مجموعة وطنًا «خارج السودان» أو أن تكون له مطالب خاصة مستقلة؛ فالفهم استراتيجيّ يقود لحقيقة واحدة هي أن الهوية الجامعة ليست حصنًا للأغلبية فقط، ولكنها شبكة تحمي الحقوق للجميع، يقودها دستورٌ يشد عُرى التعايش.
الشرعية وهندسة الحكم
مصدر الشرعية في أي نظام هو رضا المجتمع ودرجة مشاركته في اختيار قيادته، وفي تجاربنا، ظل مفهوم «الشرعية» غامضًا في كثير من الأحيان؛ ففي بعض الفترات كان يُعتبر أن ربيع الثورة أو ذكرى التحرير يمنح الحاكم شرعيةً ضمنية، وفي أحيان أخرى استخدمت القوة والتعيينات حتى من دون انتخابات؛ فصار تعريف الحاكم «صاحب الوضع القوي»، ولم يقوَ الحكم على تجهيز آليات ثابتة لتحصيل رضا الشعب من خلال اختيارهم أو رضاهم الواقعي، بمعنى آخر لم تُنشّأ أطر ثبوتية للإدارة، فركنا إلى الإمارة قبل التعاقد.
الراسخون في المدنية كالإمام الصادق المهدي كان يرى أن الدولة لا تُحكم بامتياز شخوص ولكن بمبادئ تشتبك مع إرادة الناس؛ أي أن يكون هذا الأمر مقيَّدًا بقواعد محكمة، متجذرة ومتقررة في آليات معلومة، لكن على أرض الواقع كان تبديل الحكومة أو تغيير النهج يعتمد على حدث استثنائي أو انقلاب عسكري، فقلَّ تقليد الانتخابات المنظمة، واتسعت دوائر الضعف: المؤسسات صارت عرضة للارتجال، والانقسامات السياسية الحديثة قلّت فرص التسامح، وتصاعد الجدل بأننا «نحن شعبٌ حرٌّ ثائر» يجعل الحكم يستعد للتجدد حين يتوفر الزخم، ولكن القوة التي تعيده مرتكزًا قاعديًا للأزمة تبقي رهنية المسار السياسي لحظة اختيار.
غياب شرعية مؤسسية دفع البعض لتحويل الصراع السياسي إلى تجاذب بين نواب وجماعات، ومن الأزمات المعاصرة أن «إرادة الشعب» لم تنتظم في إطار انتخابي مؤسسي متين؛ فقد شهدنا حالات الانتخابات الشبه شعبية كما نشهد دورات تحول السلطة بالسيناريو الأمني، وهذا يصنع فجوة بين مفهوم «الدولة العقدية» – التي تستمد حقها من القواعد التي يرضاها الناس – وبين «الدولة الوضعية» – التي تظل عرضة لتوزيع المناصب حسب المتاح في اللحظة.
ما فاتنا في هذا الصدد أن ننقُل الشرعية من مجرد شعار أو مبادرة تنسى إلى هياكل حقيقية: انتخابات شفافة ونزيهة، وقضــاء مستقل عن سلطة التنفيذ، وتعزيز مؤسسات تشريعية وإدارية قادرة على استيعاب وجهات نظر المجتمع في صيغة قانونية راسخة. تلك الهندسة المؤسسية تمنع العودة إلى التصادم؛ فحين تُحسم مسؤولية اختيار القيادة بالآليات الانتخابية والقضائية الثابتة، يعود عمل الدولة إلى مساره الطبيعي.
الاقتصاد والعدالة
الإدارة الاقتصادية لم تجتز السودان اختبارها بالصورة التي نريدها. وكان للمشهد الريعي مثول واضح في تاريخنا: موارد وفيرة على الورق، وأحيانًا غير مستثمرة على أكمل وجه. وكافة الحلول التي وُضعت غالبًا ارتكزت على دعم فئات محددة أو مبادرات محدودة، بدل بناء هياكل إنتاجية تنموية وإنسانية عامة وعاملة؛ ونتيجة هذا فإن أي مبادرة أو قروض قُدِّمت لم تكن تستجيب لتطلعات العدالة، فقد خضعت قطاعات اقتصادية (كالمحاصيل الأساسية والتجارة الخارجية) إلى هياكل وراثية تتبع شبكة نفوذ، بينما مناطقٌ أخرى ما زال أهلها غائبين عن خارطة الحياة وخطط المشاريع التنموية.
في تجاربنا لاحظنا تسلّط تركيبات اقتصادية ضيقة: استُثمرت الأراضي الزراعية بما يخدم بعض العائلات أو المستثمرين القريبين من مركز القرار، وهيمن الاعتقاد بأن التبعية للمركز تكفي لكل شبر، وتُرك الجزء الأكبر من الإنتاج للشركات الزراعية الكبرى أو الصناعات المركزية، عوضاً عن ذلك كان يمكن تحقيق رأسمال وطني من توزيع الأنتاج على كل المواطنين، ولكن السياسات غابت عنها العدالة؛ إذ سادت دائرة الامتيازات على حساب توسيع دائرة الفائدة، وفي ظل هذا التوزيع المحوري ضاق هامش فئات كبيرة أو مناطق كانت تضخ الموارد من الهامش، لكنها لم تنل من مشروع التنمية الوطنية إلا بعض الفتات.
ماذا فُتِرَ خلال عقود؟ أنه لم تكتمل هندسة الإنصاف في اقتصادنا: أي وضع نظام يضمن توزيع العوائد العامة على كل الجهات بمقياس عادل. استئناف الاستقلال يتطلّب تغيير المعادلة، بحيث يصبح كل إنتاج مضرابًا للعدالة الاجتماعية. بما يعني: تطوير نظم ضرائب شفّافة وعادلة، وتخطيط شامل للمشاريع العامة يخدم عموم المواطنين، مع حماية سائر المناطق من التجاهل. وهذا بدوره يضمن تكوين فرص عمل لكلّ المجموعات، وتوفير الخدمات على قدم المساواة. فالاقتصاد المصحح بصورة حقيقية سيؤدي إلى انفراجة تزيل الاحتقان الاجتماعي؛ وحين يتحقق كل ذلك يصبح كسب الأمن مرتبطًا بتحقيق الثروة المشتركة، وليس بسيطرة فئة على الثروة فقط.
الثقافة السياسية
ثقافتنا السياسية هي الأصوات والمواقف والمناهج التي نبني بها الساحة العامة، وفيها تتبلور طبيعة التعامل مع الخلاف والتعدد. وفي بلادنا سادت خلال العقود السبع سمة التفاعل السريع مع الأحداث، مع ميل للأفكار الكبرى والرموز على حساب التدرج المؤسسي. فالسياسة اختلطت في غالب الأحيان بالغزارة التعبيرية والعصبية العشائرية، حتى صارت معظم النزاعات تتفاعل بسرعة دون أن تبنى عليها آليات حضارية للتوافق، وهيمنت لفترات طويلة قذارة الممارسة المتخندقة للأجندات الأيدولوجية.
لنأخذ مثالاً: حين تقام أركان نقاش أو تنظم انتخابات أو تنعقد مناظرات كبيرة، يرتفع التوتر سريعًا إلى أقصى الدرجات، ويشعر الجمهور أننا على أعتاب لحظة حاسمة يُستحق فيها العصيان أو الانفجار، فتنشغل الجماهير بمظاهر الاحتكام للأسماء والعلامات أكثر مما تنشغل بتقييم سياسات، وفي مثل هذه المناخات، خفت صوت الوسطاء الذين يمكن أن يلطّفوا الاختلاف ويحوله إلى حديث هادف. تبعًا لذلك فقدنا الحماس والاحساس بالمسؤولية وتخلينا عن الالتزام بالمؤسسية: المؤسسات السياسية (أحزاب، تجمعات، منظمات مجتمعية) باتت تأخذ طابعًا شخصيًا، وقد تكرّرت التجارب الانتخابية بشكل مفاجئ؛ وفي كل منها يعتري البلاد شعور بالبدء من جديد، دون أن تترسخ التجربة السابقة كمدخل لتعليم أساليب الإصلاح.
النتيجة ظلت إلى يومنا هذا أن الرأي العام في كثيرٍ من الأوقات اعتاد على الوصائية و«نهاية العالم» مع كل خلاف حاد. ولم يبقَ لدى بعض القوى الحافز للبحث عن حلول تدريجية، وذهب بعضها نحو الحلول الكبرى بثقة غامرة بأن الانقلاب أو الانفجار هو الطريق الأقصر والأمثل. وهكذا عندما يتعطّل الحوار تسود فكرة أن على المعترضين التصعيد أو المغادرة، فيما يقفل آخرون على أنفسهم في دائرة فرض الانضباط بالقوة، لذلك فإننا بحاجة إلى استيعاب درسين: أولاً، أن البناء المؤسسي يحتاج إلى زمن أطول من لحظة الغضب، وثانيًا، أن العمليات السياسية تستحق الصبر، وإفساح المجال للمتردد كي يجد صوابه دون أن يقطع المتسلقين الحبل.
في رؤيتي السياسية التي تنشأت عليها كان الحوار الممنهج والمحاكمات العامة الشفافة هما العنصر الأسمى في الثقافة السياسية، وهما سلطة معتبرةٍ للخلاف، وفرض الولاء لا يكون إلا خارج الحلول الديمقراطية، لأنه عندما يشتد الانقسام، لن يكون الحل هو لغة القانون والوصول للاتفاق، نحن نسكت عنه؟ لا، ولكن على العكس: استمرار رهاب الطيف السياسي للآخر يعني أن نواصل بناء غطاء مؤسساتي واسع. فالمعادلة هنا مفادها: إن أي صراع ينتهي إلى قنوات مجتمع مدنية تقوي الموقف الجيد داخل المجتمع، ويحصر القنوات التراجعية خارج نطاقها. وفي آفاقنا المأمولة، ينبغي تثبيت الوعي في أذهان جميع الأطراف بأن السودان ليس حلبة صدام، ولكنه مسيرة تدبر بالجماعة وموكب يؤمن كل من ينشد الحرية والسلام والعدالة ولا يتخلف عنه عاقل.
الدين والدولة
علاقة الدين بالدولة كانت ولا زالت مجالًا شائكًا في تجربتنا: حيث أقحمت النزعات الدينية واستُضيفت المرجعيات الروحية والتجليات الأيدولوجية المصطبغة بالألوان الدينية في الشأن العام، وغالبًا تم تصويرها بصيغة تناقض حقيقتها؛ فالبعض رأى أن للدين دورًا تكميليًّا يمنح الحكومة نوعًا من الشرعية والاتزان الأخلاقي، بينما الآخرين خافوا من أن تتحول تلك المرجعيات إلى نزعة إقصائية وهو ما حققته تجربة التنظيم الإخواني الاسلاموي لثلاث عقو؛ ونظرًا لأن المسألة بحد ذاتها شديدة الحساسية، جرى احتدام النقاش: من يوظف الدين كأداة سياسية عملية، ومن يخاف من «العلمانية».
رؤيتنا ظلت ولا تزال تؤكد أن الدين لا يغيب من العمل العام لكنه لا يحتكر الحكم، وفي إطار هذه الرؤية، الدولة مدنية مضمرة؛ أي أنها تحصر عملها في مبادئ القانون العام، بينما الدين يُعتبر مراجعًا أخلاقيًا ومعنويًا عامًا، وهذا يعني أن المناهج الدينية تظل تشكل إطارًا عامًا للقيم بدون أن تفرض نفسها بصفة إلزامية، وأن القوانين المدنية هي عبارة عن توافق بين الجميع مستوحى من تلك القيم؛ المعادلة: كون الدولة ليست علمانية في التجاهل، ولكنها تمنح الدين موقعًا توجيهيًا ـ دون احتكار تسييس ـ بينما تستمد السلطة من مشاركة البشر كلهم بلا استثناء.
ما حصل في الواقع أننا تخلّصنا تدريجيًّا من الرؤية الوسطية المتسامحة، فانقسم المجتمع بين من يرى أن إشراك العلماء والرموز الدينية في الشأن السياسي يكرّس التراكمية الأخلاقية، وبين من دعا إلى «علمانية» حادة تؤكّد فصل المجال الديني عن العام، وفي المقابل، أقحم البعض الدين في مقام السلطة والهوية العامة، وكل جانب زاغ قليلاً، وأمسكَ البعض منه بالسلاح الرمزي أو خطاب «الخضوع للدين» عندما فشل في إقناع الجميع به، وهذا الاستعلاء أسهم في زيادة الاحتقان؛ فكلا الصوتين استشعر الآخر وكأنه منافس «مصيري»، بينما كانت الدولة تفقد مكانها كاإطار الجامع المنصوب للجميع.
لذلك ما فاتنا هنا هو صياغة توازن واضح يرسم العلاقة على أساس مرجعية واحدة وشاملة، والمطلوب ألاّ تجري السلطة الوطنية على شاكلة خطابات دينية ضيقة، وألا يُنظر إلى حضورها كمؤامرة على الإيمان، في المقابل إذ قدر لنا أن نعطي الدين مكانته الرفيعة في القيم والتربية، فلا بد للدولة أن تنأى عن اشتراط القناعات الخاصة على الجميع، وصياغة هذه العلاقة تتطلب عملًا مؤسسيًّا: (1) الدستور ينبغي أن ينص على حرية الاعتقاد والتعبير مع تأكيد أن جميع المواطنين سواسية في الحقوق والواجبات، (2) المؤسسات الأمنية والمدنية ينبغي أن تلتزم بعدم التحيز الديني أو الاستقواء به، (3) التشريع يخلو من الوصاية الدينية المباشرة ويُكتفى بالتشريعات المقرة من شرائع أهلها. وبهذا الإطار تتحقق صيغة شاملة: دين يشكل روحًا وأخلاقًا للدولة، ودولة تنظر للجميع على قدم المساواة بحماية القانون.
المركز والهامش
أحد جوانب الاختلال التي غذت كثيرا من الأزمات هو شعور مناطق السودان المختلفة بأنها «هامش» للنسيج المتعدد، بينما حُوّلت العاصمة والمدن الكبرى إلى مركز للقوة والموارد، فالسياسات المركزية التركيزية أدت إلى هجرة كثيفة للكفاءات والخبرات العليا الوطنية إلى خرطوم، وانتقال معظم الخدمات الرئيسة هناك، على المقلب الآخر، بقيت محافظاتنا وولاياتنا وأقاليمنا الأبعد تلهث بحثًا عن دور ما لتشعر باستقلالية، تحمل في داخلها موارد الطبيعة وعادات التاريخ، لكنها كانت ينظر إليها من دوائر القرار كأماكن داعمة يتم توجيه الإنتاج منها لا إليهل ودون أن تعود إليهم الفائدة الكاملة.
أثر هذا التفاوت كان شديدًا: فقد برز شعور لدى بعض المناطق بأنها تَمنح السودان كل شيء وتُمنع من أي شيء حتى أن البعض بدا وكأنه يروي أرضه لتحقيق طموح المركز، فيما المركز البعيد اعتاد أن ينظر إلى بقية البلاد باعتبارها امتدادًا للنفوذ نفسه؛ وفي تلك الحالة تبدى الاستقلال كفضاء يصعب سكنه باستكمال، لأن المواطن يشعر بأن مردوده الاقتصادي والخدمي أقل مما ينبغي، وظهر هذا التوتر في مقاطعات عدة على هيئة مطالب محلية متزايدة أو نشوب نزاعات حول الأراضي والموارد والحقوق.
الحل الذي رسمته رؤانا وغيرنا ممن شخصوا وعاشوا المشكل السوداني، يكمن في تغيير نمط الدولة من «مركزية تسيطر» إلى «شراكة لا مركزية» مع الحفاظ على الوحدة، بأسس فدرالية عادلة، وإعادة هندسة الإدارة بتفويض صلاحيات حقيقية للأقاليم: من حقّ كل إقليم أن يدير تعليمه وصحته وخدمتك المدنية واقتصاده الصغير الخاص به، وأن يساهم في صياغة قوانين موضوعة وفقاً لاختصاص كل منطقة، ولكن بغياب هذا التحول، تظل الحكومات تنساب لتناسب نفسها فقط من خلال السياسة المركزية، ولا تزيد الثقة الجماهيرية العامة إلا عندما تبتعد الدولة عن مركزها قليلاً نحو المواطنين.
لذلك أرى أن ما فُقد كان التوازن الزمكاني فنهضة البلاد حقٌ يتحقق برعاية متوازنة لكافة مناطقها وفق مصفوفات زمنية وتنفيذية، وإعادة البناء العادل تعني أن كل جزء في السودان له صوت في إدارة حيزه بوعيه وخططه ورؤاه، وأن نهج التنمية المستدامة ينبغي أن يشمل الهموم المتشابهة في المركز والمناطق النائية، وبهذا التصور لا تبقى خريطة السودان كيانًا يحمل اسمًا واحدًا فحسب، ولكنها حينئذ ستجسد فعليًا وحدة الحظوة المتساوية للأراضي كافة.
السلام وإدارة التنوع
لحظة واحدة شغلت بالنا طويلاً: كيف نؤمن سلامًا دائمًا ونحن نعيش في قلب تنوع متضاد وضخم؟ للأسف، كانت جهود السلام تُعالج كجزء مؤقت من الأزمات بدلاً من أن تصبح سياسة دولة، وفي كل مرة تفجرت أزمة مسلحة هنا أو تمردات هناك، ركزنا على إدارة الأزمة البارزة وإسكات الأصوات العالية، بتوقيع اتفاقية محدودة تُوقف نزف الدم، ثم تبيّن أن أوجه الظلم والأفكار المكبوتة بقيت دفينة. فمرّت علينا مراحل سلام لم يطوَّرها تبديل بنية دولة تُضمّن الاعتراف بالآخر الحقيقي وإشراكه بصورة حقيقية لا صورية.
النظرة الاستراتيجية لمرحلة السلام، وفق منظورنا هي أن السلام عملية استثمار اقتصاديٌّ واجتماعي، قبل أن يكون مجرد صفقة انسحاب للأسلحة وعملية تفاوضية تفضي إلى مساومة سياسية. لأن السلام في حقيقتنا هو رحيل المظالم، وخلق ترتيبات دائمة تشمل مشاركة سياسية كاملة وتقاسم حقيقي للسلطة. ولتحقيق هذا، لن يفيد استجرار تجارب الماضي، لأننا نادرًا ما استخدمنا آليات انصاف انتقالية تحل عقد المظلومين، وكأن السودان كان يفكّر بالأطراف بنهج فرض لها تعايشًا مع حالة الصراع نفسها، فأُعيد إنتاج الحرب دوماً، واستمر الشعور لدى بعض الجماعات بأن السلام صفحة مؤقتة لا تغير واقعًا جذريًّا.
بصورة عامة نجد أن ما فاتنا هو عدم انتقال السلام إلى البنية الدائمة للدولة، لأنه غالبًا ما استند حل النزاع في عقود مضت على التوزيع الفصائلي أو الدمج المؤقت، دون الحفاظ على آليات توفيقية وتعويضية واضحة. وكلما جرى التفاوض بلا هدفٍ جامع، عاد الدور لتجدد النزاع عند تغير التوازنات.
لذا ينبغي أن نتعلم من الدرس أن السلام ليس مجرد بند يُضاف للحل من باب الديمقراطية، لأنه شرطٌ لبقاء الدولة نفسها واستدامة استقرارها. فلا يكفي توقيع اتفاقية وسحب السلاح، وإنما وجوب تغيير النظام السياسي لكي يشمل الجميع. وهذا يعني عقد مصالحة شاملة، وإعادة هيكلة تمثيل الجميع في البرلمانات والحكومات المركزية والولائية، وتشريع قوانين تحكم التعامل مع التعدد قبل العودة لأي خلاف في المنظومة؛ ليصبح السلام المستدام هنا وظيفة الدولة ذاتها؛ ويصير إطارات حاكما تضمنه السياسات والحوكمة الرشيدة لا كلمات ووعود.
أفق الاستقلال المتجدد
لذلك أقول أن كل ما جربناه سابقًا، لم يصل لنصيبه الكافي من البناء. فقد لبست البلاد ثوب التحرير السياسي، لكنها ما زالت تبحث عن ثوبها الدستوري الكامل، فالاستقلال الحقيقي يبدأ حين نرتدي ثلاث رداءات متجددة: ميثاق المواطنين المنصف، وجهاز دولة مدني محصن بالقانون، ونظام عدالة اجتماعية معلن. فحينما يجتمع هذا الثلاثي، نحقق ما يمكن أن نسميه «الاستقلال الثاني»: استقلال السيادة بيد أهل الأرض، واستقلال الدولة من أي ضغط مُفرط، واستقلال المواطن من ظلم توزيع النعمة أو المحاباة.
ليس المطلوب أن ننسخ الماضي ولا نرفع أعلام الثورة. المطلوب هو نقلنا إلى مرحلة جديدة تستلهم لحظات التأسيس الأولى مع معالجة أخطائها. الاستقلال الثاني هو أن يتسلم العقد الوطني الجديد صفة المقدس المتفق عليها، ويصبح الإطار القاسم لكل التفاعلات. وأن يرى كل مشروع قائمة مطالبته جندا أصيلاً داخل السودان، وليس بأيدي جهات ودوائر خارجية. وأن تتوحد هيكلية الدولة بحيث ينقضي زمن إدارة الأزمة برئيس وزراء أو انقلاب، ويحلّ محلها تداول مستمر للسلطة وفق قواعد قانونية عادلة وشفافة.
في أفكارنا لإصلاحية ينبغي أن تكون بلادنا هي الدولة الراشدة التي يكون فيها السياسي أو المسؤول موظفًا مؤقتًا للمجتمع، والقانون هو اليد الفعلية التي تحمي المؤسسات والمواطنين والدستور هو القيد الأعلى المحتكم إليه لا الأهواء. هي دولة لا يُسمع فيها صوت الانقلاب على البلد، ولكن تُسمع فيها عبر الانتخابات والهياكل الشعبية، تصبح المسؤولية فيها خدمة عامة لا احتكارًا للقرار. هذه الدعوة الآن لكل القوى في الداخل والخارج: للشعب بكل أعراقه؛ وللنخب السياسية وأحزابها، وللقيادات الدينية والفكرية والأهلية، وكذلك للأصدقاء الإقليميين والدوليين. فهو جهد لتأسيس عقد شامل يستلهم قيم العدالة والشورى والمشاركة والمساءلة، ويضع إطارًا حقيقيًا للصالح العام.
بفعل ذلك يمتد الاستقلال من تاريخٍ احتفَلنا به إلى مشروع حياة تليق بأصالة هذه الأمة، مشروع لا يُفرض من خارج أو يُنتزع بالقوّة وإنما ينبت عبر البناء المشترك في أرضنا ويسقى بعرق بنيه وبناته لا بدمائهم. عندها يتّضح أن «الاستقلال الثاني» ليس رواية ذهبية في الصفحات، ولكنه فصل جديد من تاريخنا، وميدان عمل مشترك لتحقيق وعد الأجيال: دولة حكمها العدل، وأمنها كرامة شعبها، ومستقبلها شراكة أبنائها.