مسارات البرهان بعد تصنيف الإخوان
في تقديري قرار واشنطن بحظر الحركة الإسلامية السودانية / إخوان السودان ورفع كتيبة البراء بن مالك إلى توصيف إرهابي كامل يضع حكومة بورتسودان أمام أخطر اختبار سياسي منذ انتقال مركز السلطة إلى الساحل الشرقي، ذلك أن القرار يستهدف قلب الشبكة التي وفّرت للجيش مقاتلين، وتعبئة، وغطاءً أيديولوجياً، وروابط تسليح وتمويل وتحريك داخل مؤسسات الدولة وخارجها، وقد أدرجت وزارة الخزانة الأميركية الحركة الإسلامية السودانية على قوائم FTO و SDGT يوم 9 مارس 2026، وربطت بها كتيبة البراء بن مالك بصورة مباشرة، ولكن القرار تجاهل تكوينات وكتائب أخرى كالبرق الخاطف والبنيان المرصوص والقعقاع وغيرها.
السؤال الجوهري هنا لا يتمثل في: هل سيتوقف البرهان عن التعاون مع الإخوان فوراً، لأن هذا الاحتمال يبدو ضعيفاً جداً، وإنما في: كيف سيعيد ترتيب هذا التعاون تحت ضغط القرار الأميركي، وما أعلمه يقينا أن البرهان أعدّ مساراً استباقياً للتحايل على مثل هذا القرار المتوقع، عبر نقل العلاقة من مستوى التحالف الظاهر إلى مستوى الشبكات الأقل ظهوراً، مثل عناصر تنظيمية غير معروفة للرأي العام، واجهات حزبية مموهة، رجال أعمال، شركات خاصة، جمعيات ذات طابع خيري أو دعوي، وأسماء تشغيل جديدة تفصل بين “التصنيف الرسمي” و”الوظيفة الفعلية”.
هذا النمط ليس فرضية مجردة، لأن تجربة الحركة الإسلامية في السودان قامت تاريخياً على تغيير الأسماء والواجهات مع بقاء البنية والعصب المالي والإداري في مكانه. كما أني وقفت بصورة شخصية على مساهمة شبكات إسلامية في دعم الجيش عسكرياً وسياسياً خلال الحرب والتحضير لها، مع صعود نفوذها داخل الحكومة القائمة في بورتسودان.
من هنا فإن القرار الأميركي يضرب الواجهة أكثر مما يضرب الوظيفة في المدى القريب، ولهذا يرجح أن يتجه البرهان إلى ثلاثة مسارات متوازية، وهي:
1. المسار الأول يتمثل في الإنكار الجهري، وهو قائم بالفعل، فقد نفى البرهان مراراً خضوع الجيش لنفوذ الإسلاميين، وقدم نفسه بوصفه قائداً وطنياً مستقلاً عن أي حزب، مع أن الوقائع الميدانية والسياسية تكشف اعتماداً واضحاً على قوى إسلامية مسلحة وشبكات تنظيمية موالية للنظام السابق فرغم نفيه لسيطرة الإسلاميين على الجييش نرى بأم أعيننا أن الإسلاميين أسهموا بآلاف المقاتلين وبعمليات تدريب واسعة، وأن نفوذهم ارتفع داخل التعيينات الحكومية والعسكرية في وظائف مدنية وعسكرية وقضائية ودبلوماسية ودونكم السلك الدبلوماسي الذي أعيد له كل مفصولي الثورة بموجب قرارات لجنة التفكيك.
2. المسار الثاني يتمثل في إعادة هيكلة التحالف دون قطعه، فقد حاول البرهان خلال عام 2025م وضع الجماعات الحليفة، بما فيها المجموعات الإسلامية، تحت القيادة المباشرة للجيش، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها محاولة لضبط مراكز القوة تحضيراً لأي مفاوضات سلام أو ضغوط خارجية، وهذه الخطوة لا تعني تفكيك التحالف، وإنما تعني غالباً نقله إلى صيغة أكثر انضباطاً وأقل كلفة دبلوماسية.
3. المسار الثالث يتمثل في الإبقاء على القلب التنظيمي في الظل، وهنا يظهر البعد الاستراتيجي الأعمق، والحركة الإسلامية لا تعمل عبر اسم واحد، وإنما عبر طبقات متعددة: تيار سياسي، خلايا داخل الخدمة المدنية، شبكات داخل الأجهزة، واجهات مالية، رجال أعمال، ومنظمات ذات عناوين خيرية أو اجتماعية، لذلك قرار الخزانة الأميركية نفسه مبني على منطق تتبع الكيانات المرتبطة والروابط المالية والتنظيمية، ما يعني أن واشنطن تنظر إلى القضية بوصفها شبكة لا مجرد اسم مدرج على قائمة.
بالتالي فإن استمرار البرهان في التعاون مع الإخوان قد يأخذ شكلاً أقل صخباً وأكثر تمويهاً: توزيع الأدوار على شخصيات دون ظهور تنظيمي مباشر، تدوير الأصول عبر شركات أقل شهرة، وتحويل بعض أدوات التمويل إلى قنوات اجتماعية وخيرية يصعب على الرأي العام ربطها بالحركة في الوهلة الأولى.
أما مسألة حماية الحركة وقياداتها، فالمؤشرات السياسية في هذا الجانب قوية، علي أحمد كرتي، الأمين العام للحركة الإسلامية السودانية ظل فاعلاً ومؤثراً في المشهد الإسلامي داخل السودان، وهو “الرجل الذي يقف خلف عودة المؤتمر الوطني” وظل البرهان يوفر له آليات حكومية وحماية رسمية خاصة منذ سقوط النظام. وقد سمح البرهان ومول تحركات “التيار الإسلامي العريض” الذي انتخبه في سبتمبر 2024م رئيساً له داخل السودان، في واقعة تعكس أن البيئة السياسية في مناطق سيطرة الجيش سمحت باستعادة التنظيم لقدرة حركة وتنظيم وتمويل، بدلاً من عزله أو تصفيته سياسياً، كل هذا كان تحضير للتحايل على مثل هذه القرارات.
هذا لا يمثل دليلاً قضائياً منشوراً على “حماية شخصية مباشرة” من البرهان، لكنه يقدم دليلاً سياسياً واضحاً على وجود مظلة حكم تسمح لقيادات الحركة بالعمل وإعادة ترتيب الصفوف، مع غياب إجراءات حاسمة توازي خطورة قرار التصنيف الأميركي. ومن هنا تنشأ عبارة “الإنكار جهراً والحماية فعلاً” بوصفها قراءة تحليلية متسقة مع الوقائع المتاحة، وتداعيات القرار على حكومة بورتسودان ستكون ثقيلة في أربعة اتجاهات رئيسية.
● أولاً، الاتجاه المالي: أي تعامل دولي مع مؤسسات أو شخصيات أو قنوات تمويل مرتبطة بالحركة أو بكتائبها سيصبح محفوفاً بمخاطر عقابية أوسع، بما في ذلك مخاطر “العقوبات الثانوية” على الأطراف التي تواصل تقديم دعم مادي أو لوجستي، وهذا يرفع كلفة إدارة الحرب ويضغط على شبكات الشركات والتمويل غير الرسمي المرتبطة بالمعسكر الإسلامي؛ وقد تحسب البرهان وجماعته لذلك بالاستحواذ على الذهب وتوفير شبكات تخريب وتسييل غير مرتبطة بالتنظيم، كما نشطوا في مجال التحويلات الرقمية والعملات المشفرة.
● ثانياً، الاتجاه الدبلوماسي: سيجد البرهان صعوبة أكبر في إقناع العواصم الغربية والخليجية بأن حكومته منفصلة عن الإسلاميين، خاصة مع وجود تقارير واسعة عن دورهم الميداني والسياسي، ومع حساسية ملف الإخوان لدى عدد من القوى الإقليمية.
● ثالثاً، الاتجاه العسكري: أي خطة لدمج التشكيلات القتالية المحسوبة على الإسلاميين داخل الجيش ستصبح أكثر تعقيداً، لأن الدمج الإداري لا يمحو الأثر القانوني للتصنيف ولا يبدد الشكوك حول الاختراق الأيديولوجي للمؤسسة العسكرية، وأتوقع ممانعة شديدة لعمليات الدمج خاصة أن البرهان منح هذه الكتائب استقلالية تسليح وشراء معدات تفوق قدرات الجيش بما فيها الطائرات المسيرة المتطورة.
● رابعاً، الاتجاه السياسي الداخلي: القرار يضعف قدرة البرهان على إدارة توازناته السابقة بالطريقة نفسها، لأن أي انفتاح علني على الإخوان سيحمّله كلفة خارجية، وأي قطيعة حقيقية معهم ستنتزع منه كتلة قتالية وتنظيمية اعتمد عليها منذ عام 2023م، وهنا يظهر المأزق الحقيقي.
لذلك أرجح أن يواصل البرهان التعاون مع الإخوان، غير أن هذا التعاون سيدخل مرحلة التشفير السياسي، والخطاب العلني سيتجه إلى مزيد من النفي، ومزيد من الحديث عن “مستنفرين” و”قوات وطنية” و”مساندة شعبية” بدلاً من التسميات الإسلامية الصريحة، وفي المقابل ستواصل البنية العميقة العمل عبر شبكات النفوذ التي تحدثت عنها آنفا من كوادر مدنية أعيدت إلى مواقع حكومية، قنوات مالية غير لافتة، وعناصر مقاتلة أو إدارية جرى توزيعها داخل تشكيلات تبدو رسمية أو شبه رسمية.
والأهم أن قرار الحظر الأميركي لن يقطع العلاقة بين البرهان والإخوان بقرار لحظي، وإنما سيدفعها من تحالف ظاهر إلى تشابك أقل ظهوراً وأكثر حذراً، فالإنكار سيزداد، والتمويه سيتسع، والواجهات ستتبدل، مع بقاء الهدف نفسه: الاحتفاظ بالمورد البشري والتنظيمي والمالي الذي وفرته الحركة الإسلامية للمعسكر الحاكم في بورتسودان.
أما نجاح هذا التحايل من عدمه فسيعتمد على مدى قدرة واشنطن وشركائها على ملاحقة الشبكة بكامل طبقاتها: الأسماء، الواجهات، الحسابات، الشركات، الجمعيات، وخطوط الحركة داخل أجهزة الدولة، ومن دون هذا الاتساع في المتابعة قد يتحول القرار الكبير إلى ضربة معتبرة للعنوان الرسمي، مع بقاء جزء واسع من الوظيفة يعمل في الظل.