الجمعة، 13 مارس 2026

مسارات البرهان بعد تصنيف الإخوان

مسارات البرهان بعد تصنيف الإخوان

في تقديري قرار واشنطن بحظر الحركة الإسلامية السودانية / إخوان السودان ورفع كتيبة البراء بن مالك إلى توصيف إرهابي كامل يضع حكومة بورتسودان أمام أخطر اختبار سياسي منذ انتقال مركز السلطة إلى الساحل الشرقي، ذلك أن القرار يستهدف قلب الشبكة التي وفّرت للجيش مقاتلين، وتعبئة، وغطاءً أيديولوجياً، وروابط تسليح وتمويل وتحريك داخل مؤسسات الدولة وخارجها، وقد أدرجت وزارة الخزانة الأميركية الحركة الإسلامية السودانية على قوائم FTO و SDGT يوم 9 مارس 2026، وربطت بها كتيبة البراء بن مالك بصورة مباشرة، ولكن القرار تجاهل تكوينات وكتائب أخرى كالبرق الخاطف والبنيان المرصوص والقعقاع وغيرها.

السؤال الجوهري هنا لا يتمثل في: هل سيتوقف البرهان عن التعاون مع الإخوان فوراً، لأن هذا الاحتمال يبدو ضعيفاً جداً، وإنما في: كيف سيعيد ترتيب هذا التعاون تحت ضغط القرار الأميركي، وما أعلمه يقينا أن البرهان أعدّ مساراً استباقياً للتحايل على مثل هذا القرار المتوقع، عبر نقل العلاقة من مستوى التحالف الظاهر إلى مستوى الشبكات الأقل ظهوراً، مثل عناصر تنظيمية غير معروفة للرأي العام، واجهات حزبية مموهة، رجال أعمال، شركات خاصة، جمعيات ذات طابع خيري أو دعوي، وأسماء تشغيل جديدة تفصل بين “التصنيف الرسمي” و”الوظيفة الفعلية”.
هذا النمط ليس فرضية مجردة، لأن تجربة الحركة الإسلامية في السودان قامت تاريخياً على تغيير الأسماء والواجهات مع بقاء البنية والعصب المالي والإداري في مكانه. كما أني وقفت بصورة شخصية على مساهمة شبكات إسلامية في دعم الجيش عسكرياً وسياسياً خلال الحرب والتحضير لها، مع صعود نفوذها داخل الحكومة القائمة في بورتسودان.

من هنا فإن القرار الأميركي يضرب الواجهة أكثر مما يضرب الوظيفة في المدى القريب، ولهذا يرجح أن يتجه البرهان إلى ثلاثة مسارات متوازية، وهي: 

1. المسار الأول يتمثل في الإنكار الجهري، وهو قائم بالفعل، فقد نفى البرهان مراراً خضوع الجيش لنفوذ الإسلاميين، وقدم نفسه بوصفه قائداً وطنياً مستقلاً عن أي حزب، مع أن الوقائع الميدانية والسياسية تكشف اعتماداً واضحاً على قوى إسلامية مسلحة وشبكات تنظيمية موالية للنظام السابق فرغم نفيه لسيطرة الإسلاميين على الجييش نرى بأم أعيننا أن الإسلاميين أسهموا بآلاف المقاتلين وبعمليات تدريب واسعة، وأن نفوذهم ارتفع داخل التعيينات الحكومية والعسكرية في وظائف مدنية وعسكرية وقضائية ودبلوماسية ودونكم السلك الدبلوماسي الذي أعيد له كل مفصولي الثورة بموجب قرارات لجنة التفكيك.

2. المسار الثاني يتمثل في إعادة هيكلة التحالف دون قطعه، فقد حاول البرهان خلال عام 2025م وضع الجماعات الحليفة، بما فيها المجموعات الإسلامية، تحت القيادة المباشرة للجيش، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها محاولة لضبط مراكز القوة تحضيراً لأي مفاوضات سلام أو ضغوط خارجية، وهذه الخطوة لا تعني تفكيك التحالف، وإنما تعني غالباً نقله إلى صيغة أكثر انضباطاً وأقل كلفة دبلوماسية.

3. المسار الثالث يتمثل في الإبقاء على القلب التنظيمي في الظل، وهنا يظهر البعد الاستراتيجي الأعمق، والحركة الإسلامية لا تعمل عبر اسم واحد، وإنما عبر طبقات متعددة: تيار سياسي، خلايا داخل الخدمة المدنية، شبكات داخل الأجهزة، واجهات مالية، رجال أعمال، ومنظمات ذات عناوين خيرية أو اجتماعية، لذلك قرار الخزانة الأميركية نفسه مبني على منطق تتبع الكيانات المرتبطة والروابط المالية والتنظيمية، ما يعني أن واشنطن تنظر إلى القضية بوصفها شبكة لا مجرد اسم مدرج على قائمة.

بالتالي فإن استمرار البرهان في التعاون مع الإخوان قد يأخذ شكلاً أقل صخباً وأكثر تمويهاً: توزيع الأدوار على شخصيات دون ظهور تنظيمي مباشر، تدوير الأصول عبر شركات أقل شهرة، وتحويل بعض أدوات التمويل إلى قنوات اجتماعية وخيرية يصعب على الرأي العام ربطها بالحركة في الوهلة الأولى.

أما مسألة حماية الحركة وقياداتها، فالمؤشرات السياسية في هذا الجانب قوية، علي أحمد كرتي، الأمين العام للحركة الإسلامية السودانية  ظل فاعلاً ومؤثراً في المشهد الإسلامي داخل السودان، وهو “الرجل الذي يقف خلف عودة المؤتمر الوطني” وظل البرهان يوفر له آليات حكومية وحماية رسمية خاصة منذ سقوط النظام. وقد سمح البرهان ومول تحركات “التيار الإسلامي العريض” الذي انتخبه في سبتمبر 2024م رئيساً له داخل السودان، في واقعة تعكس أن البيئة السياسية في مناطق سيطرة الجيش سمحت باستعادة التنظيم لقدرة حركة وتنظيم وتمويل، بدلاً من عزله أو تصفيته سياسياً، كل هذا كان تحضير للتحايل على مثل هذه القرارات.

هذا لا يمثل دليلاً قضائياً منشوراً على “حماية شخصية مباشرة” من البرهان، لكنه يقدم دليلاً سياسياً واضحاً على وجود مظلة حكم تسمح لقيادات الحركة بالعمل وإعادة ترتيب الصفوف، مع غياب إجراءات حاسمة توازي خطورة قرار التصنيف الأميركي. ومن هنا تنشأ عبارة “الإنكار جهراً والحماية فعلاً” بوصفها قراءة تحليلية متسقة مع الوقائع المتاحة، وتداعيات القرار على حكومة بورتسودان ستكون ثقيلة في أربعة اتجاهات رئيسية.

● أولاً، الاتجاه المالي: أي تعامل دولي مع مؤسسات أو شخصيات أو قنوات تمويل مرتبطة بالحركة أو بكتائبها سيصبح محفوفاً بمخاطر عقابية أوسع، بما في ذلك مخاطر “العقوبات الثانوية” على الأطراف التي تواصل تقديم دعم مادي أو لوجستي، وهذا يرفع كلفة إدارة الحرب ويضغط على شبكات الشركات والتمويل غير الرسمي المرتبطة بالمعسكر الإسلامي؛ وقد تحسب البرهان وجماعته لذلك بالاستحواذ على الذهب وتوفير شبكات تخريب وتسييل غير مرتبطة بالتنظيم، كما نشطوا في مجال التحويلات الرقمية والعملات المشفرة.

● ثانياً، الاتجاه الدبلوماسي: سيجد البرهان صعوبة أكبر في إقناع العواصم الغربية والخليجية بأن حكومته منفصلة عن الإسلاميين، خاصة مع وجود تقارير واسعة عن دورهم الميداني والسياسي، ومع حساسية ملف الإخوان لدى عدد من القوى الإقليمية.

● ثالثاً، الاتجاه العسكري: أي خطة لدمج التشكيلات القتالية المحسوبة على الإسلاميين داخل الجيش ستصبح أكثر تعقيداً، لأن الدمج الإداري لا يمحو الأثر القانوني للتصنيف ولا يبدد الشكوك حول الاختراق الأيديولوجي للمؤسسة العسكرية، وأتوقع ممانعة شديدة لعمليات الدمج خاصة أن البرهان منح هذه الكتائب استقلالية تسليح وشراء معدات تفوق قدرات الجيش بما فيها الطائرات المسيرة المتطورة.

● رابعاً، الاتجاه السياسي الداخلي: القرار يضعف قدرة البرهان على إدارة توازناته السابقة بالطريقة نفسها، لأن أي انفتاح علني على الإخوان سيحمّله كلفة خارجية، وأي قطيعة حقيقية معهم ستنتزع منه كتلة قتالية وتنظيمية اعتمد عليها منذ عام 2023م، وهنا يظهر المأزق الحقيقي.

لذلك أرجح أن يواصل البرهان التعاون مع الإخوان، غير أن هذا التعاون سيدخل مرحلة التشفير السياسي، والخطاب العلني سيتجه إلى مزيد من النفي، ومزيد من الحديث عن “مستنفرين” و”قوات وطنية” و”مساندة شعبية” بدلاً من التسميات الإسلامية الصريحة، وفي المقابل ستواصل البنية العميقة العمل عبر شبكات النفوذ التي تحدثت عنها آنفا من كوادر مدنية أعيدت إلى مواقع حكومية، قنوات مالية غير لافتة، وعناصر مقاتلة أو إدارية جرى توزيعها داخل تشكيلات تبدو رسمية أو شبه رسمية.

والأهم أن قرار الحظر الأميركي لن يقطع العلاقة بين البرهان والإخوان بقرار لحظي، وإنما سيدفعها من تحالف ظاهر إلى تشابك أقل ظهوراً وأكثر حذراً، فالإنكار سيزداد، والتمويه سيتسع، والواجهات ستتبدل، مع بقاء الهدف نفسه: الاحتفاظ بالمورد البشري والتنظيمي والمالي الذي وفرته الحركة الإسلامية للمعسكر الحاكم في بورتسودان.

أما نجاح هذا التحايل من عدمه فسيعتمد على مدى قدرة واشنطن وشركائها على ملاحقة الشبكة بكامل طبقاتها: الأسماء، الواجهات، الحسابات، الشركات، الجمعيات، وخطوط الحركة داخل أجهزة الدولة، ومن دون هذا الاتساع في المتابعة قد يتحول القرار الكبير إلى ضربة معتبرة للعنوان الرسمي، مع بقاء جزء واسع من الوظيفة يعمل في الظل.

الخميس، 5 مارس 2026

انعكاسات الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران على حرب السودان

انعكاسات الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران على حرب السودان

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
تُظهر المعطيات المتاحة حتى 4 مارس 2026 أن الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية ودولة إسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، بدأت تُنتج “صدمة إقليمية مركّبة” ذات مسارين متوازيين ينعكسان على مسرح السودان، مسار لوجستي–اقتصادي–أمني يرتبط باضطراب ممرات النقل البحري والجوي وارتفاع كلفة الشحن والتأمين وتزايد مخاطر الملاحة، ومسار سياسي–دبلوماسي يرتبط بانشغال القوى الأكثر نفوذاً في ملف السودان بأولويات الحرب وتداعياتها الأمنية المباشرة بما يضغط على وقت وموارد الوساطة ويعيد ترتيب الأولويات الإقليمية والدولية.

على البعد العسكري واللوجستي داخل السودان، تؤكد تقارير فريق خبراء مجلس الأمن أن الحرب السودانية قائمة أصلاً على منظومات إمداد خارجية وشبكات تهريب واقتصادات حرب ممتدة خارج الحدود، تشمل خطوط تجهيز وإمداداً بالوقود والسلاح عبر تشاد وليبيا وجنوب السودان، مع مؤشرات على استخدام مطارات داخل دارفور كبدائل إمداد في بعض الفترات.

وبالتوازي رُصد تقاطع بين مسار الحرب في السودان ومسار النفوذ الإيراني عبر توريد أو تسهيل طائرات مسيّرة وفق إفادات متعددة ومتابعات طيران وصور أقمار صناعية، مع نفي رسمي سوداني وتفاوت في درجة التحقق حسب الواقعة، وهو عنصر يظل شديد الحساسية من زاوية الدقة واليقين التفصيلي.

وعلى البعد السياسي–الدبلوماسي، فإن بنية جهود الوساطة، من جدة إلى جنيف إلى مسارات الاتحاد الإفريقي وإيغاد إلى مسار “الرباعية”، كانت تواجه أصلاً تشتت المسارات وتباين أجندات الوسطاء وتشدد الأطراف السودانية وتنامي قناعتها بإمكان الحسم العسكري مع دعم خارجي، وهو ما يجعل أثر الصدمة الإقليمية الجديدة أكثر ترجيحاً باتجاه تقليص الحيز الدبلوماسي المتاح في المدى القريب.

لذلك فإن الحرب ضد إيران تُرجّح في المدى القصير انكماش “الحيّز الدبلوماسي” المتاح للسودان، مع قابلية ظهور نافذة ضغط في المدى المتوسط تستهدف تقليص موطئ قدم إيران، وربما روسيا، على ساحل البحر الأحمر، بما قد يرفع كلفة استمرار الحرب السودانية على داعمي الأطراف ويعيد ترتيب الحوافز باتجاه هدنة إنسانية مشروطة وآليات امتثال أكثر صرامة.

الإطار المرجعي وحدود اليقين تبدأ من واقع أن الحرب ضد إيران، وفق تقارير متعددة بتاريخ 3–4 مارس 2026، ترافقت مع اضطراب حاد في النقل البحري عبر مضيق هرمز وارتفاع كبير في كلفة ناقلات النفط وإجراءات إخلاء مرتبطة بأمن بعثات أميركية في الخليج واضطراب في مراكز الطيران الإقليمية.

كما حذّر برنامج الأغذية العالمي من ضغط متزايد على خطوط الإمداد الإنساني بسبب مخاطر هرمز وتزايد التهديد في البحر الأحمر وإغلاقات المجال الجوي، بما يرفع الكلفة ويزيد التأخيرات ويضاعف العبء على عمليات الإغاثة المرتبطة بالسودان عبر بورتسودان وممرات الإسناد الإقليمية.
وفي ملفنا السوداني تجتهد “الرباعية” الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات، لرسم إطار يدعو إلى هدنة إنسانية أولية لثلاثة أشهر تليها صيغة وقف نار ومسار انتقالي، مع تباين ملحوظ في التفاعل السوداني مع هذه المبادرة.¹⁷
ويظل الجزء الأكثر حساسية هو تفاصيل الإمداد العسكري من حيث الأحجام والأنواع ومسارات الدفع، إذ إن كثيراً من ذلك غير مُعلن أو متنازع عليه، لذلك تُذكر الاتجاهات العامة المدعومة بمصادر موثوقة، وتُترك التفاصيل غير المحسومة بوصفها غير محددة في المصادر العلنية.

في التأثيرات العسكرية واللوجستية، آلية انتقال الأثر الأساسية تتمثل في أن الحرب ضد إيران لا تنقل قوات مباشرة إلى السودان بقدر ما تغيّر بيئة الإمداد من حيث الكلفة والمخاطر والسرعة، وتعيد ترتيب أولويات الداعمين الإقليميين، وتفتح شهية لاعبين آخرين لملء الفراغ أو لإعادة رسم قواعد لعبة البحر الأحمر.
تقارير فريق الخبراء وثّقت أن شبكة إمداد قوات الدعم السريع اعتمدت على خطوط دعم جديدة تمر عبر تشاد وليبيا وجنوب السودان، مع رصد مسارات تنقل معدات عسكرية ووقوداً إلى داخل دارفور ثم إلى العمق السوداني.

كما وردت تفاصيل حول نمط جسر جوي أو قوافل مرتبط بمطار أم جرس في شرق تشاد، مع مزاعم نقل شحنات تُفرغ عدة مرات أسبوعياً وتُنقل براً إلى داخل دارفور ثم إلى اتجاهات أخرى، مع نفي إماراتي وتقييم فريق الخبراء بأن المزاعم ذات مصداقية بناء على مصادره.

وبالمقابل، وثّقت تحقيقات صحفية موثوقة أن القوات المسلحة السودانية عززت قدراتها على الضربات الدقيقة والاستطلاع عبر طائرات مسيّرة إيرانية الصنع، مع بيانات تتبع رحلات إلى بورتسودان وصور أقمار صناعية، مع نفي رسمي سوداني لشراء أسلحة من إيران في ذلك الوقت، ومع تعذر حسم تفاصيل كل شحنة بصورة مستقلة عبر المصدر الصحفي ذاته.

في هذا السياق، اضطراب البحر والمجال الجوي يرفع كلفة أي إمداد سريع أو سري ويزيد مخاطر الانكشاف، لأن تقارير الحرب ضد إيران تشير إلى تضييق شديد على حركة الشحن في مضيق هرمز وارتفاع كلفة استئجار ناقلة إلى مستويات قياسية خلال أيام، مع ارتباك أوسع في النقل الجوي وإغلاق أو تعطيل مراكز طيران تربط آسيا وأوروبا وإفريقيا.

هذا الاضطراب يؤثر على السودان عبر تعقيد المسارات الجوية الإقليمية ورفع كلفة الشحن البحري والتأمين وتوفر الحاويات، كما ينعكس على الشبكات التي تعمل في مناطق رمادية عبر تشديد الامتثال المالي وتوسيع نطاق الرقابة على الوسطاء والكيانات التي تُشتبه صلاتها بإيران أو بشركات خاضعة لعقوبات.

على مستوى الطرفين داخل السودان، فإن اعتماد الجيش على دعم الطائرات المسيّرة يجعل الحرب ضد إيران قادرة على الضغط على الحلقة الخلفية لأي توريد مباشر من إيران، سواء بتعطيل الطيران أو بتصعيد الضغط السياسي لمنع تسليح طرف يوصف بالتقارب مع طهران، وهو ما قد يدفع القيادة إلى تعميق الاعتماد على موردين بديلين أو التصنيع والتجميع المحلي، أو إلى مقايضة سياسية تقلل الانكشاف على إيران مقابل مكاسب دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من الرباعية أو أوروبا، خاصة إذا ارتفعت كلفة الوصم كساحة نفوذ إيرانية على البحر الأحمر.

أما قوات الدعم السريع، فشبكة الإمداد التي وثقها فريق الخبراء توصف بالمرونة وتعدد القنوات عبر قوافل صحراوية وتهريب ومسارات عبر ليبيا وتشاد، مع مؤشرات حول استخدام مطار نيالا كبديل لتسريع الإمداد مقارنة بالطرق البرية الطويلة، ما قد يجعل أثر صدمة الخليج أقل حدّة على المدى القصير، مع بقاء نقاط ضعف مرتبطة بارتفاع تكاليف التشغيل واعتماد اقتصاد الحرب على سلاسل خدمات متعددة.

وتشير تحليلات متخصصة إلى أن شبكات المرتزقة باتت تدير جانباً من اللوجستيات عملياً، عبر تنسيق القوافل والتفاوض على المرور وتوفير الحماية، بما يحول شبكات التهريب إلى دوائر ذات زخم ذاتي، ويخلق منتفعين من استمرار الحرب.

هنا تظهر مفارقة مزدوجة، فالتصعيد الإقليمي قد يدفع إلى تشديد رقابة وحدود يرفع كلفة العبور ويبطئ بعض العمليات، وفي المقابل قد يخفف انشغال القوى الكبرى الضغط الدولي على شبكات التهريب العابرة للحدود ويزيد ربحيتها بما يشجع على توسع السوق بدلاً من تضييقه.

زمنياً، في الأفق القصير، خلال أسابيع إلى ثلاثة أشهر، يرجح ارتفاع مخاطر التصعيد التكتيكي داخل السودان نتيجة انشغال الوسطاء أمنياً واندفاع الأطراف لتحقيق مكاسب ميدانية قبل تشكل موجة ضغط جديدة أو قبل تغيّر خطوط الإمداد، مع بقاء احتمال التهدئة المستدامة متوسطاً إلى منخفض دون ترتيبات تحقق ومراقبة وإلزام.

وفي الأفق المتوسط، من ثلاثة إلى اثني عشر شهراً، يتحدد الاتجاه وفق مسار الحرب ضد إيران نحو احتواء أو امتداد، ووفق قدرة الرباعية والمجتمع الدولي على دفع مقايضة إقليمية تمنع التموضع الإيراني أو الروسي على البحر الأحمر مقابل حوافز وضغوط على أطراف السودان، بما قد يفتح نافذة لهدنة إنسانية أو وقف نار هش إذا ارتفعت كلفة الإمداد وأُرفقت بضغوط سياسية متماسكة.
وفي الأفق الطويل، إذا ترسخت بيئة بحر أحمر شديد العسكرة وتزايدت ترتيبات القواعد على الساحل، فقد يتحول السودان إلى عقدة تنافس مزمنة بدل صراع داخلي بامتدادات خارجية، مع صعود مخاطر حروب الوكلاء وتفتت الدولة واقتصاد الحرب، مع ارتباط ذلك بملف القاعدة البحرية الروسية قيد التفعيل أو التحريك وفق تغطيات موثوقة.

في مسار الحلول السلمية، انشغال الوسطاء وإزاحة الأولويات ينعكسان مباشرة على الرباعية بوصفها صاحبة القدرة الأعلى على تجميع النفوذ المالي والأمني على أطراف السودان، وهي في الوقت ذاته الأطراف الأكثر تأثراً أمنياً بحرب إيران من حيث أمن الخليج والملاحة والطيران.

الأثر المرجّح في المدى القصير يتمثل في تراجع وقت القيادات السياسية والأمنية المتاح لهندسة تسوية معقدة في السودان لصالح إدارة الحرب الإقليمية وإدارة أسواق الطاقة والملاحة، مع ارتفاع احتمال دبلوماسية الحد الأدنى عبر ضغط إنساني وهدن قصيرة وقنوات خلفية، على حساب مفاوضات شاملة تتطلب رعاية متواصلة.

وتوضح خبرة المسارات السابقة أن التفاوض تعثر بسبب ضعف الالتزام واختلاف تعريف الطرف الشرعي وتنازع أدوار المراقبين، إذ وثّق فريق الخبراء مثال محادثات جنيف أغسطس 2024 التي نظمتها السعودية والولايات المتحدة واستضافتها سويسرا بدعم أطراف منها مصر والإمارات والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة وإيغاد، ثم تراجع حضور الجيش بسبب اعتراضات متعلقة بصيغة التفاوض ودور الإمارات، ما حصر المحادثات في قضايا إنسانية وخفّض فرص تسوية أوسع.

هذه الديناميكية مرشحة للتفاقم مع الحرب ضد إيران بسبب ارتفاع حساسية التموضع الإيراني، واحتمال ربط بعض الوسطاء المسار السياسي السوداني بملف احتواء إيران في البحر الأحمر، بما يضيف طبقة جديدة من الشروط على مسار التسوية.

إنسانياً، توجد مخاطرة إضافية تتمثل في “منافسة الأزمات” وتراجع التمويل وارتفاع التكلفة، إذ تشير منظمة الصحة العالمية إلى تفاقم الأزمة الصحية–الإنسانية في 2026 مع تقدير 33.7 مليون بحاجة لمساعدة عاجلة، مع تخفيضات تمويل كبيرة خفضت القدرة التشغيلية بصورة واسعة.

ومع تحذير برنامج الأغذية العالمي من ضغط لوجستي بسبب مخاطر هرمز والبحر الأحمر وإغلاقات المجال الجوي، فإن تكلفة الإغاثة قد ترتفع وتزداد التأخيرات، ما يعمق الفوضى المحلية والابتزاز عند نقاط التفتيش، من دون أن يقود ذلك تلقائياً إلى ضغط سياسي فعال نحو السلام.

وعليه فإن أبرز الجوانب السلبية المحتملة على حرب السودان تتمثل في انكماش الاهتمام الدبلوماسي قصير الأمد وضعف متابعة آليات الوساطة والامتثال وارتفاع كلفة الإمداد التجاري والإنساني واحتمال اندفاع الأطراف إلى تصعيد تكتيكي بهدف تحقيق مكاسب قبل تشكل موجة ضغط جديدة، مع قابلية توسع اقتصاد الحرب وشبكات التهريب نتيجة تشتت التركيز الدولي.

وفي المقابل فإن أبرز الجوانب الإيجابية المحتملة تتمثل في احتمال تشكل نافذة ضغط إقليمي–دولي أوسع للحد من التموضع الإيراني والروسي على البحر الأحمر، بما يرفع كلفة الاستمرار في الحرب على أي طرف يُنظر إليه بوصفه قناة نفوذ، ويخلق حوافز جديدة لهدنة إنسانية مشروطة وآليات امتثال أقوى، إذا استطاعت الرباعية تحويل دورها من إطلاق المبادرات إلى هندسة التنفيذ والرقابة.
وفي التوصيات العملية، فإن التحول الأكثر تأثيراً للرباعية يتمثل في الانتقال من إعلان المبادرات إلى هندسة الامتثال عبر فريق امتثال مشترك صغير، وقائمة إجراءات تلقائية على عرقلة الإغاثة وانتهاكات الهدنة، وحزمة حوافز إنسانية–اقتصادية تُصرف على مراحل وفق مؤشرات تحقق قابلة للقياس، لأن خبرة جدة وجنيف تشير إلى أن غياب الإلزام يفرغ التعهدات من مضمونها.

وعلى القوى المدنية السودانية، فإن توحيد منصة مدنية موجزة بحد أدنى من التوافق يصبح ضرورة تشغيلية في لحظة انشغال الوسطاء، عبر تصور لوقف نار تدريجي وتصور للانتقال المدني ومطالب إنسانية قابلة للقياس تتعلق بالممرات وحماية المرافق، بما يضمن وجود طرف مدني قادر على التقاط نافذة الضغط عندما تعود الأولويات الدولية إلى السودان.

#السودان #إيران #أمريكا #إسرائيل #عروة_الصادق