الأربعاء، 27 يوليو 2022

جماعات العنف الراديكالية

*جماعات العنف الراديكالية*
✓• ظللنا نسير في هذه المسيرة السلمية منذ أن كان عدد الذين يخرجون للشوارع يحسبون على أصابع اليد، ولم نجنح يوما للعنف، ولأن العنف لم ينجح يوما في إثنائنا عن المواصلة في طريق ارتضينا دمه ودموعه، ورغم ما نقابل به من بطش وعنف وتنكيل وصولا للقتل والتصفية الجسدية لم ننح يوما للعنف ولا للأساليب الجبانة التي اتخذتها كثير من القوى السياسية والجماعات المتطرفة في المحيط والإقليم، ووجدت من يصدر الفتوى الدينية في سبيل شرعنة العنف والتفجير والإرعاب.

✓• إن ما نشهده من حوادث متكررة لأعمال عنف، ليست أنشطة عفوية وإنما أعمال تتم مع سبق الإصرار والترصد، وهناك معامل تنظمها وتفرخ عناصرها وتوفر أدواتها، وتمول أنشطتها، فالأدوات والآليات التي استخدمت في فض ندوة الحرية والتغيير كانت معلومة، والجماعات التي تم حشدها من قبل لاختراق المواكب بالسلاح الأبيض كانت معلومة وضبط بعض منفذيها، وما حدث في محطة باشدار رصدت آلياته وعناصره وعرفت توجهاتهم ومرجعياتهم ومن أين تحركوا.

✓• بلمحة بسيطة وقراءة لإخماد هبة سبتمبر ٢٠١٣م، نجد أن ما جعلها تنحسر وتنطفيء رغم عنفوانها وقوتها وكثرة أعداد الشهداء والضحايا، والمعتقلين، فقد كان السبب الرئيس في تناقصها هو وصمها بالعنف، وما صحبها من عمليات حرق وسلب ونهب انتظمت العاصمة وانتشار منظم لجماعات الفوضى التي كانت تدار بواسطة الأجهزة الأمنية وقتئذ.

✓• هذه الخلايا لم يتم تفكيكها وظلت نائمة لمدة طويلة تم إيقاظها في حراك ٢٠١٨م، إلا أن علو نبرة السلمية حد من فعاليتها وحجم تأثيرها، وعجزت أذرع مدير المخابرات وقتذاك الجنرال صلاح قوش من الاستفادة منها في إجهاض ثورة ديسمبر، وتلك الجماعات الفوضوية قد تم استحضرها مجددا عقب إنقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م وتمت إعادة الضباط الذين يشرفون عليها، ونشطوا لمدة محدودة من الزمن وفشلوا في جرف الثورة عن سلميتها مرة أخرى وهاهي تكمل تسعة أشهر بالتمام والكمال.

✓• ما ينبغي معرفته أن الهتاف ضد القوى السياسية لن يتوقف إلى أن يقضي الله أمره، لأنه السلوك المدني لرفض الآخر وإخباره بأنك غير مقبول، وهو سلوك مدني لا يرفضه أي كيان سياسي مدني، بل الواجب أن يقابل بالترحاب وتقبل وجهة النظر بمخاطبة اسباب الرفض، ولم يكن الهتاف ضد القوى السياسية في محطة باشدار لأول مرة بل هو فعل متكرر، وهو ما أجبر كثير من القوى السياسية لإعلان مواقف تتسق ونبض الشارع، مع يقيني التام أن هناك قوى سياسية راديكالية يميناً ويساراً لا تؤمن بالآخر ولا التعدد ولا الديمقراطية، حتى وإن ادعت ذلك لأنها صممت شعارات لشيطنة وعزل الآخر، لكن المطلوب هو استيعاب تطلعات الشارع في أجندة القوى السياسية، ومقابلة الهتاف الرافض بمزيد من الديمقراطية وعدم الانجراف وراء تيارات العنف الممنهج.

✓• بذات القدر ستنشط قوى مدنية وجهات إقليمية في تخريب الأنشطة المدنية التي لا تخدم أجندتهم ولا تستجيب لابتزازهم خصوصا تلك القوى المنافسة لها، وستستمر المحاولات لشيطنة القوى السياسية العاملة في الثورة، فقد حاولوا مرارا وتكرارا عزل قيادات سياسية واجتماعية ووصمها بالخيانة، ومع مرور الأيام ثبت بطلان إدعائهم، وما حدث في باشدار ٢٦ يونيو هو تلاقي إرادة المخربين من الأجهزة الأمنية وعناصرهم المندسة مع أجندة قوى مدنية راديكالية تم رصد كوادرها وهم يديرون عملية العنف باستمتاع شديد.

✓• هؤلاء بالتحديد هم من يديرون عملية العنف، وسينظمونها مستقبلاً لأنهم لا يؤمنون بعملية التحول الديمقراطى ولا ينشطون إلا من خلف واجهات تنظيمية وجماعات أمنية، وتكوينات فوضوية، وقوى خفية تمتهن التخفي والزج بشباب مغرر بهم في عمليات لن تجلب للبلاد إلا بالدمار والخراب 

ختاما: 
• ما أرجوه هو مواصلة الثورة لسلميتها وعدم الانجراف لأي نزعات عنف، رغم توفر كافة أدوات العنف النظامية والتقليدية فقد برزت أسلحة بيضاء ونارية وقنابل حارقة وأدوات من المفترض احتكارها للدولة ولكنها تسربت وبكميات كبيرة في أيدي هذه الجماعات والمعامل التخريبية.

• إن أدوات العنف صارت غير محتكرة لجهة أو كيان أو حتى الحكومة وأجهزة الدولة النظامية، ومن السهل جداً الاستحواذ عليها وتفعيلها لسهولة استخدامها وعظم وفعالية تأثيرها العنيف، وهو ما يلقي المسؤولية العظمى على الحكومة وتحملها مسؤولية أي انفراط لعقد البلاد.

• إن القوى السياسية المدنية في السودان اختارت السلمية والأدوات المدنية المجربة والمبتكرة، إلا أن تلك القوى الراديكالية يساراً ويمينا يمكنها استخدام أي وسيلة في سبيل الوصول للغايات، فمنهجهم هو منطق القوة.

• إننا لن نحيد عن سلميتنا ولن نلجأ لأدوات البطش والتنكيل والاستبداد فهي حيلة العاجز، ونحن سنقابل خصومنا بقوة المنطق أبدا ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.

#السودان_الوطن_الواحد
#سلمية_سلمية
#الحب_ينقذنا
 
_____
@orwaalsadig

الأحد، 24 يوليو 2022

الجذريين الوطنيين

الجذريين الوطنيين
✓• بقراءة مجردة وموضوعية للبيان التأسيسي لتحالف قوى التغيير الجذري الشامل، والذي بدأ بتمهيد تاريخي يتساءل عن أسباب الفشل في إنجاز مهام الفترات الإنتقالية بعد ثورة أكتوبر 1964، وبعد انتفاضة مارس - إبريل 1985م، وبعد ثورة ديسمبر 2018م وانقلاب 25 أكتوبر 2021م، وأتت إشارة بضرورة إعادة فحص طبيعة السلطة، وبنية الدولة، ودور الجماهير، والموقف الحازم من السياسات، والبني والممارسات السياسية التي تتسبب في إجهاض التجارب الديمقراطية وتمنع استدامتها وترسيخها، إلى جانب اسئلة الوحدة الوطنية، والاستقلال السياسي والاقتصادي، وطبيعة الدولة ودورها في كفالة المساواة والعدالة والحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكافة مواطنيها، وهي تساؤلات موضوعية تتساءلها كافة القوى السياسية السودانية، حتى تلك التي لم تشارك في الثورة وربما التي تناهض التحول الديمقراطي، إلا أن الناظر إلى تلك التساؤلات ومنبعها والمنصة التي انطلقت منها، ومنبتها ومن بثها سيجد أنها لم تخلو من نزعة أيديولوجية وإقحام للحزبي فيما هو قومي.

✓• وقد حاول البيان تحميل المؤسسة العسكرية السودانية مسؤولية إجهاض تجارب الانتقال، وكذلك حملهم فشل ما سماه التسويات - غير مضمونة التنفيذ- وهو أمر غير منصف لأن المدنين والعسكر يتقاسمون تحمل مسؤولية فشل الأنظمة الانتقالية المشار إليها آنفا والنظام الديمقراطي كذلك الذي في كل الفترات تآمر عليه المدنيون قبل العسكر ووضعوا في بذور فنائه في أحشائه، وهم من عسكروا الحياة السياسية ومدنوا المؤسسة العسكرية وعصفوا بمهنيتها وانضباطها، وهذا لا يبريء المؤسسة العسكرية في كونها كانت اليد الباطشة والمنكلة بالشعب والمنفذة الأجندة الآحادية والدكتاتورية والحامي لفساد المفسدين في تلك الأنظمة.

✓• قد حدد البيان التأسيسي أهدافا أطلق عليه أهداف التغيير الثوري الجذري شملت سبع نقاط أقتبسها، وهي:
١. قضايا البناء والاستقلال الوطني والسياسي والاقتصادي.
٢. تفكيك بنية الانقلابات وينهي تدخل المؤسسات العسكرية في السياسة.
٣. بناء وترسيخ سلطة الشعب وخياره الديمقراطي.
٤. إحداث القطيعة مع بنية التخلف الاقتصادي والتبعية للخارج.
٥. بناء دولة المواطنة والحقوق و المساواة والعدالة والكرامة الانسانية.
٦. ضمان التوزيع العادل للثروة.
٧. القطيعة مع كافة الممارسات المعيقة لتحقيق هذه المبادئ والتي شكلت مدخلا لضرب وللالتفاف على ثورات الشعب ونضاله منذ الاستقلال، بالاضطلاع بالمهام التي تمليها ضرورة هزيمة تحالف اللجنة الأمنية للنظام المدحور وقوى خيانة الثورة، وتؤسس لسلطة أصحاب المصلحة في التغيير من قوى الشعب العريضة، وتؤمن استدامة النظام الديمقراطي بتوجيه محتواه لخدمة الجماهير لا التحالفات.
انتهى الاقتباس.

✓• وبذلك تم تحديد إطار نظري للتحالف (الوطني الجذري)، وكذلك وضعت خطط عملية لكيفية التواصل وتأسيس مراكز اللجان والكيانات والتكوينات والمراكز (الوطنية الجذرية)، وحددوا لذلك بعض الأسماء والجهات بالزمكان المعين، وعلمت أن التحالف قد حدد هياكله وسكرتاريته ولجانه العملياتية. 

✓• وقد نال هذا المؤتمر درجات متفاوتة من التداول، تدرجت من التهكم والسخرية إلى التحفظ، ثم القبول المطلق، وصولا للرفض الراديكالي، وأكثر شيء لفت انتباهي هو تعليق لأحد القيادات الإسلامية بأنه خطوة جيدة لتوحيد فتات القوى السياسية في البلاد لتقليص الجبهات، وفي رأيي أن هذا التحرك الـ (الوطني الجذري) لا ينعزل عن التوجه الإقليمي والعالمي للحركة اليسارية الراديكالية، والتي تبحث عن كيفية مواجهة الأنظمة والحكومات - حتى الديمقراطية- ومناهضة الحركات الإجتماعية المنافسة والمغايرة للتوجه اليساري الراديكالي وهو الأمر الذي يمثل اليوم تحديًا مركزيًا لليسار الجديد الذي يبحث عن كيفية معالجة الظلم مع الحفاظ على الحيوية والاستقلال عن النظام السياسي.


✓• إن منطلقات هذا التوجه الراديكالي هو مقاربة لما حدث في السودان بما حدث في أواخر العام 1968م في باريس، ويريدون الإجابة على تساؤلات السودان في العام 2022م من ذلك المنظور التاريخي وهو ما برز في ثنايا البيان التأسيسي لـ (الجذريين الوطنيين) من تساؤلات، لإيجاد تفسيرات عن درجة التحول الفجائية من الخنوع إلى الثورية، ومن القبول الشعبي للتوجه الإخواني إلى الرفض القائل بـ (أي كوز ندوسو دوس)، ومن الإذعان للنظام السياسي إلى التمرد والغضب (غاضبون) والاشتباك (ملوك الاشتباك).

✓• في ظنهم أن الإجابة على هذه التساؤلات قد خلصت إلى راديكالية الحراك الجماهيري السوداني وأن الثورة السودانية قد بلورت يسارًا سودانيًا جديدًا يتألف من العديد من المنظمات الراديكالية التي يقودها الشباب ومنها ما ذكرنا، بالإضافة للجان المقاومة وبعض الحركات النسوية والمجموعات الحقوقية، والحقيقة التي لم تخلص إليها مناهج التحليل الراديكالية التي يتبعها هذا التحالف، أن الثورة السودانية هي انفصال جيلي تام عن كل الموروث بما فيه "اليسار القديم" والملطخ بالدماء" واليمين والوسط التقليدي، ولا صلة لهم بالطائفية أو القبلية أو الجهوية أو أي ارتباط عضوي بالماركسية، ومتكيفون ومنسجمون مع بعضهم في وحدة "جيلية" بمختلف طرائقهم الطبقية، بل تكيف حتى أبناء الماركسيين وتعايشوا مع الرأسماليين المرفهين وحملوا بعضهم على ظهورهم عند إصابة أحدهم أو ركبوا مع بعض في فارهة آخر للوصول للموكب، وحققوا بذلك التوافق الثقافي والإتزان النفسي والاتساق الوجداني لأبناء جيل كامل، وتجاوزوا إقحام المباديء الأيديولوجية وزجها في مناهضة سياسات وقوانين النظام العالمي أو ما يطلق عليه الرادكاليون الجدد (الإمبريالية).

✓• صمم هذا التحالف بتضاد بائن، فقمته تتعاطى مع السلطة القائمة بالأخء والرد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وأسهمت في تنصيبها واشتركت في تقديمها لقيادة الانتقال، ويحذر هؤلاء القادة منسوبيهم في المستويات الدنيا والتحالفات الأفقية بشدة ويحظرونهم من التعامل أو الاتصال بالسلطة السياسية الرسمية والتعاطي معاها لأي سبب من الأسباب، ويوهمونهم بإن الحركات الراديكالية الجديدة مصممة للتأثير والضغط على السلطة وتغيير الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى الظلم بصورة جذرية، وفشلت في ذلك محاولات رفع شعارات مستمدة من هذه المدرسة في المواكب وتنادي بالفوضى الخلاقة والأناركية، إذ انزوت جميعها مع استمرار المد الثوري.

✓• في اعتقادي أن هؤلاء لا يدركون أن الثورة السودانية كانت انفعال بديهي، وحراك عفوي ليس مصمما أو مقولبا وفق رؤى ونظريات معينة، ولا يدعي كيان أو جهة ملكيته الفكرية أو صكوك التنظير والتخطيط والتنفيذ فهي سودانية خالصة بعبقرية شعبية متضامنة، فكثيرون نظروا ووقفوا عند انطلاق الثورة في الرصيف متفرحين، وكثيرين لم يقرأوا النظريات ولكنهم ساروا في طريق الثورة بديهيا، وقلة هي التي نظرت وخططت ونفذت.

✓• لذلك نجد الكثير من عدم الانسجام قد طرأ في الفترة الانتقالية وأسهم في إجهاضها، وأعتقد جازما إن نقطة الخضوع التي أسهمت في تهيئة الأوضاع للإنقضاض على الفترة الانتقالية نتيجة ذلك اللا انسجام، وهي المناهضة الأيديولوجية الراديكالية الماركسية تحديدا لمشروع الإصلاح الاقتصادي في السودان، والذي قاده أحد أميز عشرة خبراء في الاقتصاد العالمي، وساهم الراديكاليون في إعاقة الوصول للنهضة الاقتصادية والنمو لمدة عام ونصف، كلها بددت في عمر الفترة الانتقالية من راديكاليين أيدولوجيبن، ظلوا يناهضون توجهات الحكومة الانتقالية وبذلوا لذلك مدادا وكلاما وأقلاما وسهاما، وصمتوا صمت القبور حينما نفذ تلك السياسيات بجهالة وبخطل الوزير الحالي للاقتصاد، ومنذ ذلك الوقت بدأت الهندسة للتغيير العكسي والتخطيط للانقلاب على الشرعية الثورية.  

✓• كان محرك الراديكاليين في كل ذلك إدعاءات الإنهيار الاقتصادي العالمي عام 2010م، وتبعات الكساد الدولي والركود الذي طرأ على الولايات المتحدة باعتبارها عنوان الإمبريالية والرأسمالية الطفيلية، وما أعقب ذلك من احتلال لوول ستريت،  متناسين أنهم تسببوا في كساد مماثل في السودان لا يقل سوء عن الأزمة الإقتصادية العالمية، بفعل عنجهيتهم (الجذرية)، وتبديدهم لحوالي بليوني دولار تمنح للبلاد كاستحقاق للدول المثلقة بالديون، وعون سنوي يصل لحوالي سبعمائة مليون دولار، ومنح مباشرة تتجاوز البليون دولار، فضلا عن جدولة لدين ثقيل تتراكم فوائده لتثقل كاهل الاقتصاد السوداني، مع ذلك لم يرعو قادة التوجه الراديكالي عندما صاغوا «إعلان استكمال مطالب ثورة ديسمبر المجبدة، نحو تغيير جذري وطني بقيادة الجماهير» فأقحموا ذات النصوص المحفوظة في المخيلة (الجذرية) لتصورهم الإقتصادي والذي أغلقوا به باب التعاطي مع الآخر الإقليمي والدولي، خصوصاً وأن الاقتصاد الوطنى لا ينفصل من المنظومة الإقتصادية العالمية متذرعين بشعارات الاكتفاء الذاتي كالتي كان يرددها النظام البائد ( نلبس مما نصنع .. الخ)، والذي لن تكون ذات جدوى حال انعدم اندماج البلاد أو استحال في المنظومة الإقتصادية العالمية.


✓• كما أنهم اتخذوا من الممانعة وإعاقة الوصول لتنظيم محكم وهيكل مساءل لتحالف الحرية والتغيير سبيلاً لتفتيتها وإضعافها وشق تكويناتها بسحب الواجهات اليسارية منها، وناهضوا بكل السبل عقد مؤتمر تأسيسي لها ذريعتهم أنه في حال انعقد أي مؤتمر سيأتي على رئاسته زعيم القوى (الرجعية) على حد قولهم، ولكنهم فور ما أنشأوا هذا التحالف الجديد شرعوا في تكوين هياكله بمسميات لا يخفى على أحد منابعها التنظيمية، وتتسم بالإحكام والضبط والسيطرة التي أشبه ما تكون بالبيروقراطية الستالينية، تجلى ذلك في السر والعلن وبدأ بوضوح في منصة المؤتمر الصحفي الحمراء بامتياز رغم وجود المسميات الترميزية التضليلية.

✓• استيقن (الجذريون الوطنيون) أن ثمرات التحرك الشعبي قد حان قطافها وهذا الأمر يحتاج إلى إبراز قيادة إن لم نقل صناعتها، فالبلاد تتجه نحو "الإضرابات والاعتصامات العفوية توجها نحو العصيان المدني الشامل"؛ وطفقوا في تكوين مجموعات نسوية وتنظيمات شبابية وطلابية وفئوية وقطاعية لأبراز تلك القيادات وصناعتها، وتم هذا التحرك لهذا في المركز والولايات، المدهش أن تلك الأنشطة تمول عبر واجهات تقتات ممن يسمونهم قوى الاستكبار والامبريالية، وينشط فيها عاملون في الحقل الطوعي ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية من منتسبي اليسار ويستقطبون الدعم عبر تلك الواجهات.

✓• وفي اعتقادي أن هذه الطريقة من العمل السياسي تفتقر إلى أي استراتيجية أو أهداف متماسكة وتتحاذبها الأخطاء ونوازع الفشل من نواحٍ عديدة ومهمة، فهي تفتقر كأي مشروع للتقييم المتجذر، والفهم الرصين لطبيعة الإنسان والوجدان السوداني، وعفوية نضاله وعنفوان وقوة ثورته، وطبيعة التطورات السياسية الرئيسية في البلاد ومحيطها الجيوسياسي، وعدم قراءة ردود الفعل التي أعقبت الحراك الاجتماعي والتمرد السياسي الذي أدى إلى إنهيار نظام دكتاتوري غاشم آحادي مستبد وفاسد، وأقام تحالف الحرية والتغيير رغم المآخذ عليه على أنقاض ذلك النظام ملامح آخر بديل ديمقراطي مدني اجتماعي متماسك إلى حد كبير، خلخله وأسهم في إضعافه وإسقاطه الجذريون الذين أعلنوا ذلك على شاشات الفضائيات.

✓• إن ما نشهده من إعلان لهذا التحالف رغم أنه ظاهريا يبين وحدة موضوعية وتنظيمية لليسار، إلا أنه يؤكد حتمية الإنقسامات القائمة والموجودة وتلك النائمة القادمة والتي ستكون بصورة أعنف ومضطردة ومتزايدة ستطرأ على اليسار السوداني ككل، حينها ستتقسم هذه الكتلة لتنضم إلى منقسمين آخرين يشكلون (يسار الوسط)، وكتلة أخرى تمثل (اليسار الراديكالي)، أي كتلتين رئيسيتين على أقل تقدير، وستبرز حينها كتلة (النيوليبرالية) التي قد غيرت الخطاب السياسي لليسار بشكل كبير وجعلت أفق الإدعاءات والاحتمالات الراديكالية بعيدًا عن تصوراتهم الفكرية ومنطلقاتهم الأيديولوجية إلا أن هذه الكتلة سيتأخر تكوينها لتأخر العوامل الموضوعية لتشكلها.

✓• إن هذا النمط وهذه المحاولات لإعادة تنشيط اليسار السوداني، هو نمط اضمحلال وقد يقود إلى تلاشي اليسار، وربما أسهم في رفع درجات السخط والرفض الشعبي لليساريين، وحينها سيحدث لتلك التنظيمات ما حدث للإسلام السياسي، الذي تتجاذبه المحاكمات السياسية والفكرية والمقاطعات الاجتماعية، وبالتجربة حينما حاول اليسار تمطي ظهر الثورات واستغلالها لأجندته عوقب بالصوت الإنتخابي، لذلك أرى أن هذا السبيل سيقود اليسار إلى زوال، ولا أقول ذلك اشفاقا عليهم وإنما ليقيني أن الاتزان السياسي في السودان لن يتحقق إلا بتواجد الأضداد.

✓• ورؤيتي الشخصية أنه لا ينبغي لا لليسار السوداني ولا غيره من الأحزاب السياسية السودانية ولا الكيانات الاجتماعية والدينية الدخول في تنافس مع الحركة الجيلية الثورية ومحاولة تمطي ظهرها واتخاذها سبيلاً للترقي أو التكسب، والواجب هو تهيئة تلك الكيانات السياسية لنفسها وهياكلها وبرامجها وقياداتها لتنال الرضا الشعبي عبر الانتخاب، لأنه حينما حاول البعض استغلال الحراك أو التنافس مع الموجة الجماهيرية كاد أن يحدث انفجار حاولت جهات استغلاله لتكوين رأي عام يرفض الحزبية والممارسة السياسية المنظمة.

✓• ختاما: 

• إن الحركة الجماهيرية الآن في الشارع السوداني من أعظم التحركات الشعبية في العالم وما ميزها ودفع باستمراريتها أنها من الحركات الاجتماعية غير الهرمية في والتي الغالب تكون منافسة لتوجهات وأنشطة وإدعاءات الراديكاليين وتدحض عمليا الكثير من نظرياتهم وتفكك بنية أهدافهم التنظيمية المترابطة: كالطبقية وعدم المساواة الاقتصادية، التي تجاوزها ميدان الاعتصام بشعار ( عندك خت ما عندك شيل)، والهيمنة السياسية وتمركز الثروة المحمية سياسياً ودعاوي التهميش التي نسفتها عمليا ممارسات الحاكمين باسم اتفاقات السلام من الهامش، وتسلط الدولة البوليسية التي شاركها في التسلط والاستبداد مدنيون، والأشكال المتواصلة من التمييز العنصري التي اتضح جليا أنها تضمحل مع الاستقرار السياسي والأجواء الديمقراطية وأن الثورة لا تدع مجالا لارتفاع اي صوت عنصري.

• الواجب العملي يكون باستيعاب شعارات هذه المجموعات الشبابية والنسوية والدينية والثقافية والاجتماعية وأفكارهم ضمن المستوعبات السياسية الفكرية في البلاد، وليس بالضرورة استيعابهم كأشخاص في المستويات التنظيمية والهياكل الحزبية، لأن في حرية حراكهم يتولد التدافع ويثمر الإبداع، وفي استقلالية نشاطهم حياد، وفي تنوع رؤاهم ما يوحد الوجدان السوداني وهو ما من شأنه أن يربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب والوسط، ويوحد اللحمة القومية ويستنفر طاقات هذه المجاميع في أي لحظة تنادي للبناء والتعمير وحراسة وصون كرامة البلاد.


______
@orwaalsadig