الخميس، 20 أكتوبر 2022

حصيد البرهان في عام (٣)

حصيد البرهان في عام (٣)

● مقدمة:
ظل الملف الاجتماعي طوال فترة الانقلاب يتخذ طابعا تدميريا تمزيقيا بصورة لم تخل من تآمر بين، غرضه تمزيق وشائج الشعب السودان وتفريق جموع شبابه الذين تحالفوا جيليا لاسقاط منظومة الإخوان فب السودان وإزالة الفوارق التي وضعتها كجدر مانعة للتواصل بين السودانيين، واستمر قادة الانقلاب في ذلك الأمر بصورة أكثر سفورا للمدى الذي حدى برأس الانقلاب للاستقواء القبلي، وسار على نهجه نائبه الأمر الذي دفع أبواق النظام البائد في الإدارات الأهلية لترديد تلك الأقاويل العصبية الجهولة، وفي هذا الجزء الثالث أركز على الجوانب الاجتماعية وما صنعه فيها الإنقلاب في عام.

ثامنا: اجتماعيا
• أدركت القوى السياسية السودانية باكرا أن المجتمع السوداني لا يمكن أن يتم تنميطه ثقافيا أو دينيا أو تذويبه اجتماعية عبر سياسات آحادية وأيدولوجيات واهمة ووافد وأنماط تغيير احتماعي تنفذ عبر سياسات خاطئة، وتم إدراج ذلك في كل الأدبيات السياسية للقوى السياسية الراشدة، وهوالأمر الذي عززته مراكز ومنظمات ومنصات اجتماعية ومشاريع تغيير تأسست على رؤى تكاد تكون متطابقة، الأمر الذي ضمنته قوى الحرية  والتغيير ضمن أطروحاتها وبرامجها ما جعل حكومتها الأولى والثانية مستوعبة للتغيرات الاجتماعية في المجتمع التي تنطوي على الثقافة باعتبارها عاملا حاسما في التطورات السياسية والثقافية والتنموية ومن الضروري فهم كيفية استجابة المجتمع لهذه التغيرات وعلى ضوء ذلك فتح الباب على مصراعيه لتوفير كافة ما يمكن أن يسهم في تطوير المجتمعات ويعزز تماسكها ويجعلها رافدا تنمويا أصيلا من تشريع وتطوير وتحديث وسياسات وبرامج وتمويل ..الخ.

• إلا أن انقلاب 25 أكتوبر وضع المقطورة أمام القاطرة فلجأ إلى سياسات طوارئ اجتماعية ذات طابع أمني تشريعات لاحقة للكوارث الماحقة، لأنه عجز عن ترجمة التغير الاجتماعي في السودان الذي احدثته الثورة السودانية إلى تغيير سياسي وإجراءات حكومية وسياسات تملأ الفراغ الذي أحدثه زول منظومة الإخوان في السودان والتي هيمنت لثلاثين سنة على مفاصل الدولة ومؤسساتها الاجتماعية وذوبتها في ثوب الحزب الواحد حتى صار كل من لا يرفع سبابته في المجتمع السوداني ويكبر ولو نفاقا هو ضد للدولة ومارق الواجب ملاحقته إن لم يصل الأمر للتهديد والوعيد والاعتقال والسحل والقتل.

• كما قامت الحكومة الانتقالية على دراسة التغيير الاجتماعي من خلال وزارتها المختصة وعكفت على ترجمةكافةالرسائل والرموز المتواترة في أحاديث المجتمعات والمنتديات المنشورة على كافة وسائل التواصل، وتم وضع خطط اشتركت فيها كافة الوزارات المختصة التي صممت رسائل اجتماعية اعلامية إيجابية وبرامج دينية لوزارة الأوقاف وصرف إعانات وتمويل للأسرة الفقيرة ودراسة التركيبة السكانية والشروع في تنظيم احصاء دقيق وحقيقي لمعرفة احتياجات المجتمعات وتوفيرها بتخصصية ومهنية وشفافية وعدالة، وقد أنشأت الحكومة منظومة سياسية وتنفيذية ومالية لدعم للفقراء، وصناديق لمساعدة التنمية في المناطق الريفية النائية، ووضعت برامج ترمي إلى تحسين أوضاع الأسر المعيشية ومساعدتها على التكيف مع التغيرات الاجتماعية..

• لم يتجاهل الانقلاب كل ذلك فحسب بل عمد إلى تعزيز التمزيق الاجتماعي ودق أسافين الفرقة والشتات بين المجتمعات والبيوتات القبلية والدينية وفتح الباب على مصراعية لوسائل إعلامية تبث الكراهية وخطاباتها، وعطل تشريعات كانت ستقر وتنفذ وتوقع عقوبات رادعة لكل من يخالفها لأنها تحرم وتجرم الاستعلاءات الثقافية والدينية والاثنية وتمنع التمايز الاجتماعي، وانتشرت  جراء ذلك نزاعات دامية وعنيفة شملت كل أركان السودان بلا استثناء بدءا بين مكونات شرق السودان وأحداثه المختلفة في بورتسودان وكسلا والقضارف إلى النزاع الأخير بين البطاحين والبجا في حلفا الجديدة.

• وليس ببعيد عن الأذهان اندلاع نزاع كارثي خلف مئات الضحايا فيما نزح أكثر من31 ألف بحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية الصادر أغسطس 2022م ترجح تقديرات أخرى لوصول العدد إلى 40 ألف نازح غالبيتهم نزحوا لولايتي سنار والنيل الأبيض، وقد أدى سوء التقدير الحكومي إلى تجدد الاشتباكات القبلية في إقليم النيل الأزرق، عندما شرعت لجنة حكومية في إرجاع مئات النازحين إلى مناطقهم، دون أن تضع في الإعتبار تعقيدات الواقع القبلي على الأرض في أعقاب أحداث الاقتتال التي شهدها الإقليم منتصف يوليو 2022م الأمر الذي أدى إلى أحداث في  كل من قنيص شرق بمدينة الروصيرص بمجمع طيبة الإسلامي ثم انتقل القتال إلى أم درفا بمحلية ودالماحي شمال مدينة الدمازين، وما يؤسف له أن هذا الصراع القبلي نشب في ولاية تهيمن عليها الحركة الشعبية لتحرير السودان وهي التي تحمل مشروع السودان الجديد القائم على الاعتراف بالآخر والإقرار بالتعدد الثقافي والديني والاثني إلا أنها عجزت عن كبح جماح تمدد خطابات الكراهية وجيوب السلاح التي تسربت للولاية، والتي لم تسطع جحافل الجيوش والقوات المشتركة من إيقاف تسببها في النزيف الذي شمل عددا من قرى منطقة ود الماحي بالإقليم، بل لتفصل السلطات المواطنين اجتماعيا  عن بعضهم وعن بقية البلاد قطعت الاتصالات في المنطقة منذ 17 أكتوبر 2022م.

• وفي يوليو 2020م اعتصم مواطنو نيرتتي بولاية غرب دارفور اعتصاما يضاهي اعتصام الشعب السوداني أمام بوابات القيادة العامة للجيش، وأوفدت له الحكومة وقتئذ من يخاطبه لتلبية قضاياه، إلا أن الأمر اتخذ طابعا تدميريا دمويا في سبتمبر 2021م ليكتمل الحرق والتهجير في 2022م الأمر الذي أثبت التقاعس الحكومي إن لم نقل التورط الأكيد في تلك الأحداث التي خلفت مئات الضحايا وآلاف النازحين الذين لم يكتب لهم الاستقرار منذ العام 2003م، وليس من قبيل الصدفة أن تكون تلك المجازر في إقليم يحكمه رئيس حركة جيش تحرير السودان وفي ولاية يقودها والي من حركات الكفاح المسلح، الأمر الذي يؤكد أن سيناريو الإحراج لهذه الحركات مع جماهيرها ومواطني الولاية أمر مخطط له سلفا إلا أنها لم تع الدرس ولم تلق بالا أو تهتم بأدنى عوامل الاستقرار الاجتماعي في الإقليم.

• بالانتقال لجنوب كردفان نجد منطقة جبال النوبة تشهد بركان مكتوب تخرج منه بعض الحمم بين فينة وأخرى، وهناك إهمال متعمد من السلطات لعدم إخماد ما تشعله تلك الحمم من نيران، كما أن غياب المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل عناصر معلومين جعل من إعادة تكرارها أمرا سهل، فقد تزايد عمليات النهب في مدينة أبو جبيهة والمناطق الطرفية على خلفية أحداث محلية قدير وتوترت الأوضاع بصورة أخرجت عدد من المواطنين من المدينة، وتكرر الأمر في مدينة  لقاوة ففي أغسطس 2022م استقبلت مناطق تحت سيطرة الحركة الشعبية (الحلو) أكثر من 7 آلاف شخص من سُّكان المدينة ليتكرر الأمر مجددا بصورة أعنف في أكتوبر 2022م ليتخذ طابعا عسكريا استراتيجيا بقصف مقار بانتقاء عالي بغية تأجيج نيران الفتنة بين مكونات المجتمع المحلي كأن يحتجز الشاب أبو القاسم الناير ويذبح ويتم التمثيل به ويقصف منزل احد قيادات الإدارة الأهلية لتشمل الفتنة كل بيوتات الولاية (نوبة – مسيرية – داجو- وغيرهم)، اكتفت فقط الحكومة بالتنديد وإطلاق الاتهامات، التي قابلتها الحركة الشعبية باتهامات مضادة، الأمر الذي يعني إمكانية تمزيق اتفاق وقف العدائيات وإيقاف إطلاق النار في 2019م، وهو خطوة ستقود إلى صفر سلام.

• كما نشطت اتحادات شبابية لتأجيج صراعات حول الحدود في ولاية غرب كردفان ومطالبات بإنشاء ولاية وسط كردفان، لم تخل أيضا من عنف وتحريض وخطابات قبلية متعصبة، فاقم من زيادتها لحد الاشتباكات وقوف قيادة المنطقة العسكرية والحاميات وقوات الشرطة في خانة المتفرج، وسط مجتمع مسلح بالكامل وينشط وسطه فلول النظام السابق بصورة كبيرة، وقد أثرت تلك الصراعات على كل البلاد كالتخريب الذي حدث في مناطق انتاج البترول من جهات لم يكشف عنها إلى تاريخه والتلويح بإغلاق الطرق الغربي الذي يربط السودان ببعضة وبدول الجوار غربا.


• كل تلك الحروب بين السودانيين أنفسهم مثلت سببا في تمزق اجتماعي كبير ولكن القنبلة الاجتماعية التي لم يتم التحسب لها هي الأعداد الكبيرة من اللاجئين من دول الجوار والمستقدمين من مناطق أخرى هؤلاء عطل الإنقلاب سياسات الهجرة التي اتخذتها حكومة الفترة الانتقالية لينحى بها من الجانب الفني إلى تعامل أمني صرفي وجعل من معتمدية اللاجئين ثكنة تعج بالضباط والمخابرات الأمر الذي سيعطل الاستفادة من استحقاقات السودان من التمويل الدولي لللاجئين الأمر الذي يعني تسربهم من معسكرات اللجوء إلى المدن ومناطق الانتاج دوان اتخاذ أي خطومات لإدماجهم في المجتمع أو تسهيل إقامتهم في البلاد ما سيؤدي لتغيرات اجتماعية مستقبلا.


• هذه الأعداد الكبيرة من اللاجئين سريعة التنامي وتنتشر في  التجمعات السكانية المتزايدة في المدن والأرياف وتنشط في الحياة العامة اجتماعيا واقتصاديا وتستغل من بعض أصحاب النفوذ لتظهر شبكات تتاجر في العملات وتزيفها وتهريب البشر والسلاح والاتجار في المخدرات والممنوعات والدعارة، وصار الأمر عملية منظمة وصلت تهريب بعض هؤلاء المهاجرين من المقبوض عليهم في جرائم خطيرة من السجون السودانية ليعيدوا الكرة مرة أخرى.

• أخطر ما حاول الإنقلاب فعله هو إحداث قطيعة اجتماعية بين الأجيال السودانية المتعاقبة، وقد بث عبر آلته الإعلامية دعاية كذوبة قبل وأثناء وبعد الإنقلاب تشيطن الأحزاب السياسية وقادتها ورموزها في محاولة لإقامة حواجز بينهم وبين جيل الشباب، وقد حاول رئيس الانقلاب مخاطبة الشباب في الأيام الأولى للإنقلاب واجتمع بأعداد كبيرة منهم وتم تصميم أجسام اجتماعية وسياسية ضرار تهتف بإحداث هذه القطيعة الاجتماعية بين الكبار والصغار، الأمر الذي سرعان ما تداركته السبيكة الاجتماعية السودانية وتنسيقيات لجان المقاومة بأن هذا الفخ المنصوب الغرض منه إضعاف الشعب السوداني.

• كما حاول الانقلاب استعادة المنظومة الاجتماعية للحزب الحاكم وتمكين إداراته الأهلية المؤدلج بأيدلوجية واحدة مهيمنة وسهل لهم كافة سبل الحركة والنقل والتواصل والتسليح والحماية والنفوذ، حتى صار بعض قادة  الإدارات الأهلية يهدد ويتوعد بقية البلاد بحرب شاملة وشرر مستطير، وهو ما حفز كيانات اجتماعية أخرى للاصطفاف على أسس مضادة للتوجه الأيدولوجي الأحادي، وبهذا الفعل غير المدروس عطلت حكومة الإنقلاب آفاق التفكير السابق بتوطيد أواصر التعايش وأغلقت أطر التفكير  والوعي المشترك بالتغيرات الاجتماعية.

• بعد أن حدثت الثورة المنظومة الاجتماعية والسياسية والفكرية والاجتماعية وقدمت عدد من الشباب في مواقع مختلفة أصر قادة الإنقلاب إحداث ردة في هذا المستوى بإرجاع الجميع إلى آثار الشيخوخة الاجتماعية بابتعاث أموات النظام البائد وأفكارهم التي لفظها الشعب السوداني من قبور الثورة ووضعهم في صدارة المشهد الاجتماعي تحت مسمى مجالس حكماء الولايات التي عجت بالعنصريين والإخوانين من الفلول،  ما أثر ذلك بصورة مباشرة على التنمية الاجتماعية- واقتصاديات المجتمع، إلى جانب التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي تحدث في السودان، ومن جانب آخر أبعد الإنقلاب كافة الكفاءة المهنية والقيادات الاجتماعية وأحالهم للتقاعد المذل ما أعاق ضمان مواصلة إدماج كبار السن وتمكينهم الأمر الذي أحدث هزات نفسية واجتماعية يصعب علاجها وتداركها.

• استندت الحكومة الانتقالية في تخطيطها على بيانات ومسح ميداني فعلي إلا أن سلطة الانقلاب استنسخت بيانات النظام البائد كما هي والتي كانت تصمم على أنشطة تمول المجهودات الحربية والمنظومة الأمنية، ما أثر بصورة مباشرة على المجتمعات الهشة والتعليم والصحة وأوضاع النازحين والقطاعات الفقيرة، فقد بدأت وزارة الرعاية الاجتماعية بالمركز والولايات برصد دقيق وفعلي للقطاعات المستحقة للدعم المباشر والأسر الفقيرة والأيتام والأرامل وذوي الدخل المحدود، والكيانات والجمعيات الاجتماعية والروابط الأهلية وعكفت على دعمها بصورة مباشرة عبر مفوضية متخصصة وبنوك حكومة الأمر  الذي أوقفه كليا الإنقلاب وقطع الطريق أمام تدفق أموال كانت ستحقق بعض الاستقرار الاجتماعي ما كان سيسهم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

• كانت الثورة السودانية نتاج التغيرات والتراكمات التاريخية، فضلا عن التغيرات الاجتماعية والسياسية التي حفزت جيل الشباب للوثوب نحو المستقبل والإنقضاض على النظام الإخواني، وكانت أداتهم الرئيسية في هذا الأمر الترابط الاجتماعي والوحدات التنظيمية المهنية والفئوية والقطاعية والحرفية ومثلت وسائل التواصل الاجتماعي شريان ذلك التواصل الحميد، الأمر الذي دفع الإنقلاب إلى إجراءات تقطع تلك الروابط الاجتماعية القوية باستخدام ذات الوسائل عبر تخليق كيانات اجتماعية ربيبة للانقلاب ولجان تسيير ونقابات تأتمر بأمر سلطه وتسخر وسائل التواصل الاجتماعي ومراكز النظام الإعلامية لتصميم رسائل مهددة للسلم والأمن الاجتماعي الأمر الذي أحدث شرخا اجتماعيا كبيرا، وفي كثير من الأحيان ليعزز النظام تلك القطيعة الاجتماعية ومنع التواصل عكف على قطع شبكة الانترنت وإغلاق المعابر التي تربط المدن اجتماعيا في حالة أشبه بالحصار الاجتماعي.


• أرغم سلوك الحكومة الانتقالية المؤسسات الاقتصادية الكبرى في السودان ورجال الأعمال على انتهاج سياسات جديدة تجاه المسؤولية الاجتماعي، فقد انتشلت أيادي العون الكثير ممن يستحقون الدعم عبر إجراءات المسؤولية الاجتماعية التي اتخذت طابع الحياد، ولكنها بعد الانقلاب تم تحجيمها لتقتصر على الجهات التي توصي بها أذرع الإنقلاب بإملاء من فلول النظام السابق الذين تم تمكينهم مجددا من المنظمات والكيانات والجمعيات الاجتماعية التي تستنزف أموال المسؤولية المجتمعية.


• ركزت الحكومة الانقالية على مواضيع مهمة بجانب عملية السلام وهي: تحديات استدامة الديمقراطية وسبل استقرار، والتغيرات الاجتماعية المرتبطة بها، والكوارث الإقليمية والدولية المتسببة في تلك التغيرات بالإضافة إلى  مستقبل السودان ، واتخذت لذلك السبيل العلمي الأكاديمي الموضوعي للتحليل الاجتماعي معززا ببيانات حقيقية ومستفيدات من قفزات التكنولوجيا والتطور الذي يمكن من رصد سكان السودان ومجمعاتهم الاجتماعية واحتياجاتها، وأعانت في ذلك منظمات دولية وهيئات مهتمة بالأمر، الآن نستطيع القول بأنه تم القضاء على كل ما بذل وقطعت الصلاة بين تلك المنظمات الإقليمية والدولية وخرجنا من المراصد الدورية المنتظمة التي تمدنا بكل التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المعقدة والمتغيرة التي تؤثر بصورة مباشرة على أوضاع حقوق الإنسان والتنمية والديمقراطية وحتما ستقود لإحداث نزاعات داخلية سيتأثر العالم من تناميها.

• كما مضت الحكومة الانتقالية قدما في ملف التشريعات المدنية المتعلقة بالمجتمع السوداني وقانون الأحوال الشخصية وذلك لإلحاق البلاد بمنظومة التشريع الأممي فيما يخص قضايا المجتمع والأسرة والطفل والنساء وقضايا تمكين المرأة وإلغاء القوانين التي تحط من كرامتها، والبدء في سن قوانين تتواءم مع التشريعات الدولية والحقوقية تعزز شعور  النساء بقيمتهن الذاتية، وبقدرتهن على التحكم بمقادير حيواتهن، وقدرتهن على التأثير في مواجهة التغيرات الاجتماعية والسياسية التي تطرأ عليهن، إلا أن الإنقلاب عطل هذا الجانب التشريعي واتخذ ممارسات سياسية واجتماعية وأمنية حاطة من قدر النساء وإلى الآن يناور بملف المصادقة على اتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة ويتمنع عن الالتحاق بمعاهدات واتفاقيات لها صلة بالمجتمع.


• جعلت الحكومة الانتقالية ملف الأقليات ملف ثراء ثقافي وتعايش اجتماعي إلا أن الانقلاب اتخذه مدخلا للاستقطابات الاثنية والقبلية والمزايدات الاجتماعية وشرع في تكوين إدارات أهلية واتحادات اجتماعية سوادها الأعظم فلول النظام السابق، ولجأت كثير من الأقليات للاستقواء بمال وسلاح وسلطة الإنقلاب،  الأمر الذي أدخل بعضها في معارك دامية وخصومات اجتماعة تعتبر الأكثر تهديدا للاستقرار في السودان، لأن ملف الأقليات دوما ما تستخدمه الأنظمة المتسلطة لتأجيج الحروب.


• كل هذه الآثار مجتمعة أثرت بصورة مباشرة أو غير مباشرة على السلوك الإنجابي، فانتشرت الأمراض الاجتماعية كالطلاق، والأطفال فاقدي السند، وتزايدت عمليات الإجهاض بنسب مخيفة ففي السابق كانت عمليات الإجهاض تتم في المنازل أو على يد أطباء كالطبيب الشهير عبد الهادي الذي صرح بأنه أجهض لحوالي 10 آلاف إمرأة حامل، واليوم تم منح تراخيص لمراكز صحية وعيادات وصيدليات أصحابها فقط رؤس أموال أو لهم علاقات بنافذين تمارس فيها تلك العمليات بصورة أشد وضوحا من ذي قبل، وذلك لانتشار أموال طائلة في أيادي مراهقين لا يحسنون إدارتها. 


• وإدراكاً منها للحاجة إلى إتباع نهج شامل تجاه قضايا الشباب، بدأت الحكومة الانتقالة سلسلة من المبادرات في مجال تنمية وتطوير الشباب ومؤسساتهم الاجتماعية والاقتصادية والرياضية والفنية وريادة الأعمال، ورصدت لذلك أموال كثيرة ومشروعات كبيرة كان هدفها إحداث استقرار اجتماعي بالمقام الأول لأن استقرار الشباب هو مدخل للتنمية والاستقرار الاجتماعي وهو كابح لعمليات التجريف الاجتماعي التي تسببها المخدرات والحروب والصراعات، ولكن لأن هذا الأمر يجرد (لوردات) الحروب من أسباب التجنيد  قطعوا الطريق أمام ذلك بالإنقلاب وبدأوا في بث خطابات الكراهية لفتح المزيد من معسكرات التجنيد كل لمعسكره .

نواصل.....

عروة الصادق

١٩. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com


الأربعاء، 19 أكتوبر 2022

معارك حامية ومخاض أكتوبري

معارك حامية ومخاض أكتوبري

● سيظل التباين الثقافي والسياسي والديني والقبلي سمة أهل السودان والخليفة الخالدة، وسيبقى الاختلاف في الألسن والألوان والمعتقدات ما بقيت السموات والأرض، ولكن السبيل الأنجع هو التسامح والتعايش بالحسنى واحترام بعضنا البعض، لا بتغذية الصراعات الإثنية وتأليب النعرات وتذخير الصراع بأدوات العنف الفتاكة، فقد ظلت منطقة الجبال (جبال النوبة) خصوصا الشرقية منها تشهد عدد من النزاعات ولكن سرعان ما يتم تداركها، وقد شهدت ولاية جنوب كردفان إيقاف عدائيات ووقف إطلاق نار وإبرام اتفاق (الحلو - حمدوك)، ولكننا نشهد هذه الأيام محاولات حثيثة لنسف أي بذرة استقرار فيها، وذلك لانتهاء فصل الخريف وبدء تحشيدات عسكرية وأخرى مضادة في مناطق يمكن أن تهدد حصاد الموسم الزراعي الناجح إلى حد ما.



● وتبعا لذلك استصدرت القوات المسلحة والدعم السريع بيانات تنديد وإدانة لما وصفوه بالعدوان و (جموح) الجيش الشعبي، ومن جانبها أصدرت الحركة الشعبية بيانا تتهم فيه (جنوح) القوات النظامية لفئة من أطراف الصراع، وجميع هذا معناه أن الأوضاع إذا استمرت بهذه الحرب الكلامية ستتصاعد لتخلف معارك حامية وجروح لا يرجى برؤها، وإحداث حالة من اللا استقرار والنزوح لآلاف الأسر، وهو أمر يقتضي من كل ذي عقل وقلب من أهل الوطن والمنطقة رجالا ونساء من ساسة وإدارات أهلية وقادة مجتمع الإسراع لوأد هذه الفتن في مهدها.



● كما على الشباب الذين انخرطوا في الترويج لمشاريع تمزيق الوطن الالتفات لأنفسهم أولا ولمستقبل الوطن المشترك الذي لن يشاركهم فيه من يروجون للحروب، اأن هذا الجيل ما بينه من مشتركات أكبر من كل المفرقات الموروثة والسموم المبثوثة، فهذا الجيل هو الذي خاض معارك الحامية مع دكتاتورية الإنقاذ لثلاثين عام بالسلاح والكفاح، وانتصر عليها بثورته السلمية الموحدة، وهناك من يعمل ليل نهار لتمزيق هذه الوشيجة ونحن بغفلة وغباء نهلل ونكبر له ونقدس بحمد حربه اللعينة، واجبنا الإنتباه فالإنتباه ثم الانتباه.




● لأن البلاد مرشحة للعنف الشديد فضبطيات الأسلحة التي تعلن بين الفنية والأخرى من قوات نظامية مختلفة تقول أن هناك عمليات تسلح خفي وهناك أسلحة بكميات كبيرة تتسرب إلي البلاد برا وبحرا ومن ثم لأيادي المواطنين وتمتلك خارج الأطر الرسمية، وهناك ما يحفز لاغتناء الأسلحة ولو بصورة غير شرعية (بدون اورنيك ١٢ س)، وذلك لما يعيشه المواطن من حالات خوف وهلع جراء فظائع الجماعات المنظمة التي تجتاح الأحياء والمجمعات والمرافق العامة تسلب وتنهب وتروع الآمنين وتقطع أوصالهم تحت مرأى ومسمع سلطة البرهان.




● في هذه الأثناء يأتي إلى البلاد قادما من واشنطن وزير المالية بخفي حنين، مرددا أن إجراءاتهم الإنقلابية في ٢٥ أكتوبر أثرت على التعاون الدولي مع السودان، وحجمت دور صندوق النقد والبنك الدوليين في السودان، وهددت التعاملات المالية الضخمة بينهما والسودان، وكأن (معاليه) قد اكتشف (الذرة)!!!، إلا أن صديق لي نبهني أنه اكتشف (الزرة) فقد بات الانقلاب وقادته (مزرورين) في ركن قصي يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا حتى أضحوا يتشاكسون ويتلاومون.




● ومع استمرار هذا المخاض المالي العسير، تزداد الضرائب والضوائق المعيشية والركود والكساد وتسرب التلاميذ من المدارس ويعاني كثير ممن زروعوا هذا العام من شح العمالة وارتفاع تكاليف الحصاد، وبعض المحاصيل كالسمسم عرضة للهدر والتلف ما لم يتم تداركها، وهو ما يتطلب تمويل عمليات الحصاد، وشراء المحصول الذي إن أحسن جمعه، سيدر على البلاد عملات صعبة ويوفر لها احتياطي غذائي يجنبها شح الغذاء وربما وقاها شبح مجاعة تلوح في الأفق وفق تقارير دولية.




●  وكذلك تستمر مناهضة الشارع للإنقلاب بفعاليات وأنشطة كثيرة ومتعددة ومختلفة، فالضغط الجماهيري والتعبئة الشعبية والمواكب مستمرة، وقد اتجهت الحرية والتغيير لعقد ندوات جماهيرية حاشدة في المركز والولايات آخرها كانت في النيل الأبيض بمدينة كوستي في ميدان الحرية الذي عج بآميه، وكذلك تستمر التجمعات المهنية والقطاعية والفئوية والحرفية في تنظيم الاضرابات والاحتجاجات وصولا للعصيان المدني الشامل والإضراب العام، والآن كافة تسييريات النقابات المهنية والفئوية والحرفية تنسق مع بعضها البعض رفضا لسوء الأوضاع بعد عام كامل من الإنقلاب.




● في ذات الوقت تستمر العملية السياسية بالتوازي مع الضغط الجماهيري، فقد أكملت الحرية والتغيير رؤيتها الدستورية ومباديء وأسس الحل السياسي الشامل للأزمة لتحقيق التسوية السياسية الشاملة، لا المساومة كما يصورها البعض، وقد صاغت مسوداتها ونشرتها للكافة وانخرطت في مشاورات مع عدد كبير من قوى الثورة والفاعلين والمراقبين والميسرين الإقليميين والدوليين بغية الوصول لموقف موحد وإخراس كافة الألسن التي تتحدث عن اتفاقات سرية وتحت الطاولة مع قادة الإنقلاب، فالأمر منشور وقابل للجرح والتعديل، والضغط مستمر لإسقاط الانقلاب العسكرى وإبطال إجراءاته وإقامة السلطة المدنية الكاملة.




● فيما تنشط حملات حزبية أيضا للدعوة إلى مواكب ذكرى ٢١ أكتوبر المجيدة وذكرى مرور عام على الانقلاب المشؤوم والتي حشدت لها القوى السياسية قطاعات شبابية وطلابية ونسوية، ستنتظم أنشطة وفعاليات أكتوبر كل الأسبوع الأخير من الشهر والمتوقع أن يصل التصعيد ذروته فيه، لأن الإجراءات التي ينتهجها الانقلاب تقول بأن الإصرار على البطش والتنكيل بالخصوم لا زال سمة غالبة وسلوك أدمنته أجهزة قمع الإنقلاب.




● وهو ما يوجب وحدة جماهيرية وتنسيقية بين قوى الثورة لتضع حدا لهذا العبث الذي استطالت أيامه، كما أن أكبر محفز للتحرك الجماهيري والفئوي والقطاعي هو عودة الفلول بكل وقاحة وعنجهية لمفاصل دولاب الحكومة للهيمنة مجددا على الدولة ومرافقها التنفيذية في كل المستويات بل حتى المؤسسة القضائية شهدت عمليات تنقلات تمكينية عززت تواجد التنظيم المباد وعناصره في رئاسة الجهاز القضائي والمستويات القضائية العليا، فبعد أن أجهز البرهان على دولاب الدولة المدني وقضى على الخدمة المدنية وهيئات الجيش العليا وقادة أسلحته وألويته، وغير هيئة القيادة في الشرطة، هاهو يستكمل التمثيل بالمؤسسات القضائية ليتماهى تمام مع الدولة الإخوانية الخفية ويبتعث رميمها من القبور الثورية.




● ختاما: هذا المخاض أشبه بأواخر أيام المخلوع في إبريل، إلا أنه هذه المرة يطل علينا أكتوبريا خالصا، امتزج فيه (عبق) ذكرى ٢١ أكتوبر ١٩٦٤م، و(عطن) إنقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، فانتج حالة من الأسى والرفض الجماعي للواقع الذي سيشهد الجمعة ٢١ أكتوبر ٢٠٢٢م هزة شعبية جماهيرية سلمية تجتاح مدن السودان لتحيي أثر أكتوبر المجيد، وتمهد الطريق لأخرى أقوى في ٢٥ أكتوبر الذي يرجو الجميع أن يكون آخر مسمار في نعش السلطة الإنقلابية المتهالكة، وأن يكون مخاضا لميلاد فجر الحرية والسلام والعدالة.




عروة الصادق

١٩. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com