السبت، 5 نوفمبر 2022

5 نوفمبر 1883م قُبر الغُزاة في شيكان

5 نوفمبر 1883م - قُبر الغُزاة في شيكان


• شبه اللورد فيتز مورس في حديث له فناء جيش الجنرال وليام هيكس بشيكان، في إحدى جلسات مجلس اللوردات البريطاني بهلاك جيش فرعون في البحر الأحمر، فقد شهدت سهول كردفان فناء أحد عشر ألف جندي مصري وقائدهم الانجليزي الخمسيني وقتئذ هكس باشا الذي ذاع صيته في الهند ليتقاعد عام 1880م، إلا أن مغريات الخديوية في مصر دفعته لاستئناف نشاطه العسكري في السودان ليلقى حتفه في 5 نوفمبر 1883م، مصورا المشهد شيخ شعراء كردفان قاسم عثمان بريمة في رائعته أوبريت شيكان بقوله : 
نضفوا كردفان والله أكبر دوت
شدوا الصافات قدَّام صقورهم خــوت
وصلوا البقعة وكتين البنادق عوت
عاسوا عوسهم تمام أمانة الحراب ما سوت

• رغم تحفظات رئيس الوزراء البريطاني وليام إيوارت جلادستون الليبرالي ورفضه للتدخل في شؤون في السودان. قد نجح وزير خارجيته جورج ليفسون جوير، اللورد جرانفيل ، لانتزاع الموافقة في التمدد جنوبا وتوفير تمويل للحملة التي ناهضها أيضا السير إيفلين بارينج، وقد مثل دخول الإمام المهدي إلى الأبيض وتمركزه في كردفان أكبر محفزات التحرك الغازي نحوه، فقد أرسل الخديوي توفيق بعثة هيكس لاستعادة الأبيض ووضع حد للثورة بشكل نهائي. وقد كان أكبر جيش حديث تم إرساله على الإطلاق إلى داخل السودان فقد كان قوامه 8300 من المشاة ، وحوالي ألفي سلاح فرسان ، وبطارية مدفعية من ستة عشر مدفعًا جبليًا من طراز كروب ومدافع رشاشة من طراز نوردنفيلد ، وقطار أمتعة يتألف من ألفي رجل وحوالي ستة. ألف من الإبل والبغال والحمير وغيره، وفي أواخر إبريل 1883م تحرك هكس باشا من الخرطوم على رأس أربعة كتائب مشاة مسلحين بمدافع الجاتلينج الرشاشة، والتي انتشت لهزيمتها طليعة من الأنصار في جبل أولياء وقتلت فيهم خمسمائة، ليتوجه هكس بعدها نحو قاعدة عسكرية في مدينة الدويم للاستجمام فيها من حر صيف السودان الغايظة وترتيب صفوف قواته المنهكة ليغادرها في 27 سبتمبر 1883م، ماخرا عباب الكثبان الرملية غرب النيل، حيث أرسل آخر برقياته من قرية زريقة.

• وفي ذلك الوقت كانت حكومة الاحتلال تهيمن على حاميات في المحافظات الأخرى، بعضها بقيادة أوروبيين كـ- فرانك لوبتون في بحر الغزال، ورودولف فون سلاطين النمساوي في دارفور،وأمين باشا في فشودة ، وقد مثل تواجد الإمام المهدي في كردفان عائقا أمام تواصل تلك المحافظات مع الخرطوم، ما قاد لاحقا لاستسام وإسلام سلاطين باشا في ديسمبر 1883م.



• كما ظل التنازع حول قيادة الجيش الغازي سمة غالبة، فقد اشتد الخلاف بين علاء الدين باشا والجنرال هكس، إذ كان لكل منهما تقديراته في الهجوم على الأبيض فبينما كان علاء الدين يريد أن يتحرك الجيش بمحازاة النيل ثم خور أبو حبل كان هكس يرى الإطباق على الأبيض من الشمال، الأمر الذي قاد لاحقا لتلك الهزيمة الماحقة.


• بينما توحدت في تلك الأثناء شعوب وقبائل السودان والتحقت بركب الإمام المهدي عليه السلام مبايعين له، وذابين عن حياض الدولة والدعوة، فقد مثلت في تلك المسيرة الخالدة أعداد غفيرة من فرسان القبائل السوداينة على نحو لم يسبق أن شهده السودان من قبل، فقد شاركت تلك القبائل بإمرائها كل قبيلة انتخبت من يقودها تحت راية من رايات المهدية على النحو المذكور أدناه:
1. آل الإمام المهدي وأبناؤه وإخوانه.
2. التعايشة بقيادة خليفة المهدي والأمير يعقوب (جراب الرأي) بن السيد محمد.
3. دغيم بقيادة الأمير موسي ود حلو.
4. الكواهلة بزعامة الأمير جاد الله ود بليلو (كسار قلم مكمايكل).
5. الكبابيش بقيادة الأمير عوض السيد قريش
6. كنانة بزعامة الأمير البشير عجب الفيه.
7. الغديات تحت زعامة الأمير إسماعيل ود الأمين.
8. الرزيقات بقيادة الأمير موسي ود مادبو.
9. الحمر بقيادة الأمير إبراهيم مليح.
10. المسيرية بقيادة الأمير علي الجلة والأمير محمد ود طبيق.
11. المجانين بزعامة الأمير ود نعمان.
12. البديرية بقيادة الأمير عبدالصمد ود ابصفية.
13. الحوازمة بزعامة الأمير نواي ود ضيف الله.
14. بني جرّار بقيادة الأمير محمد ودنوباوي.
15. الِجمع بقيادة ناظرهم الأمير عساكر أبوكلام.
16. الجوامعة بقيادة الأمير موسي الأحمر والأمراء رحمة ود منوفل وضوينا الجامعي والشامي ود هباني.
17. المعاليا بقيادة الأمير الشيخ دودو.
18. دار حامد بقيادة الشيخ قريقر.
19. الهبانية تحت قيادة الأمير كليب حمدان.
20. الزيادية بقيادة الأمير جاد الله ود عيسي.
21. العمارنة بزعامة الأمير بابكر ود عامر.
22. اللحوين بقيادة عبدالله ود برجوب.
23. العركيين بقيادة عبدالله ود النور.
24. الجعليين بزعامة الأمراء إلياس باشا أم برير وابنه عمر، عثمان حاج خالد العمرابي و عبدالحليم مساعد 
25. الدناقلة بزعامة الأمير ميرغني صالح سوار الذهب والأمير فضلو 
أحمد .
26. وكان الأمير أحمد ود جفون العين الساهرة لرصد تحركات العدو، ومثل نقطة الإلتفاف الخلفية للجيش الذي ظل يتابع تحركاته من تخوم النيل الأبيض إلى كردفان.
27. أما  الأمير علي الجلة فقد كان لوحده قبيلة في تلك المعركة الخالدة.
28. وقد كان أمير الشرق عثمان دقنة قد أطبق الخناق شرقا وقطع طريق القوافل من سواكن إلى بربر، وأحكم الحصار على مدينتي طوكر وسنكات وقضى على حملة مصرية ابتعثت لنجدتهما.


هذه نماذج فقط لعشرات القبائل شاركت في شيكان لم تكن لتجتمع ولا لتتصاهر أو تتعارف وتتآلف لولا الدعوة المهدية التي ذوبت كل تلك الفوارق الإثنية والقبلية تحت راية (كونوا)، امتثالا لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) الصف – 14، ومثل ذلك مصدر القوة الأول لتتقدم انتصارات الإمام المهدي حتى فتح الخرطوم وتوحيد حدودة وتوطيد أواصر الإخاء والتعايش بين أبناء السودان.

• أما على الجانب الآخر فقد اجتمع لفيف الأجناس المتشاكسة من الضباط الأوروبيين الأحد عشر وحراسهم الشخصيين من الباشبوزق و سلاح الفرسان (مليشيا غير نظامية) – غالبيتها من البريطانيين، والنمساويين، والألمان ، والمصريين، والألبانيين، والأناضولين، والشركسيين أو اليونانيين والمصريين المتمردين مع أحمد عرابي وبعض رجال قبائل التي ناصرت الجيش الغازي من شمال السودان، منهكين ومذعورين لما رأوه من هول المسيرة من الخرطوم إلى الأبيض، فقد مثلت التكتيكات والمناوشات المستمرة من الأنصار وسط أشجار السنط عامل إرهاق لهم حتى وصلوا قرية العجيلة ليعسكروا فيها قبل التحرك الأخير نحو جبل كازقيل، تصحبهم آلة إعلامية حربية وقتها مكونة من:
1. فرانك باور مراسل جريدة ( التايمز اللندنية).
2. فرانك فيزتلي مراسل جريدة( The Graphic ).
3. إدموند اودنوفن مراسل صحيفة (Daily News).

• وقد مثل العامل النفسي لهكس حينذاك أحد موجبات هزيمته، ففي خطاباته التي كان يرسلها لزوجه ونشرت لاحقا تبين أن الرجل عاش اضطرابا نفسيا شديدا وصل الدرك السحيق من اليأس والاستياء ليقفز بصورة خيالية إلى الغرور والكبر والخيلاء إذ كتب لزوجه قائلا : " إن بعض الرجال يولدون عظماء وبعضهم ينتزع العظمة بأعماله في الحياة ولكني اعتقد أنني سابقي عظيما طوال حياتي" .. ملمحاً إلى حتمية انتصاره على الثورة السودانية الوليدة.( نيكول : خطابات هكس لزوجته صوفيا).

• إلا أن ذلك الزهو تبدد بصورة كبيرة قبيل الهزيمة بليلة واحدة فقد مثلت مناوشات الأمراء أبوقرجة، والأمير عبد الحليم مساعد والأمير عمر الياس أمبرير،  وقوتهم المكونة من ثلاث آلاف مقاتل عامل إرهاق للغزاة، وقد مثلت المعركة الاستباقية لشيكان قاصمة الظهر للجيش الغازي والتي قادها باقتدار الأمير حمدان أبوعنجة مصدرا توجيهاته التكتيكية للأمراء فضل المولى صابون، والأمير الزاكي طمل، والأمير النور عنقرة الذين ظلوا طوال الليل يرمون مربع هكس المنهك، وقد وصف ذلك اليوم الرائد آرثر هيرلث، ضابط سلاح الفرسان النمساوي في طاقم هيكس: "الرصاص يتطاير في كل الاتجاهات، والجمال والبغال والرجال ينزلون باستمرار؛ نحن جميعًا مكتظون معًا، لذا لا يمكن أن تفشل الرصاص في الضرب، نشعر بالإغماء والإرهاق وليس لدينا أي فكرة عما يجب القيام به ... "، استمرت المعركة النارية طوال اليوم. كان الجو حارًا بشكل غير موسمي، وبحلول المساء، كان الجنود المصريون عطشى ومحبطين للغاية لبناء سياج شائك  الزريبة  من أشجار "الكتر" الشوكية في ما عرف بفولة المصارين..


• ما أن طلع فجر الخامس من نوفمبر حتى تمنى الغزاة أن شمسه لم تطلع، فقد شن الأنصار هجوما لا هوادة فيه على الغزاة، وأحاطوا بهم إحاطة السوار بالمعصم، والنيران التي تستهدفهم من شدة كثافتها أزالت حتى لحاء أشجار التبلدي العملاقة حتى وصفها أحدهم كأنها غسلت بالصابون، ولم تكد تنته دقائق معدودة حتى تجندل قائد الجيش الغازي وبجواره العملاق البروسي البارون جوتز فون سيكيندورف، والمراسل الحربي الأيرلندي المخمور إدموند أودونوفان من ديلي نيوز، وألاف القتلى الذين لم يهرب منهم إلى حفنة قليلة ووقع المئات منهم في الأسر، وصدق حينها وعد المهدي لأنصار الله بأن من يتأخر منكم عن المعركة ليصلح شرك نعاله سيفوته فضل ملاقاة العدو.


• ختاما: إن درس شيكان المستفاد هو أن السودانيين هم الأقدر على استخلاص أنفسهم من براثن الاستعمار والاستبداد وهم الأجدر بقيادة بلادهم، وأنهم الأدرى بشؤونهم، والأخبر بطبيعة وطنهم وتضاريسه وإنسانه، فقد تحالفت أرض السودان مع فرسانها ومناخها وطبيعتها وقبائلها لتهبنا هذا النصر الذي لم يكن بينه وبين تحرير الخرطوم وإسقاط الحكم الثنائي إلا شهور قليلة.

• واجب اليوم ليس استذكار مثل هذه الانتصارات التاريخية والانتشاء بها، وإنما هو استلهام الدروس والعبر، والحفاظ على ذلك الموروث الذي يوحد الوجدان السوداني وقد اشترك في كتابته بالدماء والأرواح لفيف من الأجداد والآباء، لم تفرقهم أو تمزقهم نداءات القبلية المقيتة أو العنصرية المنتنة، وإنما اتخذوا من القبيلة بابا للتعارف والتآخي والتألف والتصاهر، لا مدخلا للعصبية والتنافر والتفاخر، فقد كانوا أحبابا في الله متوادين متراحمين متزاحمين في صفوف الوغى كل منهم يحمي أخاه، لا يتمنى أحدهم أن ينال عدوا من أخيه أو تشوكه شوكة.

• حققت تلك الوحدة الوجدانية تلاحما اجتماعيا تحاول الكثير من الجهات والأجهزة والدول تمزيقه لإضعاف السودان، وتمزيق لحمته ليسهل النيل منه واستغلال ثرواته، وهو ما يوجب التصدي لكل النداءات العنصرية التمزيقية المفرقة لأبناء الرحم السودانية، فالمستعمر تغير جلده بمستبد من داخل الوطن، والغازي بدل أسلحته النارية الفتاكة بأسلحة عنصرية أشد فتكا وتمزيقا للأمم، ولن يكون التصدي لها بالأمر السهل، ولكن: "لو تعلقت همة المرء بما وراء العرش لناله".


• أخيرا: رحم الله من صاغ هذا التاريخ المجيد بدمه من الأسلاف، وجزى الله من حفظوا أثره ودونوه من الخلف في الصحائف خير الجزاء كالإمام الصادق المهدي، ومن سعى سعيه من الكتاب والمؤرخين، فقد عمد وطنيون خلص لتبويب هذه المواقف وتخليدها تأريخا وتحليلها سياسيا واجتماعيا وعسكريا، كالبوفيسور أبو سليم، ومكي شبيكة، وبروف يوسف فضل، ود. أبو شوك، وعصمت زولفو، والسيد علي المهدي، ومحمد المصطفى موسى الذي أدخل للمهدية بعدا جديدا بتجميع أصدائها العالمية، وغيرهم كثير من الكتاب وحملة التاريخ الشفاهي كأحفاد الأمراء المذكورين، والذين تفرقوا على أركان السودان، كأحفاد بابكر ود عامر بجبل موية في سنار، وأبناء خليفة المهدي المنتشرين في دارفور وكردفان والنيل الأزرق والجبلين والقضارف، وأحفاد علي ود حلو الذين اتخذوا من كل بقاع السودان دارا لهم، وغيرهم من حملة التاريخ في الصدور، واجب الأبناء جمعه منهم ليكون تاريخا مسطورا يدحض الرواية الحربية وبروبوغندا الاحتلال التي صاغها ونجد وسلاطين وكتشنر ومن لف لفهم ممن ذاقوا هزائم المهدية واكتووا بنيرانها.


عروة الصادق

٥. نوفمبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com



الجمعة، 4 نوفمبر 2022

إفريقيا الدكتاتورية وقمة المناخ

إفريقيا الدكتاتورية وقمة المناخ


• إن الجهود الإفريقية النظرية التي بذلت من أجل اتخاذ موقف أفريقي موحد بخصوص المناخ ليتسق مع المساعي الدولية لم تتوقف منذ العام 2008م في جوهانسبيرج و2009م في نيروبي، وقد بذلت جهود لوضع استراتيجية إفريقية شاملة حول التغير المناخي، اصطدمت تلك الجهود دوما وأبدا بأنظمة عدووة لشعوبها قبل المناخ.

• وفي ذلك تم بذل جهود مشتركة مع الشركاء الدوليين والإقليميين لإعداد البيانات الفنية والقطاعية وتكاليفها الاقتصادية وكمية الانبعاثات التي تسببها الأنظمة البيئية الإفريقية، تم ذلك نظريا وحظي بالموافقة الدولية ولكن أعاقتها إما الاضطرابات السياسية أو الحروب الأهلية أو الانقلابات العسكرية كما هو حادث في السودان.


• وقد تمت الاستعانة بالنيباد وبرنامج الأمم المتحدة ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والدول الأعضاء والبنك الإفريقي للتنمية وغيرها من المؤسسات لوضع تلك الاستراتيجية التي لا زال البحث عنها جار في قمة المناخ في شرم الشيخ.

• تنظر الكثير من دول العالم والدول للتغيرات المناخية كعائق بيئي بينما تراه غالبية الدول الأفريقية كتحد تنموي، وقد وصلت الآثار المناخية السالبة لأغلب دول القارة فهناك شح في المياه بأقل من ألف لتر مكعب للفرد في العام لعدد من البلدان وانحسار للغطاء النباتي وتمدد الزحف الصحراوي، وقلة جريان عدد من الأنهار.

• وكذلك من نتائج التغيرات المناخية حدوث الفيضانات والسيول، الأمر الذي تسبب في عدد من الكوارث الإنسانية وهجر مئات الآلاف من المواطنين نزوحا من مناطقهم الأصلية، وأدى لتهديد مصادر دخولهم الزراعية والرعوية والانتاجية والتنموية وضيع على كثير من البلدان موارد إيرادية وأهدر آلاف فرص العمل في شتى المجالات.

• وهو الأمر الذي ألقى بظلال سالبة وعرض مجتمعات هشة لخطورة الاستغلال والأجور الزهيدة في وظائف أغلبها ذات طابع مؤقت أو موسمي، ما يعني عدم الحصول على الغذاء الكافي أو فرص تعليم جيدة للأطفال وانعدام الرعاية الصحية والكفالة الاجتماعية والضمان، الأمر الذي ألقى بعبء كبير على الأسر وقاد لغياب كثير من الرجال وهجرتهم رغبة أو رغما عن أنفسهم أو التحاقهم بالجيوش الزاحفة في المنطقة أو الهجرة غير النظامية نحو أوروبا أو دول الجوار المحيطة.

• في ظل هذه الأوضاع المذكورة تم إلقاء العبء الأكبر على نساء القارة اللاتي امتزن بالصلابة في وجه هذه التحديات واكتسبن مهارات كبيرة، وقدرات عالية، رغم محدودية الفرص، وأعباء الأمومة من حمل وولادة وإرضاع وحضانة ورعاية في ظل إنعدام الأمن والسلامة وضعف الأمان الوظيفي.

• لذلك لا مجال لإنجاح استراتيجية مناخية إقليمية أو دولية في القارة الإفريقية دون إشراك فعلي للشباب والنساء في دول المنطقة، وهو ما يستوجب اتخاذ إجراءات حوكمة رشيدة، تحقق الكفالة والمساءلة والشفافية والمساواة وأن يصون تلك الاستراتيجية ويحصنها قانون محلي يتسق مع التشريعات الدولية، وهو الأمر الذي يتعذر القيام به في ظل الأنظمة الدكتاتورية المهيمنة  على القارة الإفريقية.

• وأكثر البلدان تأثرا بارتفاع درجات الحرارة هي دول القارة الإفريقية والتي تتاثر صحة الإنسان فيها بدرجة عالية بأمراض كالسحائي وزيادة حالات الوفاة بسبب الإجهاد الحراري، والسكتات الدماغية وأمراض القلب، وانتشار الآفات والحشرات الناقلة للأمراض، كالبعوض والذباب واستشراء الأوبئة كالكوليرا وتفشي الملاريا وحمى الضنك المنتشرة في ولاية شمال كردفان بالسودان هذه الأيام.

• كما أن المواسم الزراعية ستضطرب وتختل عمليات الجدولة الموسمية أو ما يعرف بـ( العروة)، الأمر الذي سيغير كليا في أنماط الزراعة المتبعة وهو ما يترتب عليه تغير الثقافة الغذائية، والذي قاد في عدد من الدول إلى ارتفاع في أسعار المحاصيل والحبوب الغذائية وتسبب في نقص الغذاء وفاقم من المشاكل الصحية وأدخل ملايين الأطفال والسكان في دائرة سوء التغذية بحسب التقاريرالدولية.

• في تصوري أن غالبية دول العالم حدد المخاطر التي ستواجهها جراء التغير المناخي وآخرها ما ورد بصورة خجولة ومختصرة في قمة جامعة الدول العربية بالجزائر، ولكن على الدول الإفريقية اغتنام هذه الفرصة لتحديد مخاطرهم واستراتيجياتهم لمجابهة تلك المخاطر المناخية وإدماجها في الإطار الدولي، وأن تحرص أن تكون الدول الإفريقية قائدة في ملف المناخ لا منقادة، وذلك للتركيز على الأنشطة التنموية المرتبطة بتقييم المخاطر المناخية والفرص المتاحة.

• وعلي الدول تحديد وترتيب أولوياتها ووضعها ضمن الإطار الإقليمي والدولي وتحديد الإطار الزمني لتنفيذها، مقروءا ذلك مع الموروث النظري الذي تمت صياغته في فترات سابقة ولم ينفذ منه إلا النذر اليسير، والحرص على اتخاذ طرق فعالة وبرامج استجابة فورية تتواءم معواقع القارة وتتحكم في سيناريوهات المستقبل المناخي.

• ويقع على عاتق دول القارة الإفريقية تأسيس مراصد مناخية بأحدث التقنيات المتاحة وامتلاك أقمار صناعية خاصة بدول المنطقة ووكالة إقليمية للتعاون المعلوماتي فيما يخص المناخ، لتسهيل الحصول على المعلومة الموثوقة لوقف انتشار المعلومات المضللة وتحجيم دور منصات الهواة، لأن كافة الإجراءات والقرارات والسياسات المناخية تعتمد بصورة أساسية على المعلومة الموثوقة التي ينبغي تبادلها بين الدول، فكثير من الكوارث يمكن تلافيها قبل حدوثها، وعدد من الأزمات يمكن أن تشكل فرص لارتباط المعلومات المناخية بالمياه وإنشاء السدود والغذاء وسلاسل الإمداد ومشاريع الطاقة.


• هذا الأمر ينبغي أن يتزامن مع تعاون معلوماتي ديمغرافي يحدد كثافة السكان في الدول الإفريقية والتوقعات في الزيادة ومعدلات الوفيات والخرائط التنموية والمشاريع الاستراتيجية التي تؤثر وتتأثر بالمناخ، يدخل في ذلك تخطيط وإعادة التخطيط وتشيد المدن وأنظمة الري والتوسع في المشاريع الزراعية والتعدين والأنشطة النووية والنفطية وأنظمة الصرف الصحي وتطبيق برامج تعويضية للشرائح المتأثرة بالحروب والنزاعات والآثار المناخية وقد طبق في السودان برناج التحويلات النقدية المباشرة للأسر (ثمرات)، الأمر الذي سيسهم في خلق مجتمعات مستقرة تسهم إيجابا في تحقيق أهداف التنمية واستراتيجية القارة المناخية.

• وبذات القدر الذي تتحمل فيه الحكومات مسؤولية وضع السياسات المناخية وتنفيذها،  ينبغي على الهيئات الحكومية الاشتراك في رسم تلك السياسا والتفاعل مع الخطط والاستراتيجيات القومية للبلدان والإقليمية وأهداف التنمية الأممية، وهو النهج الشمولي الذي يستصحب كل أهل المصلحة في تلافي أخطار التغيير المناخي، وهذا الأمر تراجع كثيرا في قمة شرم الشيخ، إذ تم تحجيم المشاركة للمنظمات غير  الحكومية أو الاستعاضة عنها بتمثيل من كيانات مناخية اصطناعية صممتها الأنظمة الحاكمة في القارة الإفريقية، والأوضاع السياسية في مصر أثرت سلبا في مشاركة نشطاء المناخ في البلد والقارة.

• تظل مسألة المياه العابرة للحدود أكبر الاشتباكات المناخية الدولية، ومصر تعاني من تبعات صراع مائي مع دول حوض النيل من جانب، ومن جانب آخر الآثار المترتبة على سد النهضة، لذلك على الدول المشتركة في هذا المؤتمر ألا تمرر أي قرارات أو خرائط أو معلومات مناخية من شأنها تغذية الصراع في القارة الإفريقية.

• ما يؤسف له أن كثير من الدول الإفريقية وصانعي القرار فيها، والهيئات الحكومية والأحزاب  السياسية لا تملك خريطة طريق لقضية المناخ إلا قلة قليلة من الساسة المهتمين بأجندة التنمية، والذين يجدون الاستهجان حتى من القطاعات الحية عند تناولهم قضية كالاحتباس الحراري، بل تجد هذه القضية إهمالا وتبخيسا للدرجة التي يتم تغييب وزارة البيئة في بعض الدول والاستعاضة عنها بمجالس كسيحة لا تسمن ولا تغن من جوع.

• شهدت القارة الإفريقية صراعات دامية جلها في الغالب نجمت عن نزاعات حول المياه والموارد والمراعي والمظالم التنموية، واتخذ بعضها في مراحل لاحقة صبغات أيدولوجية أو إثنية أو دينية، وراح جراء ذلك ملايين الضحايا وضعفهم من النازحين واللاجئين، كل ذلك في سبيل البقاء والاستحواذ على نفوذ جغرافي أو جيوسياسي أو هيمنة على الموارد تطورت لاحاقا لبسط نفوذ سياسي وزحف نحو مستعمرات جديدة.

• إزاء ذلك لن تثمر الجهود المناخية المبذولة من ساسة يضعون استراتيجيات مناخية بيدهم اليمنى ويمزقونها ببنادقهم التي تفتك بالسلم الاستقرار خارج أروقة انعقاد القمة، فالدول العربية والأفريقية ودول العالم ترى في كثيرة من قادة العالم أخطر مهددات الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة والإقليم وأنهم جزء لا يتجزأ من الأزمات المناخية الناجمة عن الحروب، وكذلك يمثلون معيق رئيس للتنمية في بلدانهم وحائط صد أمام تدفق المنح والتمويل الخاص بالمناخ، فالسودان مثلا أهم دول القارة الإفريقية مناخيا والذي بإمكانه خفض درجة حرارة الكوكب باستزراع ملايين الأشجار ليكون أمازون إفريقيا، قطع الطريق إنقلاب 25 أكتوبر أمام مضيه قدما في الإسهام المناخي مع شركائه الدوليين، والذي كان يرجى أن يقلل من نسبة التلوث الناجم عن توليد الطاقة عبر إنشاء منظومات الطاقة النظيفة التي بإمكانها تغذية الوسط والشرق الإفريقي.

• إن العالم يشهد طفرة تكنولوجية في مجالات البيئة والزراعة والمراصد، وأحرز تقدما علميا وتنبؤيا يمكن أن يجعل من التعاون المناخي بين الدول أمرا مثمرا، ويحقق تطورا تنمويا بصورة سريعة، ويتسبب في قفزات اقتصادية في عدد من الدول، وهو ما تنشده القارة الإفريقية، ففها مكنيزمات التعويض البيئي والتكيف المناخي للكوكب، ولكنها حرمت من الإمكانيات والتكنولوجيا، ورزئت بالحكام المستبدين، والأنظمة الدكتاتورية، وهربت مواردها وأموالها إلى دول تتأثر مناخيا اليوم وتجف أنهارها وترتفع درجات الحرارة فيها.

• إن إفريقيا تنشد تعاونا نديا مع دول العالم التي تريد خفض درجة حرارة الكوكب وتلافي الآثار المناخية، وليكون ذلك كذلك على الجميع التواضع على معاهدات ملزمة للدول وإلتحاق إجباري ومصادقة على كافة البروتوكولات والمعاهدات الدولية، وبالأخص ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، وعلى المجتمع الإقليمي والدولي والحكومات المحلية تكييف التشريعات والمعاهدات لتردع جميع المتهاونين في ِشأن المناخ أنظمة كانوا أو حكومات، وأن تستصحب تلك الدول تشريعات مكافحة الفساد وغسل الأموال وتمويل الإرهاب وتفعل اتفاقات التعاون الأمني في تبادل أمراء الحروب ومدمري اقتصادات الدول وفرض عقوبات دولية على الشركات والأنظمة التي تغتال الأمم وتستنزف موارد شعوبها وتتسبب في كوارث مناخية وبيئية وتلزمها بتعويضات مجزية للدول والشعوب.


• ختاما:
• سيظل الحشد السياسي الدولي لقضية المناخ مستمرا فهو لم ينقطع منذ قمة بوزنان البولندية في 2008م، ومؤتمر التغيرات المناخية في نيويورك 2009م، وكوبنهاجن للمناخ في 2009م، وكانكون المكسيكية في 2010م، وصولا لمؤتمر دروبان بجنوب إفريقا في 2011م الذي وافقت فيه أكثر من 190 دولة على توسيع نطاق الجهود المنصوص عليها في اتفاق كيوتو 1997م، وأخطر التقارير الدولية التي تم تقديمها من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيير المناخ كان في 2018م والذي سلط الضوء على تأثيرات الاحترار العالمي البالغ درجة ونصف الدرجة المئوية، الأمر الذي دفع أنطونيو غوتريش في 2019 وهذا العام لمطالبة الدول بالإيفاء بالتزاماتها السابقة في خفض انبعاثاتها من الغازات الدفيئة، وفي هذا الصدد التزمت 75 دولة بالتبرع بحوالي 100 مليار دولار لخفض انبعاثات الغازات إلى المستويات المطلوبة، ولكن جزء كبير من تلك الالتزامات أخرت الحرب الروسية الأوكرانية الوفاء به، لتتحول تلك الأموال إلى جهود حربية وإغاثات إنسانية أو تم دفعها لتمويل شراء حبوب وأغذية ووقود.

• ويتحتم على كل إنسان في هذه القارة الشابة أن يرفع درجة وعيه بضرورة إسقاط الطغاة وإلغاء الأنظمة الدكتاتورية في القارة وتوطين الديمقراطية وتنصيب أنظمة مدنية تهتم بمخاطر التغير المناخي، وتمكن من الضغط الشعبي للحكومات في سبيل استنان قوانيين واجتراح سياسيات مناخية عادلة وتحديد إجراءات تسهم في خفض درجات الحرارة في الكوكب،  وتكوين جماعات غير حكومية لرصد كافة المخالفات الإقليمية والمحلية والدولية المخالفة للمعاهدات والاتفاقات والصكوك الإقليمة والدولة المنظمة للمناخ، وبالضرورة السعي جماعيا لتنوير بمخاطر التغير المناخي عبر منصات التواصل الحديثة والإعلام البديل وحث صناع المحتوى والمشاهير للإهتمام بهذه القضية التي لا تشغل حتى حيزا من تفكيرهم، ويبقى واجب الحكومات المسؤولة تغيير أنماط التعليم التقليدية ونشر المعاهد والأكاديميات والكليات والجامعات المختصة بالبيئة والمناخ وإدخال السياسات البيئية والطاقوية النظيفة والمسدامة قدر الإمكان في أعمال الحكومات والمؤسسات والشركات والتوجه استراتيجيا نحو دول نظيفة.

عروة الصادق

٤. نوفمبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com