الأحد، 9 يوليو 2023

جماعات إعلامية تضليلية

جماعات إعلامية تضليلية


● لعبت الجماعات الإعلامية التضليلية دورًا خطيرا في الحروب والنزاعات على مر العصور بعضه يندرج ضمن الدعاية الحربية، وبعضه تضليلي لتثبيط همة العدو، وقد تم استخدام كافة وسائل الإعلام لنشر معلومات مشوهة وغير صحيحة بهدف التأثير على الرأي العام وتشويه سمعة الأطراف المتنازعة لبعضها في الصراع. وتم استغلال هذه الأدوات الإعلامية لتأجيج التوترات وخلق الانقسامات بين الأفراد والمجتمعات، أشهرها الحرب الإعلامية بين الروس والأوكران الدائرة حاليا، والصراع الإعلامي داخل البيت الأمريكي وخارجه ضد الصين وإيران.


● إن تأثير الجماعات الإعلامية التضليلية على الاستقرار السياسي في السودان سيكون كارثيًا. وسيؤدي نشر المعلومات المضللة إلى زعزعة الثقة في كيان الدولة وشعبها وقطاعاتها الحية والمؤسسات السيادية والسياسية، وتقويض مبدأ التعاطي الحر والتدافع المدني وإجهاض العملية الديمقراطية مستقبلا،  وستسهم هذه الأنشطة التي تمارسها جماعات التضليل في تأجيج الكراهية والتحريض على العنف ورفع شأن النعرات وخفض درجة الولاءات القونية، مما سيزيد حدة الصراعات وتعقيدها في المركز والولايات الهشة التي تتزايد فيها تلك الخطابات المقيتة.


● بالنظر والقراءة في صحائف التاريخ نجد العديد من النماذج التي تشهد تأثير الجماعات الإعلامية التضليلية في السودان وإفريقيا والعالم. على سبيل المثال، دور منصات الجبهة الإسلامية والمؤتمر الوطني المحلول وواجهاته الإعلامية التي عبأت الرأي العام ضد الجنوب وصورت أن النزاع هو عمليات جهادوبة أوردت البلاد إلى الانقسام بعد قتل مليوني نفس، وتصوير النظام الديمقراطي في 1989م بأنه أفشل نظم الحكم وتم تكرار ذلك في شيطنة الفترة الانتقالية، واليوم يتم تكرار ذات الأمر عبر الآلة الإعلامية الحربية، وبدأت بعض المجموعات الموالية للنظام المباد تتخذ ذات الأسلوب الذي استخدم في النزاعات الدامية بدولة الصومال، حيث استخدمت الجماعات الإرهابية وسائل الإعلام للترويج لأفكارها الطائفية والعنصرية البغيضة، وتكرار هذا الأمر سيقود لذات النتائج مما يهدد الاستقرار السياسي والأمن في المنطقة ويمزق نسيج المجتمع.


● هناك العديد من النماذج والأمثلة الأخرى في العالم أيضًا، مثل تأثير وسائل الإعلام التضليلية في النزاع السوري، حيث استخدمت أطراف الصراع العديد من القنوات الإعلامية لنشر المعلومات المضللة وتشويه صورة الأطراف الأخرى في الصراع، وذلك بالاستعانة بمجموعات روسية تنشط في هذا المضمار، واليوم تنشط ذات تلك الجماعات ودول عديدة في استضافة منصات تحرض على العنف في السودان وتبث خطابات الكراهية وفتاوى القتل والتصفية السياسية للخصوم.


● في مناهج الإعلام الحربي والسياسي تعد الدعاية الحربية أحد وسائل الصراع حتى وإن لم تلتزم بمعايير مهنية وأخلاقية وقد تكون لها تأثيرات متناقضة في إنهاء النزاعات أو استمرار النزاعات، فعلى الصعيد الإيجابي قد تدفع الدعاية الحربية الشعور بالوحدة والتضامن بين الشعب وقواته المسلحة وتعرض الجوانب الأخرى للصراع بشكل مجتزأ وغير مواتٍ، كما يمكن استخدام الدعاية الحربية للتأثير على الرأي العام ورفع معنويات القوات العسكرية في الجبهة الداخلية أو الخارجية.


● وكذلك للدعاية الحربية آثار سلبية أيضًا، وتسهم في تأجيج العنف والتشفي والانتقام وعدم الثقة، وتعزز حالة من العنصرية والكراهية نحو الأطراف الأخرى في النزاع. وتاريخيًا كما أشرت أعلاه فقد استُخدمت الدعاية الحربية لتبرير العمليات العسكرية وترويج الأفكار الدكتاتورية والعسكرية وتصورات الحسم العسكري، مما أطال وعقد عمليات التفاوض وعمليات السلام ليستمر الصراع في الجنوب إلى عقدين من الزمان وكذلك في غرب السودان ولا زال في جنوب كردفان يراوح مكانه.


● وأخطر المعارك الإعلامية تلك التي تخاض بالأسلحة رخيصة التكاليف وسهلة الامتلاك، وذلك باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأداة من أدوات التضليل، فقد أثرت هذه الظاهرة سلبًا على المشهد الإعلامي السوداني وضللت الراي العام الإقليمي والعالمي، إذ تعتبر وسائل التواصل الاجتماعي منصات سهلة وزهيدة وسريعة لنشر المعلومات، وهي في الوقت نفسه تفتقد للرقابة والتحقيق والتدقيق الصحفي المهني الاحترافي المستقل المحايد والشفاف ويتوارى خلفها مؤججوا الصراع بأسماء وهمية، لذلك يستغل كافة أطراف الصراع الوسائط الاجتماعية لنشر الأخبار المضللة والشائعات بهدف تشويه الحقائق والإضرار بالأطراف الأخرى في النزاع، وهناك ممتهنون محترفون لبث الشائعات وتصميم الحملات التضليلة وصناعة المحتوى الزائف يقتاتون من هذه المهنة وهم مع من يدفع أكثر.


● وليس السودان بمعزل عن تلك المصانع التضليلية أو الجماعات التطبيلية، إذ تعتبر الدول الأفريقية والعربية ودول العالم بشكل عام معرضة لتأثيرات الدعاية الحربية واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتضليل، فما يحدث فيه هذه الأيام شييه بما حدث في حرب اليمن، التي تم استخدام الدعاية الحربية ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل واسع للتأثير على الرأي العام وتشويه الحقائق في الحرب، وانتشار انتاج ما سمي بمنصات الإعلام الحربي، يحاول المتصارعون في السودان جاهدين تصميم منتج شبيه بمنتج الإعلام الحربي اليمني، والبعض لا يجتهد كثير اجتهاد بل يقتطع بعض ذلك المنتوج ويعيد تدوي+ره.


● واجب الأفراد والجماعات والمؤسسات الإعلامية وقادة الرأي والمؤثرين العمل بجد لبذل الحقائق مجردة وبثها بصورة واضحة لا تحتمل اللبس والتأويل، وذلك للتصدي لهذه الأنماط الإعلامية السلبية التضليلية، وقد تحتاج الدولة والمجتمعات السودانية والأفراد إلى رفع ونشر الوعي والتثقيف الإعلامي بصورة عاجلة وكثيفة، وينبغي تشجيع الإعلاميين ومحترفي المهنة وصناع المحتوى لتطوير مهارات التحليل والإطلاع والقراءة النقدية والبحث عن المعلومات الحقيقية والمجردة من مصادر موثوقة، فضلاً عن تشجيع الحوار والتواصل الفعّال بين كافة الأطراف، ويتعين أيضًا مخاطبة منصات التواصل الاجتماعي والسلطات الرقابية بحملات توعوية لتبني إجراءات فعّالة في مواجهة هذه الأنماط الضارة والتضليلية التي ستضعف مصداقية تلك المنصات التفاعلية وستعصف مستقبلا باستقرار أمم وشعوب ويمكن أن تجهض حتى الأنظمة الديمقراطية، ويمكن أن ترسخ لخطابات وأنظمة دكتاتورية.


● وواجبنا جميعا كقوى وكيانات اجتماعية إدارة معاركنا السياسية والتنافسية بصدق وتجرد وأن نعمل سويا للتخلص من المنصات الإعلامية التضليلية وتحجيم أدوارها في الفضاء العام، والسير في هذا الطريق بوعي وصدق وهمة وتنافس شفاف واتباع خطوات مهمة تخلصنا من الصحائف الصفراء والمحتوى الزائف وصانعيه وذلك بالآتي:

1. رفع درجات الوعي الإعلامي بأهمية التحقيق والاستيثاق من المعلومات والتثقيف الإعلامي لدى المهنيين و الجمهور، وينبغي تعليم الناس كيفية تحليل المصادر وتقييم المعلومات بشكل نقدي وتدريب طيف واسع من المجتمعات، وفي ذلك تقوم عدد من المؤسسات الإعلامية بعقد دورات تدريبية بهذا الصدد.

2. إنشاء منصات محايدة والترويج للإعلام المستقل بكثافة، وينبغي دعم وتعزيز وسائل الإعلام المستقلة التي تلتزم بمبادئ الحياد والمصداقية والمهنية والشفافية والتي في الغالب تعاني من شح الموارد المالية في بلداننا، ودعم الحسابات الشخصية للصادقين اللامنتمين ورفدهم بالمعلومات الموثوقة لأنهم من أهم مصادر النشر فهناك حسابات شخصية لأفراد موثوقيتها عالية جدا لدى الجمهور الواجب المحافظة على استقلاليتها وصدقيتها وتوسيع دائرة انتشارها.

3. تفعيل أدوات المراقبة القانونية والمتابعة اللصيقة والرقابة الصارمة ذاتيا وفنيا وأخلاقيل، والتشديد على المنصات الإعلامية التضليلية ومراقبة نشاطها على مدار الساعة من جهات رسمية أو تطوعية أو منظمات غير ربحية كالذي تفعله منصة (جهينة) الاستقصائية، ويجب ألا تتعارض أو تتناقض هذه الرقابة مع حرية التعبير وأخلاقيات المهنة الإعلامية، فالبحث عن الحقيقة وحرية التعبير هما عماد النظام الديمقراطي وأهم شعارات الثورة السودانية.

4. واجب الكيانات الرسمية والشعبية والخاصة وجميع الأفراد العاملين في الاعلام العمل والتشبيك التعاوني الدولي، فالواجب يقول أن تعمل المؤسسات والأفراد والدول والجهات الدولية سويًا لمواجهة التحديات التي تثيرها المنصات الإعلامية التضليلية على المستوى الدولي، بحيث يسهل تبادل المعلومات وتبني استراتيجيات مشتركة لمواجهة هذه التهديدات ومكافحة الإعلام المضلل، وخلق آفاق تعاون مستقبلي.

● ومثال لذلك التعاون المهني المثمر الحيوي والفعال الذي يشير إلى  بعض النماذج المهنية والاحترافية في إفريقيا والمنطقة العربية والعالم، هناك العديد من الأمثلة، على سبيل المثال تقدم وسائل الإعلام المستقلة في تونس وشبكة تنوع الأصوات والآراء في جنوب أفريقيا قدرا عاليا من الصدقية والموثوقية والاحترافية، والتي توفر منصات إعلام مستقلة تقدم تقارير حيّة ومهنية عن أحداث متعددة بصورة احترافية في الساحة العربية والإفريقة، وهناك صحفيون ومؤسسات إعلامية متميزة تعمل على نقل الأخبار بشكل دقيق وشفاف، إلا أن الاهتمام بهذه المنصات في الغالب يكون فقط من المختصين أو الباحثين عن منصات شفافة.

● وعلى المستوى العالمي لا يمكن حصر المنصات الإعلامية المستقلة ولكن توجد منظمات غير حكومية مثل "صحفيون بلا حدود" و"مراسلون بلا حدود" التي تعمل على دعم الصحافة المستقلة وحماية حرية التعبير في جميع أنحاء العالم، وهؤلاء منفتحون للتعاون مع المؤسسات الإعلامية بصورة مباشرة أو عبر الانترنت وتقدم محتويات احترافية ومهنية وتدريبية، عملت في السودان بصورة كبيرة بعد الانفتاح إبان الفترة الانتقالية إلا أن دورها بدأ في الانحسار منذ إنقلاب 25 أكتوبر 2021م.

● ختاما: إن تحقيق السلام والاستقرار واستكمال الثورة والتغيير وإنهاء الحرب وإعادة إعمار ما دمرته وكشف الانتهاكات، يتطلب جهودًا مشتركة من الأفراد والحكومات والمجتمع المدني، والمنظمات الإقليمية والدولية والفاعلين والمؤثرين لدعم ((مشروع الحقيقة))، وحراسة مشارع الحق، وصد كافة أشكال الكذب والادعاء، ورصد جميع الفظائع المرتكبة في كل ولايات السودان، وينبغي أن تكون الشفافية والرقابة والتثقيف الإعلامي من أولويات الجميع وفي صلب الجهود المبذولة لاحتواء وتحجيم الأثر الضار للمنصات الإعلامية التضليلية، والعمل سويا على مكافحة هذه الجماعات الإعلامية التضليلية، بالتأكيد على رفع الوعي العام بالحريات وأهمية الحصول على المعلومات من مصادر موثوقة والتمكن من تحليلها وتنقيحها، حينها سيلعب الإعلام المستقل الحر وحرية التعبير دورًا حاسمًا في تحقيق ذلك الحلم الذي تنادى به ثوار وثائرات السودان.



عروة الصادق

orwaalsadig@gmail.com


.

خطر تمكين المتطرفين من السودان

خطر تمكين المتطرفين من السودان


● مقدمة: ظل ثالوث السياسات الخاطئة، والأيدولوجيات الواهمة، والحروب الأهلية يمثل أخطر عوامل تفريخ الجماعات المتطرفة وأقصر طرق وصولها إلى البلدان المضطربة، وحينما تختل الموازين السياسية والأمنية والثقافية والاجتماعية وتعلو أصوات الدعاية الأيدولوجية أو الدكتاتورية أو الحربية أو الإعلام الحزبي الطبال، حينها ستخبو أضواء الجماعات القومية والثقافية المتزنة التي تجمع الأمة وتتقسم حينها الولاءات لصالح الانتماءات الأولية الضيقة الإثنية والقبلية والجهوية والعصبية، مما يسهل تغلغل خطابات النعرات إلى ذهن المتلقي في ظل ذلك الانحسار القومي.

● أولا: تظل الفوضى السياسية والأمنية والمواجهات العسكرية أقصر طرق انتشار الفوضى واستشراء التسلح غير المنضبط وتزايد حملة السلاح خارج الأطر القانونية وحينها تعجز الحكومة عن احتكار أدوات العنف، وتسعل حينئذ عملية تسليح الجماعات الإجرامية والمتطرفة ولنا في التجارب المحلية والإقليمية والعالمية ما يؤكد ذلك فغالبًا تتم عمليات التسليح لتلك الجماعات عبر عدة طرق، منها:

1. انخراط أطراف الصراعات المسلحة في تجارة غير شرعية بالأسلحة، والسودان يعج بالمجتميع المسلحة داخل وخارج الصراع، وهو ما يزيد من عمليات التكسب لمافيا التسلح التي تنشط في جرائم عابرة تشمل تهريب الأسلحة والثروات والآثار والذخائر والموارد والبشر عبر الحدود بطرق غير قانونية، وتمثل حدود السودان المفتوحة أكبر محفز لتلك الجماعات الداخلية والدخيلة والخارجية للتسلل والنشاط التجاري والاجرامي عبر الحدود الممتدة والمتاخمة لعدة دول مضطربة تنتشر فيها فوضى التسلح وبعضها يحتضن جماعات متطرفة ومهابط طيران لشركات أمنية أجنبية تدير أعمال قذرة في تلك الدول.

2. تزايد عمليات التمويل الخارجي الرسمي وغير الرسمي للدول التي لها صلة بمشاريع أيدولوجية وارتباطات فكربة وأخرى براغماتية، وهو ما ستلجأ إليه الجماعات المتطرفة للحصول على تمويل من الجهات الأخرى لشراء الأسلحة وتسليح أعضائها، وفي سبيل ذلك ستتبع كافة شبكات التمويل المتاحة عبر غسل الأموال والاتجار في المخدرات والممنوعات، ويمكن أن يتم تصميم منظومة مالية خاصة أو الاعتداء على مصارف الدولة الرسمية ومنظومتها المالية وهو ما سيدخل البلاد مجددا في قوائم الحظر المالي وتمويل الإرهاب وسلسلة القرارات الدولية من مجلس الأمن.

3. تنامي الاعتداء على المقار العسكرية والأمنية لسرقة الأسلحة والذخائر ما لم يتم حراستها بصورة محكمة وبقوات قادرة، فستتم سرقة الأسلحة من المخازن العسكرية ومقار القوات الأمنية الأخرى، وحينئذ سيتم استخدامها من قبل الجماعات المتطرفة، للبحث عن المزيد من ترسانات الأسلحة، وفي ذلك ينشط تجار المعلومة من بعض عناصر النظام البائد في تسهيل وصول قادة تلك المجموعات للأماكن الخفية والترسانات السرية، وقد شهدنا سرقة عدة مخازن للأسلحة في السابق وحريقها صوريا بعدها انتشر السلاح الحكومي في السوق.

4. وأخطر ما في الأمر هو استيراد الأسلحة والمواد المتفجرة عبر شركات التعدين والتنقيب عن المعادن في المناجم، وتسهيل دخول مواد تدخل في تصنيع المتفجرات، ويجدر الذكر أن أحد العسكريين من عناصر التنظيم المحلول حاول في بث مباشر تحريض المواطنين للعمل والبدء في التسلح بتقنيات التصنيع المنزلية، وهو منهج بائس يكرس للخطط التي تعتمد عليها في الأساس الجماعات المتطرفة، وتدرب عناصرها على تصنيع الأسلحة بأنفسهم باستخدام موارد محدودة وتقنيات بسيطة، وفي السودان تنتشر تلك المواد بكثافة في عدد من المنشئات والمرافق التي خرج بعضها عن سيطرة الحكومة الرسمية.

● ثانيا: إن الاستهانة بهذا الأمر، وزيادة فرص وصول السلاح لعناصر لا سجل جنائي لهم بطرف الدولة، ومع هروب عشرات الآلاف من السجون من بينهم عتاة المجرمين والمتطرفين، هؤلاء لهم جماعات منظمة داخل وخارج السجون سيجدون ضالتهم في عمليات التسليح والتجييش ولن يكون مستقبلهم سوى جماعات أيدولوجية متطرفة أو مافيا إجرامية متفلتة، وحينها ستتعذر عملية جمع السلاح بعد أي اتفاق سلام، وسيظل الجميع ممسكا بسلاحه، فإن لم يتمرد وقتها على الدولة حتما سيخرج للجوار مرتزقا أو بقي يعكر صفو البلاد ويهدد سلمها وأمنها واستقرارها، ولا أحد ينكر استشراء هذه الظاهرة في عدد من الدول حولنا:

1. ففي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تشهد المنطقة انتشارا وتفاعلل مع الجماعات الجهادوية، مثل جماعة أنصار الشريعة في درنة الليبية، والقاعدة وداعش في سوريا والعراق، وجماعات إخوانية في سيناء.

2. وفي جنوب شرق آسيا تواجه دول مثل الفلبين وإندونيسيا تهديدًا من المجموعات الجهادوية المحلية والعناصر المتطرفة، التي مثلت تهديدا كبيرا لتلك الدول.

3. أما أوروبا فقد شهدت تهديدات لبعض الدول الأوروبية وهجمات إرهابية، من أفراد كحوادث فرنسا في شارلي إبدو، وكذلك من والجماعات المتطرفة في السنوات الأخيرة.

4. أما في العالم العربي ومنطقة القرن الأفريقي وغرب إفريقيا لم تنج من الأمر منطقة، وقد ازدادت في الآونة الأخيرة عمليات تطرف وجريمة هددت حتى الملاحة البحرية وتنقل الناقلات النفطية والتجارية في عدد من تلك المناطق.


● ثالثا: معلوم بداهة أن تكلفة نزع الأسلحة ومخلفات الحرب التدميرية تفوق في كثر من الأحيان تكلفة الحرب نفسها، ورغم تعذر تقديم أرقام تقريبية بدقة عن تكاليف حروب كثيرة في البلاد وخارجها نظرًا لتعقيد القضية والعوامل المتعددة المتداخلة كسرية حرب دارفور التي كانت تكلف السودان يوميا مائة مليون دولار لعقدين تقريبا، لكني أستطيع التأكيد أن تكلفة نزع الأسلحة في السودان ومخلفات الحرب ستختلف بشكل كبير عن التجارب السابقة التي تمت في الجنوب أو دارفور، ولن تستطيع الدولة دفع تعويض مقابل السلاح، لأن عمليات التوريد لن تتوقف لتسلح مجموعات جديدة تقتات من فوهات البنادق، وهذا الأمر سيظل متصاعدا اعتمادًا على قدرة الدولة أو ضعفها ونوع الجماعة المتطرفة وحجم الأسلحة المبذولة ومدى حالة استقرار دول الجوار.


● رابعا: قدم العالم تجارب مماثلة في نزع الأسلحة والألغام ومحاربة الجريمة وعلى صعيد تجارب الحرب على الإرهاب، ولم يقدوموا أرقام تقريبية دقيقة عن تلك المحاولات، بسبب التحديات الأمنية والغموض المحيط ببعض الأعمال العسكرية، وسرية عمل تلك الأجهزة الإقليمية والدولية التي ولغ بعض جنودها وضباطها في تهريب الأسلحة والموارد والثروات من البلدان التي ابتعثوا إليها عبر قرارات أممية أو تحالفات دولية أو إجراءات آحادية من بعض الدول، ويمكن الاستدلال بالآتي:


1. الحرب في أفغانستان مثلت وقتها أزهى تجليات الحرب على الإرهاب بحسب القائمين عليها، والتي تقدر الأمم المتحدة أن تكلفتها لعقد من الزمان قد بلغت أكثر من 2 تريليون دولار، وتشمل تكاليف الجوانب المالية والبشرية والاقتصادية، ولكن لم تفصح الأمم المتحدة في تقاريرها أو أي من الدول التي غزت أفغانستان عن تقارير نزع الأسلحة وإزالة آثار الحرب، ولم تفصح التقارير عن الثروات التي تم نقلها عبر أساطيل البحرية والأسراب الجوية لتلك الدول، إلا أن هربوا جميعا ليتركوها تحت رحمة طالبان.

2. أما الحرب في العراق ووفقًا لتقارير مختلفة، فإن تكلفة الحرب التي خاضها الغرب في العراق بين عامي 2003م و2011م، كانت تتراوح بين 1.7 تريليون دولار إلى 2.1 تريليون دولار، قيل أنها شمل تكاليف العمليات العسكرية وإعادة البناء والتعافي الاقتصادي، ولكن اقتصاديات الحرب ظلت خفية ومحجوبة التفاصيل إلى يومنا هذا والحديث عنها يظل (تابوه) يمنع البحث أو التنقيب عنه، فهنالك حوالي 400 ألف عنصر أمني وعسكري دخلوا العراق وخرج بعضهم يحمل في حقيبته آثار قيمتها ملايين الدولارات وغير ذلك من موارد البلاد التي نقلتها بوارج وسفن وناقلات ومقاتلات، وتركت العراق تكابد الفشل والفساد المؤسسي.

3. أما في العقد الأخير فقد شهدنا القتال ضد داعش في سوريا والعراق وتم تقدير تكلفة الجهود العسكرية للقضاء على تنظيم داعش في سوريا والعراق بمئات المليارات من الدولارات دون تحديد قطعي لأن الأمر لا زال مستمرا من الجانب الغربي في اتجاه وروسيا شرقا من اتجاه، وهذه التقديرات قيل أنها تشمل تكاليف الدعم العسكري والتدريب وإعادة الإعمار، ولكننا نشهد كيف تسربت تلك الأموال والآليات والتقنيات لتقع في يد التنظيم ليستطيع استقطاب عناصر من كافة أنحاء العالم بدفع أموال طائلة لهم، واستخدم التنظيم بعض تلك الموارد في تدريب عناصره وتأهيليها لتنتقل وتعبر الدول وصولا إلى أعماق الغرب وإفريقيا وأمريكا وأوروبا.



● خامسا: في تقديري المتواضع علينا الأخذ في الاعتبار أن هذه الأرقام هي التقديرات التقريبية لمكافحة الإرهاب وتمويل عمليات نزع الأسلحة ومخلفات الحرب ودعم مشاريع الإعمار، هي أرقام متواضعة وغير حقيقية أو صادقة رغم ضخامتها، واجبنها قراءة ذلك مع التجربة السودانية التي عشناها لمدة تناهز الأربعة أشهر خلفت دمارا مدنيا وعسكريا بجانب الانتهاكات الإنسانية والفظاعات التي تتزايد مع استمرار الحرب، ومقدار ما تم نهبه من المقلر الرسمية والمنازل والمتاجر، فالتكاليف الحقيقية قد تكون أكبر بكثير مما هو مرصود تقريبيا بحوالي 10 مليارات من الدولارات في الشهر، وذلك بسبب العوامل غير المحسوبة واللامرئية والتداعيات الاقتصادية والاجتماعية اللاحقة على المدي الطويل المترتبة على دمار البني التحتية وضياع أجهزة تكنولوجية وطبية وتقنية وضياع المشاريع الزراعية والاقتصادية والتجارية والانتاجية، بل حتى الترسانة الصناعية الدفاعية.


● سادسا: لذلك سيمثل انتشار التسليح مدخلا لتسليح الجماعات المتطرفة وسيشكل تهديدًا خطيرًا للسلم في البلاد وعلى الأمن والاستقرار العالميين وتبديدا لموارد البلاد، وهو ما سيجلب إلى السودان ومحيطة الإقليمي والدولي تراكم كارثي لن تستطيع المنطقة دفع تكاليفه المادية والبشرية والنفسية، وهو ما يعني الآتي:

1. زيادة في رقعة العنف واتساع دائرة الإرهاب، ومن المؤكد سنتجه للحد الذي سيستخدم المسلحون الأسلحة لتنفيذ هجمات إرهابية وأعمال عنف مميتة داخليا وخارجيا، تزيد من التوتر وحالة الفوضى التي فاقمتها حرب إبريل على السودان وجواره الإقليمي والدولي.

2. تنامي الأنشطة الإجرامية والعمليات غير القانونية ماليا تجاريا اقتصاديا، بل حتى السلع الحياتية اليومية ستدخل دائرة التجارة السوداء بقوة السلاح، وسيستغل المسلحون الأسلحة في القيام بأنشطة إجرامية مثل السرقة والسلب والنهب والاتجار بالمخدرات، وقطع الطرقات وفرض الاتاوات لتمويل أنشطتهم.

3. وسيمثل انتشار السلاح التهديد الأول للسلم العام، والخطر الأكبر أمام أي أنشطة مدنية أو ممارسة حياتية ثقافية رياضية اقتصادية أو سياسية في البلاد، فتسليح الجماعات المتطرفة يزيد من توترات الأمن ويعرض الشعوب المختلفة والأقليات المختلفة لخطر الحروب والنزاعات المسلحة، وربما قاد للصراعات الأهلية وتنامي النعرات والثأرات.

● سابعا: واجب جميع الفاعلين سياسيا وعسكريا في البلاد الاستماع لكل الأصوات التي تحذر من خطر الحروب وتداعياتها، والترتيب خلال عملياتهم التفاوضية لوضع رؤى فاعلة وعاجلة لنزع سلاح هذه الجماعات وتفكيك خلاياها وجماعاتها الجهادوية ومحاربة مناهجها التكفيرية، واتخاذ كافة التدابير التي من شأنها منع حصول أي جهة سودانية الحصول على السلاح خارج الأطر المعروفة، وهناك عدة إجراءات وتدابير يمكن اتخاذها استباقيا:

1. فتح أبواب التعاون الدولي في هذا المجال، وذلك بدراسة كافة التجارب السابقة وكيفية انتهاج النماذج الفضلى، وينبغي على الدول التعاون معًا لمشاركة المعلومات الاستخباراتية وتبادل الخبرات في مجال نزع الأسلحة والألغام ومخلفات الحرب، ومكافحة الإرهاب لمواجهة هذه الجماعات التي تغلغلت في جهاز الدولة ودولاب الحكومة التنفيذية وأجهزة إنفاذ القانون.

2. الانتباه الشديد للتحركات الحدودية وتحسين الأمن الحدودي، بتقوية الرقابة الحدودية رسميا وشعبيا للتصدي لتهريب الأسلحة والمقاتلين الأجانب والتشوين والتموين والتمويل والتهريب وتغذية الصراع وتهريب الثروات ومنع الذين ينضمون إلى الجماعات المتطرفة من التسرب للبلاد.

3. الإسراع باستعادة منظومة الدولة لزيادة الجهود الأمنية الداخلية (جهاز الشرطة والأمن)، فما لم يتم تعزيز أجهزتنا الأمنية وتطوير قوات الشرطة والاستخبارات لكشف ومكافحة الجريمة، وأخطار انتشار السلاح وتتبع الجماعات المتطرفة، حتما ستكون أي جهود لإنهاء الحرب صفرية وستندلع الحروب والجريمة والعنف في كل مدن البلاد.

4. يتعين على بيوت الفكر والقوى السياسية والمدنية والمجموعات الثقافية والمجامع الفقهية التحالف ضد الجريمة والإرهاب والإعلان عن ذلك بمواثيق التسامح والاعتدال، وبث خطابات وخطب وإعلانات رسمية وشعبية ومنبرية تمثل الترياق السوداني الشامل للقضاء على النعرات وخطابات الكراهية والدسائس الإيديولوجية، وهو ما يوجب العمل على مناهج تربوية وروحية ودينية وتعليمية تعزز التعايش السلمي والقدرة على التسامح والوسطية ونبذ العنف والتطرف تحرم وتجرم خطابات الاستعلاءات القبلية والعرقية والثقافية والدينية.

● ختاما: واجب العقلاء افتداء البلاد، وعدم الكف ولو لهنيهة عن التوجه الفوري والتوجيه اليومي للمتقاتلين وحضهم للمضي نحو الحوار والتلاقي لوضع حد لهذه الحرب الجهولة الظلومة، التي تفتح أبواب الجحيم على البلاد والعباد يوما بعد يوم، وتمضى انتهاكاتها في التزايد، وجرائمها في الانتشار، وواجبنا قطع علاقة السودان كوطن بكل ما هو عنيف، وفتح الباب نحو مستقبل ينعم فيه أبناؤنا بنوم هانيء يحلمون فيه بوطن يستحقهم ولا يسحقهم، فيه أعدل وأفضل وأجمل وأعظم نظام حكم.

عروة الصادق

orwaalsadig@gmail.com