الأربعاء، 28 أغسطس 2024

كارثة أربعات: صرخة الأرض المنسية

كارثة أربعات: صرخة الأرض المنسية

𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`


● في تلك الليلة الحالكة التي ماثلت حالكات ليالي السودان المفجعة منذ 15 إبريل حتى اليوم، ظن كثيرون أنهم بمأمن من فواجع السودان وأوجاعة، وقال كثيرون بأن هذه البلاد باتت آمنة ومستقرة، ولكن ثبت ألا مأمن في السودان لأي كائن من كان في أي مكان، وهو ما سطرته أيادي القدر والقدرة منبهة لآثام المهملين، ووقعت الواقعة عندما كان القمر يختبئ خلف سحب سوداء وصفها الشاعر محمد بادي:

الوادي الجانا مترقن
مدّ جناحو الطايل شرقا وغربا
القبلي بروقو على القلعات يضّربن
الدكن البعدن قربن
فوق صنقور المحلة الطالت كبن
قول للمحلة بيوتك خربن
قول ما دلة.. الحلف الجاف اتبلّ
بالحيل آ جني إيه والله،

- استيقظت مدن طوكر وبورتسودان وعشرات القرى على أنين حزين، يوازي أنين ملايين الفارين من الحرب والنازحين من جورها، وكان أنين سد أربعات وهو يودع الحياة، تاركاً وراءه دماراً هائلاً وألماً لا يوصف إلى هذه اللحظة ينتظر أهلنا الخلاص في قمم الجبال بلا مأوى أو ملاذ. إن انهيار السد لم يكن مجرد حادثا عابرا، بل كان نتيجة تراكم الأخطاء والإهمال والتجاهل لصرخات الطبيعة.

- سد أربعات استحق أن يسمى بشهيد الإهمال، فقبل أن يتحول إلى شبح يهدد المدينة، كان رمزاً للأمل، وكان مصدراً للحياة، يزود المدينة الصادئة بالمياه العذبة، لكن هذا الأمل تلاشى تدريجياً مع مرور الأيام، حيث تم تجاهل صيانة السد وإصلاح العيوب التي ظهرت فيه. تراكمت الرواسب، وازداد الضغط على جسم السد، وتحولت بحيرته إلى مستنقع قذر يغص بالحجارة والأطماء والمواد الرسوبية.

كنت قد أشرت في مقالة سابقة إلى أن الهزات الأرضية كانت مجرد شرارة، وحاول البعض تبرئة ذمة المتسببين في الكارثة، زاعمين أن الهزات الأرضية هي السبب الرئيسي في انهيار السد، ولكن الحقيقة أن هذه الهزات كانت مجرد شرارة أشعلت فتيل بركان كان على وشك الانفجار، كانت الهزات ضعيفة، ولا تستطيع أن تهز سدًا صُمم ليعيش قرونًا، لأن الهزة كانت دون المقاس المؤثر وفي بعد وعمق بعيد كل البعد عن موقع السد.

- ما يؤلم أن الذين تلاعبوا في إنشاء السد لم يدفع أحد منهم الثمن ولكن الضحايا الأبرياء هم من دفعوا الثمن، من قوتهم بالضرائب والآتاوات، ودفع الآلاف من الأبرياء حياتهم ثمناً لإهمال حكامنا وتجاهل مسئولينا، فقدوا منازلهم وممتلكاتهم، وشردوا عن ديارهم. أصبحت حياتهم جحيماً لا يطاق، وهم يبحثون عن مأوى آمن ومياه نظيفة.

- إن انهيار سد أربعات هو صرخة الأرض المنسية، صرخة تذكّرنا بأننا لسنا سوى جزء صغير من هذا الكون، وأن علينا أن نعيش في وئام وبصدق مع الطبيعة، إننا ندمر بيئتنا بأيدينا، ونعاقب أنفسنا على ذلك، لأننا ننتظر تهديدا آخر يشهده سد خور موج، ثاني أكبر سد في ولاية البحر الأحمر بعد سد أربعات، ويعيش هذا السد تدهوراً ملحوظاً في حالته الهيكلية، مما يثير مخاوف جدية بشأن احتمال انهياره، ويقع هذا السد الرملي الذي لم يخضع لأي صيانة تذكر منذ أكثر من سبع سنوات، في قلب مدينة بورتسودان، مما يجعله يشكل تهديداً مباشراً على حياة وممتلكات آلاف المواطنين.

- بعد هذه الكارثة في شرقنا الحبيب والتي سبقتها حوادث مماثلة في مختلف بقاع السودان، يجب أن نتعلم الدرس، وينبغي أن نعيد النظر في سياساتنا وإدارتنا للموارد المائية، وعلينا أن نستثمر في البنية التحتية، وأن نضمن صيانة المنشآت الحيوية دوريا، وأن ندخر جهدنا في التلاوم لإغاثة أهلنا لأنه سيأتي اليوم الذي نحاسب فيه المسؤولين عن الإهمال والتسبب في هذه الكارثة.

● ختاما: إن كارثة سد أربعات هي وحادة من سلسلة كوارث ممتدة تمثل جرحا غائرا في قلب السودان، ولكن هذا الجرح يمكن أن يكون بداية جديدة، بداية لعهد جديد من الوعي والمسؤولية، علينا أن نعمل معاً لإعادة بناء ما دمرته الحرب والسيول، وأن نعمل على بناء مستقبل أفضل لأجيالنا القادمة. لذلك دعونا نتنادى جميعا للتضام مع المتضررين والتكاتف معهم وتقديم المساعدات للمتضررين من هذه الكارثة، والمطالبة بالصوت العالي بمحاسبة المسؤولين عن الإهمال الذي أدى إلى هذه الكارثة، وأن نمضي نحو وقف الحرب والاستثمار فيها وفي الأزمات لصالح الاستثمار في البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، وتحديث أنظمة الإنذار المبكر، ورفع الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية، لأننا جميعاً مسؤولون عن حماية كوكبنا، وعلينا أن نتحرك الآن قبل فوات الأوان.

╭┈ *𝙊𝙧𝙬𝙖 𝘼𝙡.𝙎𝙖𝙙𝙞𝙜* ─ ೄྀ࿐ ˊˎ-
╰┈➤ ❝[ *𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔*] ❞

الاثنين، 26 أغسطس 2024

الحرب والهفوات: انهيار سد أربعات

`الحرب و الهفوات: انهيار سد أربعات`


𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`
● نعم! ساهمت السيول والفيضانات بقدر كبير وحاسم في انهيار السد ولكن هناك أسباب خفية بدأ الحديث عنها منها الإهمال وقلة الصيانة وأنشطة التنقيب عن الذهب باستخدام المتفجرات بالقرب من محيط السد في انهياره، ولا يزال العديد من الأهل على رؤوس الجبال لم تنتشل جثامين ذويهم لهم من الله الرحمة والرضوان


- وأفاد عدد من المواطنين لأيام خلت ظهور تشققات في السد نتيجة استخدام المتفجرات في المنطقة، قلل منها المسؤولون، وقد كانت هذه التشققات علامة تحذيرية على عدم استقرار السد واحتمال انهياره، ولكن لم يلق لها أحد بالا.

- ولكن هناك سبب آخر محتمل لم ينظر أو يشر إليه، فقد أفادت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، في ٢٧ يوليو ٢٠٢٤م، بتسجيل هزتين أرضيتين في منطقة البحر الأحمر، ونشرت عبر موقعها الإلكتروني: "إن الهزّة الأولى بلغت قوتها 4.7 درجات على مقياس ريختر، وتبعد حوالي 197 كيلومترًا شمال شرق مدينة طوكر السودانية، أما الهزّة الثانية فقد بلغت قوتها 4.2 درجات، وتبعد حوالي 174 كيلومترًا شمال شرق ذات المدينة."، انتهى الاقتباس.

- طالب وقتئذ عدد من الخبراء بمراجعة وفحص البنى التحتية والمرافق الحيوية التاخمة للبحر الأحمر، ومن ضمنهم من أشار لإمكانية تضرر منشئات حيوية للمدى البعيد، ولكننا نمضي جميعا لتحميل الطبيعة ويد القدرة ما ينجم من كوارث تجاه المواطنين الأبرياء المهملين، الذين سكنوا حول السد لترتع مواشيهم ويزرعوا ما يسد رمقهم ويؤمن حرفتهم.


- وبما أن المصيبة قد حلت وأدى الانهيار إلى أزمة إنسانية كبيرة في شرق السودان، ولا يزال العديد من أهلنا في عداد المفقودين والنازحين، وأن الضروريات الأساسية مثل الغذاء والماء والمأوى منعدمة لأنهم فقدوا بيوتهم وممتلكاتهم، وسكان كثير القرى المتضررة يضطرون للعيش في الجبال، وهناك مخاوف بشأن انتشال الجثث، علينا أن نمنع مصائب يمكن أن تتلاحق عليهم فتزيد مصابهم مصيبة.


- من الراجح جدا أن يكون للانهيار عواقب بيئية وخيمة، مثل تلوث مصادر المياه والإضرار بالنظم البيئية، واختلاط المياه بمخلفات التعدين ومواده الضارة على حياة الأهل ومواضيع، وقد أدى الأمر إلى تعطيل الأنشطة الحياتية اليومية والحركة الاقتصادية في المنطقة، خاصة الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين، وهذا الأمر يهدد الأمن الغذائي للمنطقة ضمن نطاق المجاعة الذي يجتاح السودان والقارة الأفريقية، وقد يقود إهمال الأزمة من حكومة بورتسودان الولاية والاتحادية إلى تفاقم التوترات السياسية القائمة وعدم الاستقرار في الشرق المأزوم أصلا.

- بما أن حكومة الأمر الواقع متمركزة في الشرق عليها أن تقوم بعمليات الإنقاذ والإغاثة الفورية والضرورية لإنقاذ الأرواح وتقديم المساعدة الأساسية للسكان المتضررين، وإصلاح أو إعادة بناء البنية التحتية المتضررة، من كباري والطرق والجسور، لأن ذلك أمرًا ضروريًا لجهود التعافي لمجتمع يحتاج الكثير.

- تكررت هذه الحوادث هذا العام ف ولايات شمال كردفان وولايات دارفور والنيل الأزرق وسنار وكارثة الشمالية ونهر النيل وهو ما يعني أن لدينا أزمة حقيقية في التخطيط طويل المدى، وهناك حاجة إلى خطة طويلة المدى لمعالجة الأسباب الجذرية لمثل هءه لكارثة ومنع تكرارها في المستقبل، وهو الدور الذي يرجى أن يضطلع به المختصين من الخبراء في مجالات الجيولوجيا والمناخ والبني التحتية والبيئة والهندسة بمختلف مجالاتها المختلفة، والاستفادة من مراصد تنبوئية وتكنولوجيا صارت متاحة للإعمار والإنشاءات، والمضي نحو جعل المحنة (منحة) وذلك بالاستفادة من مياه السيول والفيضانات للزراعة الغابية والمراعي بنثر البذور الغابية والرعوية وغرس الأشجار لتعويض مناخي وتخفيف عبء معيشي للمواطنين.

ختاما: واجب حكومة الأمر الواقع المنشغلة بالتحشيد الحربي والتشوين العسكري عدم إغفال مسؤوليتها تجاه الصرف على البني التحتية والمرافق العامة وفحص المنشئات بصورة دورية، وصرف مرتبات العاملين فيها، والمشرفين على إدارتها وصيانتها، خاصة تلك التي تقع في مناطق سيطرتها في ذات الوقت يجب على المجتمع الدولي تقديم المساعدات الإنسانية والمساعدة الفنية والدعم المالي للسودان للمساعدة في معالجة الأزمات (طواريء خريف، طواريء صحية، طواريء حرب، طواريء انسانية) وعلى الجميع استنفار الجهود الشعبية والمدنية والرسمية لدعم جهود التعافي من هذه الأزمات والكوارث فالسودان على شفير التشظي والانقسام، عسى هذه المصائب أن تجمع المصابين.

╭┈ *𝙊𝙧𝙬𝙖 𝘼𝙡.𝙎𝙖𝙙𝙞𝙜* ─ ೄྀ࿐ ˊˎ-
╰┈➤ ❝[ *𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔*] ❞