الاثنين، 3 فبراير 2025

لقاء الحتف بالظلف- مصير من يلعب بالمتناقضات كالبرهان

*`لقاء الحتف بالظلف - مصير من يلعب بالمتناقضات كالبرهان`*


𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`
٣. ٢. ٢٠٢٥م

● في عالم السياسة تتصارع المصالح وتتلاطم الأمواج المتضاربة، وتتنافس المطامع بصورة حميدة أو خبيثة، ويبرز أحيانًا من يجيد فن التلاعب على حبال الخلاف والتباينات، فيحسب نفسه قادرًا على قيادة الأقدار بدلًا من أن تُقاد به، ويظن كل الظن أنه يكيد ولا يُكاد به، ويكاد من الكبر يقول ما قاله فرعون لعنة الله عليه، ولكن التاريخ يُعلمنا أن من يلعب بالنار لا بد أن يُحرق، ومن لا يجيد ركوب الأمواج يغرق، ومن يسير على حافة الهاوية لا بد أن يسقط في غياهبها، والمثل السوداني يقول: (ركاب سرجين وقّيع، وصاحب بالين كضاب)، وهذا بالضبط ما يبدو أن الجنرال عبدالفتاح البرهان قد وقع فيه، حيث جمع بين المتناقضات في محاولات يائسة بائسة للبقاء في دائرة السلطة، لكنه في النهاية وجد نفسه في مواقف لا يحسد عليها.

- لقد برع البرهان في التلاعب بشعارات الثورة في الحرية والسلام والعدالة واستخدم لغة شبابها (السانات والراسطات والواقفين قنا)، وما أن عنّت له الفرصة تنكر لهم وتعنّت وانقض على مشاعر الجموع التي أتت به إلى سدة الحكم، فاستخدم أدوات الإخوان المسلمين وفلول النظام السابق لتفكيك مشروع الثورة التي أسقطتهم، وظل يمانع عمليات تفكيك نظام الثلاثين من يونيو ١٩٨٩م، واستعاد بانقلاب أكتوبر ٢٠٢١م كل أدوات ووجوه وواجهات وسلطات النظام الإخواني بضحها وضحيحها.

- لقد أجهز بذلك على الحلم الثوري الذي كان يرفرف في قلوب الملايين من السودانيين، وحوّله إلى كابوس من الصراعات الداخلية والانقسامات والتفتيت السياسي والهوياتي والاجتماعي، ثم اتجه إلى محاربة قوات الدعم السريع، تلك القوة التي كانت يومًا ما حليفته، واستخدمها لنقض غزل الثورة، واستعان بالأوكرانيين للهروب من القيادة العامة وتلقى في ذات الآن الدعم من الروس، في لعبة خطيرة من التحالفات المتضاربة.

- والآن نراه كيف يتلاعب بتناقضات شرق السودان القبلية وكياناتها السياسية، وكيف يجمع إليه سدنة الانقلاب من قوى سياسية ليفدوه بالذهب والرجال من عناصر الحركات، ويتواصل مع غرمائهم السياسيين سرًّا، فذات الذين صمم مشروعاً يقوده الجنرال ياسر العطا لتفتيتهم واستبدالهم بقوى سميت شبابية، يتصل عليهم ليفدوا إليه في بورتسودان ليصبغوا عليه شرعية مشروطه بإدانة الدعم السريع وتحميله وزر الحرب، ويكونوا معه حكومته التي عجز عن تشكيلها منذ الانقلاب، ورأينا حماسته وكيف يفرح للإدانات الدولية ومحاولات تجريم انتهاكات الدعم السريع، ولكن عندما يدان وتفرض عليه ذات العقوبات وربما تطاله تلك الملاحقات من المحكمة الجنائية الدولية.

- لكن المفارقة الأكبر جاءت عندما استقوى البرهان بالكتائب الإخوانية والمسيرات الإيرانية، ليصل به المطاف إلى استئناف سري ومفاجئ للعلاقات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، دون سابق إنذار أو استعداد شعبي، ومن المرجح أن نشهد لقاء قريبا تحت مظلة "تعزيز التعاون المشترك" في مختلف المجالات، ومحاولة يائسة لترميم صورة نظام فقد شرعيته الشعبية، وسعى إلى استبدالها بشرعية خارجية مستوردة.

- في هذا التحرك الذي تم في الخرطوم منذ عهد المخلوع بهندسة إحدي خريجات جامعة الخرطوم الراحلة نجوى قدح الدم وواصل في طريقها دفعتها وزميلاها المهندس إبراهيم جابر ومن قبله ميرغني إدريس، يبحث البرهان عن ما يسميه "إرساء علاقات مثمرة مع إسرائيل"، متجاهلًا تمامًا الدم الفلسطيني والموقف من القضية التي كانت يومًا ما شعارًا ترفعه الحكومات السودانية المتعاقبة، بل اجتهد عرابوا التواصل إلى حث الجانب الإسرائيلي لــ "تحقيق الاستقرار بين إسرائيل والشعب الفلسطيني"، في حالة تبدو وكأنها محاولة لتلميع صورة الاحتلال بدلًا من فضح ممارساته القمعية.

- ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل يمكن لمن يلعب بالمتناقضات أن يبني مستقبلًا مستقرًا مزهراً؟ هل يمكن لمن يستقوي بكل الأطراف المتناحرة أن يحافظ على توازن النظام الذي يقوده؟ التاريخ يجيب بالنفي. فمن يلعب بالنار لا بد أن يُحرق، ومن يسير على حبال الخلاف لا بد أن يسقط.

- البرهان شأنه شأن البشير الذي قاتل الجنوبيين بأهل دارفور، وقاتل أهل دارفور ببعضهم، وصعد بسلم الحركة وحطمه، وجلس بين يدي شيخه ليجلس آخر المطاف على شفير قبره، لذلك نرى أن من بدأ مسيرته كقائد عسكري يدعي الدفاع عن الثورة ومكتسباتها، انتهى به المطاف إلى أن يصبح رمزًا للتناقضات والتحالفات المستحيلة، وجعل من كل شعاراتا الثورة ومؤسساتها ركامًا يجلس عليه ليبقى، والبقاء لله وحده.

- لقد حاول أن يجمع بين النقيضين: الثورة والثورة المضادة، القوات المسلحة والحركات، الإخوان المسلمين وإسرائيل، ولكن في النهاية سيجد نفسه في موقف لا يحسد عليه، حيث سيكشف الشعب السوداني زيفه وضلاله وكذبه، وسيصبح رهينة للتحالفات الخارجية التي لا تعترف إلا بمصالحها الخاصة، وسيجد نفسه واقعا في براثن فتاكٍ لا فكاك منه، وحينها سيكتشف أن مراكب العودة قد احترقت وأن (سجن كوبر) كان سيكون نزهة له، لأن جزاءه الذي أراه سيكون من جنس العمل ربما حرقًا أو قتلاً أو اغتيالاً أو حتى ذبحاً والله لا يهدي كيد الخائنين.

● ختامًا: أي شخص - دون استثناء- يثق في البرهان عليه أن يراجع إيمانه بالله، فالمؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين، وليراجع إيمانه بالثورة وأهدافها، لأنه كل يوم يمزق أنصع صفحتها ويمكّن من اغتال حلم شبابها من أمرها، لذلك إن لقاء الحتف بالظلف لا بد أن يكون مصير من يلعب بالمتناقضات، وهذا البرهان سيكون خير برهان لذلك فهو الذي حاول جاهداً أن يكون لاعبًا في كل الميادين، سينتهي به المطاف إلى أن يكون وحيدًا أو طريدًا أو ضحية لكل الأطراف، ولعل هذا المشهد الذي نراه اليوم من تصرفات تتضاد مع بعضها، وأحاديث يكذبها الواقع، كل هذا وغيره سيكون بداية النهاية لشخص ونظام فقد بوصلته، وأصبح أسيرًا لتناقضاته حبيسا لنزواته.


𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔


الاثنين، 27 يناير 2025

تصريحات التأبي والتمنع من البرهان( اليابا الصلح ندمان)

*`تصريحات التأبي والتمنع من البرهان (اليابا الصلح ندمان)`*


𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`

● تصريحات الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، القائد العام للجيش السوداني، وبعض قادة الجيش كرئيس هيئة الأركان وآخرين برفض أي حديث عن حوار أو الصلح والمفاوضات مع قوات الدعم السريع، تثير تساؤلات حول مدى انسجامها مع الجهود الدبلوماسية الجارية خلف الكواليس التي يعلمها البرهان وبإذنه ويقوم بها دبلوماسيوه وعسكريوه وأمنيوه، زيارات علنية وسرية، واجتماعات قام بها هو شخصيا آخرها مع قادة غرب إفريقيا ورئيس الدورة الحالية للاتحاد الأفريقي، والزيارة التي قام بها وزير ماليته اليوم إلى مصر، لذلك فإن هذه التصريحات، التي تتأبى وتتمنع وتشدد وتؤكد تفضيل الحلول العسكرية على السياسية، واستثارة الحمية والدم مقابل الحماية والسلم، تعكس بجلاء مخاوف داخلية تتعلق بشرعية قائد الجيش ومكانته في نظر بعض الفئات المحلية والدولية، خاصة في ظل وجود جهود دبلوماسية سرية تسعى لإنهاء الأزمة، تخاطبه دوما بقائد الجيش دونما إشارة لموقعه السيادي ورأينا ذلك بجلاء في احتفال السودان بأعياد استقلاله، ولأول مرة تقتصر التهاني البروتوكولية من ١٥ دولة وجهة رئاسية. 

- لذلك نجد أن من تداعيات التصريحات المتمنعة على المشهد السياسي والأمني، إضعاف التحالفات السياسية والعسكرية، والعسكرية العسكرية، والعسكرية مع قوى مسلحة، فتصريحات رفض المفاوضات ستؤدي إلى تآكل التحالفات مع القوى السياسية والعسكرية التي ترى في الحوار السياسي مخرجًا منطقيًا للأزمة، وهذا العزل السياسي قد يدفع الجيش إلى تبني مهام دستورية وسياسية أوسع بإعلان حكومة مركزية قابضة وحكومات ولائية أشبه بحكومات طواريء من جنرالات، وهو ما قد تستغله بعض الدول الجارة الداعمة لأطراف الحرب لضمان استمرار نفوذها في السودان، خاصة في ظل تنامي التيارات المتطرفة داخل القوات المسلحة وفي قيادة العمليات العسكرية.

- ولكن المتوقع هو تصعيد عسكري واسع النطاق، فرفض المفاوضات سيدفع قوات الدعم السريع إلى تبني مواقف أكثر تشددًا، وهذا التصعيد لن يقتصر تأثيره على الجيش وقوات الدعم السريع فحسب، بل سيمتد ليشمل الحركات المسلحة والكتائب الجهادوية والجماعات الخارجة عن القانون، وأول ضحايه هم المدنيين، الذين سيعانون من انتهاكات حقوقية متزايدة، ونزوح قسري، وانعدام الأمن الغذائي، وانهيار الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والاتصالات.

- ومؤكد أن تفاقم الانقسامات الاجتماعية في ظل وجود فئات مجتمعية وكيانات قبلية تدعم قوات الدعم السريع، وأخرى ترى في المفاوضات حلًا منطقيًا، قد تتزداد بصورة كبيرة أكثر مما شهدناه عند استعادة الجيش لولاية الجزيرة وما نشاهده في قرى الجيلي شمال بحري، والشباب الذين يشكلون نسبة كبيرة من السكان، يفقدون يوما بعد يوم الطموح والأمل في المستقبل، مما يدفعهم بصورة مضطردة إلى الانخراط في العنف، والهجرة غير الشرعية، أو حتى الانضمام لجماعات متطرفة وإرهابية، أو الاصطفاف لطرفي الحرب مما يعقد المشهد الأمني بشكل أكبر.

- لذلك مهما قال البرهان فإن الحكمة تقول وتقتضي الضرورة استئناف المفاوضات والحوار الشامل، فهي الحل الوحيد القادر على إنهاء الصراع، بغض النظر عن مدة الحرب أو حجم الخسائر على الجميع التواضع لعقد حوار شامل (مؤتمر، مائدة مستديرة، كوديسا... الخ) يضم جميع الأطراف الرافضة لاستمرار الحرب، بما في ذلك الجيش، قوات الدعم السريع، الأحزاب السياسية، المجتمع المدني، قوى الثورة، والقطاعات المهنية والفئوية والشبابية والنسوية والنازحين واللاجئين وغيرهم، هذا الحوار يرجى أن يقود إلى بناء الثقة وإيجاد أرضية مشتركة لتحقيق الاستقرار.

- وذلك لأن الدور الخارجي إذا سبق جهود السلم الداخلية سيكون بمثابة وضع العربة أمام الحصان وحينها سيكون بأيدينا (حبال بلا بقر)، وعلى القوى السودانية استباق أي جهود خفية ودور دولي، لأن بعض التقارير تشير إلى وجود جهود دبلوماسية خفية، يقودها بشكل رئيسي تحالف مصري بريطاني، تمهيدًا لوقف إطلاق النار الفوري تحت مراقبة دولية، وهذه الجهود قد تكون محاولة لضمان التزام جميع الأطراف بوقف الأعمال العدائية، مما يفتح الباب أمام مفاوضات جادة. 

● ختامًا: إن تصريحات القائد العام للجيش وزملائه لا تعكس سوى موقفًا متصلبًا يهدف إلى الحفاظ على تماسك الجنود والضباط ورفع الروح المعنوية، لكنها حتما إذا سارت بذات الوتيرة ستعقد الجهود نحو حل شامل إذا لم يتم التعامل معها بحكمة ومسؤولية وتجرد، فالحلول السياسية والمفاوضات تبقى الطريق الأفضل والأقصر والأجدى لإنهاء الصراع، مع ضرورة إشراك جميع الأطراف المؤمنة بالحل السلمي ومعالجة الأسباب الجذرية للأزمة السودانية. 

بدون ذلك سيستمر الصراع ويتفاقم وتنسى الأزمة السودانية أكثر مما هي الآن، وسيزداد الوضع تعقيدا وسنشهد المزيد من المعاناة للشعب السوداني وارتفاع أرقام الضحايا في التقارير الدولية والإقليمية، ويزيد من خطر تحول الصراع إلى حرب أهلية واسعة النطاق قد تفتح الباب أمام تدخلات خارجية أو حتى تقسيم البلاد. 

لذلك ينبغي أن تدعم القوى السياسية السودانية والكيانات المدنية أي توجه علني أو سري للمفاوضات، وأن تكون الأولوية لوقف إطلاق النار الفوري، وإعادة بناء الثقة، ومعالجة الأسباب الجذرية للصراع لضمان مستقبل مستقر وسلمي للسودان، أو فلنشاهد بأم أعيننا أسوأ سيناريوهات العنف والتطرف لا قدر الله.

وإذا كان التمنع لأسباب موضوعية على الجميع العمل سويا لإزالة أسبابه، وإذا كان سجية نفس ظالمة، فنردد له القول: "تعلم من ماضيك"، وإقرأ قوله ﷻ: ﴿إِن یَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحࣱ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحࣱ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَیَّامُ نُدَاوِلُهَا بَیۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِیَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَیَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَاۤءَۗ وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِینَ﴾ [آل عمران ١٤٠] .



عروة الصادق
٢٧ يناير ٢٠٢٥م