السبت، 13 ديسمبر 2025

ثورة ديسمبر بوصفها مشروعًا لبناء وطن جديد

ثورة ديسمبر بوصفها مشروعًا لبناء وطن جديد
بين الجهاد المدني وإعادة تأسيس الدولة

🖋. عروة الصادق

حين نقرأ ثورة ديسمبر 2018–2019 بوصفها مجرد انتفاضة أطاحت برأس نظام، نظلمها ونظلم أنفسنا، فالحادثة كانت أعمق من سقوط حاكم، وأوسع من تغيير حكومة. ما جرى كان، في جوهره، انفجارًا أخلاقيًا وسياسيًا في وجه بنية دولة مختلّة، ومحاولة جيل كامل أن يكتب عقدًا جديدًا بين السودان ونفسه. ولأننا نرى الأشياء بعين البصيرة لا بعين اللحظة، فإن الثورة تُقرأ كمسار لا كـ«حدث»، مسار بدأ باحتجاجات الخبز، وتجلّى في اعتصام القيادة العامة، ثم تعثّر في ممر الانتقال، ثم انقلب إلى حرب، وما زال يحمل في داخله إمكان مشروع خلاص وطني متى أحسنّا قراءته وأحسنّا تحويله إلى برنامج بناء.

هذه المقالة تحاول أن تقارب الثورة بمنهج رؤيوي، تحلل بنيتها، وتستخرج من سيرورتها دروسًا في فقه الجهاد المدني، وتقرأ انقلاب 2021 وحرب 2023 بوصفهما ذروة ثورة مضادة لم تُحسَم فصولها بعد، ثم تطرح ملامح طريقٍ لعودة الثورة، لا كشعار يتردد، وإنما كبرنامج إنقاذ وطن.


أولاً: ما عظمة ثورة ديسمبر؟ تعريف يتجاوز الإنشاء

عظمة الثورة تُقاس بثلاث قدرات تاريخية توافرت لها في لحظة واحدة، لا بعدد الأيام في الشارع، ولا بكثرة الشعارات على الجدران، ولا حتى بمآلها السياسي الأول.

1. نقل السياسة من النخب إلى المجتمع

لأول مرة منذ عقود أصبحت السياسة في السودان ممارسة يومية في الحيّ والشارع والجامعة وموقف المواصلات، بعد أن ظلت زمناً طويلاً حوارًا محصورًا بين حزب ونخبة ومجالس فوقية. تحوّلت لجان الأحياء إلى خلايا وعي وتنظيم، والمواكب إلى استفتاء متكرر على شرعية السلطة، والمتاريس إلى رموز لمجتمعٍ قرر أن يحمي نفسه بنفسه. بهذا المعنى خرج تعريف السياسة من دائرة النخبة إلى فضاء المجتمع، وصار الصراع مفتوحًا على تعريف الوطن ذاته: من يحكم؟ ولمن تُحكَم الدولة؟ وبأيّ حق؟ وكيف تُصان كرامة الناس في يومهم العادي قبل خطابات المنابر؟

2. بناء شرعية أخلاقية جامعة

رفعت الثورة شعار «سِلمية» بوصفه سلاحًا شرعيًا، لا زينة لغوية. السلمية هنا تُفهم كاستراتيجية قوة، فهي تعزل الثورة عن تهمة الإرهاب والتمرد المسلح، وتضع السلطة في مواجهة ضميرها وضمير العالم حين تُقابل الأيادي العارية بالرصاص، وتستدعي التعاطف الداخلي والخارجي، وتُلقي على الخصم عبء كل طلقة يطلقها، عبءً سياسيًا وأخلاقيًا وقانونيًا. هكذا تحولت السلمية إلى صيغة من «الجهاد المدني»، مقاومة عنيدة متدرجة ترفع كلفة القمع، وتغلق الأبواب أمام الانزلاق السريع إلى حرب أهلية شاملة، وتُبقي المجتمع متماسكًا بقدر ما تسمح به لحظات الصدام القصوى.

3. توحيد الوجدان بسردية وطنية بسيطة وعميقة

بدأت الشرارة من أزمة معاشية، الخبز والوقود والندرة والبطالة، ثم ارتفع الشعار سريعًا إلى مستوى آخر: «سلمية سليمة»؛ «تسقط بس»، «حرية سلام وعدالة»، «مدنية مدنية»، «عندك خت ما عندك شيل»؛ «يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور». في هذه العبارات القصيرة تكثيف لتحولٍ عميق: انتقال من السخط على الأسعار إلى رفضٍ جذري لبنية حكم، ومن ضيق المعيشة إلى سؤال الشرعية، ومن تعدد الهويات إلى لحظة وجدان مشترك يرى «الشعب السوداني» ذاتًا واحدة تطالب بحقها. هذا التوحيد الوجداني لا يمحو التنوع، وإنما يعلو عليه مؤقتًا ليخلق لغة مشتركة، تسمح لمواطني الشمال والغرب والشرق والجنوب السابق أن يلتقوا في ميدان واحد تحت راية واحدة، ويستعيدوا فكرة الوطن كمساحة عقد لا كمساحة غلبة.


ثانيًا: البنية التي ثارت عليها الثورة، أزمة دولة لا أزمة حكومة

لا يُفهم اتساع الثورة ما لم يُفهم اتساع الأزمة. فالنظام الذي قام في 1989 لم يكن مجرد سلطة سياسية تُقاس بأخطائها اليومية، وإنما مشروع دولة حزبية أمنية أعادت تشكيل المجتمع والاقتصاد والمؤسسات على صورتها، حتى صار الخلل بنيويًا متغلغلًا في مفاصل الدولة والمجتمع معًا.

1. اقتصاد متهالك ومجتمع على حافة الانفجار

سنوات من الحروب والعقوبات والفساد والزبائنية حولت الاقتصاد إلى جسد منهك: تضخم متصاعد، ندرة في الخبز والوقود والدواء، بطالة عالية بين الشباب، وريـع متولد من الحرب والتهريب والجبايات غير الرسمية. هذا الخليط جعل «العيش اليومي» فعلاً سياسيًا، وحوّل طوابير الخبز والوقود إلى مساحات احتقان ووعي. وعندما انفجر الغضب خرج من دفتر الأسعار إلى سؤال المسؤولية عن انهيارٍ بنيوي طال الدولة ومؤسساتها وأخلاق الحكم فيها.

2. دولة أمنية حزبية راكمت المظالم في المركز والأطراف

أحاط النظام نفسه بأجهزة أمنية متشعبة، وشبكة ولاءات سياسية واقتصادية، واستخدم الحرب في الأطراف، دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، أداة لضبط المجال السياسي لا أداة لحماية الوطن. وبهذا تعمَّقت مسافة الشك بين الدولة والمجتمع: في الهامش رأى الناس مركزًا يستنزفهم، وفي المركز رأى الناس سلطة تحول العاصمة إلى جزيرة امتياز فوق بحر من الحرمان. وتراكم المظالم على هذا النحو صنع شعورًا عامًا بأن الدولة تعمل كآلة سيطرة لا كعقد حماية وخدمة.

3. تسييس كل مجالات الحياة بالقهر

حين تُلاحَق الصحف، وتُكمَّم النقابات، وتُحاصر الجامعات، وتُخترق المنابر الدينية، وتُراقب الفنون، يصبح كل مجال من مجالات الحياة مسيّسًا بالقهر، وتغدو كل كلمة ضد الظلم خطوة على طريق الثورة. لذلك خرجت ديسمبر من معنى «الثورة السياسية» بالمعنى الضيق إلى معنى أوسع: ثورة على نمط حياة مفروض، وعلى دولة تريد امتلاك الجسد والرزق والفكر معًا.


ثالثًا: الثورة كتصميم قوة، من حدث احتجاجي إلى استراتيجية جهاد مدني

ثورة ديسمبر يمكن قراءتها كتجربة مقاومة مدنية صاغت أدواتها بوعيٍ متدرّج، كأنها تتحرك وفق فقه المراحل والمآلات، فتنتقل من الاحتجاج إلى التنظيم، ومن التنظيم إلى خلق ميزان كلفة جديد للحكم.

1. التمدد الأفقي، من عطبرة إلى الوطن

انطلقت الشرارة من عطبرة، غير أن بنية المجتمع السوداني، المدن المترابطة والحركة الطلابية والمهنيون وشبكات التواصل، جعلت الشرارة تتحول إلى شبكة تمتد من الأطراف إلى الخرطوم. تحالف المهنيين والناشطين وشباب الأحياء أسهم في تحويل الحدث المحلي إلى مشهد وطني، في صورة تنظيم شبكي لا يعتمد على «زعيم واحد» يمكن إسكات صوته لكسر الحركة، وإنما شبكة منسقين تحمي بعضها بعضًا.

2. أدوات تعبئة منخفضة الكلفة عالية الأثر

اخترعت الثورة أدواتها: مواكب منتظمة بأسماء وأيام معلنة، وشعارات قصيرة حافظة للمعنى قابلة للترديد في كل مكان، وفنون وأغانٍ وهتافات حولت الفعل السياسي إلى حدث وجداني، ورموز جديدة أبرزها صورة «الكنداكة»؛ المرأة التي تقف على سقف سيارة تهتف للحرية فتختصر دور النساء وكرامة الشعب وارتفاع الرأس بعد طول انحناء. هذا الابتكار في أدوات التعبئة جعل السياسة أقرب إلى الحياة وأشد التصاقًا بالناس، فأصبحت الثورة لغة يومية لا خطاب نخبويًا بعيدًا.

3. الاعتصام أمام القيادة، مساحة محررة ومختبر وطن

عندما تحوّل محيط القيادة العامة إلى اعتصام مفتوح حدث تحول نوعي: الشارع لم يعد «ممر مظاهرات» وإنما صار مدينة سياسية مصغرة. لجان خدمة تنظم الطعام والنظافة والأمن الداخلي، منصات نقاش وحلقات حوار حول مستقبل الحكم، خطاب وطني جامع تُرفع فيه أعلام الأقاليم وتُستعاد أغاني الهامش ويُكتب على الجدران أن السودان للجميع. بهذا المعنى كان الاعتصام تمرينًا مبكرًا على الوطن: كيف يمكن أن نتعايش؟ كيف نحكم أنفسنا بلا عسف؟ من يراقب من؟ وكيف تتحول الجماعة من احتجاج إلى إدارةٍ للفضاء العام؟

4. العصيان والإضراب، تعطيل ذكي بلا رصاصة

بعد مجزرة فض الاعتصام، وهي جرح غائر في الضمير السوداني، لم تنطفئ جذوة الثورة، وإنما تبدلت أدواتها. انتقل مركز الثقل من الميدان إلى العصيان والإضراب السياسي، وأظهرت الأيام التي شُلّ فيها المرفق العام أن الدولة لا تعمل بالأوامر وحدها، وإنما برضى آلاف العمال والموظفين والمواطنين. وارتفعت كلفة الحكم العسكري، فصار أمام معادلة شاقة: تنازل يخفف الاحتقان، أو مواجهة نزع الشرعية داخليًا وخارجيًا. هكذا برهن الجهاد المدني على قدرته على فرض الإرادة بلا رصاصة واحدة.


رابعًا: التحول في العقل السياسي السوداني، من رهبة السلطة إلى سيادة الشعب

قد لا تُختَتم الثورات سريعًا بترتيبات سياسية نهائية، لكنها تخلّف وراءها عقلًا جديدًا. وثورة ديسمبر أنجزت في هذا المستوى إنجازين مفصليين.

1. نزع القداسة عن السلطة

قبل ديسمبر سكن في الوعي العام، بفعل التاريخ والانقلابات المتكررة، أن الجيش والأمن «قدر» على السياسة، وأن المدنيين يُسمح لهم بالحكم حين يرضى العسكري ويُستغنى عنهم حين يشاء. جاءت الثورة لتكسر هذه الرهبة وتعيد تعريف العلاقة: لا قداسة لسلطة فوق إرادة الناس، ولا حصانة لمؤسسة حين تعتدي على العقد الوطني. هذا التحول في الوعي أصعب من إسقاط حاكم، لكنه يخلق أجيالًا لا تُخدع براية «المنقذ العسكري» ولا تمنح الاستبداد غطاءً باسم الأمن.

2. إعادة تعريف الوطنية كعدالة

هتف الثوار: «حرية، سلام، وعدالة»، وترتيب هذه الكلمات يحمل معنى عميقًا: حرية من دون سلام تفتح الباب للفوضى، وسلام من دون عدالة يتحول إلى هدنة هشة فوق فوهة بركان، وعدالة من دون حرية قد تنحرف إلى انتقام مقنّع. هكذا صارت الوطنية التزامًا ببناء دولة لا تقصي أحدًا ولا تظلم إقليمًا ولا تحول موارد البلاد إلى غنيمة نخبة صغيرة. هذه الرؤية ألهمت نشوء لجان المقاومة بصيغتها المتقدمة: كيانات قاعدية تحرس المعنى أكثر مما تسعى لمقاعد السلطة.


خامسًا: مأزق الانتقال، من الشارع إلى الدولة: أين تعثّرت القافلة؟

الانتقال من الثورة إلى الدولة يمثل عنق الزجاجة في كل تجربة تغيير، وفي السودان ظهر هذا المأزق بحدة.

1. معادلة الشراكة المدنية العسكرية، ترحيل الصراع لا حسمه

الوثيقة الدستورية في 2019 كانت محاولة لتسوية انتقالية تقوم على شراكة بين المدنيين والعسكريين. غير أن العسكريين امتلكوا السلاح والموارد وشبكات الدولة العميقة، بينما القوى المدنية دخلت المرحلة مثقلة بانقسامات وبخبرة تفاوضية متباينة، ودون اتفاق كافٍ على برنامج موحد لإعادة بناء الدولة. وبذلك انتقل الصراع من الشارع إلى مؤسسات انتقالية هشة، من دون تفكيك جذري لاقتصاد العنف ولا لإمبراطوريات المال والسلاح التي ترعرعت في عهد النظام السابق.

2. انفصام بين الشارع والقيادة

مع مرور الوقت شعر قطاع معتبر من قواعد الثورة باتساع المسافة: قرارات تُتخذ بقدر محدود من الشفافية، وتسويات فوقية لا تستوعب الشارع في تفاصيلها، وشعور متنامٍ بأن من جلسوا على كراسي السلطة الانتقالية، مدنيين وعسكريين، لا يجسدون بالكامل روح ديسمبر. هذا الانفصال سهّل على قوى الثورة المضادة استثمار التخويف من الفوضى، وتقديم انقلاب أكتوبر 2021 باعتباره «تصحيحًا للمسار» لدى بعض القطاعات، قبل أن تتكشف حقيقة الردة.


سادسًا: من الثورة إلى الحرب، حين انقلبت الدولة على المجتمع

حرب 15 أبريل 2023 لا تقف خارج السياق، فهي ثمرة مرّة لفشل حسم سؤال السلاح والدولة.

1. تعدد مراكز القوة المسلحة

في ظل التردد في إصلاح القطاع الأمني، ظل جهاز الدولة حاملاً أكثر من مركز قوة: جيش نظامي متشعب، قوة موازية نمت في الهامش ثم تصدّرت المركز، ومليشيات محلية وإقليمية ترتبط بهذا الطرف أو ذاك. وعندما انفجرت التناقضات بين هذه المراكز وجد المجتمع نفسه ساحة حرب بين أطراف يفترض فيها حماية الوطن.

2. الحرب بوصفها ذروة الثورة المضادة

ما كان يخشاه العقل الاستراتيجي وقع: من ثورة تطالب بمدنية كاملة، إلى انقلاب يعيد العسكر إلى الواجهة، إلى حرب تمزق المدن والريف وتستخدم التجويع والنزوح والعنف الجنسي أدوات في الصراع. انتهى تفويض البعثة الأممية المعنية بالانتقال، وتحوّل السودان في عيون العالم من «انتقال سياسي» إلى «صراع مسلح مفتوح». بهذا المعنى انتقلت الثورة المضادة من كسر شوكة الشارع إلى محاولة كسر ظهر المجتمع والدولة معًا.


سابعًا: كيف تعود الثورة؟ من شعار إلى برنامج للخلاص الوطني

السؤال الآن يتجاوز تقييم صواب الثورة، فقد أجابت دماء الشهداء عنه، ويتجه نحو كيفية استعادة روحها لتتحول إلى برنامج خلاص لا مجرد ذكرى.

الجواب يحتاج إلى استراتيجية مزدوجة المسار.

المسار الأول: إنقاذ المجتمع، وقف الحرب وحماية المدنيين

هذا واجب الوقت الأخلاقي والإنساني: وقف إطلاق نار قابل للمراقبة، لا بيانات شكلية، يتبعه فتح ممرات إنسانية وضمان أمن المدن والمعسكرات ووقف استهداف المدنيين في كل الجبهات. كما يحتاج إلى توحيد الصوت المدني في مطلب حماية الناس، بصرف النظر عن اختلاف البرامج السياسية، فالحد الأدنى هنا يمثل خط الدفاع الأول عن المجتمع. ويحتاج كذلك إلى ضغط إقليمي ودولي على رعاة الحرب، من يمول السلاح ويغض الطرف عن الانتهاكات ويستخدم السودان ساحة لتصفية الحسابات، حتى يدرك أن الكلفة السياسية والأخلاقية لن تكون سهلة. ويحتاج أخيرًا إلى توثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة، حتى لا تضيع الحقوق، وحتى يعلم المتورطون أن العدالة قد تتأخر، لكنها تظل طريقًا مفتوحًا لا يمكن إغلاقه إلى الأبد.

المسار الثاني: إنقاذ الدولة، صياغة عقد سياسي جديد

من دون دولة راشدة، لن تجد أي هدنة أرضًا تقف عليها. لذلك تحتاج القوى المدنية الجادة، والنقابات المستقلة، ولجان المقاومة، والفاعلون الاجتماعيون، إلى الالتفاف حول برنامج حد أدنى يمكن تلخيصه في نقاط مترابطة: مدنية كاملة تنهي أي صيغة تجعل السلاح شريكًا حاكمًا، وقوات مسلحة قومية مهنية بعد تفكيك منظومة "الإخواسكرية" وهيكلة بنية القوات النظامية وإصلاحها تحت إمرة سلطة مدنية منتخبة. وإصلاح جذري لقطاع الأمن يقود إلى جيش واحد مهني يخضع للدستور والمساءلة، مع دمج أو حل كل التكوينات والقوات الموازية وفق معايير زمنية واضحة وبرامج نزع سلاح وإعادة دمج متفق عليها ومسنودة بخطط اقتصادية واجتماعية. وعدالة انتقالية سودانية الروح توازن بين كشف الحقيقة ومحاسبة كبار المسؤولين عن الجرائم وجبر الضرر وفتح باب المصالحة المجتمعية، بحيث لا تُبنى البلاد على النسيان ولا تُدار بثقافة الثأر. واقتصاد سلام يقطع مع اقتصاد الحرب، يخضع الموارد للشفافية ويعيد هيكلة المالية العامة ويوجه الاستثمار نحو الزراعة والرعي والصناعة المحلية والبنية التحتية في الأقاليم المهمشة، لأن أي تسوية تتجاهل شبكات التهريب والجبايات غير القانونية والشركات المرتبطة بالقوى المسلحة ستعيد إنتاج العنف بصيغ جديدة. ومواطنة تعاقدية ووحدة بالتنوع، عبر عقد جديد يمنح الأقاليم صوتها ومصلحتها، ويعترف بالتعدد الثقافي والديني واللغوي، ويجعل الانتماء للوطن أعلى من الانتماءات دون أن يلغيها.

هذا البرنامج ليس ترفًا فكريًا، وإنما ترجمة استراتيجية لشعار «حرية، سلام، وعدالة» في زمن الحرب.


ثامنًا: دروس المنهج، ما الذي تعلّمناه للمرة القادمة؟

العقل الاستراتيجي يحوّل الألم إلى معرفة. وتجربة ديسمبر بما تلاها تقدم دروسًا كبرى.

1. قوة الشبكات وحدودها

أثبتت لجان المقاومة والشبكات الأفقية أنها أكثر صمودًا أمام القمع وأكثر قدرة على ربط السياسة بالحياة اليومية. غير أن الانتقال إلى بناء دولة يحتاج، إلى جانب قوة الشبكات، قدرًا من المركز: قيادات منتخبة، ناطقين رسميين، وآليات تفاوض شفافة، حتى لا تُختطف الثورة باسم تمثيلٍ لا يخضع للمساءلة.

2. سلمية لا تعني السذاجة

السلمية خيار استراتيجي يرفع كلفة القمع ويحافظ على النسيج الاجتماعي. ومع ذلك، فإن حسن الظن المفرط يفتح ثغرات قاتلة، والتساهل في ملفات تفكيك بنية التمكين وإصلاح القطاع الأمني وضبط السلاح خارج الدولة يسمح للردة بالعودة. كل ثغرة في هذه الملفات تتحول إلى فتحة في جدار الثورة يدخل منها الانقلاب والحرب.

3. لا انتقال بلا تفكيك اقتصاد العنف

اقتصاد الحرب أخطر من الحرب ذاتها لأنه يبقى بعد صمت المدافع. شركات الظل والتجارة غير المشروعة وربط الامتيازات بالسلاح عناصر تُحوّل السلام إلى تهديد لمصالح مجموعات نافذة. إعادة بناء الاقتصاد على الشفافية وتوسيع قاعدة المستفيدين من التنمية واستعادة الموارد المنهوبة قضايا سياسية بقدر ما هي فنية، وهي شرط لبناء سلام قابل للبقاء.

4. ضرورة تجسير الفجوة بين القاعدة والقيادة

لجان المقاومة والنقابات والكيانات المهنية والشبابية تمثل رصيدًا واسعًا من الوعي، وتركها خارج دوائر القرار يصنع فجوة خطيرة. المطلوب عملية سياسية جديدة تعترف بهذا الرصيد وتبتكر صيغ تمثيل للقاعدة، عبر مجالس محلية أو ترتيبات قاعدية منتخبة أو آليات رقابة شعبية، حتى يشعر الناس أن العقد الجديد صُنع بأيديهم، لا فُرض عليهم من فوق.


تاسعًا: الثورة كعهد لا كموسم، كلمة أخيرة

من السهل رثاء ثورة ديسمبر وسرد بطولاتها ولعن خيانات الطريق ثم العودة إلى اليأس. الأصعب، والأشرف، حملها عهدًا لا موسمًا.

عهدًا مع أنفسنا: ألا نقدّس سلطة بعد اليوم، وألا نُضيّع دماء الشهداء في مساومات رخيصة، وألا نسمح باختطاف الوطن مرة أخرى بين فكي حزب واحد أو بندقية واحدة. وعهدًا مع هذا الوطن أن نراه وحدة في تنوع، لا غنيمة جهوية أو أيديولوجية، وأن نجعل من جراحه درسًا للإقليم والعالم: شعب قادر على تقديم نموذج في الجهاد المدني، وقادر على إعادة تأسيس الدولة بعد الحرب متى امتلك أدوات البناء وإرادة التماسك.

وثورة ديسمبر، رغم ما يحيط بها اليوم من حرب وجوع وتشريد، ما زالت تحتفظ في أعماق الناس بمخزون من الأمل والمعنى. هذا المخزون هو الطاقة الثورية الحقيقية، لا تُقاس بالمواكب وحدها، وإنما بإصرار الناس على أن هذا الوطن يستحق أفضل مما هو فيه، وبقناعتهم أن طريق الحرية والسلام والعدالة، مهما طال، يمثل الطريق الوحيد الذي يوصل.

ومن هنا يصبح السؤال ليس: هل انتهت الثورة؟ وإنما: متى نبلغ نضجًا يجعلنا نحولها من لحظة احتجاج إلى مشروع بناء؟ وذلك هو التحدي الأكبر لجيلٍ عاش ثورة وانقلابًا وحربًا في عقد واحد، وهو مطالب مع ذلك أن يؤمن أن الفجر، مهما تأخر، ممكن، وأن السودان، مهما نزف، قادر على النهوض متى اجتمعت حول ميثاقه قلوب صادقة، وعقول مجتهدة، وأيادٍ تبني ولا تهدم.

الأحد، 30 نوفمبر 2025

التحرّك الإريتري في السودان: بين عزلة أسياس وحسابات الرباعية ودور الرياض الحاسم

التحرّك الإريتري في السودان: بين عزلة أسياس وحسابات الرباعية ودور الرياض الحاسم


✍ عروة الصادق

orwaalsadig@gmail.com


زيارة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لبورتسودان ليست مجرّد لفتة بروتوكولية لدعم حكومة الفريق عبد الفتاح البرهان؛ هي حلقة جديدة في شبكة معقّدة من الحسابات الإقليمية، والصراعات على البحر الأحمر، وإعادة تموضع نظام معزول يبحث عن منفذ نجاة في لحظة اهتزاز عميقة.

من يقرأ الخطوة كـ"زيارة مجاملة" يفوّت جوهر ما يجري؛ ومن يراها مجرد اصطفاف مع البرهان ضد الدعم السريع يغفل أن أسياس لا يرى السودان إلا من زاوية أمنه هو، وحدوده هو، وحساباته مع إثيوبيا والإمارات والفاعلين الجدد في البحر الأحمر.

● أولًا: أسياس … رئيس يتحرك كضابط مخابرات لا كقائد دولة؛ فالمعلومة الجوهرية اليوم أن أسياس صار يتحرك عمليًا مع دائرة ضيقة للغاية من ضباط المخابرات والحرس الرئاسي، بعيدًا عن مؤسسات دولته ووزاراته وأجهزته المدنية. هذا السلوك يكشف أمرين مهمّين:

1. طبيعة النظام في أسمرا: نحن أمام دولة تُدار كغرفة عمليات أمنية، لا كجهاز حكم حديث، والقرار يخرج من عقل واحد، عبر قنوات أمنية مغلقة، بلا نقاش مؤسسي ولا مراجعة سياسية.

2. طبيعة الانخراط في الملف السوداني: انخراط شخصي–أمني، لا رؤية دولة. بمعنى أن الذي يأتي لبورتسودان ليس "إريتريا الرسمية"، وإنما نظام أسياس بكل هواجسه وأحقاده وحساباته الصغيرة مع الجيران.

هذا النمط من الحركة يجعل أي تفاهم مع أسياس هشًّا بطبيعته؛ لأن قرار الدخول في المشهد السوداني، والخروج منه، والتصعيد أو التهدئة، مرتبط بمزاج رجل واحد، لا بمصالح متوافق عليها داخل مؤسسة حكم متوازنة.


● ثانيًا: ينطلق هذا التحرك من خاصرة البحر الأحمر إلى حساب مفتوح مع أبوظبي وأديس؛ إذ لا يمكن فهم زيارة بورتسودان دون وضعها في سياق شعور أسياس بأن أرضه الاستراتيجية استُخدمت ثم أُهملت، فالإمارات بنت سابقًا قاعدة عسكرية في ميناء عَصَب الإريتري لاستخدامها في حرب اليمن، ثم جرى تفكيكها مع إعادة ترتيب أوراق التحالفات في البحر الأحمر، بينما واصلت أبوظبي بناء شبكة قواعد وممرات في جزر يمنية واستراتيجية على خطوط الملاحة الدولية، من سقطرى إلى جزر أخرى في باب المندب، في إطار حضور عسكري–لوجستي واسع في البحر الأحمر وخليج عدن، وفي المقابل، تجد أسمرا نفسها اليوم أمام مشهد جديد:

أ. إثيوبيا التي سبق أن تحالفت معها ضد جبهة التيغراي تعود لتبحث عن ممرات بحرية وخيارات استراتيجية مستقلة عبر تفاهمات مباشرة مع السودان أو الصومال أو غيرهما.

ب. الإمارات تعيد تشكيل حضورها البحري من غير أن تعطي أسمرا نفس الوزن السابق، بعد أن استخدمت جغرافيتها في لحظة معينة ثم تجاوزتها.

هنا يتولد شعور مزدوج لدى أسياس: مرارة من التهميش، ورغبة في إثبات أن مفاتيح بعض ملفات البحر الأحمر لا تزال جزئيًا في يده. والسودان، في لحظته الراهنة، يبدو له ساحة مناسبة لإرسال هذه الرسائل:

1. رسالة إلى إثيوبيا: أنا قادر على الاقتراب من حدودك الغربية عبر بوابة السودان.

2. رسالة إلى الإمارات: تستطيعين دعم حلفائك في إثيوبيا أو أي طرف آخر، لكن لا تتجاهلي أن علاقتي بجغرافيا السودان قد تمنحني أوراق ضغط مقابلة.

● ثالثًا: تجسير أمني بين أسمرا وبورتسودان … وغياب كامل للقناة المدنية، فما يجري اليوم أن بعض ضباط المخابرات السودانيين يعملون بنشاط لتجسير العلاقة بين أسياس والبرهان؛ يقدمون أنفسهم بوصفهم "المستشارين الموثوقين" للرئيس الإريتري في الشأن السوداني، بل يروّج بعضهم صراحة أن أسياس لا يتحرك باتجاه السودان إلا بعد مشورتهم كـ "عبد العزيز دفع الله"، وهذه القناة – مهما بدت مفيدة للبعض تكتيكيًا – خطيرة استراتيجيًا لسببين:

1. تركيز التواصل على خط أمني–عسكري مغلق

العلاقة تُبنى اليوم بين:

أ. نظام أمني معزول في أسمرا،

ب. ومنظومة عسكرية–أمنية في بورتسودان تبحث عن سند إقليمي في مواجهة خصومها.

ج. لا وجود فعلي في هذه المعادلة لقوى الثورة، ولا للأحزاب المدنية، ولا للنقابات، ولا للفاعلين المجتمعيين الذين كانت لإريتريا معهم صفحات تعاون واحترام في مراحل سابقة.

2. فقدان أسياس لقنواته المدنية القديمة مع السودان، ففي فترات سابقة كانت هناك جسور بين أسياس وبعض القوى المدنية السودانية، من بينها حزب الأمة القومي في لحظات محددة من التاريخ، قبل أن تتعرض تلك الجسور للاهتراء بسبب ممارسات انشقاقات سياسية سودانية فتحت قنوات مع أطراف معادية لإريتريا، ومرّرت معلومات حساسة تتعلق بالجزر والترتيبات الأمنية.

نتيجة ذلك أن أسياس اليوم فقد الثقة في معظم الفاعلين المدنيين السودانيين، واختصر تعامله في الخط الرسمي الذي يمثله البرهان وأجهزته. وهذا أمر بالغ الخطورة؛ لأنه يعني عمليًا أن الرواية الوحيدة التي تصله عن السودان هي رواية السلطة الانقلابية، بلا موازنة من أي طرف مدني أو ثوري.


● رابعًا: ماذا يريد أسياس من البرهان … وماذا يريد البرهان من أسياس؟

من جهة أسياس: 

- يريد نافذة على البحر الأحمر عبر تحالف معلن مع سلطة واقع في السودان تمنحه دورًا في ترتيبات الأمن البحري والحدودي.

- يريد ورقة ضد إثيوبيا، يلوّح بها كلما تصاعدت مطالب أديس بالحصول على منفذ بحري أو تزايدت تحالفاتها مع دول الخليج.

- يريد القول للعواصم الإقليمية: "لا تزال لدي قدرة على التأثير في مسرح الساحل–القرن الأفريقي–البحر الأحمر، فلا تتجاوزوني في الحسابات".

من جهة البرهان:

- يريد كسر شيء من العزلة عبر اصطفاف مع نظام يقدّم نفسه لاعبًا صلبًا في الأمن الإقليمي.

- يريد رسالة إلى الإمارات تحديدًا، التي تُتهم بدعم خصومه في الساحة السودانية، بأن له بدائل في الإقليم، وأن بإمكانه الانفتاح على محور مختلف.

- يريد استخدام إريتريا كعمق استخباري وحدودي في مواجهة تحركات الدعم السريع في بعض المساحات المتاخمة، أو في ملفات التهريب والسلاح والذهب.


لكن هذه المصالح المتبادلة – مهما بدت مغرية لبعض دوائر السلطة – تحمل في طياتها مخاطر عالية على السودان: إذ تعمّق عزلته عن محيطه المدني والإقليمي المتوازن، وتربطه أكثر بنظام يعاني هو نفسه من عزلة تاريخية وعقوبات وانعدام ثقة دولية.


● خامسًا: أين الرباعية؟ ولماذا السعودية بالذات هي محور التوازن؟

الرباعية المعنية بالملف السوداني – بصيغتها المتغيرة التي تضم الولايات المتحدة والسعودية، ومعهما الإمارات ومصر في ترتيبات أوسع – تتحرك منذ سنوات بين مسارات تفاوض سياسي، وضغوط لوقف إطلاق النار، وترتيبات إنسانية وأمنية على ضفتي البحر الأحمر .


في هذا السياق، تمثل المملكة العربية السعودية نقطة ارتكاز لا غنى عنها لعدة أسباب:

أ. هي الدولة الخليجية الأثقل حضورًا على ساحل البحر الأحمر، من شماله إلى جنوبه.

ب. قادت مبادرة "مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن"، الذي ضم السعودية ومصر والسودان وإريتريا ودولاً أخرى، بهدف تنسيق الأمن والتنمية في هذا الممر الحيوي .

ج. تمتلك علاقات مع كل أطراف المعادلة: الخرطوم، أسمرا، أبوظبي، القاهرة، واشنطن.

هنا تكمن اللحظة الحرجة:

- إذا تركت الرباعية – والسعودية في قلبها – التحرك الإريتري يسير بلا ضوابط، فقد نجد أنفسنا أمام:

- محور صغير (أسياس–البرهان وبعض عواصم متعاطفة) يعمل كـ"مُعطّل" لمسارات السلام،

- استقطاب جديد على البحر الأحمر يضيف طبقة توتر فوق التوتر القائم أصلًا بفعل حرب السودان، وحرب اليمن، وهجمات الحوثي على الملاحة .

أما إذا تحركت الرياض بذكاء، فإن بإمكانها تحويل هذا الانخراط الإريتري من عامل تفجير إلى عامل تقييد وضبط، بشرط:

- ربط أي دور إريتري في السودان بالتزامات مكتوبة وواضحة بعدم التصعيد العسكري، وعدم تقديم دعم يطيل أمد الحرب.

- فتح قنوات موازية بين أسمرا وقوى مدنية سودانية موثوقة، لكسر احتكار رواية البرهان عن الداخل السوداني.

- توظيف أوراق الضغط الاقتصادية والسياسية المرتبطة بمجلس البحر الأحمر وبالحضور العربي في القرن الأفريقي، لدفع أسياس نحو أدوار أقل حدّة وأكثر التزامًا بالشرعية الدولية.


● سادسًا: المخاطر الاستراتيجية على المستقبل السوداني

الخطر الأكبر في الانخراط الإريتري على النحو الحالي لا يكمن فقط في دعم مباشر أو غير مباشر لمعسكر البرهان، بل في نمط تفكير إذا ترسّخ سيعيد إنتاج أزمات السودان في صورة أكثر تعقيدًا:

- أن يُبنى الأمن القومي السوداني على تحالفات مع أنظمة معزولة ومأزومة، لا مع دول مستقرة تسند خيار السلام والتحول المدني.

- أن تتحول الحدود الشرقية إلى ساحة تعاملات أمنية مغلقة، بدل أن تكون فضاءً لتكامل اقتصادي وثقافي مع إريتريا والشعوب المجاورة.

- أن يُستدرج السودان إلى صراعات محاور البحر الأحمر كأداة في يد الآخرين، لا كطرف يفرض أجندته الوطنية ويضبط إيقاع علاقاته وفق مصالحه هو.

من زاوية أخرى، استمرار قطيعة أسياس مع القوى المدنية السودانية يعني عمليًا خسارة فرصة ثمينة لالتقاط لحظة تحول تاريخية كان يمكن لإريتريا أن تكون فيها شريكًا في بناء نموذج جديد للأمن الإقليمي قائم على:

أ. احترام التحول الديمقراطي في السودان،

ب. دعم وحدة ترابه عبر سلام عادل لا عبر تحالف مع سلطة أمر واقع،

ج. بناء منظومة أمن بحري مشتركة لا تُختطف لصالح نظام أو ميليشيا.

● سابعًا: ما العمل؟ خطوط أولية لاستراتيجية سودانية–إقليمية رشيدة

من زاوية سودانية وطنية، ومن منظور استراتيجي أوسع، يمكن رسم بعض الخطوط العامة:

- استعادة المبادرة المدنية في مخاطبة أسمرا؛ وعلى القوى المدنية السودانية – أحزابًا وتجمعات مهنية ولجان مقاومة ومنظمات – أن تبتكر قنوات جديدة مع الجانب الإريتري، مباشرة أو عبر وسطاء، لإيصال رواية مختلفة عن السودان، غير الرواية التي يحتكرها العسكر والأمن.

- تنبيه الرباعية إلى خطورة ترك الساحة لأجندات ثنائية ضيقة، والرسالة ينبغي أن تكون واضحة: أي دعم غير مشروط لمحور عسكري–أمني في السودان، أو لأي دور إقليمي يزيد من تعقيد الحرب، سيقوّض مستقبلاً جهود السلام التي تقول الرباعية إنها تتبناها.

- دعوة السعودية لدور قيادي متوازن؛ فعلى الرياض أن توظّف مكانتها في البحر الأحمر، وعلاقاتها بكل الأطراف، لتكون جسرًا نحو حلّ، لا ساحة لصراع محاور جديدة، وهذا يعني:

أ. إدماج إريتريا في رؤية إقليمية شاملة لأمن البحر الأحمر،

ب. ربط أي مكاسب أو تسهيلات تحصل عليها أسمرا بالتزامها بدعم السلام في السودان لا الحرب،

ج. حماية المسار السوداني من أن يُختطف لحسابات ثأرية بين دول الجوار.

4. ترسيخ مبدأ أن السودان ليس منصة لتصفية حسابات الآخرين، وأن هذه الحرب أكدت أن ترك أبواب البلاد مشرعة أمام أجندات الخارج حوّل السودان إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية.

التحرك الإريتري اليوم اختبار جديد: إما أن نكرّر الخطأ، أو نضع – لأول مرة – سقفًا وطنيًا واضحًا: من أراد أن يتعامل مع السودان، فليتعامل وفق مشروع سلام وانتقال مدني، لا وفق حسابات ثأرية مع جاره.


● ختاما: في المحصلة نجد أن زيارة أسياس لبورتسودان ليست حدثًا معزولًا، بل مرآة لثلاث أزمات متداخلة:

- أزمة نظام إريتري يبحث عن دور بأي ثمن،

- أزمة سلطة سودانية تسعى لأي سند ولو كان على حساب المستقبل،

- وأزمة منظومة إقليمية لم تحسم بعد ما إذا كانت تريد سودانًا مستقرًا مدنيًا، أم ساحة مفتوحة لإعادة تدوير صراعاتها.

المعادلة التي ينبغي الدفاع عنها اليوم – سودانيًا وإقليميًا – بسيطة وعميقة:

لا أمن في البحر الأحمر بلا سلام في السودان، ولا سلام في السودان بلا انتقال مدني حقيقي، ولا انتقال مدني حقيقي إذا تُرك مصير البلاد رهينة صفقات غرف المخابرات على ضفتي الحدود.