الجمعة، 16 يناير 2026

`في ذكرى الإسراء والمعراج ٢٧ رجب ١٤٤٧ هـ الموافق ١٦ يناير ٢٠٢٦م`

بسم الله الرحمن الرحيم
لـ "منصة تعليم وتزكية"

`في ذكرى الإسراء والمعراج ٢٧ رجب ١٤٤٧ هـ الموافق ١٦ يناير ٢٠٢٦م`

✍.  عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
> الحمد لله الوالي الكريم الذي مجد ذاته قائلا: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء : 1] والصلاة والسلام على المُسرى به حبيبنا محمد ﷺ وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، بعد؛؛

طُلب مني أن أعد كلمة إحياء لهذه الذكرى المعظمة فارتأيت أن أقدم هذه الكلمة المنظمة، وعددت محاورها لتخاطب الآتي:

● أولا: مشروعنا الفكري الذي ينبني على سهم الحبيب الإمام الصادق المهدي عليه الرضوان الاجتهادي الذي جعله بهذا الشكل النهضوي مرتكزا على رؤية ديناميكية متّصلة، لا تعتمد النص التقليدي الجامد فحسب، وإنما تضعه في حوار دائم مع الوحي والعقل والتجربة. فالإمام يرى أن الإسلام دينٌ “دين اجتهاد مستمر” يتفاعل فيه النصُّ المقدس مع روح العقل والخبرة الإنسانية، فالمعرفة الدينية عنده رباعية المصادر (الوحي والإلهام والعقل والتجربة)، والاعتراف بتعددها يخلق جسرًا بين ثوابت النص وروح العصر، وحين “ندرك هذه الحقيقة يزول النزاع الديني-العلماني” المتنازع على مصدر الحقيقة.
> من هذا المنطلق تُرفع الحرية الفكرية والاجتهادية، وتتجنب المواقف التقليدية الميؤوس منها، فالإمام يستلهم نموذج مدرسة أئمة الاجتهاد، فالتحرر من التقليد يعيد الحياة للعقل كما قال الجوزي: “في التقليد إبطال لمنفعة العقل”، وهذه الرؤية جدلية تجعل الدين حيوية فكرية مستمرة، تتيح الاجتهاد الشرعي وتربط النص بمقاصد الشريعة.

● ثانيًا: الدين جدلية تفاعل بين النص والعقل والتجربة
لا يرى الحبيب الامام عليه الرضوان أن الدين مجرّد مرجعية جامدة تنتهي مع التشريعات القديمة، وإنما منهج حواري حيّ، فهو يُشدّد على أن المعرفة الإسلامية لا تقتصر على النقل فقط، ولكنها تدمج نقل الوحي مع «ما يجده الإنسان بعقله وتجربته»، وبكلامه: “وسائل المعرفة الإنسانية أربعة هي: الوحي، والإلهام، والعقل، والتجربة”، وهذا التصور يكرّس التكامل بين حقيقتين: النصّ المقدس وَقوانينه، وما يرسمه الواقع والعلم.
إن إدراك هذه “الحقيقة التكامليّة” يعني زوال الصراع المتجذّر بين العلم والدين، فالإمام يرى أن النزاع بين المضمون القرآني والعلوم الطبيعية هو نزاع تعسّف فكري لا يصح، ونظراً لذلك فإن الإسلام «أوضح حقائق الغيب وأعطى شرعية للبرهان والتدبّر» كما أشار، قائلاً: “إذا أدركنا هذه الحقيقة يزول النزاع الديني العلماني”.
> هكذا، فإن أركان رؤيته الفكرية تقوم على الحوار الجدلي: يأخذ الدين بنصوصه الثابتة في العقائد (ما لا يقبل التأويلات المتناقضة)، ويسمح للعقل بالتنقيب في تلك النصوص بحسب مقتضيات الزمان والمكان، وفي هذا الإطار تتقدم قيم الاجتهاد والمناقشة العلميّة على الجمود والاتباع الأعمى، ما يفتح الباب أمام تشريعات تجديدية تحافظ على الثوابت وشروط العصر معاً.

● ثالثًا: تأصيل فكرة الإسراء والمعراج ومعانيها الإنسانية
في خطابه حول الإسراء والمعراج، أكّد دومًا الإمام الصادق المهدي أن الإيمان بالمناسبة واجبٌ ديني، لكن كيفية وقوعها مفتوحة للتأويل الاجتهادي، فالاحتفال يجمع ذكرى الإسراء والمعراج مع المولد والمناسبات الدينية، وقد قال: «بعض الناس يحسبون الديانة اتباع المنقول وحده، ولكن ديننا دين اجتهاد مستمر»، ثم بيّن أن الاعتقاد بالإسراء والمعراج “واجب، ولكن الكيفية هي التي يدخل فيها اجتهاد”.
فهمه للإسراء والمعراج يستقيم مع الوسطية الإسلامية؛ فهو «فهم روحاني منضبط» يحترم قيم الدين العقلية والطبيعية، واعتبر أن تجسيد الحدث لم يكن هدفاً في حد ذاته، ولكن المهم الفهم المقاصدي؛ إذ قال: “الفهم الروحاني المنضبط للإسراء والمعراج هو المناسب لوسطية الإسلام ويدعم نظرة تدرك أهمية قوانين الطبيعة وعطاء العقل”.
> بناءً على ذلك فإن مكانة الإسراء والمعراج في مشروعه النهضوي تمتد أبعد من كونه معجزة خارقة؛ فهو “وسيلة اتصال خاص بين عالم الغيب وعالم الشهادة” تضع الإيمان في عالم اليقين دون التخلي عن العقل، والشعور الإنساني المستخلص من ذلك الحدث هو الدعوة إلى اعتبار معجزات الرسالة مستمرة بأثرها الأخلاقي والثقافي (الإيمان الخالص، والوحدة الإنسانية، وفضائل العقل والتدبر) لا الوقوف عند الجانب العجائبي فقط.

● رابعا: المهدية وظيفة إحيائية لا حدث انتظاري
توافق هذه الذكرى ميلاد الامام المهدي عليه السلام وهنانجظ المهدية عند الإمام الصادق المهدي ليست حدثاً مسلَّماً بحد ذاته يختتم الزمان، وإنما وظيفة إحياء ديني للنص والروح الإسلامي. فرغم موقفه التاريخي تجاه المولد، نصّ الإمام على أن دعوة المهدية هي «مهمة إحياء الدين بخطاب روحي غيبي خاص»، وقد بيّن أن المهدية عند جده الإمام محمد المهدي بن عبد الله(عليه السلام) كانت “وظيفية، وهي وظيفة إحياء الدين”، وحرر نظرته للمهدية من كل القيود السنية والشيعية والصوفية والفلسفية، فبدلاً من أن تكون انتظاراً خالصاً، حوَّلها إلى “دعوة وظيفية متجددة مع الأيام” تأخذ الإسلام إلى عصره بروح المبادرة والاجتهاد.
> إن دستور المهدية الذي سار عليه الإمام المهدي (عليه السلام) يوضح هذا المعنى: “لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال” تعبير له هنا بعدٌ روحي وسياسي واجتماعي؛ فكل جيل مأمور بأن يؤصّل الدين تنازُلاً عن التكاليف الشكلية الجامدة، لذا فإن الخطاب المهدوي الوظيفي يركّز على قطعيات الوحي وثوابت العقيدة، مع إعادة فهم المعاملات والمعاهدات ومظاهر الدولة بما يخدم تنمية الأمة وتوطيد العدالة، ومن هذا المنطلق، فإن رؤية الدولة الراشدة تنبني على انسجام مبدأ الإمامة الروحية مع مقاصد الشريعة في حفظ الدين والعدل والوحدة، بعيداً عن التعصّب للمظاهر والشعائر دون فكر.

● خامسا: أزمة الأسرة السودانية: الزواج الميسر ومعالجة العطالة والسكن والعزوبية
ولأن هذا اليوم سن فيه الإمام عبد الرحمن طيب الله ثراه تيسير الزواج؛ رأى الإمام الصادق المهدي يتناول فيه الأمر من زاويته الاجتهادية فبين أن الأسرة هي نواة المجتمع، وأن السودان يواجه أزمات متشابكة تعيق استقرارها: العطالة (البطالة)، السكن (أزمة الإسكان)، والعزوبية، وفي عدد من المناسبات والاحتفالات دعا لـ”هجمة” شاملة على هذه المشكلات، فقد نبه إلى ضرورة تيسير الزواج واعتباره “الحلّ البديل للعلاقات غير الشرعية” في مواجهة انتشار العزوبية، واستشهد في ذلك بتراث المهدية، مشيراً إلى العادات التاريخية: «قال الراجز: (المهدي جا من دنقلا قال: الفتاة بقرش كامل، والعزبا بالفاتحة)».
من الناحية التشريعية، يطالب الخطاب الرشيد بإجراءات مدعومة قانونياً: تشريعات تشجع الزواج المُيسّر (كافتتاح مكاتب وساطة ودعم مالي للمقبلين)، وتقييد الأمر بضوابط رادعة تمنع زواج الطفلات، وتعديل القوانين المتعلقة بالسكن لتسهيل توفير مساكن الشباب، وتشريعات دعم المشاريع الاقتصادية لمكافحة البطالة،  أخلاقياً واجتماعياً، وظل يشدد على نبذ ثقافة الكسل والاعتماد على الزينة المالية المبالغ فيها، وحض على استثمار قيم التضامن والاعتماد المتبادل، وقد جسّد بذلك الخطاب الخطاب قيمة تواضع الإنفاق على المناسبات، إذ أشار إلى أن “الصرف على المناسبات يكون محدوداً وأي زيادة سفه يعاقب عليها الناس”.
> بإيجاز يسعى مشروعه عليه الرضوان إلى إعادة ترتيب أولويات المجتمع: تسهيل إنشاء الأسر  على الأسس السوية وتخفيف أعبائها المالية، وخلق حوافز عمل وإسكان، والعمل على ترسيخ العزلة الاجتماعية (العزوبية) بالرباط الشرعي؛ وكل ذلك ضمن رؤية أخلاقية توزّع الثروة، وتعزّز قيمة العمل، وتضع الإنسان في مركز اهتمام السياسات (كما في قوله: “ {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا} [الإسراء : 13]” ضمن آيات الإسراء لتذكير البشرية بالقيمة المعنوية للفرد).

● سادسًا: الإسلام مرجعية عالمية للعدالة الدولية البديلة
يتوخّى الإمام الصادق المهدي من الإسلام إعادة تشكيل النظام العالمي نحو عدالة شاملة؛ فيرفض هيمنة العولمة القائمة على أقطاب قوة ضيقة، ويرفض وصفها بديلاً “عادلاً”، مشيراً إلى أن «العولمة، في ظروف التوزيع الحالي للقوى الاقتصادية والعسكرية، أدت إلى هيمنة أمريكية أو غربية»، لكنه يرى أيضاً أن توحّد العالم -إذا تجنّب هيمنة طرف- يُقْبَل بوصفه تمهيداً لعولمة حقيقية حميدة، ولهذا يعتبر أن “العالمية” في الإسلام تناسب دعايته الكونية، لأنها تعترف بالإنسانية كغاية في ذاتها وتقبل التعدّدية (الدينية والثقافية) وحرية الرأي والإيمان.
إن مركزية هذا المنظور في الرؤية المستقبلية تعني السعي إلى بناء سياسات خارجية تعتمد على ميثاق إسلامي عالمي لحقوق الإنسان يكفل: مبادئ العدل والمساواة والكرامة، فالإسلام، كما أوضح، قدّم للبشرية نظاماً عالميًا يكرِّم الإنسان (﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾)، ويؤسّس لتعددية ديمقراطية بين الأمم بدون إقصاء أو تمييز مبني على الدين أو العرق.
> وفي سياق الدولة السودانية المستقبلية، يُترجم ذلك إلى سياسة خارجية نشطة: دعم التضامن الإسلامي بين الأمم "نداء المهتدين"، ورعاية مبادرات العدالة الدولية (المحاكم، ومكافحة الفساد العالمي، وإصلاح المؤسسات الدولية وفق مبادئ الشريعة الحقة)، وتُضاف إليها تقوية التبادل الحضاري والثقافي وحوار الديانات "نداء الإيمانيين"، ومع كل أرجاء العالم على أسس الحوار العقلاني والقيم الإنسانية المشتركة "حوار الحضارات"، فالإمام يرى أن “خصوصية الإسلام ليست تعصبًا وإنما خصوصية تلبية موزونة لكل مطالب الإنسان” واحتياجاته العشر، وهذا يشمل العدالة الكونية التي لا تقوم على الغلبة بل على حجج مقبولة لدى كل ضمير إنساني.

● سابعًا: نحو الدولة السودانية الراشدة
بتجميع هذه الركائز، ترسم رؤية الإمام الصادق المهدي ملامح وثيقة مانيفستو مستقبلية للدولة السودانية الراشدة.، دولةٌ تنطلق من اعتناق “الإسلام كمنهج حياة” لا كسُلطة دينية فحسب، تتفاعل فكريًا مع الواقع وتسعى لابتكار تشريعات تلائم مقاصد الشريعة، وتقوم على إحياء قيم التضامن والعدل والشورى: مجتمع حيوي يعرف دينه بالوحي، ويطبقه بالعقل، ويجربه بواقعه.
في هذه الرؤية، تتعانق القيم الأخلاقية (التواضع في التكاليف، تشجيع العلوم، رعاية الأسرة، وإقرار حرية الضمير) مع الإجراءات التشريعية (تيسير الزواج، تأمين العمل والسكن، ودعم التعليم والإبداع)، ومعها تتبوأ الدولة موقعًا فاعلاً في نظام عالمي جديد، تبحث عن السلام والعدل في إطار عالمي تعدُّدي.

● ختامًا: إن مشروع الإمام المتجذّر في التراث والذي لا يعيقه الجمود، يشكّل خارطة طريق شاملة. فهو يستمد من الإسلام «معجزاته الدائمة» – من نصوص القرآن المجددة في ثناياها – روحًا فاعلة تُسعى بإيمانه المحّيي أن تعيد بناء الأمة السودانية على أسس العقل والشريعة والعمل الصالح، وهذه الوثيقة المستقبلية – مستوحاة من خطاب الإمام – تدعو إلى نهضة شاملة تجسّد الوسطية الإسلامية كمنهج عملي يُعلّق موازين حياة الشعب بين الشرع والإنسانية، بين السماء والأرض، فتولد من تفاعلها دولة سودانية راشدة.



- المراجع: الكلمات المقتبسة وردت في خطب وأبحاث الإمام الصادق المهدي، والتي تحدّث فيها عن أصول الاجتهاد في الدين، ومفاهيم الإسراء والمعراج، والمهدية الإحيائية، وقضايا الأسرة السودانية، وعالمية الإسلام.

الخميس، 8 يناير 2026

حرب الألف يوم

بعد مرور ألف يوم، المشهد السوداني  الماثل أقرب إلى دولة تتشقق على مستويات متوازية، تشققات جغرافية ومؤسسية واجتماعية وتشريعية في آن واحد، فالصراع انطلق بوصفه قطع طريق للسلطة المدنية وتحول إى معركة سلطة لاستعادة أذرع النظام المحلول مواردهم ووظائفهم التي اغتنموها بانقلاب 1989م، ثم استحال إلى نمط حياة قسري يعيد تشكيل الاقتصاد والمجتمع والسياسة، حينها بنية الحرب صارت تبتلع مؤسسات الدولة تدريجيًا، وتؤسس اقتصادًا يقوم على الإتاوات والتهريب والسلب المنظم، بينما يُدفع المواطنون إلى نزوح دائم يتجاوز فكرة الطوارئ إلى واقع معيش.

في الجغرافيا والمناطق انتقل مركز الثقل عبر مراحل، في البدايات كانت الخرطوم مسرح الصراع الأبرز، ثم تحوّل الميزان تدريجيًا غربًا مع تصاعد دارفور وكردفان، خلال عام 2025م أعلن الجيش تحقيق تقدم واسع في العاصمة والولايات الوسطى "سنار – النيل الأبيض- الجزيرة" وترافق ذلك مع حديث متكرر عن حسم معركة الخرطوم لصالحه، وعودة السيطرة إلى مساحات كبيرة من الولاية، في المقابل عمّقت قوات الدعم السريع حضورها المسلح في كل ولايات دارفور وأغلب ولايات كردفان، وتحول الحصار في الفاشر ومحيطها إلى عنوان أبرز ثابت حتى سيطرة الدعم السريع عليها، والصورة العامة تشير إلى مسرحين متوازيين للحرب: مسرح العاصمة والوسط حيث تتقدم قوات الجيش وفق معطيات 2025م، ومسرح الغرب حيث ترسخ قوات الدعم السريع نفوذها وبسط هياكل سلطة موازية لسلطة الأمر الواقع في بورتسودان.

على مستوى وظائف الدولة تكشف الألف يوم عن انهيار متدرج للخدمات وتحول المؤسسات إلى هياكل تعمل بالحد الأدنى وتتحرك وفق مقتضيات المعركة أكثر من احتياجات المجتمع واستعاد النظام المباد بسط سيطرته على كل مفاصل الدولة، فالقطاع الصحي والتعليمي شهدا شللًا واسعًا، وشبكات الكهرباء والمياه تآكلت، ومسارات الإمداد الإنساني تحولت إلى أدوات تفاوض ومساومة ومصدر تكسب وغنى لعناصر الحزب المحلول والفاسدين الذين يحمونهم في هياكل السلطة، والأزمة الإنسانية صارت معيارًا أساسيًا لقراءة الحرب دوليًا، مع ملايين النازحين داخل البلاد وخارجها، وأرقام أممية تضع السودان في صدارة أزمات النزوح عالميًا، وتؤكد أن التهجير القسري أصبح ظاهرة بنيوية مرتبطة باستمرار النزاع.

أما في ميدان الشرعية السياسية فقد أنتجت الحرب فراغًا عميقًا، لأن السياسة فقدت مركزها، والقوى المدنية تعاني تشتتًا واضحًا، والتحالفات التقليدية تآكلت، بينما تمدد نفوذ من يملكون السلاح والمال وشبكات التعبئة، وفي هذا الفراغ تشكل خطابان خطيران: خطاب “الضرورة العسكرية” الذي يمنح الحرب غطاءً مفتوحًا باسم إنقاذ الدولة، وخطاب “التفويض المناطقي أو القبلي” الذي يضفي على العنف طابع الحماية المحلية، وكلا الخطابين يعمّق الانقسام ويقوض أي أفق لعقد اجتماعي جامع.

داخل هذا المشهد يبرز دور الإسلامويين الموالين للجيش كعامل بنيوي في إدامة النزاع، وهذا التيار يعمل بوصفه محركًا دائمًا لتغذية الحرب، لأن أي نهاية تقود إلى انتقال مدني متوازن تفتح ملفات مساءلة، وتعيد تعريف الجيش كمؤسسة قومية مهنية خارج الهيمنة الحزبية، وتفكك شبكة الاقتصاد السياسي التي تشكلت عبر عقود وتنزع موارد أمراء الحرب من عناصر الحزب والحركة المحلولين،  منذ اندلاع الصراع قدّم هذا التيار نفسه وصيًا على الدولة، ثم دفع عمليًا نحو ترسيخ معادلة تجعل استمرار الحرب مرادفًا لاستمرار نفوذه داخل المؤسسة العسكرية والأمنية والاقتصادية، وربط “كرامة الجيش” باحتكار القرار داخله، وتحويل مفهوم الدولة إلى رهينة مشروع يقوم على احتكار الوطنية والدين وتعريف الخيانة، يمثل قراءة مصلحة سياسية صلبة، لا مجرد توصيف أخلاقي، والخشية من صناديق اقتراع حرة، ومن ترتيبات انتقالية تقيد الأجهزة، ومن مساءلة تاريخ التمكين، دفعت هذا التيار إلى اتخاذ الحرب ملاذًا استراتيجيًا.
على مستوى مسار الحرب نفسه، ظهرت تحولات مؤثرة خلال عام 2025م، وفي الميدان، انتقلت المواجهة من “حرب العاصمة” إلى “حرب الأطراف الحاسمة”، استعادة مواقع رمزية في الخرطوم، بينها القصر الرئاسي، منحت الجيش مكاسب معنوية، غير أن هذا التقدم لم يغلق الصراع، إذ ترافق مع تعمق جبهة الغرب، قوات الدعم السريع ركزت عملياتها على دارفور والفاشر وكردفان، وبرز نمط حصار يتبعه اقتحام ثم سيناريوهات معدة للانتهاكات، مع تقارير أممية وإعلامية عن مجازر واسعة وهو ما سيحدث حال استمرت الحرب، وهي بذلك تجاوزت اختبار رفع الأعلام في العاصمة وبورتسودان، ودخلت اختبار القدرة على تفكيك المجتمع والاقتصاد في الأطراف.

طبيعة العنف شهدت تصعيدًا نوعيًا، والمدنيون أصبحوا هدفًا مبرمجًا ضمن هندسة الحرب: حصار غذائي، استهداف مرافق علاج، اقتحام مخيمات نزوح، وانتقام جماعي وقصف تحت مسمى "إبادة الحواضن"، هذا النمط الموثق في تقارير دولية، يخلق دوائر ثأر طويلة الأمد، ويعقّد أي تسوية محتملة، لأن المجتمعات المتضررة ستطالب بضمانات عدالة وأمن قبل القبول بأي اتفاق سياسي.

في المسار السياسي التفاوضي، انتقل النقاش من ترتيبات وقف إطلاق النار إلى أسئلة أعمق تتعلق بشكل الدولة نفسها، ومن يدير الموارد، من يحتكر القوة في الأقاليم، من يعيد بناء المؤسسة العسكرية، ومن يوفر حماية حقيقية للمدنيين، وهذا التحول كشف مأزقًا واضحًا: أي تسوية سطحية توقف النار مؤقتًا تعيد إنتاج العنف، والمسار المطلوب يحتاج بنية ضامنة تشمل رقابة فعالة، عقوبات رادعة، مسار عدالة واضح، وترتيبات أمنية قابلة للتطبيق.

في ضوء الحراك الدبلوماسي الذي تقوده واشنطن والرياض مع مطلع عام 2026م، تظهر رغبة في كسر الجمود عبر هدنة إنسانية تمهّد لوقف نار أوسع، وهذا المسعى يمتلك نقاط قوة واضحة، أبرزها أدوات الضغط المالية والسياسية، حيث تمتلك واشنطن منظومة عقوبات فعالة، وتملك الرياض شبكة تأثير إقليمي وعلاقات مع أطراف متعددة، والتركيز على البعد الإنساني يفتح مدخلًا أقل حساسية من التسوية السياسية الشاملة، ويوفر خطوة أولى قابلة للقياس، كما يتيح توحيد رسائل الشركاء إذا أُدير التنسيق بعناية.

في المقابل توجد نقاط ضعف قد تقوض هذا المسار، فاقتصاد الحرب أصبح أقوى من خطاب السلام، وشبكات الربح من النزاع ستقاوم أي وقف ثابت، وداخل معسكر الجيش تتعدد مراكز القرار، ويبرز دور الإسلامويين الموالين بوصفهم عامل تعطيل مباشر، إذ يرون في أي مسار يقود إلى انتقال مدني تهديدًا وجوديًا، وأدواتهم في التعطيل تشمل ضخ خطاب تعبئة يصور التفاوض كاستسلام، استخدام واجهات اجتماعية وميليشياوية لتوسيع رقعة القتال باسم الدفاع عن الدولة، وإعاقة أي نقاش حول إعادة هيكلة الجيش أو العدالة، وارتكاب فظائع في مجتمعات محايدة لإقحامها في الصراع وتنظيم انتهاكات تنسب للدعم السريع، ووجودهم داخل المفاصل الاستخباراتية والأمنية يجعل أي اتفاق من دون قيود صارمة على نفوذهم معرضًا للنسف من الداخل عبر افتعال حوادث أمنية، أو حملات تخوين، أو مناورات ميدانية تعيد الاشتعال، إلى جانب ذلك، تبقى مسألة الضمانات حاسمة، فهدنة تخلو من آلية مراقبة وعقوبات فورية تتحول إلى إعلان نوايا بلا أثر.

خلال عام 2026م تبرز ثلاثة سيناريوهات مرجحة: الأول يتمثل في هدنة إنسانية قابلة للتمديد، تبدأ بتثبيت مسارات الإغاثة وترتيبات مراقبة ثم حوار سياسي أوسع، ويتطلب نجاحه ضغطًا صارمًا على خطوط التسليح والتمويل وعقوبات واضحة على المعرقلين، والثاني يقوم على تهدئة قصيرة يعقبها تصعيد أعنف، وهو سيناريو محتمل إذا جرى التعامل مع الإسلاميين الموالين للجيش كعامل ثانوي رغم كونهم محركًا رئيسيًا لإدامة الحرب، والثالث يقوم على تسويات مجزأة في بعض الجبهات مع استمرار نار منخفضة في أخرى، ما يطيل عمر التشظي ويحوّل السودان إلى خارطة نفوذ متقطعة ربما تفتح الباب على مصراعيه للتدخل الدولي بموجب الفصل السابع أو دخول دول بصورة منفصلة تحت دعاوي محاربة الإ رهاب.

لذلك فإن رفع فرص النجاح لأي مبادرة يقتضي تسمية المعرقلين علنًا، بما يشمل شبكات الإسلاميين الموالين للجيش، وربط ذلك بعقوبات شخصية وتجفيف موارد، كما يتطلب حماية مسار مدني حقيقي يضم القوى المدنية والمجتمعات المتضررة، وإنشاء آلية مراقبة دولية أو إقليمية للهدنة وفتح ممرات الإغاثة مع تقارير علنية منتظمة، إلى جانب خارطة طريق واضحة لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أساس قومي مهني خارج قبضة الحزب وميليشياته المتطرفة والاقتصاد الموازي.