الثلاثاء، 14 ديسمبر 2021

انقلابيي السودان والبحث عن الشرعية عبر ورق التوت قبل أيام من السقوط



عروة الصادق


تتواصل الجهود الإنقلابية لشرعنة إنقلاب 25 أكتوبر عبر البحث عن وثائق هجين وأخرى معدلة وأخيرة مشتراة، ويطلق عليها الإعلان السياسي أو الميثاق أو ما إلى ذلك، وتصرف لأجل ذلك أموال ورشا سياسية متنافية مع الإرث السياسي الأخلاقي ومتماهية مع تركة النظام الإخواني المباد.


في التوازي مع الجهد السياسي الذي يبذله عسكر الإنقلاب وممالئيهم من السدنة من ساسة ومستشارين وخبراء استراتيجيين وأمنيين، تتوالي الاتصالات الصهيومحورية مع دولة الاحتلال وأجهزتها الاستخباراتية والتواصل مع دول التي وعدت قادة الانقلاب بتوفير مطلوباته الآنية والمستقبلية ولكن عقب الصد الجريء والجاد والتصدي السلمي المندفع للإنقلاب تراجعت تلك الدول عن دعم الإنقلاب إلا على استحياء من البعض.


مثلت عقبة تجاوز الانتهاكات الإنسانية وإهدار الحريات العامة إبان أيام الإنقلاب أكبر عائق أمام تجاوز آثار الانتقلاب السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، فالتردي الاقتصادي وملامح موازنة العام 2022م غير واضحة المعالم وستتأثر بصورة كبيرة لما يرجى تلافيه من قصور في توفير تمويل وافي لحصاد الموسم المطري وكذلك توفير مدخلات الموسم الشتوي، فضلا عن التأثر بما نجم عن إيقاف العديد من أيادي الدعم الإقليمي والدولي وكذلك عمل الانقلاب على تفتيت البنية السياسية واجتهد بصورة حثيثة على دق أسافين الشقاق بينها وصلت حد الخصومة السياسية وصار بعض مناضلي الأمس سدنة وموظفين تحت إمرة الجترال الإنقلابي.


وتراجع الوضع الأمني لحالة أقرب منها لما كان عليه الحال في 2003 خصوصا في دارفور ومحاولة إفراغ عدد من المناطق باختلاق معارك ضارية راح ضحيتها عدد من أبناء السودان بصورة مزعجة ومقلقة لكل ذوي ضمير إنساني حي، يجتهد هؤلاء لإخلاء مناطق برمتها من السكان بإجبارهم على النزوح واللجوء، وتمهيدا لوضع أيادي مخابراتية وشركات رمادية للاستيلاء على موارد الإقليم والسودان، وكذا الحال في شرق السودان الذي يتم التمهيد لفصله عبر خطوات مدروسة وملموسة وتم التمهيد لذلك بوضع أجندة إنفصالية مغروسة في سقف مطلوبات الجماعات الاحتجاجية فيه.


عمد الانقلابيون منذ يومهم الأول إبان المجلس العسكري لاستخدام كرت التطبيع لتجاوز الحواجز الدولية خاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، وللأسف لا زالوا يظنون أن هذا السبيل هو المفتاح لنجاتهم من شرور يمكن أن تحيط بهم وملاحقات تلوح بوارقها، وفي ذلك سكبوا مدادا معلوماتيا ومددا عسكريا وتمديدا لحبال الوهم بأن السودان حكومة وشعبا سيركن لتلك الخطوات التطبيعية التركيعية التقطيعية.


وما يؤسف له أن الانقلابيين استخدموا خطط قديمة من أضابير أجهزة الأمن والمخابرات بعضها استخدم لعقود مضت وأخرى استخدمها  المشير المخلوع في أواخر أيامه قبل وعند السقوط، بل واستعان بذات مستشاري المخلوع الأمنيين والعسكريين ومن يسمون بالاستراتيجيين وسخر لهم موارد البلاد ليمدوه بخطط أوردته لحتفه بظلفه، ومثل تبادل الزيارات بين وفود إسرائلية للخرطوم وسودانية لتل أبيب أبهى تجليات البحث عن ترسيخ للنظام الإنقلابي حتى قبل الإعلان في 25 أكتوبر وتواصلت إلى ما بعده.


ستظل الإرادة الغالبة هي نداءات ومطلوبات الشارع السوداني الذي وضع النقاط فوق الحروف وبذل التضحيات الكبيرة لذلك، وقطعا سيرغم هذا الشارع أولئك الانقلابيين للتراجع عن إجراءاتهم وسينهي فصول آخر انقلاب في تاريخ السودان بإذن الله.


أختم بالقول: أن هذا يوجب استعداد قوى الثورة للترتيب لما بعد إنهاء فصول الانقلاب وضرورة إنجاز الآتي:

‌أ) ملف دسترة الدولة وإنجاز المؤتمر الدستوري وصياغة مسودة الدستور والمؤسسات الدستورية.

‌ب) استعادة مسار الاصلاحات الاقتصادية وما يصحبه من دعم اجتماعي للمتأثرين بجراحة وزارة المالية والمضي قدما في توفير التمويل الكافي للقطاعات المنتجة والصناعية في القطاعين الحكومي والخاص.

‌ج) إكمال ملف السلام وضرورة بذل الجهود الحثيثة للتواصل مع قيادة الحركتين الشعبية وجيش تحرير السودان.

‌د) ملف العدالة (إجرائيا) و(جنائيا) والتمهيد لذلك بتهيئة المؤسسات المعنية بهذا الملف (النيابة – القضاء)، ويلحق بذلك ملف العدالة الانتقالية الذي لا بد من الاسراع بوضع قانونه وتكوين مفوضيته.


‌ه) ملف الانتخابات والذي يتخذه الانقلابيون فزاعة للقوى السياسية، ويقيني أن كافة القوى السياسية السودانية بمختلف مشاربها تتطلع جلها لترسيخ النظام الديمقراطي عبر انتخابات حرة نزيهة تعقب نهاية الفترة الانتقالية ولكن للوصول لتلك الانتخابات علينا وضع الاستحقاقات الانتخابية نصب أعيننا وهي واجب إن لم ننجزه لن نصل للانتخابات وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وتلك الاستحقاقات هي:

1. صياغة قانون مفوضية الانتخابات والتي تضطلع بوضع مشروع قانون الانتخابات وأن يكون هذا القانون مقروءا مع القوانيين السودانية وتأثيرها على نزاهة وحرية الانتخابات الانتخابات.(قوانين القوات النظامية كالدعم السريع والشرطة وجهاز المخابرات العامة- القانون الجنائي - قانون المعلوماتية- قانون الصحافة المطبوعات – قانون النشر الالكتروني- قانون تسجيل الأحزاب قانون الطواريء.

2. إًصلاح المؤسسات العدلية والنظامية للاضطلاع بدورها في العملية انتخابية.

3. استكمال مطلبوات الاستقرار السياسي المنشود المبين بعضها أعلاه والتي تمثل اجندة منفيستو التغيير القادم.

4. استكمال تفكيك التمكين وتلافي تأثير سدنة وفلول الحزب الواحد على العملية الانتخابية.

5. ترسيخ حرية الإعلام وتوفير المناخ المناسب لذلك.

6. ضمان تمويل الانتخابات بالصورة التي تمكن من استيعاب كافة خارطة الوطن ترسيما وحصرا للناخبين في كافة بقاعه. 

7. تهيئة مؤسسات الإحصاء السكاني كالسجل القومي والبطاقة القومية وإمكنية التصويت الرقمي والدعاية الالكترونية لاستيعاب مرشحي وناخبي المهجر السوداني في دول العالم.

8. الدعم الفني والتدريب من الجهات المهتمة دوليا وإقليميا ومحليا وضرورة أن ينال شباب لجان المقاومة والتغيير والخدمات النصيب الأوفر ليكونوا ضمن طواقم العملية الانتخابية.  

9. قراءة تجربتي 2010- 2015م مقارنة بانتخابات 1965- 1986م.

10. كما ينبغي تحديد النظام الانتخابي المطلوب والذي يضمن تمثيل كافة التكوينات الاجتماعية والسياسية وتجاوز حصر الفوز للكيانات الكبيرة وتمثيل الأقليات.

الثلاثاء، 1 ديسمبر 2015

"المهدي" اسم له استحقاقات لا يستطيعها مبارك الفاضل

"المهدي" اسم له استحقاقات لا يستطيعها مبارك الفاضل
11-29-2015 06:02 PM


سعدت جموع أنصار الله وأعضاء حزب الأمة القومي يوم أن أعلن مبارك الفاضل عن مؤتمره الصحفي، فقد ظن بعضهم أن الرجل يريد أن يمد يده ليدفع مسيرة الكيان والسودان للسير في طريق الخلاص الذي خطه ورسم معالمه الإمام الصادق المهدي، ولكن أتت الرياح بما لا تشتهيه سفن الأنصار التي تمخر عباب الاستبداد منذ ربع قرن، إذ كانت أهواء مبارك أشد من آمال الأنصار وأهل السودان، وحينها استيقنوا وازدادوا إيمانا أن وعد الله حق: "ومن أضل ممن اتبع هواه".
حينها ازداد فرح الأنصار وجموع حزب الأمة لما علموا أن الرجل غادرهم إلا أنه اختار سيناريوهات مكرورة ومشاهد محضورة، نعم ازداد فرحهم لأنهم موعودون من الله: " إن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا"، ومن صاحب الاسم والدولة والدعوة مهدي الأنام الذي قال: "المزايا في طي البلايا"، وأي رزية أو بلية أشد من أن يؤتى إمام الأنصار من ابن عم له يحمل اسم صاحب الدعوة المؤسس ويجري في شرايينه دمه ولكن لنا الأمين والمأمون والهادي والمهدي في الصدر الأول عبرة وذكرى.
أشد الضرابات إيلاما تلك التي تأتي من الخلف وأشدها على الإطلاق التي تأتيك من ذوي القربى وقد قال الحكيم:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على النفس من وقع الحسام المهند

بالأمس القريب وبعد طول فترة التيه التي استطالت بمبارك الفاضل بين التبضع والإتجار والاستثمار والنوم السياسي العميق عبأ الرجل كنانته متجها صوب المحفل المنصوب في بيت والده السيد عبد الله الفاضل المهدي، ليستخرج من كنانته كل السهام المدخرة لا لتسديدها في صدور أعداء الكيان والسودان، بل ليسددها في ضربات متتالية في ظهر ابن عمه الإمام الصادق وابنة اخيه مريم المنصورة وجموع أنصار الله، إذ تعمد أن تكون تلك السهام المسمومة معلومة الهدف والمصير.
هذا المحفل غاب عنه شركاء مبارك الأول وبعض أذرعه التي حاول بها تعكير صفو الأنصار وحزب الأمة القومي فلم يحضر الشباب والكوادر بل قال قائلهم:" سيد مبارك حتى بعد أن قرر اتخاذ خطوتة أصر علی الذهاب فيها منفردا لم يتمهل حتى لاستصحاب حلفائه داخل الحزب معه من خلال حوار عميق حولها فهو اتخذ موقفه الجديد كخيار نهائي وهو يتكیء فقط على كوادره في الإصلاح وضع شركائه أمام خيار الالتحاق به أو البقاء في ماهم عليه".
ود. إبراهيم الأمين الأمين العام السابق للحزب لم يتردد في وصف مبارك بالدكتاتور، فقابله مبارك بالتهكم والسخرية على الهواء مباشرة لدى مشاركته في برامج إحدى القنوات الفضائية.
كل ذلك ليس غريبا على رجل أدمن التفريق والتمزيق فرق جموع الأنصار التي قابلته لدى عودته في تفلحون بقلوب ملؤها المحبة والتفاؤل، ففرغ كل كنانته في صدورهم صافعا إياهم على وجوههم حينما خرج ومعه نفر من قادة الحزب إلا أنه حينما عاد عاد لوحده لأن كل الذين خرجوا معه أسسوا أحزابا تسمت بالأمة فكان هو أول من أنشأ ظاهرة الأمبيبيا السياسية.
ستة أشهر فقط هي التي قضاها في القصر الجمهوري قبل أن يطرده النظام البائس شر طردة لم يسبق لها مثيلا، فسار في رحلة تيه طويلة انتهت بحل الحزب الذي نقص أربعة أخماس عضويته التي انشقت على حزب الأمة القومي وعاد ممارسا ما يمكن تسميته السياسة بالإزعاج، فكلما أراد الناس أن يبنوا بنيانا هدمه مبارك، وكلما أراد الأنصار أن يفرحوا أخزاهم وأجرى دمعهم أسى ولوعة أن يؤتوا من قبل ابن المهدي.
كما قام مبارك بتسور سياج المؤسسية بمؤتمر سوبا هاربا بحزبه الأمبيبي، عاد مرة أخرى في مؤتمره هارفا بضح الكلام وضحيحه لينال من حزب الأمة القومي ومؤسساته، ملقيا حديثا متناقضا ومباغضا ومتعارضا مع أدب وإرث الكيان الذي قال صاحبه:" الفش غبينته خرب مدينته".
لم يقل كلمة إلا وعلت وجهه نظرات التفشي والانتقام والتلذذ بالإفك البواح، فحاول النيل من الحزب وقادته بكل الوسائل قدحا وذما وانتقاصا من قادته واستخفافا بهم واستهتارا بمؤسسات كيان راسخة لم تفنها ممارسات النظام الذي خادعه مبارك ليال تباعا ثم كان الطلاق البائن الذي خلف شخصا لا يرى في الدنيا إلا نفسه، نسي أن هذه الدعوة أسست على التواضع، ومن أراد الارتفاع فيها عليه بالاتضاع.
ولكن المتكبرون المتغطرسون الذين يرون أن نهاية عمر غيرهم قد دنت، وهم لا يزالون في ريعان الشباب، هذا ما رمى إليه مبارك وهو يقول أن الصادق في العقد الثمان، وقد أوشكت أيامه أن تنقضي.
أنسي مبارك كم من وليد ** قضى نحبه بمرض عضال
وكم من عتيد أرادوا النيل ** من صادق فأصابهم الهزال
كل سلاح استخدمه مبارك في معركته التي شنها على الحزب، والغرض أن يثبت للناس أني موجود أسمع الناس جعجعتي ولكن سيقتلهم الجوع قبل أن يروا طحيني، هكذا هي الأمور تجري عند من لم يعود نفسه على البر والحلم والتجاوز والعفو، هكذا يحاول أن يستل سيفه أو قل لسانه ليتطاول على من يكبره بالعمر سنين عددا، وهنا لا أقصد الإمام طبعا، فدونكم حديثه عن اللواء فضل الله برمة ناصر، وازدراءه وتهكمه عليه، هذا الرجل أثبت أنه لا يوقر كبيرا ولا يحترم صغيرا، والتواضع من أهم صفات المهدي والمهدويين من بعده إلا أن مبارك اتخذ من الكبر ثوبا يختال به لبلوغ مرامه.
للأسف انتقاص هؤلاء أنهم لم يسدوا الفرقة هو محض افتراء فدولاب حزب الأمة القومي لم يتوقف عن الحركة وأنشطته لم تنقطع إلا أن الذي اغشته غشاوة الغرض لا يرى في الحسن حسنا ولم يتأدب بأدب النبي عليه الصلاة والسلام والمهدي الذي يقول للمحسن أحسن، وهذا النهج ليس غريبا ولا مصطنعا من مبارك.
وإن ظن البعض أنها مناورة لمصلحة حزب الأمة القومي وإن كانت كذلك فقد أصابت سهامها ظهور الأحباب قبل صدورهم ونالت منهم مالم تنله نيران النظام، فالحملة التي تنظم البلاد من مطرودي النظام د. نافع، ود. الحاج آدم، وغيرهم من أبواق النظام قدحا ونيلا من حزب الأمة وقيادته ممثلة في الإمام الصادق المهدي قد وجدت سندا وعضدا من مبارك ليوري لهم نارهم التي لن تصلي إلا موقديها حرقا وخرقا.
أن يكون مبارك براغماتيا ليس عيبا كون السياسة تقوم عنده على المصالح، وعندنا تقوم على الأخلاق كما علمنا الإمام الصادق إلا أن الفجيعة نبعت من تجاوزه للبراغماتية للانتهازية التي تسخر كل الممكن لاكتساب الجديد ولو على حساب الأخلاق والإرث المهدوي، فلم يتورع الرجل من الزج بأسم الإمام الأعظم وبيته في المساومة التاريخية التي كون لها هيئة شعبية للم الشمل، فلإضفاء القداسة التي حاول فصلها عن الإمام الذي استحقها عن عطاء وابتلاء، فجعل مبارك من بيت المهدي وتاريخ التحرير الأول وقبلها جعل من يوم الاستشهاد الأكبر في أم دبيكرات يوما لينسل علينا بسهامه المسمومة، فلم يراع في كلا الحالين خصوصية الاسم والمكان والتاريخ، والسؤال لمبارك الذي ينادي بالفصل بين ماهو ديني وبين ما هو سياسي لماذا جعل من البيت الديني منصة لحراكه القادم، وهو يعلم أن البيت ظل حبيسا لأكثر من عقدين من الزمان تمنع السلطات أنصار الله من دخوله وتنظيم أنشطتهم فيه.
كنت أرجو أن يواصل غطرسته وعجرفته حتى في وجه النظام ولكنه تنازل عن كل ذلك حينما تحدث عن الحوار والحكومة الانتقالية وعدم جدواها بل صوب تلك العنجهية نحو حلفاء الأمس ورفاق النضال بأن الحركة الشعبية "ما عاجباني"، و"الجبهة الثورية ما عاجباني"، و"وحزب الأمة ما عاجبني"، فما الذي يعجب المهدي غير تلك الكراسي الوثير التي أعدت لجلوسه في قاعات الحوار المغلقة، وحينما شعر ببعض حرج خشية أن يخسر كل الحلفاء، زين حديثه ببعض تملق وتزلف أن له اتصالات مع الحركات المسلحة، والمعارضون في الخارج أفرادا ومؤسسات.
نعم أن يخسر التاجر ماله في التجارة وارد بمبدأ الربح والخسارة، أما أن يخسر تاريخه وأهله ووطنه فهذه آسفة الأثافي، فخسارة أموال الجنوب التي أقر بها مبارك لا تبرر بيع المبادئ والحلفاء والأهل والتاريخ بثمن بخس، لكن ليبين لنا الرجل أن المهدي وإرثه له استحقاقات لا يستطيعها إلا العالمون والذين تعففواعن المناصب والمكاسب أمدا بعيدا ولم يقبلوها إلا مضطرين ومستجيبين لنداء الأمة التي حملتهم عبء الأمانة.
ونسأله كيف للحرب أن تنتهي وتجارها يوقدون نارها صباح مساء في الخرطوم؟ أولا يعلم مبارك كم عدد الذين لم يستطيعوا زراعة أرضهم هذا العام جراء الحرب والقصف الحكومي، أم أنه لم يسمع بمعارك القبائل في دارفور التي غذتها الحكومة بالسلاح والعربات؟ عجيب أمر هذا الرجل الذي ظل يتودد للرئيس البشير بأن يقبل على المؤتمر التحضيري، وما ذاك المؤتمر إلا لإيقاف الحرب، أم تراه يراه حفلا تنكريا؟!!
كل هذه الفرفرة لن توجد لمبارك مكانا آخر في كيان الأنصار وحزب الأمة القومي، بل لن ترفع أسهمه عند حكومة المؤتمر الوطني، ولن توجد له مجلسا وسط المجتمع الدولي، فهو يكاد يتميز من الغيظ حينما يرى الإمام الصادق المهدي يرسم ملامح المخرج المأمون للوطن ويجمع شمل أمة السودان من حملة سلاح ومعارضين ومنظمات مجتمع مدني في الداخل والخارج، لأنه ببساطة لا يعجبه أن يجتمع أهل السودان، ولا يعجبه أن يرى أنداده في الحركات المسلحة والقوى المعارضة يلتفون حول الإمام الصادق المهدي ويقدموه لينوب عنهم أمام الوساطة الإفريقية، ببساطة الرجل لم يجد له موطئ قدم وسط قوى المستقبل الوطني، فأنصحه بالإسراع إلى قاعة الصداقة عسى يجعلوا منه ثامن السبعتين، وليختر ليكون ثامن أي سبعة من السبعتين فلن يزيد هؤلاء الوطن إلا شقاء وعنتا ورهقا، بسبعتيهم وإن كان ثامنهم مباركهم.
وعن ادعاء الالتقاء بالأمريكان والأوروبيين وغيرهم من الوسطاء فهذا لا يعني أن لك وزنا فهؤلاء يتعاملون مع من شابهكم كمصادر معلوماتية وعملاء لاستقصاء الوضع الداخلي ليس إلا، ولكنهم يعلمون من هو الذي يستطيع أن يفتح الباب ويسده ويرسم ملامح مستقبل الوطن، بل يوقنون تماما أن ما خطه الإمام الصادق المهدي ورفاقه من رؤى لا يوجد سواه مخرج للوطن، وأدل على ذلك ما قال به مجلس السلم والأمن الإفريقي الذي لو اطلع عليه مبارك لوجد أنه لم يبارح حرفا مقدما من السيد الإمام إلا قال به ولم يبارح كلمة إلا ضمنها في تقريره وقراره، وستثبت الأيام للشانئين أن المؤمن الحق هو من يرى بنور الله "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله".
ظل مبارك سنين عددا خارج البلاد لم يطلب منه أحد أن يبرر بقاءه بالخارج والكل كان يعلم أن للرجل هموما تجارية وعقارية واستثمارية تأرجحت بين الربح والخسران، فما باله يطالب المهدي الذي لم يخرج من وطنه إلا حاملا إياه في حناياه، لم يكلف مبارك نفسه بكتابة اسم الإمام الصادق المهدي في محرك البحث جوجل لينظر أن هنالك قيمة لخروج الإمام الصادق أم لا؟ لأنه ببساطة لا يرى في الدنيا إلا ذاته المتجلببة بالطغيان، عليه أن يجيب على نفسه العنيدة هل أنجز الإمام ببقائه في الخارج مهاما يشكر عليها أم لا؟ حينها نقول له قل ما تشاء.
صدق أو لا تصدق المحامد التي اكتسبها الوطن بخروج الإمام من البلاد لم تكن لولا ذلكم الخروج، بالله عليكم هل غاب الإمام الصادق يوما من الأيام من صحف الخرطوم وبيوتهم إما كاتبا مقالا أو ناشرا حوارا أو مشاهدا في قناة من القنوات أو معزيا أو مهنئا في فرح؟ هذا الرجل سيذكر حتى وإن قدر الله قدره وجرت عليه سنة الأولين، ولن يذكر إلا بالخير فكل الذين أثاروا الأباطيل في حقه عادوا واعتذروا وانتهوا عن قولهم الزور، أرجو أن تسارع وتحذو حذوهم.
الاغتيال المادي حاوله كثيرون في حق الإمام الصادق، بالسم والغدر والإعدام ولكن خاب سعيهم وانقلبوا إلى أهلهم ورؤسائهم خاسرين، حتى الحملات التي انتظمت إعلاميا للنيل منه واغتياله لم تنل منه، والسيد مبارك يعلم كيف كان أحدهم يمنع المهدي من الأكل والشراب، ويأمر بقفل كل منفذ يأتي له بماء ومنع كل شخص يأتيه بطعام أو ماء أو دواء، ولكن المهدي كان الله يكلؤه بالرعاية والعناية وعين الله تحرسه من كيد الكائدين، وكل هؤلاء الذين أرادوا قتله ماتوا قبله، ومبارك يعرفهم كما يعرف أبناءه، لم لم يتعظ قبل الاقدام على هذه الخطوة الحارقة، أم أن الصفح والعفو جعل منه مجترئا ومجترحا ومجرحا؟
ولو أراد مبارك أن يحشد ألفا لتأييده أخبره بأنه سيجد ألف ألف يقولون له أننا بايعنا هذا الإمام على السمع والطاعة المبصرة ومستعدون لتلبية ندائه متى وكيف وأينما أراد، فهو الذي انتخبه الأنصار، نعم!! انتخبه الأنصار في مؤتمر صحيح مشهود من الله قبل الناس، لأنهم وجدوا فيه علو الهمة ووفاء الذمة ووفرة الإمان، وجدوا فيه المتقلد بقلائد الدين والذي مالت إليه قلوب المؤمنين، وجدوه الأكثر بلاء وابتلاء فاعانوه واصطفوا خلفه وإن دعا داع الفداء سيتقدمونه في الصفوف ذودا عنها ولو على جماجمهم ودمائهم، فليخبرنا مبارك عن أي ألف يتحدث؟.
أخيرا المهدي لم يخدع الأسماك في البحر ومبارك يخادع رفاقه وزملاءه الذين وقعوا معه على ميثاق التغيير والوحدة ومضى يخط طريقا جديدا لنفسه ولبقية مما ترك له الفرقاء من الإصلاحيين الذين تفرقوا أيدي سبأ، فهو لم يشركهم ولم يشر عليهم بعزمه خوض معركة كلامية ضد الإمام الصادق المهدي، كما أنه لم يتفق معهم على تكوين هيئة شعبية تعقد مؤتمرها في يناير من العام 2016، ولم يلتزم بما تواثقوا عليه، لذلك إن اسم المهدي اسم عظيم الدلائل والصفات وله استحقاقات لا زالت عصية على مبارك، بل هو يسعى لتجريفها تجريفا مقيتها ويسئ لمن أوصل اسم المهدي إلى أركان الدنيا الأربع وأسمع به من في السماء قبل الأرض.
عروة الصادق

orwaalsadig@hotmail.com