السبت، 1 يناير 2022

الصادق لم ولن يخن

الصادق لم ولن يخن
عروة الصادق
٦ يوليو ٢٠١٦م
جرد كثير من أبناء وبنات السودان أقلامهم لتثبيط همة السودانيين وقتل آمالهم في الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي الذي دعا للقاء جامع بمسجد خليفة المهدي عليهما السلام يخاطبه مساء السبت الموافق 29/6 بأم درمان العاصمة التاريخية، هذه الأقلام بعضها مدفوع من قراءات قديمة بأن نظام الإنقاذ فعل بجماهير كيان الأنصار الأفاعيل وليس بمقدور الإمام الصادق جمعهم من جديد والبعض الآخر إما مدفوع ثمنه ليشن حملة شعواء شملت أغلب صحف الخرطوم فيها من الصحفيين الشباب الذين كتبوا تحقيقات وتحليلات في صفحات الصحف عبارة عن نقل لما في الأسافير وتزويقه بما يتماشى مع حملتهم التشويهية لسيرة الرجل ومسيرته أو تجد آخرين دفعتهم الغيرة والحسد من داخل الحزب ليسرب لبعض هؤلاء الصحفيين أشواقه بأن يكون مبتغاه السائد الأعم على صفحات الصحف وعناوينها الرئيسة.
أفلحت هيئة شئون الأنصار للدعوة والإرشاد وقياداتها في التعبئة والحشد والتنظيم وبرهنت أنها الكيان الديني والوطني الأول بامتياز، والذي لا محالة هو صاحب الرصيد الشعبي والفكري والملبي لأشواق وتطلعات بني السودان.
وهذا الفلاح تجلى في التطواف الذي انتظم كل أرجاء البلاد والذي دلت عليه جموع الأنصار الذين وفدوا للقاء من كل بقاع السودان، ولا يستطيع أي إنسان إنكار هذا الدور المتعاظم والذي له ما بعده من خير على البلاد والعباد.
لم تصدق توقعات المتوهمين بأن يكون حضور الأنصار في ساحة مسجد خليفة المهدي كما زعموا قليلا لا يلبي تطلعات الإمام ولا يمثل بعبعا للنظام، كما خاب رهان الذين يريدون تكسير "مجاديف" الإمام الصادق المهدي الروحية والوطنية، وهم كثر من داخل الحزب وخارجه.
كانت التوقعات متفاوتة بين متفائل ومتشائم ومحفز للتشاؤم ومحرض عليه، بحيث كانت الجموع المتوافدة تمثل الأنصارية الحقة التي تثق في إمام الكيان وحكمته ودرايته ببواطن الأمور وظواهرها، والمتشائمون كانوا يظنون ألا يأت الخطاب المرتقب بجديد يذكر وأن يكون الحديث مكرورا لا يلبي الأشواق وهؤلاء أثرت فيهم الدعاية المسبقة المضادة لفكرة اللقاء في صحف الخرطوم ومواقعها الإسفيرية، أما الذين كانو يحرضون على التشاؤم فقد رسموا خطة محكمة لإنهاء ما يسمونه الكارزما "المتوهمة" وإخراج الإمام من ساحة المسجد "المولد" بلا "حمص"، وذلك بدفع أصوات قوية لمقاطعة الإمام وإخراصه والسير بالجماهير الهادرة حيث يريدون ورسم صورة شائهة فيها انقطاع للحبل الواصل بين القيادة والجماهير ونسي هؤلاء أن هذا الحبل هو حبل من الله وبيعة أمام الله ورسوله لا يمكن أن يقطع وصالها أي شخص كائنا من كان حتى وإن كان من بطن مكة.
كان مشهد انتظام الأنصار وتوافدهم لمسجد خليفة المهدي عظيما يسر الناظرين ويزيد حنق الحاقدين الحاسدين، رغم اكتظاظ القوى الأمنية والشرطية والنظامية الأخرى حول المسجد دخل الأنصار ساحتهم مرفوعي الرؤوس شم الأنوف في ارتقاب حديث ظل متكتما عليه غاية التكتم وهذا ما رفع سقف التوقعات والتكهنات إذ أن السرية التي أحاطت بالخطاب جعلت الشوق أكبر والرغبة في معرفة فحواه أعظم من أي رغبة سابقة في سماع خطاب الإمام الصادق المهدي وهذا كان محفزا لكثير من السودانيين من العامة وقادة المجتمع وقادة الرأي حريصين على الحضور بأنفسهم لسماع حديث الإمام أذكر منهم على سبيل المثال الأستاذ عثمان ميرغني، وهنالك من أتت بهم أرجلهم بجوار المسجد فدخلوه من باب حب المعرفة.
لم يطل الانتظار حتى حل رحل الإمام الصادق المهدي بساحة المسجد الذي قدر عدد الحاضرين فيه بـ50 إلى 60 ألف نفس غير عشرات المئات من الشرطة بكل وحداتها ودورياتها المختلفة والمدسوسين من رجال الأمن وسط الحضور لبس بعضهم الزي الأنصاري (على الله) وغيرهم من الجالسين في عرباتهم خارج المسجد.
فور دخول الإمام إلى المسجد اعتلى المنصة المخصصة للخطاب وظل مطأطئا رأسه كعادته مصغيا لحديث العلامة آدم أحمد يوسف نائب الأمين العام لهيئة شئون الأنصار الذي اقتضب كلمته وقدم الإمام الصادق المهدي الذي قابلته جموع الأنصار والشعب السوداني بترحاب قل أن يجده زعيم ديني أو سياسي، والمدهش في الأمر أن هذه الجموع اقتطعت من زاد أبنائها و"دم قلبها" للحضور لساحة مسجد خليفة المهدي من كل حدب وصوب.
للقارئ أن يتخيل انتظام حشد كهذا دون أن يكون له تمويل بزخي أو بنود صرف عشوائية كما تفعل كثير من الأنظمة في منطقتنا العربية والإفريقية لحشد الولاء للقادة.
مع تعالي أصوات الجماهير بالهتاف والتكبير والتحميد بدأت كلمة الإمام التي نشر فحواها الأصلي والتتمات المرتجلة في المنصة في كل المواقع الإسفيرية والصحف السيارة بالخرطوم بل حتى صحف العالم التي صدرت صباح اليوم التالي للاحتفال.
الخيانة هي المتلازمة التي حلت بالجسم الوطني والديني والسياسي السوداني بل أمتنا الأفريقية والعربية، إذ ظل كثير من الناس يصمون خصومهم السياسيين أو غرماءهم الدينيين بالخيانة، والتخوين في بلادنا السودان ظل مرعيا من الدولة وممأسسا وممنهجا ومرئيا من العامة التي في الغالب تؤثر الصمت والمشاهدة إلى حين، غير أن الإمام الصادق المهدي ظل ينجو من كل محاولات التخوين والقذف بعناية فائقة فقد رسم له الكثيرين صورة الممسك للعصا من النصف واللاهث خلف مصالحة الشخصية والمضيع للحقوق الوطنية وردد كثير منهم تلك الأقاويل على شاشات التلفاز أو ميكرفونات الإذاعة أو خطها في صفحات الصحف دامغين سماحته بأقزع أنواع السباب التي حتى وإن تبرأ منها ظلت نفسه مجروحة تتألم من ظلم ذوي القربى وقديما قيل:-
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على النفس من وقع الحسام المهند
وقد ظلم الرجل كثيرا ولم ينتصر لظلمه وقد كفل له الله تعالى الانتصار بقوله تعالى:( وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ( ولكنه ظل ممتنعا عن الانتصار لنفسه ومانعا أحبابه أنصار الله من الانتصار له وهم على ذلك قادرون، لأن الصبر على الظلم من عزم الأمور كما قال رب العزة والجلال في كتابه المسطور:(وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ).
وبمتابعتي لخطابات الإمام الصادق المهدي أجد أنه لا يستخدم كلمة "نداء" إلا لعظائم الأمور، منذ نداء الوطن ونداءات العصر للمهتدين والإيمانيين والعصريين، ولعظمة هذا اللقاء وأهمية هذا الخطاب الذي كان في  يوم عرس السودان كما أطلق عليه، أطلق المهدي اثنى عشر نداء :-
1.      نداء  للأنصار من المرجح الاستجابة له بل تمت الاستجابة الجزئية له بما شهدته ساحة مسجد الإمام عبد الرحمن المهدي في أول جمعة عقب الخطاب المهم والتي امتلأت بجموع الشباب والطلاب والنساء من المؤيدين لخطاب المهدي والسير في مسيرة تحقيق تذكرة التحرير.
2.     نداء لجماهير حزب الأمة تم إعداد العدة للاستجابة له ولتنزيله لأرض الواقع بما تقوم به رئيسة المكتب السياسي الأستاذة سارة نقد الله في جمع الآراء في كنانتها لترمي بها في مسيرة الخلاص الوطني وفقها الله.
3.     نداء للمؤتمر الوطني والذي بدوره يصر على نهج البصيرة "أم حمد" وقد لا يستوعب قادته الخطاب لأنهم لا زالوا في غيهم يعمهون.
4.     ونداء للجبهة الثورية التي استبق بعض قادتها خطاب الإمام بالرفض القاطع وآخرين بالقبول الحذر لفحوى الخطاب ولكن يبقى خيار التغيير السلمي هو ما يطالب به العقلاء حتى داخل الجبهة الثورية.
5.     نداء لدولتي السودان كانت الاستجابة له أسرع مما كان متوقعا ففور زيارة نائب رئيس دولة جنوب السودان د.رياك مشار للسودان حط رحله ومن معه من وزراء بحديقة منزل الإمام الصادق المهدي بالملازمين استجابة لدعوة كريمة أمها قادة العمل السياسي بالبلاد وما يبشر أن الاستجابة ستكون كبيرة من دولة الجنوب الدعوة التي قدمها د. مشار للمهدي لزيارة جوبا والتي سيكون لها ما بعدها، أما دولة السودان فمن المحتمل أن تستجيب ليس لصوت العقل ولكن للضغوطات الدولية والإقليمية للاستجابة لخارطة أمبيكي واستئناف الحوار والتفاواض بين الدولتين بل من المحتمل أن تلغى طريقة التعامل بالطريقة الهوجاء التي قال بها الرئيس البشير: (يا عوض أقفل البلف) وكأن البلف هذا لحنفية في منزل سعادته.
6.     نداء للزملاء في قوى الإجماع وهو أكثر النداءات حساسية إذ حمله كثيرون أكثر مما يحتمل ولا شك أن المداخلة التي شارك بها الأستاذ محمد ضياء الدين في برنامج حتى تكتمل الصورة لها من الدلالات ما يكفي للقول بأن خطاب الإمام يتسق مع أشواق وبرامج قوى الإجماع الوطني وما يقوم به سعادة اللواء فضل الله برمة ناصر نائب رئيس الحزب من اتصال بقادة فصائل الاجماع الوطني خير دليل على أن السعي لإيصال هذا النداء واتباع القول بالعمل ولن يكتفي بالوقوف عند منصات الخطاب فقط بل سيتواصل التلاقي في دور هذه الأحزاب ومقار قادتها حتى تلتقي اللحمة الوطنية السياسية في الداخل على ما ينقذ البلاد والعباد من هذا الدرك السحيق.
7.     نداء لشعبنا العظيم، وهذا النداء سيكون في مقدوري تقييم مدى الاستجابة له في مقبل الأيام لأن أي تقييم له الآن يكون مجحفا وظالما لأن الشعب السوداني له من القدرة على التقيم وتقدير الأمور بالقدر الكافي الذي يجعله إما أن يكون فاعلا في مسيرة التغيير القادمة أو أن يختط له طريقا آخر والراجح أن عبقرية هذا الشعب ستجعل من تذكرة التحرير والتوقيع عليها أيقونة الرحيل القادم.
8.     والنداء للأهل في سودان المهجر، هنا أحيل القارئ لمناشط قادمة ستقوم بها فرعيات الأمة المهجرية والقوى السياسية بالمهجر والسودانيون قاطبة أملا في دفع مسار الخلاص حتى مبتغاه.
9.     نداء لأهلنا في مصر، ليتهم استمعوا له قبل أن يخوضوا هذا المخاض العسير الذي لا يسر إلا العدو، ومع ذلك فإرادة هذا الشعب من المؤكد ستكون هي الفيصل.
10.  نداء للرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني، يرجو كل عاقل أن يستجيب سيادته لهذا النداء لأن السودان والمنطقة ظلت محمومة بمسار سياسات طهران.
11. نداء لسوريا الشقيقة وهذا لم يلق له أحد بالا حتى الآن يرجى من القيادة الجديدة للمجلس الوطني السوري المختارة فب قطر أن تستمع له قبل النظام الذي يريد لشعبه الهلاك والدمار.
12.  نداء لأمير قطر الشيخ حمد الذي قدم للعالم درسا جديدا جعل منه قدوة حسنة يرجى الاقتداء بها، ورجاء للأمير الجديد، بحراسة مجد أبيه بحادث من المجد وهذا هو المخطط له فقطر التي ترسم لنفسها استراتيجية شابة اختار لها أميرها شابا لإكمال ما تبقى من بناء.
وما أجمل ختام النداءات بالدعاء للزعيم نيلسون مانديلا بالشفاء الذي رشحت الأخبار بأن كل وظائفة الحيوية قد تعطلت ونصح أطباء أسرته بانتزاع أجهزة التنفس الصناعي، حتى وإن انتقل مانديلا فستبقى مسيرته ملهمة لكل الشعوب والأمم بما حققه هو ورفيق دربه ديكلارك وهنا تتبين صلابة التماسك الفكري بين قادة العمل الديمقراطي وتتجلى بصورة واضحة في خطاب الإمام الصادق المهدي لأن الطريق الذي اختطه ما نديلا هو ذاته ما يقول به سماحة الإمام.
تجلت قوة الخطاب  حينما عدد الإمام الصادق ما يؤهله للخوض في ما قام به النظام ومطالبته بالرحيل معددا مثالبه وفوضاه التي عبث بها بمقدرات ومكتسبات الشعب والوطن وسيادته ووحدة أراضيه، الأنواط التي أهلته للقول بذلك لم تكن أوسمة ونياشين ممنوحة وإنما هي مستحقة منذ أمد بعيد وهي:
-      الشرعية التاريخية.
-      الشرعية الشعبية .
-      الشرعية الفكرية.
-     الشرعية الدولية.
وأضيف خامسة وهي الشرعية النضالية التي لا ينكرها إلا خفاش يأبى ظهور شمس الضحى.
وفي ثنايا الخطاب تفكيك لكل ملتبسات الأمور في الشأن الوطني والديني والحزبي أشدها وقعا في أذن السامعين والمتابعين وما افتتحت به صحف الخرطوم عناوينها في اليوم التالي عبارة "الباب يفوت جمل" ما أثار حفيظة كثير من الذين كانوا يقاطعون الإمام في حديثه بهتافات، المهم في الأمر أن الرجل ظل متمسكا بمبادئه التي ظل المتابعون لمسيرته يشهدون له بأن لم يحد عنها بل بذل كل ما في وسعه ووعد ببذل المزيد في قوله: "هذا اللقاء لن يكون الأخير، سنعمل لقاءات إن شاء الله عبر حزب الأمة في كل أقاليم السودان لكي نعزز الأجندة الوطنية، ولكي نعزز التوقيع على تذكرة التحرير، وسنفعل هذا إن شاء الله."
ختام لهذا المقال نص تذكرة التحرير التي أعتبرها ملبية لتطلعي وكثير من أبناء جيلي وسأعمل جاهدا على جمع التأييد لها والتوقيعات بكل ما أوتيت من قوة وجهد ووقت ومال وأدعو القارئ السوداني لقراءتها بحياد دون النظر لمصدرها أو من كتبها والتمعن في عباراتها التي تقول: ((النظام الذي استولى على السلطة بالانقلاب المخادع، واستمر فيها بالتمكين الاقصائي أفقر الناس، وأهدر حقوق الإنسان، ومزق البلاد وأخضعها للتدويل فاستحق أن يطالب بالرحيل، ارحل.
نحن نعمل لإقامة نظام جديد يحرر البلاد من الاستبداد والفساد ويحقق التحول الديمقراطي الكامل، والسلام العادل الشامل، وسيلتنا لتحقيق ذلك التعبئة والاعتصامات وكافة الأساليب المتاحة إلا العنف، وإلا الاستنصار بالأجنبي.
 نعاهد شعبنا على ما في تذكرة التحرير. ومن يومنا هذا نوقع على هذه التذكرة تذكرة التحرير بالملايين لتكون التعبير عن موقفنا)).

الأربعاء، 29 ديسمبر 2021

الفضل لا يموت

 *في ذكرى رحيل الأمير عبد الحميد الفضل عبد الحميد*


الفضل ﻻ يموت


ليس إنكارا لقدر الله وقضائه، فبرغم اﻻستماع يوميا لنبأ رحيل حبيب إلى النفس تظل جوانحها تنكر الموت وﻻ تذعن لحقيقته إﻻ بعد اضطراب دقات القلب وارتعاد اﻷوصال ويظل المعزي لها هو سيد الخلق صلى الله عليه وسلم بقوله: " إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وﻻ نقول إﻻ ما يرضى الله" فأردد إنا لله وإنا إليه راجعون.

نبأ وفاة اﻷمير الأب الحبيب اﻷحب عبد الحميد الفضل بقاهرة المعز لدين الله من أشد اﻷنباء وطأة على النفس، غبت عن اﻹسفير لمدة قصيرة فوجدت ما ﻻ يقل عن 500 رسالة من أحباب الفقيد في اﻷسافير يعزون بعضهم ويضمدون جرحهم ويستلهمون الصبر، ما مررت به شخصيا من اضطراب أسأل الله أﻻ يرني إياه أو لحبيب فقد شعرت بمخارز اﻷلم تفل جسدي تترا دون رحمة أو إشفاق مع أني قد استشعرت من غياب مقالته الراتبة فحر كل يوم ونهاية كل ليلة أنه ﻻ محالة ليس على ما يرام ولكن الصالحون كلهم كذلك يرحلون بهدوء ولكن الدنيا تضج من بعدهم بجليل أفكارهم وتنتفح بعبق أخبارهم وتقتفي عظيم آثارهم.

فكان رحيل عبد الحميد الفضل رحيل الصالحين الذين نظن بالله خيرا أنهم ﻻ خوف عليهم وﻻ هم يحزنون، فقد حمل لواء عقيدة التوحيد محبا لها ولرسولها ولإمامها مفنيا جل عمره خدمة لها وتأسيا بآثارها ومقتفيا درب اﻵباء.

الفقيد بواكيه كثر وأنا منهم فقد جلل رأسي بمقولة ابني وخصني بمحبة ظننت أنها لي وحدي ولكني وجدتها تحيط بي إحاطة السوار بالمعصم في أحبابي وأصدقائي وأقراني ومن ساروا مع الفقيد في مسيرته التي غلبت عليها خدمة كيان اﻷنصار وحزب اﻷمة القومي، فسالت مآقي الرجال والنساء في حزبه وكيانه وانفطرت قلوب من ينتظرونه عقب كل صﻻة فجر ليقرأوا ما نظمه من درر الكﻻم عن شهداء الوطن ومهدي اﻷنام وخليفته عليهما السﻻم.

وبفقده تبكي جموع اﻷنصار في كل بقاع السودان إذ خبر الفقيد أسماء شيوخهم وقبائلهم وأدوارهم ومواطيء أقدامهم ومراقد رؤوسهم تتبعهم.

ويفقده الشمال من أقصاه إلى أقصاه فسيبكيه النيل وأهله في لبب التي خصها بالمحبة ورومي البكري التي خصته بالاحتضان والأمومة وسيبكيه أهل الخناقي وبدين ودبلا وأرتقاشا والغدار وأمنتقو وسالي والسليم والغابة والدبة وجبرونا والقولد والبرقيق ودنقﻻ وكرمة البلد والنزل وغيرها وغيرها من مناطق علقت بوجدان الفقيد وطافها بالعمل واﻷمل.

سيفقده طﻻب نجباء درسهم في مراحل تعليم مختلفة فخلقهم بالخلق القويم واﻻستقﻻلية وبنا ذاتهم وعلمهم شق طرقهم فاعدهم لمجابهة الصعوبات وجعل منهم قادة وأئمة يهدون بالحق وبه يحكمون.

سيفقده قلم ومداد ظل يسطر مﻻحم درامية خالدة تسيل لها المآقي ويحن قراءها للتﻻقي بأولئك الخادين الذين سطر الفقيد سفرا عظيما عنهم، عجبا لشيخ سبعيني واكب تقنيات مستحدثة فجعل قلمه اﻻسفيري واصﻻ لكل الدنيا بعد أن جعل المستبدون بقوانينهم وحجرهم له بالصحف فاصﻻ، فنعاه أحبته بالأمريكتين والجزيرة العربية وإفريقيا وأوروبا وأستراليا والهند فقد ولج قلوبهم في مهاجرهم وشدهم إلى الوطن فجعل أدمع الحبيب محمد دودي تجري في أمريكا وهو يطالع مقالة الفقيد الراتبة وتخيم الحيرة على زوجه الأمريكية دهشة وحيرة من عظيم تأثر بمآثر اﻵباء الأولين، وظلت بناته في لندن وقطر وأمريكا يخاطبنه بمحبة كل صباح شكرا له لما قدمه لهن من جليل خدمة لتعريف أبنائهن المهجريين بتلك المﻻحم العظيمة فعزز اﻻنتماء للوطن والكيان والعقيدة.

سيفتقده زمﻻء كبروا أو صغروا سار معهم في مؤسسات حزبية ولجان قومية وجمعيات طوعية وشركاء في العمل فﻻ أحد منهم سيذكره بعداء أو سوء ﻷنه ما زرع إﻻ خيرا وبثمارها تعرفونها فهو لم يغرس من صلبه إﻻ الخير والعلم والهمة والتواضع في بنيه الذين زانهم الحلم والوقار، كما غرس في أبناء الروح مثلها وزاد تعلقهم به لما في منحه لهم من مشبعات روحية وتاريخية تتوق إليها النفوس وتتزود بها كخير زاد إذ أنها كلها تقوى وخير الزاد التقوى ونشهد الله أنه قابل ربه بتلك التقوى. 

ولكن كل هؤﻻء لن يفتقدوه كما سيفعل من خصهم بالصحبة وآثروه على أنفسهم بالمحبة أخوه اﻷمير  على العمدة عبد الماجد واﻷمير صديق شقدي واﻷمير طه أحمد سعد وابنه الصديق الصادق وحبيبه المﻻزم واليد اليمنى الصادق عثمان وذو النورين ياسر جﻻل وابنته رباح الصادق ومحبه محمد زكي ولبنى يوسف وكتيبة القلم وحلقة ذهبية من جمهرة لطيفة كان يختصهم بالسﻻم في ختام مقاﻻته.

لم اكتب عنك سطرا بعد يا ابن الفضل ﻷن العين مﻷى بالدمع واليد لم يفارقها ارتعاد الفجيعة، عسى الله أن يجمعنا بك تحت ظل ظليل يوم ﻻ ظل إﻻ ظله، في صحبة أبنائك من الدم الذين علمتهم الصبر على البﻻء والمشاق رغبة في دوام القرب من الله والتلذذ بجمال التﻻق وإياه في مقعد الصدق عند المليك المقتدر، وأبناء الروح يخاطبونك بالمحبة ويقولون ان الفضل الذي زرعه الفضل الكبير لن يموت بموتك يا أمير ﻷن الفضل ﻻ يموت.


عروة الصادق

شحات - البيضاء، شرقي ليبيا

28 ديسمبر 2014م