الأحد، 9 يناير 2022

محاكمة المجرمين للأشراف

محاكمة المجرمين للأشراف

لئﻻ يوضع العنوان في غير موضعه كل بني آدم مكرمون عند الله وكل المؤمنون منهم أشراف فبنوة نوح عليه السﻻم تجعل من كل ذريته أشرافا بالنسب ولكن بنوة النسب ليست كافية لنيل ذلكم الشرف، فالكل يعلم أن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي اﻷمي كما جاء في كتاب الله، بل أن تلك البنوة لم تستحقها الذراري الخبيثة إذ أن الذرية الطيبة ﻻ تنبت إﻻ طيبا لذا قيل ذرية بعضها من بعض.

لم تهلك تلك الذراري الطيبة ولم تنقطع سلسلتها النسبية ولن تنقطع تلك الثلة ﻷنه في اﻻثر قد وجد ما يؤكد أنه لن يستكملها إﻻ المؤمنون ويشهدون بألوهية الله ويشهدون برسالة رسوله صلى الله عليه وسلم حديث بن رويم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في تفسير سورة الواقعة.

ابتلي أهل السودان بمن تمطوا ظهور اﻷمة بطشا وعسفا وقهرا دون أن يعلموا لماذا يفعل بهم أولئك المستبدون ما فعلوا وكذلك يفعلون، ولكن اﻹجابة هي أن من أهل السودان من دعا الله أن ينزل عليه عذاب ويقيل عنه حكم الأحزاب إذ هتفوا (( العذاب وﻻ اﻷحزاب)) إبان الحكم الديمقراطي 1986-1989، ويقول قائل كيف يستجيب الله للناس بالعذاب وهو الرحمن الرحيم وإجابته موجودة في استجابته تعالى ﻻستبدال بني إسرائيل للذي هو خير بالذي هو أدنى والذين استمطروا حجارة من سجيل وغيرهم من المسترجزين، لذا عجل الله ﻷهل السودان بما سألوا ﻷن الله من رحمته على الناس يعجل لهم العذاب ويدخر لهم عظيم رحماته فمنها ما يطهرهم ومنها ما يرفعهم ومنها ما يصيبهم به من غضب والعياذ بالله وتكون المدخرات لقطع صراط هالك من هوى منه باتباع هواه.

والرئيس البشير هو سوط العذاب الذي سلط على أهل السودان الذين وجدهم أمة واحدة فجعلهم شيعا وطوائف يدق بعضهم أعناق بعض ومﻷ قلوبهم حقدا لبعضهم وبغضا.
وجدهم يجلسون في (الضرا) يأكلون في مائدة واحدة  تكون عنوانا لحال اﻷهل الذين يشد بعضهم يد البعض مروءة ونجدة فجعلهم ينامون (القوا) على لحوم بطونهم في قر الشتاء.
وجدهم ينعمون بصحة وعﻻج وتعليم مجاني في دولة رعاية وتكافل إجتماعي فسلب كل مدخراتهم وثرواتهم وأراضيهم بأثمان بخيسة لتعليم أبنائهم وعﻻج مرضاهم ويعرضها اليوم للمقتدرين والمغتربين منهم مخططات وهمية وأبراج سكنية.
وجدهم مستقلون أقوياء يرفض رئيس وزرائهم منح الوﻻيات المتحدة اﻷمريكية أرضا ومياها إقليمية لبناء قاعدة عسكرية حفتظا على سيادة السودان فأورثها عشرات القرارات والجيوش الدولية فضﻻ عن منح اﻷمريكان أكبر مقر استخبارتي في القرن اﻹفريقي بمنطقة سوبا جنوبي الخرطوم غرب النيل اﻷزرق.
وجدهم ينامون قريري العين ﻻ أحد منهم يؤرقه ما يأكله في الغد ولكنه جعل من حرائرهم يتمنين أن تنشق بهم اﻷرض وتبتلعهم على مرأى ومسمع العالمين في تقرير بثته إحدى فضائيات العالم.
وجدهم أنقياء النسب طاهرون جميعهم أشراف ﻻ يسرقون وﻻ يزنون وﻻ يكتمون الحق فسهل لهم كل ما يوصل إلى الفحش والرذيلة واختﻻط اﻻنساب بصورة ممنهجة وممؤسسة شيدت لها الوزارات والمقار وغيرها.
وجدهم أصحاء يفلحون أرضهم بعزم وجد يروونها بعرقهم ويدفنون فيها بذورا لم تختلط بمبيد أو تقنية إسرائيلية فدفنهم في أرضهم ودفن معهم مئات المبيدات والبذور الفاسدة والمواد المسرطنة.
وجدهم لهم قوة مسلحة تحمى البﻻد وأركانه اﻷربعة فشرد كل كفاءاتها وقرب إليه كل ماسحي اﻷحزية ومقبلي اﻷرجل.
وجدهم يحتكمون ﻷنزه منظومة عدلية في المنطقة واﻻقليم والعالم اسمها القضاء السوداني إﻻ أنه صفى جسد تلك المنظومة حسدا من عند نفسه، فأوصلنا لأكبر فضيحة عدلية وهي مطالبة رأس الدولة ومﻻحقته دوليا من قبل المحكمة الجنائية الدولية.
وجدهم يقرأون القرآن بكرة وعشيا بتقوى واتضاع فأنشأ لهم منظومة خاصة بالذكر تشيع خﻻويها الفاحشة بين الصبيان.
وجدهم يطمئنون على أبنائهم في داخليات جامعية ملؤها المسؤولية واﻻنضباط؛ فأوصلهم لمجمعات تطرد منها الحرائر وتنتهك فيها حرماتهن وتسرق ممتلكاتهن بل حتى الطﻻب لم يأمنوا من يد الانتهاك والإساءة.
وجدهم يحكمهم من لهم أهل وشرف ونسب فحكم فيهم من ﻻ أهل لهم وﻻ تاريخ وﻻ نضال.
ترى هل يستطيع من لم تحدثه أمه عن جد له مات في كرري أن يحاكم من جرت في عروقه دماء الشهداء وامتﻷ قلبه بطهرها وجرت في شراينه عفتها ؟؟
ترى هل يستطيع من لم يتهم إﻻ بالفساد واﻻفساد بمحاكمة من يتهم بالعفة والطهر والنقاء؟؟
ترى هل بمقدوره النظر في عينه واﻻتيان بأدلته وأراجيفه التي قال بها وبرهنتها لﻷمة؟؟
هيهات هيهات، فالمجرمون قتلوا في السودان كثيرا من اﻻبرياء وساروا على جماجمهم وأرض السؤدد المضرجة بالدماء النقية ولكنها قذفتهم لمزبلة التاريخ، فقد قتل النظام المايوي وفتك باﻷنصار في أبا وقتل إمامهم في الكرمك ونفى قادتهم إلى المهاجر وقتل مفكرين كمحمود محمد طه مقدما إياها قرابين لفكر شيطاني أسس على اﻻرتواء من دماء اﻷبرياء.
وذات النهج يسيره الرئيس البشير وقع الحافر بالحافر فبعد مضاعفة اﻷعداد التي قتلها النميري في أبا وود نوباوي باستبدال الموقع بأراضي اﻷنصار في دارفور ها هو يتجه لتصفية إمامهم وقادتهم للوصول لنتيجة واحدة وهي استدامة الفكر اﻹخواني الذي أسس أيضا على جماجم اﻷبرياء وارتوى من دمائهم، والحديث عن محاكمات لقادة الفكر والرأي يصب في خانة اﻻهتداء واﻻقتداء بفكرة عراب النميري الذي أوعز له قتل محمود محمد طه إﻻ أن أحد الذين قالوا اضرب على الرجعية بيد من حديد هذه المرة بمنأى عن فكر الشيطان.
سيحاكم الرئيس البشير من زبانيته الذين يحاول تفضيل بعضهم على بعض في اﻷكل وسياحكمهم جميعا شعب خبر دروب الحياة وكسر القيود وامتﻻ قلبه بإيمان ﻻ يضاهيه إيمان بأن الله يدافع عن الذين آمنوا، وبهذه التصريحات البذيئة والمسيئة يعجل الرئيس البشير من محاكمته التي طال انتظارها ليصلب ومن شايعوه على بوابة التاريخ مثلهم مثل أي مستبد نازي أو فاشستي أو فرعوني.

عروة الصادق

السبت، 1 يناير 2022

كانت حياته محبة وسلام

الحبيب الإمام .. كانت حياته محبة وسلام
عروة الصادق
٢٦ أكتوبر ٢٠٢١م
لم نع الدنيا بتفاصيلها إلا معه، ولم نفهم معاني الوحي والتنزيل والفكر والثقافة والأدب والرياضة والحياة بحذافيرها إلا منه، ولم نسر في طريق الحق ونتحمل وعورته إلا على يديه.

كان يجرنا إليه بحنو والأب وحنان الأم، ويمد يده لينتشلنا من درك الغلو ومزالق الاستلاب، ويجرها منا لئلا نقبلها.

عرفنا بالسودان وتضاريسه وحدوده الموروثة وعلمنا الفرق بين "الجوغان والهجليج"، "البيض والحميض"، "علوق الشدة وبوخة المرقة"، "التوقيع والترقيع"، وعفرنا بالفلكلور السوداني، وذخرنا بالأمثال والقصص، ربطنا بحلقات انتمائنا العربية والافريقية، الإسلامية منها والدينية الاخرى، جعلنا نفتخر بكوننا منشأ الإنسانية ومنبع الحضارة وكان حريصه على أبراز تلك الحضارة النوبية، فكانت حياته ثورة ثقافية كاملة لم يعشها لذاته وإنما أوقفها لله وعباده، وكيفنا للتعاطي مع كل هذا مرددا: "الما بعرف ما تدوه يغرف، بكسر الكاس وبعطش الناس".

علمنا كيف نقرأ وأن نصغي للكافة، ونكتب وندون وأن نحترم الآدمية لكونها من بنووة آدم عليها السلام غض النظر عن لونها وجنسها ولسانها وعرقها.

جعل الاعتزاز بالنساء واجبا دينيا فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، وإنسانيا لأن أكرمهم/ن ليس أرجلهم بل أتقاهم/ن، وأن الحياة لن تزهر وتزدهر إلا بهن.

كان عف اللسان عفيف اليد طاهر القلب، يهزم الطغاة ويهدم الباطل دون توان أو وجل، كان موقنا أن السايقة واصلة والمطرودة ملحوقة وأن الديمقراطية عائدة وراجحة.

دفع ثمنا لمبدئيته الانقلاب عليه في ١٩٨٩م ولأجل ذلك حوكم وسجن واعتقل ونفي من البلاد، وظل رأيه في التسلط الداخلي والاعتداء الخارجي ثابتا، حتى لقي الله وهو يرفض الاعتداء على سيادة الشعوب ضد التطبيع وتقطيع الدول وتركيعها.

رأيته يجالس مبعوثي الأمم وسفراءهم ووجهاء القوم ويستمع إليهم ويحاورهم وبذات القدر يجالس الأطفال ويصغي إليهم ويهاديهم ويكتب لهم ويحكي لهم عن وطنهم ودينهم.

أحببناه حتى خشينا عليه منا، وعلى أنفسنا من فقده جراء هذه المحبة، فمن فرط هذه المحبة وفي تدافع شديد أصابه أحدهم في تدافع الأنصار حتى سال دمه فرددنا أن من المحبة ما قتل، هذه المحبة كلفتنا أحبابا وأهلا وأصحابا ظلوا يخيرونا بين العيش مترفين في كنف اليزيد أو أن نصلي جائعين خلف سبط الحسين فاخترنا الإمام الصادق الأمين.

في هذا اليوم فجعت برحيل جسده عن الفانية، ويقيني أنه خلد ما يبقي أنفاسه بيننا في حلنا وترحالنا فكثير من الحبان تلتقيه ويذكرك به، في الخضرة ترى اهتمامه بالزرع، في البسطاء تتذكر وقوفه لهم.

نذكر وصاياه لنا بأن السودان أرض الأجداد ومنبت الرزق يستحق الفداء والتضحية، وأن هذا الدين متين وعلينا أن نوغل فيه برفق، دون غلو أو تطرف، وجعل الدعوة لله على بصيرة بنهج صحوي قائم على حقائق الوحي المسطور وكتابه المنشور، تسندها المزاوجة بين العقل والنقل وبين الأصل والعصر، لم تسعفه الأيام على إكمال التفسير، وقد حببنا الحبيب في سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وعرفنا بسيرته وكأننا لم نسمع أو نقرأ عنه من قبل وقد بدأ كتابة السيرة لنبي الرحمة نسأل الله أن ترى جميع مخطوطاته النور ليرى بها العالمين هذا الرجل.

اللهم أنر وجهه بنور وجهك الكريم وارزقنا وإياه صحبة رسولك الكريم.