الاثنين، 21 مارس 2022

الإنهيار السريع المدمر لقطاع المقاولات والسودان

*الإنهيار السريع المدمر لقطاع المقاولات والسودان*

كتبه: عروة الصادق
في: ٢١ مارس ٢٠٢٢م

□ أي دولة تنشد التطور والنمو تحافظ على قطاعاتها الاستراتيجية والحيوية والخدمية والمهنية، سواء كان ذلك في القطاع العام أو الخاص، وقطاع المقاولات يعتقد البعض أنه غير مرتبط بحياة الناس بصورة مباشرة وأنه من القطاعات المرتبطة بالبرجوازيين وأبناء المدن، والحديث عنه مجرد رفاهية في ظل الحديث عن فعاليات الثورة. 

□ منذ أن حدث الانقلاب ٢٠٢١م، تناقشنا كثيرا وبعض الزملاء المهندسين في شتى المجالات المساحة والمدنية والمكانيكا والزراعة فرادى وجماعات، وتساءلنا عن تأثير الانقلاب على حيواتهم ومن يعمل معهم أو يعملون معه،  وطفق الجميع يعدد ما خسرناه من مكاسب على الصعيد الدولي والمحلي وعلى المستوى الشخصي والأسري، وما نجم عنه من كوارث وأزمات وانتهاكات انسانية وتراجع في ملف الحريات، وهي أمور من البديهي جدا تزامنها مع أنماط الحكم الاستبدادي الآحادي. 

□ وانهار تبعا لذلك، قطاع التعليم الأساس والعام والعالي، وقطاع الصحة، والقطاعات الخدمية والمهنية والفئوية الأخرى تباعا، ولكن قطاع المقاولات اتضح أنه القطاع الأسرع إنهيارا والأكثر تأثرا بتبعات الإنقلاب، والأكثر تأثيرا على قطاعات المجتمع الهندسية والمهنية والحرفية ورجال الأعمال والبنوك وحتى المؤسسات الحكومية. 

□ جراء الانقلاب تبددت كل الخطط العامة والخاصة وبرامج العمل الانشائية والمدنية والزراعية والصناعية، حتى تلك الخطط الحكومية لتهيئة البنى التحتية وصيانة مرافق ومؤسسات الدولة، وعلى سبيل المثال وقف أعمال التشييد في عدد من المرافق كالطرق والجسور، وتشييد المشافي والمراكز الصحية والمدارس، وتعطيل أعمال إكمال بعض الكباري التي كتن مقررا إكمالها خواتيم هذا العام، حتى مشاريع التوطين المرتبطة بمساهمات دولية وإقليمية جميعها اصطدمت بحاجز التردي الاقتصادي والاجراءات المضطربة لوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي. 

□ منذ الانقلاب توقفت العطاءات الحكومية التي تمثل أكبر مشغل لقطاع المقاولين، وذلك لتعطيل جميع خطط الحكومة الانتقالية قصيرة وطويلة المدى، وتم تبديد الأموال المرصودة لذلك بصورة لم يشهدها السودان من قبل، فضلا عن إيقاف كافة التدفقات المالية الخارجية من منح وهبات ومعونات وودائع واختلال النظام المصرفي السوداني بعد خروجه من نظام التحويلات العالمية. 

□ كما أن أولويات الانفاق الحكومي اختلت واختلفت، فالصرف الحكومية تبدلت أجندته منذ صباح الانقلاب في ٢٥ أكتوبر، وصارت أولوياته الاستعداد الأمني، والصرف على الاحتياجات والمهمات العسكرية، بصورة تضاعفت باضطراد إلى أن أرهقت كاهل الاحتياطي النقدي للبلاد، وأضعفت أوجه الانفاق الحكومي على الصحة والتعليم والخدمات، وجعلت هذا القطاع يفقد فرصا حكومية تنعشه وتطوره وتكفل تشغيله دون توقف. 

□ أدى ذلك لتوقف أعمال الانشاءات والبناء والتشييد التي تشغل قطاعا لا يستهان به من المهندسين، والفنيين، والتقنيين، والعمال، والحرفيين، بل حتى الخفراء، جميع هؤلاء، مهددون بالعطالة والتسريح، لعدم مقدرة قطاع كبير من المقاولين على دفع استحقاقاتهم المالية التي تسد رمقهم وتسهل لهم سبيل الوصول إلى مقر العمل "السايد" بلغتهم. 

□ ومعلوم أن كل ذلك ينجم عنه تعطل المشروعات وبذلك تتوقف عملية بيع وشراء المشروعات، التي يتأثر بها بصورة مباشرة تجار العقارات وأصحاب الملك الحر والمغتربين والسماسرة والمهندسين والمساحين والمحامين، بل حتى الشهود الذي يحضرون للتوقيع على عقد ما، وبالتأكيد تتوقف عمليات الشراء أو الاستئجار من الأجانب الذين ينتون الاستثمار في السودان، بالتالي يفقد السودان سيلا من العملات الصعبة وتقفد كثير من الشركات فرص العمل، وهذا سيؤدي إلى إغلاقها وتسريح الآلاف المؤلفة من موظفيها وعمالها، وبالتالي قطع أبواب الرزق للكثير من الأسر في المركز والولايات. 

□ كما سيؤثر هذا القطاع ويتأثر بارتفاع أسعار مواد البناء، ومدخلات العملية الانتاجية، وهو الأمر المرتبط بقطاع الصناعة والانتاج والتعدين والتسليح والمناجم والمحاجر وصغار المنتجين بل حتى أصحاب الكمائن على ضفاف النيل وخيران السودان الجارية سيتأثرون بذلك الأمر، بالتالي ارتدادات الانقلاب ستسرع من انهيار هذا القطاع وتؤثر على عمل إمرأة لديها كمينة طوب في أقاصى شنقلي طوباي. 

□ وهذا سيجعل قطاعا آخر يسارع باللحاق في الانهيار، وهو قطاع المستوردين، لأن الامدادات المستوردة لقطاع المقاولين ستتوقف، تبعا لاستحالة القدرة الشرائية على الإيفاء بأسعار تلك المستلزمات بدءًا من حديد التسليح وصولا للمبات الإضاءة وأسلاك التوصيل وأنابيب الPPR ومتعهدي الزجاج والدهانات والأصباغ والمفارش والأثاث، وغيرهم، وهذا الارتداد سيوسع دائرة الكساد في المصانع وأماكن البيع بالتجزئة من دكاكين ومستودعات ومغالق، وهو ما سينعكس على محمد أحمد سيد الكارو الذي يقف أمام المغلق، لنقل الاسمنت والطوب والرمل. 

□ وستعاني القطاعات السكنية تبعا لذلك لعدة شهور ولربما عدة أعوام فإيقاف العمل في هذا القطاع سيقلل تشييد المساكن والمجمعات السكنية الخاصة والعامة، وسيزج بكثيرين لاستئجار المنازل وربما الغرف التي بدورها ستتضاعف أثمانها بصورة جنونية وتقل فرص الحصول على سكن، وحينها سنشهد الكثير من الاختلالات الاجتماعية والاضرابات النفسية وعمليات العدوان والطلاق، سيسأل سائل الطلاق علاقته شنو بالمقاولات؟!.

□ على الصعيد العام ستخرج الكثير من البنوك وشركات التأمين والمحافظ التمويلية من هذا القطاع، وستتراجع الأرباح وستحل الخسائر محلها، وسيقتات القطاع من رأسماله بصورة تآكل مريع وسريع، وربما سيعلن بعضها إفلاسه، أو سيضطر العملاء لبيع أصولهم العقارية والمنقولة والثابتة المرهونة لدى البنوك، وفي حالة العجز سنشهد اكتظاظا في سجون السودان لكثير من المقاولين ورجال المال والأعمال والمهندسين والمواطنين الذين بدأوا مشروعات لها ارتباط بالمقاولات. 

□ وبلا أدنى شك سترتفع الشكاوى في وزارة ومكتب العمل وستكتظ المحاكم بالمتظلمين، وهو ما سيوقف فرص التعيين والتوظيف والعمالة في أدنى المشروعات، أو أننا سنجد المهندسين والعمال والفنيين يعملون في ظروف مجحفة وهو ما سيحفز على السرقات والجريمة،  وحينها سيصطدم الجميع وسيفر كثير من المشكو ضدهم، وستفر رؤوس الأموال أو تغلق الشركات والمصانع والمزارع والمؤسسات ونشهد تضاعف مضطرد في عدد الفارين من البلاد عبر إحصاءات إدارة السجل المدني والسيطرة الهجرية. 

□ أما خارجيا فللأسف الشديد تعطلت جميع الشراكات التي كان يرجى تفعيلها في مجالات الكهرباء النظيفة والمياه والطاقة والتعدين والزراعة والطرق والانشاءات لتراجع مواقف مجالس الأعمال المشتركة، السودانية الخليجية، السودانية الأوروبية، السودانية الأسيوية،.. الخ، وهذا لابد من قراءته مع ارتفاع أسعار النفط عالميا الذي المضاعف سعره محليا وهو ما سيؤثر حتى على حصة المهندس الذي يمر على المواقع بصورة يومية، وما سيخلفه تأثير هذا الانقلاب على قطاع المقاولين أكثر بكثير مما فعلته جائحة كورونا في أطوارها المتلاحقة، وسيكون التعافي المادي والصحي والنفسي والاجتماعي والاقتصادي منه باهظ الثمن. 

□ لذلك فلا مجال لبقاء الانقلابيين ولا لمن قدم لهم الاستشارة الفنية أو الإسناد السياسي، لا مجال ولا مبرر لبقائهم يوما واحدا في السلطة، وإلا فسنشهد أزمات ونحصد صراعات ستبدأ بالكلام ولكنها ستنتهي باللطام لا قدر الله، وعلى المقاولين الذين يجالسون أؤلئك المخربين أن يناصحوهم لأن نار الإنقلاب أكلت مصالحهم وانتقلت إلى عقر دارهم، لأن هذا الإنهيار الذي يحدث بسرعة الضوء في قطاع المقاولات سيدمر معه قطاعات أخرى حية وستتدمر البلاد.

□ أمام البرهان ودقلو ومن شايعهم من السدنة عليهم أن يؤوبوا عن فعلتهم ويبتعدوا عن السلطة وتسليمها اليوم قبل الغد لهذا الشعب الذي لم يكل ولن يمل في التصدي لهذا الانقلاب ودفع لأجل ذلك أثمانا يسترخصها الإنقلابيون ويحسبونها هينة، ولكنها عند الله عظيمة، ولم تتوقف الدماء عن الاستباحة إلى هذه اللحظة فقد ارتقى شهيد آخر في كوكبة التضحية والفداء مستبشرا بعمة وفضل من الله، وليبشر قتلته بدمدمة ذنبهم عليهم وما فعلوه سيجازيهم به الله.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله

السبت، 19 مارس 2022

العدوان الهمجي على ندوة الحزب الشيوعي

العدوان الهمجي على ندوة الشيوعي

● في فترات خلت كان أمنجية المؤتمر المحلول يعتدون على أنشطتنا السياسية والطلابية، بل حتى مناسباتنا الاجتماعية، بغرض إفساد الحياة كنهج وسياسة تنظيمية وإجراءات أمنية، ووصل الأمر لدرجة شراء الذمم واستئجار ضعاف النفوس لفض المناسبات والفعاليات والاجتماعات، ووصل الأمر للعداون بالسلاح الأبيض على المواكب.

● دفع حزب الأمة القومي أبهظ الأثمان جراء الاعتداء عليه وعلى قادته، وعكف كثير من الرفاق شامتين، يصفقون للمعتدين ويشيرون إليهم بأنهم أحسنو صنعا في محاربة الطائفية والكهنوت الحزبي، مدفوعين بغبائن تاريخية لا مجال للانتصار فيها عبر العنف ومنطق القوة، وإنما محلها وحلها حيث قوة المنطق.

● وقد ظل الرفاق في الحزب الشيوعي السوداني يغضون الطرف عن الاعتداءات على أنشطة زملائهم في القوى السياسية سيما حزب الأمة القومي، بل حتى أن بعضهم اجتهد لوضع فيتو سياسي على الحزب ومحاولة الاعتداء عليه عبر بعض واجهاتهم، ورددنا حينها أن هذه الزراعة سيحصدها الرفاق، وقد كان.

● لذلك علينا أن نعي أن السودان في حوجة لرشد سياسي بعيد عن الغبائنية وأن ما حدث للشيوعي في ندوته مرفوض، وغير مقبول ومدان، وإذا لم يوقف نهائيا سيجعل من حياتنا السياسية جحيما لا يطاق.

● كنا في الحركة الطلابية نتواثق على مواثيق الشرف ومواثيق نبذ العنف ونلتزم بها جميعا، اللهم إلا التنظيمات والواجهات ربيبة الحزب المحلول والحركة الاسلاموية، واستطعنا بذلك اجتياز العنف، وانجاز ساحات تضج بالحوار الهادف والبنا إلى أن وصلنا ذروتنا بالتنافس الديمقراطي ورسخنا دعائم أكثر من ٣٠ اتحاد طلابي منتخب بصورة أثبتت أن قوة المنطق راجحة على منطق القوة.

● إذا القوى السياسية ولجان المقاومة ومكونات الحراك المدني السوداني هي أحوج ما تكون لميثاق شرف يضبط العلاقة بينها ويكيف الممارسة السياسية الراشدة ويحكم الخطاب الموضوعي والمنطقي المعاير لأخلاق وسمت الشعب السوداني، والذي يعزل كل ممارس للعنف اللفظي او المادي، ويحرم ويجرم خطابات الاستعلاء والكراهية والعنصرية، ويمنع الاستغلال للدين والجهوية والأطفال في الممارسة السياسية.

● ما لم نصل لذلك فنحن موعودون بتنامي ظواهر العنف المصممة في أقبية جهاز الأمن والمستلهمة من تجارب عنيفة في المنطقة والمحيط العربي والإقليمي الذي فرخ الإرهاب ويريد أن يجعل من السودان حاضنة له.

● أرجو من كافة قيادة العمل السياسي في البلاد ولجان المقاومة الاسراع في اجتراح هذا الميثاق ولدينا رؤية اقترحها الحقاني رضوان الله عليه قابلة للجرح والتعديل فقد كان رحمه الله مهموما بتعافي الممارسة السياسية في البلاد، وظل يردد دائما أن الممارسة السياسية الحزبية يجب أن تقوم على الأخلاق، وأن السياسة ليست لعبة قذرة، وإنما هي فن الممكن، وفي ذلك تحمل كافة الإساءات والنقد والاعتداء والتجريح مردا مقولة إيمانويل كانت: (إن أفضل وسيلة عرفتها الإنسانية للبناء هي النقد)؛ والذي لا يتأتى إلا بالتدافع وقبول الآخر وإلجامه بالحجة.