الجمعة، 22 يوليو 2022

*حميدتي: الهروب من «الديكتاتورية» إلى «اللا سلطوية» ثم إلى «المخادمة»*

*حميدتي: الهروب من «الديكتاتورية» إلى «اللا سلطوية» ثم إلى «المخادمة»*
✓• أبدى الخطاب المكتوب والمنشور إنابة عن قيادة الدعم السريع ونائب رئيسمجلس السيادة أسفا وحسرة على ما آلت إليه الأوضاع مترحما على ضحايا وصف أرواحهم بالعزيزة، ويدرك "حميدتي" أو كتبة البيان أن أولئك الضحايا ما كان لهم إن يسقطوا لولا تواطوء قيادة الدعم السريع وانفلات سلاحهم واشتراك جنودهم وضباطهم في القمع والتنكيل والقتل للخصوم.

✓• مضى البييان ليتحدث عن ظاهرة استشراء خطابات الكراهية والعنصرية، وهو - أي حمدتي- من أذكى أوارها واستدعاها من أضابير أجهزة مخابرات النظام السابق، واستخدمت كافة بيانات وأجهزة وعناصر أمن القبائل الذين سقطوا مع نظام المخلوع، ليعملوا ضمن طواقم مستشاريه ومكتبه واستخباراته وأجهزته وشركاته وبنوكه واستثماراته ووزاراته.

✓• بل "حميدتي" هو من أحيا رميم الإدارات الأهلية من المتملقين والمهادنين والفاسدين الذين سقطوا مع المخلوع وظل يبرر ضرورة استصحابهم، وصرف لأجل ذلك صرف من لا يخشى الفقر من رشا مالية وعينية وبعضهم من تم إرساله لحج بيت الله، وتم إبعاد وتدجين كل الإدارات الأهلية التي لم تقبل الرشوة أو تخضع لإمرة وأجندة قيادة الدعم السريع.

✓• من ضمن تلك الرشاوى استيعاب شباب عدد من أبناء شباب تلك القبائل كجنود في الدعم السريع، في الوقت الذي كان بإمكان - حميدتي - ابتعاثهم للتعليم كما فعل مع بعض رهطه، ولكنه اختار تجنيدهم وابتعاثهم للحرب والموت في اليمن.

✓• وأعجب تلك الرشا لمجموعات تجلس على جبال من الثروات، والمقدرات، والموارد، قدمتها لقمة سائغة لـ (حميدتي) الذي مهد لمجموعات أجنبية ودول الاستثمار فيها وبدورهم استغلوها أيما استغلال وهربوا ثروات تقدر بمئات الملايين من الدولارات تحت عين ومسمع "حميدتي"، وليست فاغنر وميروقولد ببعيد.

✓• حفز كل ذلك الاستقطاب لبروز خطاب اثني وعنصري وجهوي يستقوي ببندقية الدعم السريع، تدرج من رفض الأخر القبلي وصولا لتهديد المجتمع الدولي والتنديد بالبعثة الأممية والتلويح بطردها، ونجم عن ذلك استقطاب مضاد تنادى بعض قادته لتكوين جيش من مليون بندقية، وآخر يبشر وينادي بنزعات عنصرية انفصالية.


✓• أكد البيان أن هناك مخاطر ومؤامرات تحاك ضد البلاد من الداخل والخارج، وأن - حميدتي - ظل يراقبها، ولكنه لم يقر بأن تلك المؤامرات منها السياسي والأمني والاستخباري والاقتصادي والاجتماعي والاستعماري، وهو له سهم معلى في كل منها بدرجات تتفاوت تأثيراتها، وهو يعلم أن جل تلك المؤامرات تتم إما باسمه أو باسم أسرته أو باسم قواته أو باسم مكتبه في السيادي أو تحت غطاء الكارتل الذي يرعاه، ولا تعوزه المقدرة ولا القوة على إيقاف تلك الدسائس، إلا أنها تتم تحت بصره وسمعه.

✓• تحدث دقلو عن ضرورة تحكيم صوت العقل، وهو الذي أقسم في سبتمبر ٢٠٢١م قسما مغلظا بأنه لن يجلس مع الفرقاء السياسيين، وعطل لأجل ذلك مجالس كان بمقدورها حل الخلاف وفك الإشتباك، فقد عطل اجتماعات مجلس الشركاء، ومجلس السيادة، ومجلس الأمن والدفاع، والمجلس التشريعي المؤقت، واجتماعات الطواريء الإقتصادية، كل هذا يأتي اليوم ليتحدث عن تحكيم العقل وضرورة الوصول إلى حل ينهي الأزمة التي سببها انقلابه في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م.

✓• المدهش أن كاتب البيان يتجلى جهله العسكري، بتجريده للبرهان عند ذكر قرارات الرابع من يوليو من (التركين)، فذكر مجرداً من (ركن) ومضى إلى القول بأن القرارات ليست آحادية وأنها تمت بالتشاور معه، ولكن هل كان التعليق عليها يحتاج التأخر لثلاثة أسابيع، أم أن "حميدتي" لم يسمع بها إلا بعد وصوله الخرطوم للقاء مدراء شركات الاتصالات والاجتماع بالسفير؟؟!! والتي سيغادرها إلى دارفور مجددا ولأيام قد تطول.

✓• أبدى حميدتي زهده في التمسك بسلطة تكلف الدماء وأرواح الأبرياء، وألقى الحبل على قارب القوى السياسية المدنية للتشاور والتحاور، وهو لم ينطلق لهذا القول إلا من تحضيرات جيدة آخرها اجتماعات (سدنة) الإنقلاب الذين أوعز لهم التحرك نحو (المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير) للإسراع بتكوين «حكومة توافقية» تقود للانتخابات، متناسيا أن الخرق قد اتسع على الراتق، وليس (المركزي) وحده الذي يستشار في الحل السياسي وأن القوى التي مدها بالأموال والرصيد والحديد واستدعاها لاعتصام «القصر» لن تقو على إحداث "الاختراق" المطلوب في الأزمة السياسية، لذلك كلفهم بالتواصل مع قوى الثورة باذلا في ذلك ما شاء من مال وحديد ورصيد أو لمن أبى فالوعيد والبطش الشديد.

✓• لفت انتباهي حث حميدتي للقوى السياسية للإسراع في التوافق لتكوين ما سماها مؤسسات الحكم الانتقالي، والتي قوضها هو والبرهان، ومزقا مرجعيتها الدستورية، وخرقا وفاقها الوطني، وخانا التزامها السياسي، وعبثا بمقدراتها الإقليمية والدولية، وسجنا طاقمها الوزاري، وغيرا قيادة مؤسساتها بالإخوان، وأغرقا أهلها بحمامات الدم والدموع، وهي ذات المؤسسات التي أعاد إليها الفلول من الحركة والتنظيم المحلول، ومكنا كتائب الظل والعمل الخاص، والذين استوعب "حميدتي" كثيرين منهم في قواته ومكتبه ومؤسساته، وكفل لهم الحماية بل وأرسل بعضهم كممثلين وملحقيات في الخارج.

✓• كما أنه التزم إلتزاماً مريبا - بالنسبة لي- بأنه سيذلل كافة الصعاب التي من شأنها إعاقة الوصول للتوافق، وهو يعلمها علم اليقين وهي ما قدم للوساطة مكتوبا، ويعلمهم القاصي والداني، وعلى رأسها إنهاء الإنقلاب المشؤوم وإبطال قراراته وإجراءاته واستعادة الوضع الانتقالي بأسس دستورية جديدة، وهو ما تمنعوا عن فعله لما يقارب العشرة أشهر، حصدت إثرها بلادنا الهشيم والحصرم.

✓• أما في حديثه عن اندهاشه لما آلت إليه أوضاع دارفور، وما ترتب على حروبها من فقر وعوز وضيق وأزمات وكوارث وتردي في الخدمات، فهو الأمر الذي يذكرني بطرفة قالها المخلوع: ((أنه صلى في مسجد يدعو إمامه بأن لا يسلط الله عليه من لا يخافه ولا يرحمه، فصاح أحد الحضور قد كان يجلس بجوار البشير: "يا مولانا هو سلط وانتهى"))، وفجر البشير ضحكة بلهاء، فبربك يا دقلو حينما كنت تجرب كافة الأسلحة المباحة والمحظورة في دارفور، بدءاً من الآلي إلى صواريخ الشواظ والمدافع الفتاكة، تحت تغطية طيران الأبابيل، الم تكن تعلم أن تلك هي ثمرة الحرب؟؟، دقلو: حدثنا عن كل شيء ولكن لا تحدثنا عن آثار الحرب، فأنت قد أفقرت سلاطينا وملوكا ونظارا وفرشا وشاراتي وجلست على كنوزهم، وحرقت ديارا وحواكيرا ورتعت في أطلالها، وأذكيت نيرانا للحرب وفتحت بابها الذي لن توصده إلا مؤسسات دولة تحقق العدالة الانتقالية والقصاص للضحايا وعقاب الجناة.


✓• وتناول البيان مساعي دقلو التي أتت بصيغة المتخاطب (أنا) وفعلت وتركت، هذا ما يبين لك حتى آحادية ودكتاتورية وسلطوية العقل الاستشاري الذي يصوغ مثل هذه الخطابات، فدقلو ليس فرادا واحداً لا شريك له، وإنما هو منظومة سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية متكاملة يريد دقلوا الهروب منها إلى حيز جديد وهو «اللاسلطوية» والجلوس في منطقة رمادية كالتي جلس فيها بعد قرارات ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، وحاول العودة منها عبر استعادة د. حمدوك وفشل في ذلك.

✓• هذه المساعي في دارفور لن تكون ذات جدوى وسترتد حروبها أكثر شراسة وضراوة وحدة بعد خروج القوات من دارفور، وذلك لأن الحل للأزمة السودانية لا يكون بالتجزئة وإنما بالحل السياسي الشامل لتحقيق السلام العادل والتحول الديمقراطى الكامل، وأن كل المساعي التي ينشط فيها الإنقلابيين ووكلاءهم في دارفور أو من تم إرسالهم للنيل الأزرق، فهي تسكينية ولن تبرئ جراح الوطن.

✓• وما يستخدم في هذه المصالحات هو ما أسميه «المخادمة»، وهو بمثابة البيع والشراء السياسي والبراغماتية المتبادلة إن لم يتعداه للانتهازية، وذلك لأن هناك مصالح متبادلة بين إدارات وامارات أهلية تطمح للسلطة والغنى وبين طموح كبير لـ "حميدتي" زينه له (السدنة)، بأنك يمكن أن تحكم هذه البلاد إن لم يكن بالرغبة فبالرهبة، وبعد أن استعصى عليه الشعب بالترهيب والتركيع والبطش والتجويع، ها هو يحاول عن طريق استخدام بعض البيوتات الدينية والإدارات الأهلية والحركات المسلحة والقيادات الحزبية لشراء بعض الذمم وتدجين أصوات بعض الجماهير، فمبدأ «المخادمة» تجلى بصورة كبيرة في نهج حميدتي، الذي يميل دوما لإبرام "الصفقات" التي غالبا ما يكسب طرفيها ويخسر الوطن، فقد استخدم «المخادمة» سياسياً وأمنيا واقتصادياً وأهليا وجهويا، ولنا في تصرفات كثيرين خير دليل كاعتصام القصر الذي حمى فاسديه، وإغلاق الشرق الذي أكرم منفذيه.


✓• في الفقرة الأخيرة بين "حميدتي" الجهة التي رسمت له (خارطة الطريق نحو المخرج الآمن) الذي حاول البرهان استباقه إليه عند لقاء السفير البريطاني، إلا أنهما ألفيا نفسيهما لدى الباب، وهذا المخرج تطرحه بعض الدول الكبرى وحددت مطلوباته في قمة جدة وبيان الرباعية وبيانات الترويكا وهمست به المملكة المتحدة ومبعوثيها، ولك أن تقرأها عزيزي اقتباس السبع نقاط التالية:
(( ١.  إلتزامي التام بالعمل من أجل حماية أهداف ثورة ديسمبر المجيدة.
٢. وحماية المرحلة الإنتقالية حتى تقود لتحول ديمقراطي حقيقي وانتخابات حرة ونزيهة.
٣. كما أؤكد إلتزامي التام بالعمل مع "الجيش" السوداني وكل المخلصين الوطنيين الحادبين للالتزام بمهامنا الدستورية.
٤. والعمل على إصلاح المنظومة العسكرية والأمنية.
٥. وتنفيذ إتفاق جوبا لسلام السودان بما في ذلك بند الترتيبات الأمنية المنصوص.
٦. وصولاً لـ (جيش) واحد مهني ويعكس تعدد السودان وتنوعه، ويحافظ على أمن البلاد وسيادتها ويصد كل أشكال العدوان ضدها.
٧. كما نجدد الدعوة للأخوة حملة السلاح للانضمام للسلام.))
انتهي الاقتباس

✓• الخلاصة: أن حميدتي ومن معه من مستشارين قدامى وجدد ايقنوا أن الدكتاتورية ونظام الهيمنة الآحادي الذي حاولوا ترسيخه بالإنقلاب ثبت بطلانه وعجزه. لما أشعله من حروب دموية ومعارك سياسية وتلك الثقافية الرهيبة التي أضرمتها قوى الإنقلاب وأججتها وسائل إعلامه، وتبين ألا فرصة لأي تعاون خلاق بين الانقلاب والشعب السوداني ومكوناته الثورية، بل حتى التنافر وصل بين مكونات الإنقلاب العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، لذلك لجأ "حميدتي" لبث هذه التطمينات للشعب والإقليم والعالم بل والجيش السودان الذي ذكر حميدتي لأول مرة ضرورة أن يكون هناك جيش واحد.

✓• وهو يرى أن ينسحب إلى حيز «اللا سلطوية» ويمارس السلطة تدريجياً عبر السيطرة على العناصر الحاسمة في أي صراع أهمها الإقتصاد، والقوى الخفية المرجحة في القرار المحلي والوطني، عبر واجهات يجري تصميمها بعناية شديدة، بها آلاف القيادات والمنظمات والأجسام. ستنشط تلك المؤسسات «اللا سلطوية» باللجوء لمبدأ «المخادمة» وتفتح لها الدور وتبذل لها العطايا وتمنح إليها الهدايا وستمول البنوك المملوكة للمنظومة «اللا سلطوية» عمليات كبيرة وصغيرة ومتناهية الصغر كشراء الأراضي والشركات والعقارات والمنقولات والأصول المملوكة للمجتمع لتخدم "حميدتي". والهدف النهائي هو استبدال كيان بآخر ومجتمع ببديل وإحلال ناخب جديد يهيأ للإنتخابات التي أشار إليها "دقلو" في ثنايا الخطاب، فـ "المخادمة" لا تحقق فقط الحكم ولكن أيضًا الهيمنة الاقتصادية والتحكم في القرار السياسي.

ختاماً: نحن ننحو بانحدار سريع ومريع تجاه الإنهيار المؤسسي الشامل في بنية الدولة، ومؤسساتها وكياناتها وأحزابها وهيئاتها وتكويناتها وأنظمتها وقوانينها وأعرافها، ومن يملك السلطة والمال هو وحده من سيرث منظومة الدولة المتهالكة، وأن السعي نحو ذلك يجب الوقف له والتصدي بحسم لإيقافه، ونصح كل من يريد خلخلة كيان الدولة ليستحوذ على ما تبقى منها، بأن هذا الوطن لا يستحق أن يفعل فيه مثلما فعل أو كما هو مخطط، وأن الطريق لقطع جميع المؤامرات التقسيمية لا تكون بالالتفاف عبر هذه الخطابات، وإنما بمواجهة الأمر بعبارات صريحة وجريئة، تقر بفشل الإنقلاب، وتبطل قراراته، وتوقف إجراءاته التي لا زالت متواصلة وتتغول قيادته الانقلابية على ملفات الحكم والإدارة والدبلوماسية، وأن يحدث تنحي فعلي وفوري عن السلطة في البلاد وليس كما هو بالصورة التضليلية التي حدثت بعد قرارات ٤ يوليو ٢٠٢٢م، أو فالحالقة.

______
@orwaalsadig
 

الاثنين، 18 يوليو 2022

تلافي الحرب في السودان قبل الإتلاف

*تلافي الحرب في السودان قبل الاتلاف*

عروة الصادق

فى النزاع المسلح أو الحروب أو الاقتتالات القبلية والحروب الأهلية تتم الدراسة باستفاضة لتأثير النزاع المسلح وعواقبه، أو الإهتمام بالأزمات وبالسياسات والقضايا السياسية ذات الصلة بالنزاع. وغالبًا ما يركز الجنرالات على النتائج والهزائم والانتصارات ، والنجاحات أو الإخفاقات المرتبطة بتحركات القوى العسكرية في الميدان، ويتسندون على المناهج الاستراتيجية والتشغيلية والتكتيكية والتموضعات الميدانية، فيما يكون تأثير الحرب والصراع على نطاق أوسع يشمل المجتمع وموارده وحدوده والجوار المحلي والإقليمي والقضايا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمعيشية والرياضية والأكاديمية والملفات الخدمية.

✓• والحرب لا تأتي بين يوم وليلة أو تأتي كما الزلازل أو البرق وإنما كثيرا ما يتم الاستعداد للحرب وتهيئة الأرض والموارد والجنود لها، ولا سيما استعداد القوات العسكرية والتكتيكات والاستراتيجيات والمهمات والمواقع والعدة والعتاد، وهو ما يعني أن أي نزاع يتم يقع عن إدراك تام للقائمين به والمشرفين عليه وليس محض صدفة، وفي هذا تقع المسؤوليات على أجهزة مهمتها استشعار الخطر الأمني الداهم والمهدد للاستقرار في البلاد والممزق للحمة الاجتماعية، وفي هذا يستعين قادة الحرب بمجموعات اسناد فنية وتقنية وإعلامية ومجموعات مدنية تدعمهم وتخذل العدو.

✓• ولأن الحروب والنزاعات في السودان والمنطقة والعالم  هي واحدة من أقدم الأنشطة التي عرفتها ومارستها البشرية بشغف وشرر وعدوان ومارست فيها ما مارست من بطش وتنكيل وانتهاكات، فمن الصعب جدا التأصيل للنزاعات العسكرية والحروب الأهلية وفي اعتقادي حتى تصوير الاقتتال السوداني بأنه بدأ في انانيا الأولى 1955م ليس صحيحا لأن ذلك التاريخ كان واحدة من نقاط صعود الصراع على السطح وكذلك الأنانيا الثانية في 1983م وكذلك الخطأ أيضا في تصوير الحرب في إقليم دارفور بالعام ( 2002- 2003م) وذلك لأن هناك عشرات المناوشات والحروب البينية سبقت الإنفجار الأكبر الذي يخلف مئات الضحايا وآلاف النازحين وعشرات الأزمات. وستظل غريزة الاستحواذ على الموارد والصراع من أجل البقاء هي المحفز الأول على النزاعات، وفي ذلك لن يتوانى الإنسان من استخدام أي آلة أو تكتيك أو منهج للصراع تقوده لذلك مقولة مأثورة: (الغاية تبرر الوسيلة)، والسودانيون حشد تراثهم الشعبي بمعاني تبرر انتزاع الحقوق اتخذها البعض مبررا للتنازع الذي يؤدي للحروب كقولههم: «ما حك ظفرك مثل جلدك» و «حقك تلاوي وتقلعو».

✓• ارتبطت مسألة الاستعداد للحروب والنزاع المسلح والتهديد العسكري في التاريخ ارتباطًا وثيقًا بالأسباب الأساسية للحرب حيث يقرأ ذلك بسياقات موضوعية وذاتية وزمكانية. وفي السودان انطلقت النزاعات والحروب لأسباب كثيرة منها الصراع على الموارد والسلطة والثروة والنضال من أجل الاستقلال والحروب البينية بين المجموعات الرعوية والمزارعين، والاقتتال القبلي على أسس عنصرية وإثنية وأكبرها الحروب التي دامت لعقوت على أساس الهوية الدينية والإستعلاءات الثقافية والحرب ضد الحكومة المركزية بدعاوي التهميش والتظلمات الاجتماعية والاقتصادية، ولا أحد ينكر تاريخيا أن السودان خاض معارك خلفت ضغائن وغبائن اجتماعية موروثة وضحايا انتهاكات واسترقاق، وبذلك يمكن تلخيص اسباب الاستعاد للحروب في عدد من القضايا الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية والعرقية والدينية والتنموية وغيرها.

✓• ولا أحد يستطيع خوض الحرب أو النزاع ما لم يتم التأكيد على تأييد ودعم والتزام المواطنين الموالين له في وهذا يتم بما يسمى "التعبئة والتجييش والاستقطاب والتحشيد والتزام الشعب " وهو بعد حاسم في أي معركة وهذا يوضح أن النزاع عند اندلاعه قد أكمل حلقة التعبئة والتجييش والاستقطب وهي مراحل لا تتم في الخفاء وإنما في العلن وتستخدم لها موارد كبيرة مرصودة ومرافق معلومة بل وأجهزة إعلام في كثير من الأحيان حكومية، وتظل السلطة السياسية على دراية وعلم بما يجري ليس في محيطها المحلي فقط بل حتى بما يحدث في المناطق المتاخمة حتى تلك التي تقع في محيط دول جارة وشقيقية،والمليشيا أو الجيش الذي ينفذ العمليات العسكرية لا يتحرك بمعزل عن توجيهات السلطة السياسية، التي في الغالب تكون ملمة بتفاصيل الحروب والنزاعات ومسبباتها والمتورطين فيها، وأي جندي أو قائد عسكري أو قائد مليشيا يضع في ذهنه مقولة عسكرية خالدة "لا يمكن لأي جيش في العالم أن يأمل في الفوز بدون وجود دولة(شعب، أرض، سلطات) موحدة وراءه، وفي اعتقاد أن التوهم بأن الشعب راغب في الحرب أو أنه موحد خلف القيادة العسكرية كثيرا ما يدخل تلك المجتمعات في حروب تهزم فيها الشعوب، وتتبدد فيها الموارد وتنتهك فيها سيادة الأرض وتتمزق وحدتها وتتسلل الأيادي الخارجية العابثة.

✓• جراء هذه السياسات الخاطئة والأيدولوجيات الواهمة والنعرات الإستعلائية والتحركات الاستيطانية يتم التذرع بضرورة التدخل العسكري وإحلال وضع (الطواريء) عوضاً عن الأوضاع الطبيعية والاعتيادية للحكم والإدارة، وحينئذ تحل "عسكرة" الدولة أو الإقليم أو المنطقة أو نظام الحكم فيه، فيستخدم قادة الدولة بشكل متزايد الجيش وسلطاته وقوات الأمن وصلاحياتها بدلاً من إيجاد حلول من خلال التفاوض أو التوافق الاجتماعي أو الإجراءات المدنية الديمقراطية كالأقسام الشرطية والمحاكم الجنائية والإجراءات القضائية فيحل عسف الطواريء ليعمم السيطرة على الجميع بقاعدة يرددها العسكريون (الخير يخص والشر يعم). تتجلى العسكرة عندما يبدأ بلد أو إقليم أو منطقة أو مجموعة سكانية في الشعور بالتهديد أو يتم تحريضهم من قبل النخبة السياسية لتوسيع المصالح الاقتصادية والاستحواذ على المكاسب الوطنية في المنطقة المعنية. هذا ما تستخدمه الدول والأنظمة السياسية التي تريد توطيد النظام العسكري والسلطة الاستبدادية وما يؤسف له أن الصرف وقتئذ ينصرف نحو التشوين العسكري والصرف الأمني وإهدار الموارد وإهمال مشاريع التنمية والتعليم وتقديم الخدمات وحقوق الإنسان والعدالة والحريات العامة والديمقراطية والمساواة ، ويحل محل ذلك التمييز للمجموعات الممالئة للسلطة المستبدة واستعداء تلك الكيانات الناقمة عليها ما يخلف انتهاكا قد يقود للتدخلات الدولية كما حدث في السودان بصدور أكثر من 60 قرار وإدانة دولية في حقه من مجلس الأمن الدولي.

✓• يتراءىٰ لكثريرن أن رفض عسكرة الدولة هو رفض للجيوش القومية ولكن بالعكس هو رغبة في أن تكون تلك الجيوش قومية ومهنية ومستقلة عن الصراع السياسي، وما تفعله يكون نتاج العديد من التأهيل والتدريب والعمليات المعقدة والخطوات الراسخة والعقيدة القتالية المتجذرة بعمق في سجية أفرادها ومؤسساتها والبيئة التي تعمل فيها. وأن تعمل وفق ما هو متعارف عليه عالميا في الدول الديمقراطية والمدنية فعادة ما يتم تحديد حجم القوات العسكرية من خلال المخصصات الوطنية للموارد من خلال ميزانية الدفاع المعتمدة سنويا في الموازنة العامة للدولة وغيرها من العمليات الموجهة دستوريًا وسياسيًا وأن تعمل وفق قانون مجاز من برلمان ديمقراطي. وأن يتم تحديد طبيعة هذه القوات وتكوينها وتنظيمها وانضباطها في هيئة قيادة أو أركان موحدة وبشكل يوضح قوميتها، وواجب الدولة حينذاك تعزيزها وتأهيلها وتوفير كافة احتياجاتها والإهتمام بكافة المرافق والمؤسسات العسكرية وأفرادها على وجه الخصوص. وأن تتعامل مثل معظم المؤسسات الاجتماعية والمدنية التي يصرف عليها بامتياز ، وأن تحدد طبيعة الأفراد فعالية القوات العسكرية من خلال تجويد الممارسة وتحسين السلوك عبر التدريب المتراصف مع دول متقدمة في هذا المضمار ومتطورة مهنيا وتقنيا.

✓• كل هذا ليس لشيء سوى لأن تكون دولتنا وجيشها  أكثر جاهزية واستعداد لما يواجه الجيوش من تحديات استراتيجية تمس أمن الوطن والمواطن وتعتدي على الدستور والديمثراطية، وأن يكون مجرد  التفكير في الاستعداد للحرب مختلفا لما هو متصور الآن، فكثير من قادة القوات المسلحة وقادة المجموعات والمليشيات يصورون الاستعداد للحرب بصورة أشبه بحروب (الغوريلا) في غابات القارة أو حروب المدن التي يتم التدرب عليها في معسكرات مختلفة بصورة سرية عبر الخبراء الروس والإيراينين، وأن ما يحدث الآن هو عبارة عن تحويل لمفوهم الحرب لتكون حربا (فوضوية) و (عبثية) في ظل عالم يتجه نحو حروب الجيل الخامس ويتمنع عن إضرام الحرب النووية، الواجب الذي لا غنى عنه هو الحديث المؤثر من قادة الدولة لهؤلاء العسكريين بأن مفهوم الحرب يجب أن ينأى عن الوطن والمواطن وإنما ينحصر في العقل الجماعي للمؤسسة العسكرية والمليشيات المسلحة ضد الأعداء خارج الحدود ولا ينبغى أن تخوض كتائب القوات المسلحة وأسلحتها المختلفة حربا داخلية ضد أي مواطن سوداني إلا في حال اسنفاذ سبل الحوار ومثل بتواجده داخل الوطن تهديدا للسلم والأمن القومي.

✓• لا نريد أن يكون تحت أيادي جنود القوات المسلحة والقوات النظامية السودانية ضحايا مدنيين، وبالضرورة محو  الصورة الذهنية التي تصور الجندي السوداني منتهكا لحقوق الضحايا والتي خلفتها الفجوات الزمنية النفسية والأخلاقية المتولدة بين الجنود والمواطنين جراء ممارسات الأنظمة السياسية المستبدة، تظهر صورة عالمية للحرب والجندي. ولا بد من وضع صورة تليق بعظمة وكبرياء السودان وفدائية الجندي السوداني المستعد لأن يكون  هو الضحية وفق القسم الذي يلزمه بالتضحية من أجل وطنه ومواطنيه. وأن يستشعر ذلك وهو يمسك بسلاحه ويقاتل في البر والبحر والجو أو في المقار القتالية الآمنة خلف العالم السبراني يواجه أعتى التدخلات في الشأن السوداني ويصد أي عدوان يستهدف الوطن ومواطنيه، حينها سيجل المواطنون جنودهم ويبجلون صنيعهم ويقل أعداد الضحايا بفعل سبيل المضحين الذين يفتدون أوطانهم كما فعل بنبي الله إسماعيل عليه السلام.

✓• إن السودان وطن مترامي الأطراف جغرافيا، ومتعدد مناخيا، ومتنوع طبوغرافيا ومتداخل جيوسياسيا ولا يمكنك التهرب أو التجاوز أو التحايل على الطبيعة والتضاريس والجغرافيا والمناخ في الحرب وتوقيت اندلاع النزاع فيه يرتبط ارتباطا وثيقا بتلك التعقيدات. حتى وإن قرر القائد تجاهل الجغرافيا في تخطيطه آملا فقط في الحصول على الانتصار والانجاز الأفضل فلن يحصل عليه. ومن خلال التوقيتات الزمكانية يستطيع المراقب للشأن السوداني والمتتبع لتاريخ النزاعات معرفة من من القادة اتخذ قرارا بإضرام هذه الحروب أو تلك المعارك، لأن الأساليب تدل على المتسبب والأسباب.

✓• قيادة الدول إلى اللا استقرار واتخاذ قرارات الحرب يتم بالاستدراج نحو الزمكان الأنسب استراتيجيا، والسودان كدولة خاض عددا من الحروب الداخلية بالنظر لتوقيتاتها الزمكانية والتدخلات الخارجية والربط بينها وبين مصالح بعض الدول نستطيع التأكيد بأنه طوال تلك الفترات للأجندة الإقليمية والدولية وأجهزة الاستخبارات المحيطة يد طولى فيها، وأن تلك النزعات ترتبط ارتباطا وثيقا بقرارات محلية وإقليمية ودولية وتجلى هذا بصورة واضحة في (إنقلاب 25 أكتوبر 2021) وارتباطه بالملف الروسي وتوفير الاحتياطي الكبير من الذهب وكذلك رفع إحتياطي مصر لحوالي 44 طن من الذهب في النصف الأول للعام 2022م، والآن دخول منطقة النيل الأزرق دائرة التوتر يأتي متزامنا مع الملء الثالث لسد النهضة الذي يبعد عشرات الكيلومترات فقط من منطقة النزاع، وأستطيع القول جازما أن الحرب ظاهرة معقدة يتعين على الدول التفكير فيها وتبذل جهدها مواردها وامكاناتها لتسعيرها وتنفيذها بالأصالة أو الوكالة. يتعين على صانعي القرار ومهندسي السياسات والاستراتيجيين والنشطاء والخبراء والممارسين العسكريين أن يتعاملوا مع السؤال المحير المتعلق بالظروف التي يجب إنشاؤها لضمان النجاح في التخطيط الدفاعي وسير الحرب وهو ما لم يتدارسه أو يتداركه صناع القرار في السودان. فالصراع اليوم لا يعتمد على كثرة قوات المشاة على الأرض ولا على التاريخ الطويل في خوض الحروب ولا بالتمويل الذي يتم توفيره للتجهيزات العسكرية، لأن النجاح في الحرب والمعركة يعتمد على عناصر متنوعة مثل التخطيط والدعم الشعبي، القوة الاقتصادية، والجغرافيا، والطقس، والتكنولوجيا، والقيادة والسيطرة، واللوجستيات، والنقل، والتدريب، وأنظمة الأسلحة، والمعدات، والقيادة، والمهارة في استخدام الأسلحةوفوق كل ذلك  فإن الذكاء دائمًا عنصر أساسي، والذكاء اليوم ليس ذهنيا فطريا فقد تدخل الذكاء الصناعي بأجيال مختلفة وهو العامل الفصل في التخطيط والبدء والتنفيذ والاستدامة وتحقيق النصر الأكيد.

✓• ختاما: تجدد الصراعات في السودان لا يخرج من دائرة التداخل الكبير بين مصالح دول المنطقة واللإقليم، وهو خطوة لإقحام القوات النظامية للصراع من جديد ضد مجموعات دخلت في حالة اللا حرب واللا سلام منذ سقوط المخلوع في 2019م، فجميع الحروب التي كانت تؤجج سابقا أسهمت في تردي الوضع الأمني والاقتصادي والسياسي والتنموي وعصفت بالاستقرار في البلاد، ومكنت حفنة من السياسيين والعملاء لخدمة الأجندة الخارجية، وقد قطعت الثورة السودانية الطريق أمام ذلك الاستغلال للقرار السياسي السوداني والموارد المعدنية والطبيعية والبشرية من دول لا تريد للسودان المضي قدما وتعرقل استقلال قراره.
• وواجبنا التصدي الجماعي لتحقيق أكبر كتلة سياسية اجتماعية قومية تاريخية تتصدى لجر السودان لأتون حروب بالوكالة وتقف أمام (الجهلاء والوكلاء والعملاء) لتحقيق استقلال القرار الوطني واستدامة السلام وإستعادة واستكمال التحول الديمقراطي التام، والتنعم بخيرات البلاد وتصديرها وفق سياسات معروفة وقفل بوابات التسريب ونفاجات التخريب للاقتصاد الوطني، وإلا فستسمر رحا الحرب وتتنقل بين أطراف السودان المختلفة لتسهم لاحقاً في تمزيق أوصال الوطن وتقسيمه لدويلات كما هو مخطط له.

­­­­­­ــــــــــــــــــــــــــــــــ
@orwaalsadig