الأحد، 24 يوليو 2022

الجذريين الوطنيين

الجذريين الوطنيين
✓• بقراءة مجردة وموضوعية للبيان التأسيسي لتحالف قوى التغيير الجذري الشامل، والذي بدأ بتمهيد تاريخي يتساءل عن أسباب الفشل في إنجاز مهام الفترات الإنتقالية بعد ثورة أكتوبر 1964، وبعد انتفاضة مارس - إبريل 1985م، وبعد ثورة ديسمبر 2018م وانقلاب 25 أكتوبر 2021م، وأتت إشارة بضرورة إعادة فحص طبيعة السلطة، وبنية الدولة، ودور الجماهير، والموقف الحازم من السياسات، والبني والممارسات السياسية التي تتسبب في إجهاض التجارب الديمقراطية وتمنع استدامتها وترسيخها، إلى جانب اسئلة الوحدة الوطنية، والاستقلال السياسي والاقتصادي، وطبيعة الدولة ودورها في كفالة المساواة والعدالة والحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكافة مواطنيها، وهي تساؤلات موضوعية تتساءلها كافة القوى السياسية السودانية، حتى تلك التي لم تشارك في الثورة وربما التي تناهض التحول الديمقراطي، إلا أن الناظر إلى تلك التساؤلات ومنبعها والمنصة التي انطلقت منها، ومنبتها ومن بثها سيجد أنها لم تخلو من نزعة أيديولوجية وإقحام للحزبي فيما هو قومي.

✓• وقد حاول البيان تحميل المؤسسة العسكرية السودانية مسؤولية إجهاض تجارب الانتقال، وكذلك حملهم فشل ما سماه التسويات - غير مضمونة التنفيذ- وهو أمر غير منصف لأن المدنين والعسكر يتقاسمون تحمل مسؤولية فشل الأنظمة الانتقالية المشار إليها آنفا والنظام الديمقراطي كذلك الذي في كل الفترات تآمر عليه المدنيون قبل العسكر ووضعوا في بذور فنائه في أحشائه، وهم من عسكروا الحياة السياسية ومدنوا المؤسسة العسكرية وعصفوا بمهنيتها وانضباطها، وهذا لا يبريء المؤسسة العسكرية في كونها كانت اليد الباطشة والمنكلة بالشعب والمنفذة الأجندة الآحادية والدكتاتورية والحامي لفساد المفسدين في تلك الأنظمة.

✓• قد حدد البيان التأسيسي أهدافا أطلق عليه أهداف التغيير الثوري الجذري شملت سبع نقاط أقتبسها، وهي:
١. قضايا البناء والاستقلال الوطني والسياسي والاقتصادي.
٢. تفكيك بنية الانقلابات وينهي تدخل المؤسسات العسكرية في السياسة.
٣. بناء وترسيخ سلطة الشعب وخياره الديمقراطي.
٤. إحداث القطيعة مع بنية التخلف الاقتصادي والتبعية للخارج.
٥. بناء دولة المواطنة والحقوق و المساواة والعدالة والكرامة الانسانية.
٦. ضمان التوزيع العادل للثروة.
٧. القطيعة مع كافة الممارسات المعيقة لتحقيق هذه المبادئ والتي شكلت مدخلا لضرب وللالتفاف على ثورات الشعب ونضاله منذ الاستقلال، بالاضطلاع بالمهام التي تمليها ضرورة هزيمة تحالف اللجنة الأمنية للنظام المدحور وقوى خيانة الثورة، وتؤسس لسلطة أصحاب المصلحة في التغيير من قوى الشعب العريضة، وتؤمن استدامة النظام الديمقراطي بتوجيه محتواه لخدمة الجماهير لا التحالفات.
انتهى الاقتباس.

✓• وبذلك تم تحديد إطار نظري للتحالف (الوطني الجذري)، وكذلك وضعت خطط عملية لكيفية التواصل وتأسيس مراكز اللجان والكيانات والتكوينات والمراكز (الوطنية الجذرية)، وحددوا لذلك بعض الأسماء والجهات بالزمكان المعين، وعلمت أن التحالف قد حدد هياكله وسكرتاريته ولجانه العملياتية. 

✓• وقد نال هذا المؤتمر درجات متفاوتة من التداول، تدرجت من التهكم والسخرية إلى التحفظ، ثم القبول المطلق، وصولا للرفض الراديكالي، وأكثر شيء لفت انتباهي هو تعليق لأحد القيادات الإسلامية بأنه خطوة جيدة لتوحيد فتات القوى السياسية في البلاد لتقليص الجبهات، وفي رأيي أن هذا التحرك الـ (الوطني الجذري) لا ينعزل عن التوجه الإقليمي والعالمي للحركة اليسارية الراديكالية، والتي تبحث عن كيفية مواجهة الأنظمة والحكومات - حتى الديمقراطية- ومناهضة الحركات الإجتماعية المنافسة والمغايرة للتوجه اليساري الراديكالي وهو الأمر الذي يمثل اليوم تحديًا مركزيًا لليسار الجديد الذي يبحث عن كيفية معالجة الظلم مع الحفاظ على الحيوية والاستقلال عن النظام السياسي.


✓• إن منطلقات هذا التوجه الراديكالي هو مقاربة لما حدث في السودان بما حدث في أواخر العام 1968م في باريس، ويريدون الإجابة على تساؤلات السودان في العام 2022م من ذلك المنظور التاريخي وهو ما برز في ثنايا البيان التأسيسي لـ (الجذريين الوطنيين) من تساؤلات، لإيجاد تفسيرات عن درجة التحول الفجائية من الخنوع إلى الثورية، ومن القبول الشعبي للتوجه الإخواني إلى الرفض القائل بـ (أي كوز ندوسو دوس)، ومن الإذعان للنظام السياسي إلى التمرد والغضب (غاضبون) والاشتباك (ملوك الاشتباك).

✓• في ظنهم أن الإجابة على هذه التساؤلات قد خلصت إلى راديكالية الحراك الجماهيري السوداني وأن الثورة السودانية قد بلورت يسارًا سودانيًا جديدًا يتألف من العديد من المنظمات الراديكالية التي يقودها الشباب ومنها ما ذكرنا، بالإضافة للجان المقاومة وبعض الحركات النسوية والمجموعات الحقوقية، والحقيقة التي لم تخلص إليها مناهج التحليل الراديكالية التي يتبعها هذا التحالف، أن الثورة السودانية هي انفصال جيلي تام عن كل الموروث بما فيه "اليسار القديم" والملطخ بالدماء" واليمين والوسط التقليدي، ولا صلة لهم بالطائفية أو القبلية أو الجهوية أو أي ارتباط عضوي بالماركسية، ومتكيفون ومنسجمون مع بعضهم في وحدة "جيلية" بمختلف طرائقهم الطبقية، بل تكيف حتى أبناء الماركسيين وتعايشوا مع الرأسماليين المرفهين وحملوا بعضهم على ظهورهم عند إصابة أحدهم أو ركبوا مع بعض في فارهة آخر للوصول للموكب، وحققوا بذلك التوافق الثقافي والإتزان النفسي والاتساق الوجداني لأبناء جيل كامل، وتجاوزوا إقحام المباديء الأيديولوجية وزجها في مناهضة سياسات وقوانين النظام العالمي أو ما يطلق عليه الرادكاليون الجدد (الإمبريالية).

✓• صمم هذا التحالف بتضاد بائن، فقمته تتعاطى مع السلطة القائمة بالأخء والرد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وأسهمت في تنصيبها واشتركت في تقديمها لقيادة الانتقال، ويحذر هؤلاء القادة منسوبيهم في المستويات الدنيا والتحالفات الأفقية بشدة ويحظرونهم من التعامل أو الاتصال بالسلطة السياسية الرسمية والتعاطي معاها لأي سبب من الأسباب، ويوهمونهم بإن الحركات الراديكالية الجديدة مصممة للتأثير والضغط على السلطة وتغيير الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى الظلم بصورة جذرية، وفشلت في ذلك محاولات رفع شعارات مستمدة من هذه المدرسة في المواكب وتنادي بالفوضى الخلاقة والأناركية، إذ انزوت جميعها مع استمرار المد الثوري.

✓• في اعتقادي أن هؤلاء لا يدركون أن الثورة السودانية كانت انفعال بديهي، وحراك عفوي ليس مصمما أو مقولبا وفق رؤى ونظريات معينة، ولا يدعي كيان أو جهة ملكيته الفكرية أو صكوك التنظير والتخطيط والتنفيذ فهي سودانية خالصة بعبقرية شعبية متضامنة، فكثيرون نظروا ووقفوا عند انطلاق الثورة في الرصيف متفرحين، وكثيرين لم يقرأوا النظريات ولكنهم ساروا في طريق الثورة بديهيا، وقلة هي التي نظرت وخططت ونفذت.

✓• لذلك نجد الكثير من عدم الانسجام قد طرأ في الفترة الانتقالية وأسهم في إجهاضها، وأعتقد جازما إن نقطة الخضوع التي أسهمت في تهيئة الأوضاع للإنقضاض على الفترة الانتقالية نتيجة ذلك اللا انسجام، وهي المناهضة الأيديولوجية الراديكالية الماركسية تحديدا لمشروع الإصلاح الاقتصادي في السودان، والذي قاده أحد أميز عشرة خبراء في الاقتصاد العالمي، وساهم الراديكاليون في إعاقة الوصول للنهضة الاقتصادية والنمو لمدة عام ونصف، كلها بددت في عمر الفترة الانتقالية من راديكاليين أيدولوجيبن، ظلوا يناهضون توجهات الحكومة الانتقالية وبذلوا لذلك مدادا وكلاما وأقلاما وسهاما، وصمتوا صمت القبور حينما نفذ تلك السياسيات بجهالة وبخطل الوزير الحالي للاقتصاد، ومنذ ذلك الوقت بدأت الهندسة للتغيير العكسي والتخطيط للانقلاب على الشرعية الثورية.  

✓• كان محرك الراديكاليين في كل ذلك إدعاءات الإنهيار الاقتصادي العالمي عام 2010م، وتبعات الكساد الدولي والركود الذي طرأ على الولايات المتحدة باعتبارها عنوان الإمبريالية والرأسمالية الطفيلية، وما أعقب ذلك من احتلال لوول ستريت،  متناسين أنهم تسببوا في كساد مماثل في السودان لا يقل سوء عن الأزمة الإقتصادية العالمية، بفعل عنجهيتهم (الجذرية)، وتبديدهم لحوالي بليوني دولار تمنح للبلاد كاستحقاق للدول المثلقة بالديون، وعون سنوي يصل لحوالي سبعمائة مليون دولار، ومنح مباشرة تتجاوز البليون دولار، فضلا عن جدولة لدين ثقيل تتراكم فوائده لتثقل كاهل الاقتصاد السوداني، مع ذلك لم يرعو قادة التوجه الراديكالي عندما صاغوا «إعلان استكمال مطالب ثورة ديسمبر المجبدة، نحو تغيير جذري وطني بقيادة الجماهير» فأقحموا ذات النصوص المحفوظة في المخيلة (الجذرية) لتصورهم الإقتصادي والذي أغلقوا به باب التعاطي مع الآخر الإقليمي والدولي، خصوصاً وأن الاقتصاد الوطنى لا ينفصل من المنظومة الإقتصادية العالمية متذرعين بشعارات الاكتفاء الذاتي كالتي كان يرددها النظام البائد ( نلبس مما نصنع .. الخ)، والذي لن تكون ذات جدوى حال انعدم اندماج البلاد أو استحال في المنظومة الإقتصادية العالمية.


✓• كما أنهم اتخذوا من الممانعة وإعاقة الوصول لتنظيم محكم وهيكل مساءل لتحالف الحرية والتغيير سبيلاً لتفتيتها وإضعافها وشق تكويناتها بسحب الواجهات اليسارية منها، وناهضوا بكل السبل عقد مؤتمر تأسيسي لها ذريعتهم أنه في حال انعقد أي مؤتمر سيأتي على رئاسته زعيم القوى (الرجعية) على حد قولهم، ولكنهم فور ما أنشأوا هذا التحالف الجديد شرعوا في تكوين هياكله بمسميات لا يخفى على أحد منابعها التنظيمية، وتتسم بالإحكام والضبط والسيطرة التي أشبه ما تكون بالبيروقراطية الستالينية، تجلى ذلك في السر والعلن وبدأ بوضوح في منصة المؤتمر الصحفي الحمراء بامتياز رغم وجود المسميات الترميزية التضليلية.

✓• استيقن (الجذريون الوطنيون) أن ثمرات التحرك الشعبي قد حان قطافها وهذا الأمر يحتاج إلى إبراز قيادة إن لم نقل صناعتها، فالبلاد تتجه نحو "الإضرابات والاعتصامات العفوية توجها نحو العصيان المدني الشامل"؛ وطفقوا في تكوين مجموعات نسوية وتنظيمات شبابية وطلابية وفئوية وقطاعية لأبراز تلك القيادات وصناعتها، وتم هذا التحرك لهذا في المركز والولايات، المدهش أن تلك الأنشطة تمول عبر واجهات تقتات ممن يسمونهم قوى الاستكبار والامبريالية، وينشط فيها عاملون في الحقل الطوعي ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية من منتسبي اليسار ويستقطبون الدعم عبر تلك الواجهات.

✓• وفي اعتقادي أن هذه الطريقة من العمل السياسي تفتقر إلى أي استراتيجية أو أهداف متماسكة وتتحاذبها الأخطاء ونوازع الفشل من نواحٍ عديدة ومهمة، فهي تفتقر كأي مشروع للتقييم المتجذر، والفهم الرصين لطبيعة الإنسان والوجدان السوداني، وعفوية نضاله وعنفوان وقوة ثورته، وطبيعة التطورات السياسية الرئيسية في البلاد ومحيطها الجيوسياسي، وعدم قراءة ردود الفعل التي أعقبت الحراك الاجتماعي والتمرد السياسي الذي أدى إلى إنهيار نظام دكتاتوري غاشم آحادي مستبد وفاسد، وأقام تحالف الحرية والتغيير رغم المآخذ عليه على أنقاض ذلك النظام ملامح آخر بديل ديمقراطي مدني اجتماعي متماسك إلى حد كبير، خلخله وأسهم في إضعافه وإسقاطه الجذريون الذين أعلنوا ذلك على شاشات الفضائيات.

✓• إن ما نشهده من إعلان لهذا التحالف رغم أنه ظاهريا يبين وحدة موضوعية وتنظيمية لليسار، إلا أنه يؤكد حتمية الإنقسامات القائمة والموجودة وتلك النائمة القادمة والتي ستكون بصورة أعنف ومضطردة ومتزايدة ستطرأ على اليسار السوداني ككل، حينها ستتقسم هذه الكتلة لتنضم إلى منقسمين آخرين يشكلون (يسار الوسط)، وكتلة أخرى تمثل (اليسار الراديكالي)، أي كتلتين رئيسيتين على أقل تقدير، وستبرز حينها كتلة (النيوليبرالية) التي قد غيرت الخطاب السياسي لليسار بشكل كبير وجعلت أفق الإدعاءات والاحتمالات الراديكالية بعيدًا عن تصوراتهم الفكرية ومنطلقاتهم الأيديولوجية إلا أن هذه الكتلة سيتأخر تكوينها لتأخر العوامل الموضوعية لتشكلها.

✓• إن هذا النمط وهذه المحاولات لإعادة تنشيط اليسار السوداني، هو نمط اضمحلال وقد يقود إلى تلاشي اليسار، وربما أسهم في رفع درجات السخط والرفض الشعبي لليساريين، وحينها سيحدث لتلك التنظيمات ما حدث للإسلام السياسي، الذي تتجاذبه المحاكمات السياسية والفكرية والمقاطعات الاجتماعية، وبالتجربة حينما حاول اليسار تمطي ظهر الثورات واستغلالها لأجندته عوقب بالصوت الإنتخابي، لذلك أرى أن هذا السبيل سيقود اليسار إلى زوال، ولا أقول ذلك اشفاقا عليهم وإنما ليقيني أن الاتزان السياسي في السودان لن يتحقق إلا بتواجد الأضداد.

✓• ورؤيتي الشخصية أنه لا ينبغي لا لليسار السوداني ولا غيره من الأحزاب السياسية السودانية ولا الكيانات الاجتماعية والدينية الدخول في تنافس مع الحركة الجيلية الثورية ومحاولة تمطي ظهرها واتخاذها سبيلاً للترقي أو التكسب، والواجب هو تهيئة تلك الكيانات السياسية لنفسها وهياكلها وبرامجها وقياداتها لتنال الرضا الشعبي عبر الانتخاب، لأنه حينما حاول البعض استغلال الحراك أو التنافس مع الموجة الجماهيرية كاد أن يحدث انفجار حاولت جهات استغلاله لتكوين رأي عام يرفض الحزبية والممارسة السياسية المنظمة.

✓• ختاما: 

• إن الحركة الجماهيرية الآن في الشارع السوداني من أعظم التحركات الشعبية في العالم وما ميزها ودفع باستمراريتها أنها من الحركات الاجتماعية غير الهرمية في والتي الغالب تكون منافسة لتوجهات وأنشطة وإدعاءات الراديكاليين وتدحض عمليا الكثير من نظرياتهم وتفكك بنية أهدافهم التنظيمية المترابطة: كالطبقية وعدم المساواة الاقتصادية، التي تجاوزها ميدان الاعتصام بشعار ( عندك خت ما عندك شيل)، والهيمنة السياسية وتمركز الثروة المحمية سياسياً ودعاوي التهميش التي نسفتها عمليا ممارسات الحاكمين باسم اتفاقات السلام من الهامش، وتسلط الدولة البوليسية التي شاركها في التسلط والاستبداد مدنيون، والأشكال المتواصلة من التمييز العنصري التي اتضح جليا أنها تضمحل مع الاستقرار السياسي والأجواء الديمقراطية وأن الثورة لا تدع مجالا لارتفاع اي صوت عنصري.

• الواجب العملي يكون باستيعاب شعارات هذه المجموعات الشبابية والنسوية والدينية والثقافية والاجتماعية وأفكارهم ضمن المستوعبات السياسية الفكرية في البلاد، وليس بالضرورة استيعابهم كأشخاص في المستويات التنظيمية والهياكل الحزبية، لأن في حرية حراكهم يتولد التدافع ويثمر الإبداع، وفي استقلالية نشاطهم حياد، وفي تنوع رؤاهم ما يوحد الوجدان السوداني وهو ما من شأنه أن يربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب والوسط، ويوحد اللحمة القومية ويستنفر طاقات هذه المجاميع في أي لحظة تنادي للبناء والتعمير وحراسة وصون كرامة البلاد.


______
@orwaalsadig

الجمعة، 22 يوليو 2022

*حميدتي: الهروب من «الديكتاتورية» إلى «اللا سلطوية» ثم إلى «المخادمة»*

*حميدتي: الهروب من «الديكتاتورية» إلى «اللا سلطوية» ثم إلى «المخادمة»*
✓• أبدى الخطاب المكتوب والمنشور إنابة عن قيادة الدعم السريع ونائب رئيسمجلس السيادة أسفا وحسرة على ما آلت إليه الأوضاع مترحما على ضحايا وصف أرواحهم بالعزيزة، ويدرك "حميدتي" أو كتبة البيان أن أولئك الضحايا ما كان لهم إن يسقطوا لولا تواطوء قيادة الدعم السريع وانفلات سلاحهم واشتراك جنودهم وضباطهم في القمع والتنكيل والقتل للخصوم.

✓• مضى البييان ليتحدث عن ظاهرة استشراء خطابات الكراهية والعنصرية، وهو - أي حمدتي- من أذكى أوارها واستدعاها من أضابير أجهزة مخابرات النظام السابق، واستخدمت كافة بيانات وأجهزة وعناصر أمن القبائل الذين سقطوا مع نظام المخلوع، ليعملوا ضمن طواقم مستشاريه ومكتبه واستخباراته وأجهزته وشركاته وبنوكه واستثماراته ووزاراته.

✓• بل "حميدتي" هو من أحيا رميم الإدارات الأهلية من المتملقين والمهادنين والفاسدين الذين سقطوا مع المخلوع وظل يبرر ضرورة استصحابهم، وصرف لأجل ذلك صرف من لا يخشى الفقر من رشا مالية وعينية وبعضهم من تم إرساله لحج بيت الله، وتم إبعاد وتدجين كل الإدارات الأهلية التي لم تقبل الرشوة أو تخضع لإمرة وأجندة قيادة الدعم السريع.

✓• من ضمن تلك الرشاوى استيعاب شباب عدد من أبناء شباب تلك القبائل كجنود في الدعم السريع، في الوقت الذي كان بإمكان - حميدتي - ابتعاثهم للتعليم كما فعل مع بعض رهطه، ولكنه اختار تجنيدهم وابتعاثهم للحرب والموت في اليمن.

✓• وأعجب تلك الرشا لمجموعات تجلس على جبال من الثروات، والمقدرات، والموارد، قدمتها لقمة سائغة لـ (حميدتي) الذي مهد لمجموعات أجنبية ودول الاستثمار فيها وبدورهم استغلوها أيما استغلال وهربوا ثروات تقدر بمئات الملايين من الدولارات تحت عين ومسمع "حميدتي"، وليست فاغنر وميروقولد ببعيد.

✓• حفز كل ذلك الاستقطاب لبروز خطاب اثني وعنصري وجهوي يستقوي ببندقية الدعم السريع، تدرج من رفض الأخر القبلي وصولا لتهديد المجتمع الدولي والتنديد بالبعثة الأممية والتلويح بطردها، ونجم عن ذلك استقطاب مضاد تنادى بعض قادته لتكوين جيش من مليون بندقية، وآخر يبشر وينادي بنزعات عنصرية انفصالية.


✓• أكد البيان أن هناك مخاطر ومؤامرات تحاك ضد البلاد من الداخل والخارج، وأن - حميدتي - ظل يراقبها، ولكنه لم يقر بأن تلك المؤامرات منها السياسي والأمني والاستخباري والاقتصادي والاجتماعي والاستعماري، وهو له سهم معلى في كل منها بدرجات تتفاوت تأثيراتها، وهو يعلم أن جل تلك المؤامرات تتم إما باسمه أو باسم أسرته أو باسم قواته أو باسم مكتبه في السيادي أو تحت غطاء الكارتل الذي يرعاه، ولا تعوزه المقدرة ولا القوة على إيقاف تلك الدسائس، إلا أنها تتم تحت بصره وسمعه.

✓• تحدث دقلو عن ضرورة تحكيم صوت العقل، وهو الذي أقسم في سبتمبر ٢٠٢١م قسما مغلظا بأنه لن يجلس مع الفرقاء السياسيين، وعطل لأجل ذلك مجالس كان بمقدورها حل الخلاف وفك الإشتباك، فقد عطل اجتماعات مجلس الشركاء، ومجلس السيادة، ومجلس الأمن والدفاع، والمجلس التشريعي المؤقت، واجتماعات الطواريء الإقتصادية، كل هذا يأتي اليوم ليتحدث عن تحكيم العقل وضرورة الوصول إلى حل ينهي الأزمة التي سببها انقلابه في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م.

✓• المدهش أن كاتب البيان يتجلى جهله العسكري، بتجريده للبرهان عند ذكر قرارات الرابع من يوليو من (التركين)، فذكر مجرداً من (ركن) ومضى إلى القول بأن القرارات ليست آحادية وأنها تمت بالتشاور معه، ولكن هل كان التعليق عليها يحتاج التأخر لثلاثة أسابيع، أم أن "حميدتي" لم يسمع بها إلا بعد وصوله الخرطوم للقاء مدراء شركات الاتصالات والاجتماع بالسفير؟؟!! والتي سيغادرها إلى دارفور مجددا ولأيام قد تطول.

✓• أبدى حميدتي زهده في التمسك بسلطة تكلف الدماء وأرواح الأبرياء، وألقى الحبل على قارب القوى السياسية المدنية للتشاور والتحاور، وهو لم ينطلق لهذا القول إلا من تحضيرات جيدة آخرها اجتماعات (سدنة) الإنقلاب الذين أوعز لهم التحرك نحو (المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير) للإسراع بتكوين «حكومة توافقية» تقود للانتخابات، متناسيا أن الخرق قد اتسع على الراتق، وليس (المركزي) وحده الذي يستشار في الحل السياسي وأن القوى التي مدها بالأموال والرصيد والحديد واستدعاها لاعتصام «القصر» لن تقو على إحداث "الاختراق" المطلوب في الأزمة السياسية، لذلك كلفهم بالتواصل مع قوى الثورة باذلا في ذلك ما شاء من مال وحديد ورصيد أو لمن أبى فالوعيد والبطش الشديد.

✓• لفت انتباهي حث حميدتي للقوى السياسية للإسراع في التوافق لتكوين ما سماها مؤسسات الحكم الانتقالي، والتي قوضها هو والبرهان، ومزقا مرجعيتها الدستورية، وخرقا وفاقها الوطني، وخانا التزامها السياسي، وعبثا بمقدراتها الإقليمية والدولية، وسجنا طاقمها الوزاري، وغيرا قيادة مؤسساتها بالإخوان، وأغرقا أهلها بحمامات الدم والدموع، وهي ذات المؤسسات التي أعاد إليها الفلول من الحركة والتنظيم المحلول، ومكنا كتائب الظل والعمل الخاص، والذين استوعب "حميدتي" كثيرين منهم في قواته ومكتبه ومؤسساته، وكفل لهم الحماية بل وأرسل بعضهم كممثلين وملحقيات في الخارج.

✓• كما أنه التزم إلتزاماً مريبا - بالنسبة لي- بأنه سيذلل كافة الصعاب التي من شأنها إعاقة الوصول للتوافق، وهو يعلمها علم اليقين وهي ما قدم للوساطة مكتوبا، ويعلمهم القاصي والداني، وعلى رأسها إنهاء الإنقلاب المشؤوم وإبطال قراراته وإجراءاته واستعادة الوضع الانتقالي بأسس دستورية جديدة، وهو ما تمنعوا عن فعله لما يقارب العشرة أشهر، حصدت إثرها بلادنا الهشيم والحصرم.

✓• أما في حديثه عن اندهاشه لما آلت إليه أوضاع دارفور، وما ترتب على حروبها من فقر وعوز وضيق وأزمات وكوارث وتردي في الخدمات، فهو الأمر الذي يذكرني بطرفة قالها المخلوع: ((أنه صلى في مسجد يدعو إمامه بأن لا يسلط الله عليه من لا يخافه ولا يرحمه، فصاح أحد الحضور قد كان يجلس بجوار البشير: "يا مولانا هو سلط وانتهى"))، وفجر البشير ضحكة بلهاء، فبربك يا دقلو حينما كنت تجرب كافة الأسلحة المباحة والمحظورة في دارفور، بدءاً من الآلي إلى صواريخ الشواظ والمدافع الفتاكة، تحت تغطية طيران الأبابيل، الم تكن تعلم أن تلك هي ثمرة الحرب؟؟، دقلو: حدثنا عن كل شيء ولكن لا تحدثنا عن آثار الحرب، فأنت قد أفقرت سلاطينا وملوكا ونظارا وفرشا وشاراتي وجلست على كنوزهم، وحرقت ديارا وحواكيرا ورتعت في أطلالها، وأذكيت نيرانا للحرب وفتحت بابها الذي لن توصده إلا مؤسسات دولة تحقق العدالة الانتقالية والقصاص للضحايا وعقاب الجناة.


✓• وتناول البيان مساعي دقلو التي أتت بصيغة المتخاطب (أنا) وفعلت وتركت، هذا ما يبين لك حتى آحادية ودكتاتورية وسلطوية العقل الاستشاري الذي يصوغ مثل هذه الخطابات، فدقلو ليس فرادا واحداً لا شريك له، وإنما هو منظومة سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية متكاملة يريد دقلوا الهروب منها إلى حيز جديد وهو «اللاسلطوية» والجلوس في منطقة رمادية كالتي جلس فيها بعد قرارات ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، وحاول العودة منها عبر استعادة د. حمدوك وفشل في ذلك.

✓• هذه المساعي في دارفور لن تكون ذات جدوى وسترتد حروبها أكثر شراسة وضراوة وحدة بعد خروج القوات من دارفور، وذلك لأن الحل للأزمة السودانية لا يكون بالتجزئة وإنما بالحل السياسي الشامل لتحقيق السلام العادل والتحول الديمقراطى الكامل، وأن كل المساعي التي ينشط فيها الإنقلابيين ووكلاءهم في دارفور أو من تم إرسالهم للنيل الأزرق، فهي تسكينية ولن تبرئ جراح الوطن.

✓• وما يستخدم في هذه المصالحات هو ما أسميه «المخادمة»، وهو بمثابة البيع والشراء السياسي والبراغماتية المتبادلة إن لم يتعداه للانتهازية، وذلك لأن هناك مصالح متبادلة بين إدارات وامارات أهلية تطمح للسلطة والغنى وبين طموح كبير لـ "حميدتي" زينه له (السدنة)، بأنك يمكن أن تحكم هذه البلاد إن لم يكن بالرغبة فبالرهبة، وبعد أن استعصى عليه الشعب بالترهيب والتركيع والبطش والتجويع، ها هو يحاول عن طريق استخدام بعض البيوتات الدينية والإدارات الأهلية والحركات المسلحة والقيادات الحزبية لشراء بعض الذمم وتدجين أصوات بعض الجماهير، فمبدأ «المخادمة» تجلى بصورة كبيرة في نهج حميدتي، الذي يميل دوما لإبرام "الصفقات" التي غالبا ما يكسب طرفيها ويخسر الوطن، فقد استخدم «المخادمة» سياسياً وأمنيا واقتصادياً وأهليا وجهويا، ولنا في تصرفات كثيرين خير دليل كاعتصام القصر الذي حمى فاسديه، وإغلاق الشرق الذي أكرم منفذيه.


✓• في الفقرة الأخيرة بين "حميدتي" الجهة التي رسمت له (خارطة الطريق نحو المخرج الآمن) الذي حاول البرهان استباقه إليه عند لقاء السفير البريطاني، إلا أنهما ألفيا نفسيهما لدى الباب، وهذا المخرج تطرحه بعض الدول الكبرى وحددت مطلوباته في قمة جدة وبيان الرباعية وبيانات الترويكا وهمست به المملكة المتحدة ومبعوثيها، ولك أن تقرأها عزيزي اقتباس السبع نقاط التالية:
(( ١.  إلتزامي التام بالعمل من أجل حماية أهداف ثورة ديسمبر المجيدة.
٢. وحماية المرحلة الإنتقالية حتى تقود لتحول ديمقراطي حقيقي وانتخابات حرة ونزيهة.
٣. كما أؤكد إلتزامي التام بالعمل مع "الجيش" السوداني وكل المخلصين الوطنيين الحادبين للالتزام بمهامنا الدستورية.
٤. والعمل على إصلاح المنظومة العسكرية والأمنية.
٥. وتنفيذ إتفاق جوبا لسلام السودان بما في ذلك بند الترتيبات الأمنية المنصوص.
٦. وصولاً لـ (جيش) واحد مهني ويعكس تعدد السودان وتنوعه، ويحافظ على أمن البلاد وسيادتها ويصد كل أشكال العدوان ضدها.
٧. كما نجدد الدعوة للأخوة حملة السلاح للانضمام للسلام.))
انتهي الاقتباس

✓• الخلاصة: أن حميدتي ومن معه من مستشارين قدامى وجدد ايقنوا أن الدكتاتورية ونظام الهيمنة الآحادي الذي حاولوا ترسيخه بالإنقلاب ثبت بطلانه وعجزه. لما أشعله من حروب دموية ومعارك سياسية وتلك الثقافية الرهيبة التي أضرمتها قوى الإنقلاب وأججتها وسائل إعلامه، وتبين ألا فرصة لأي تعاون خلاق بين الانقلاب والشعب السوداني ومكوناته الثورية، بل حتى التنافر وصل بين مكونات الإنقلاب العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، لذلك لجأ "حميدتي" لبث هذه التطمينات للشعب والإقليم والعالم بل والجيش السودان الذي ذكر حميدتي لأول مرة ضرورة أن يكون هناك جيش واحد.

✓• وهو يرى أن ينسحب إلى حيز «اللا سلطوية» ويمارس السلطة تدريجياً عبر السيطرة على العناصر الحاسمة في أي صراع أهمها الإقتصاد، والقوى الخفية المرجحة في القرار المحلي والوطني، عبر واجهات يجري تصميمها بعناية شديدة، بها آلاف القيادات والمنظمات والأجسام. ستنشط تلك المؤسسات «اللا سلطوية» باللجوء لمبدأ «المخادمة» وتفتح لها الدور وتبذل لها العطايا وتمنح إليها الهدايا وستمول البنوك المملوكة للمنظومة «اللا سلطوية» عمليات كبيرة وصغيرة ومتناهية الصغر كشراء الأراضي والشركات والعقارات والمنقولات والأصول المملوكة للمجتمع لتخدم "حميدتي". والهدف النهائي هو استبدال كيان بآخر ومجتمع ببديل وإحلال ناخب جديد يهيأ للإنتخابات التي أشار إليها "دقلو" في ثنايا الخطاب، فـ "المخادمة" لا تحقق فقط الحكم ولكن أيضًا الهيمنة الاقتصادية والتحكم في القرار السياسي.

ختاماً: نحن ننحو بانحدار سريع ومريع تجاه الإنهيار المؤسسي الشامل في بنية الدولة، ومؤسساتها وكياناتها وأحزابها وهيئاتها وتكويناتها وأنظمتها وقوانينها وأعرافها، ومن يملك السلطة والمال هو وحده من سيرث منظومة الدولة المتهالكة، وأن السعي نحو ذلك يجب الوقف له والتصدي بحسم لإيقافه، ونصح كل من يريد خلخلة كيان الدولة ليستحوذ على ما تبقى منها، بأن هذا الوطن لا يستحق أن يفعل فيه مثلما فعل أو كما هو مخطط، وأن الطريق لقطع جميع المؤامرات التقسيمية لا تكون بالالتفاف عبر هذه الخطابات، وإنما بمواجهة الأمر بعبارات صريحة وجريئة، تقر بفشل الإنقلاب، وتبطل قراراته، وتوقف إجراءاته التي لا زالت متواصلة وتتغول قيادته الانقلابية على ملفات الحكم والإدارة والدبلوماسية، وأن يحدث تنحي فعلي وفوري عن السلطة في البلاد وليس كما هو بالصورة التضليلية التي حدثت بعد قرارات ٤ يوليو ٢٠٢٢م، أو فالحالقة.

______
@orwaalsadig