الأحد، 28 أغسطس 2022

كرري .. يا أعظم ذكرى

كرري يا أعظم ذكرى

٢ سبتمبر ١٨٩٨م

● يحتفي المحيط الإقليمي والعربي والإفريقي والدولي بحروب تحرره ورموزهم الذين استبسلوا في مواجهة العدوان والطغيان وتنظم المهرجانات والاحتفالات اعتزازا بالآباء والأجدا، وتصل درجات الاحتفاء لمراحل أشبه بالتقديس فلا أحد يستطيع التنكر للسنوسي في ليبيا أو تجاوز عمر المختار، وتتردد في وسائل الإعلام المصرية وانتاجها الفني العديد من الأعمال التي تمجد الزعيم عرابي، ولا تستطيع أن تذكر معارك التحرر الجزائرية دون الإشارة لكونها بلد المليون شهيد على رأسهم السيد عبد القادر الجزائري، ولا زال غاندي أيقونة التحرر السلمي في العالم والهند، ومثل الجيش الجمهوري الايرلندي أهم جيوش التحرر في الغرب، وبفضل المقاومة سلمت فرنسا فيتنام لهوشي منهو، وفر الهولنديون من جزر الهند الشرقية الهولندية، وخرجت البرتغال مرغمة من انغولا وموزمبيق، وغيرهم ممن قاوموا المحتل والمستعمر في أوطانهم.


● وفي بلادي هذه هناك من أرغم الأنوف المستكبرة وحطم أحد أهم أركان المنظومة الاستعمارية في المنطقة، وأخضع الجبابرة، وأسس دولة مستقلة ذات سيادة بعلمها ودواوينها وجيشها وعملتها وعمالها على الأمصار المختلفة، للدرجة التي حفزت الكثير من الشعوب وقادة التحرر الإشارة لهم والاقتداء بهم لمجابهة صلف المستعمر، وأنهت على أرضها حياة أعتى الجنرالات العثمانيين والبريطانيين، ما حفز بريطانيا العظمى لتجديد قيادتها وتحديث أسطولها البحري الذي كان يعد الأعظم في العالم، وبذلت قصارى جهدها لتطوير أسلحتها النارية وترسانتها الحربية إلى مستويات آلية ونصف أوتوماتيكية ومدافع رشاشة، وأخرى حارقة.

● وقد قاد ذلك التطور العسكري والاستراتيجي إلى حدوث أكبر تمدد للقوة البريطانية بعد هزيمتهم النكراء في القرن التاسع عشر في أفريقيا، إذ كانت بريطانيا القوة الحاكمة المعترف بها في مصر من عام 1882م، والتي مهدت عبرها وسهلت اجتياح السودان جنوبا للانتقام والاقتصاص لقتل الجنرال غوردون في 1885م، وحققت انتصارها في السودان في أم دبيكرات عام 1899م. واستمر الأمر كذلك حتى النصف الثاني من القرن لينال السودان استقلاله مجددا في 1955م، وقد اتخذ البريطانيون أساليبا عديدة للتوسع في القارة السمراء بدأت بشركة النيجر الملكية التي بسطت النفوذ البريطاني في نيجيريا ، كما أصبحت جولد كوست (غانا حاليًا) وغامبيا أيضًا توابع استعمارية للمملكة البريطانية. وعملت شركة إمبريال بريتيش إيست أفريكا في ما يعرف الآن بكينيا وأوغندا، وعملت شركة جنوب إفريقيا في ما يُعرف الآن بزيمبابوي (روديسيا الجنوبية سابقًا) وزامبيا (روديسيا الشمالية سابقًا) وملاوي . وقد مكّن انتصار بريطانيا في حرب جنوب إفريقيا (1899-1902) من ضم ترانسفال في عام 1902 وإنشاء اتحاد جنوب إفريقيا، وأنا أقرأ هذه القراءة لنعلم مداخل الاستعمار القديمة المتجددة في ثوب جديد، وهناك شركات شبيهة حاليا روسية وفرنسية وعربية وأوروبية وغيرها تحاول استمالة القارة واخضاعها مجددا واستغلال مواردها.

● وقد أسست الحكومة البريطانية بتلك الشركات مجتمعة جماعات التصفية السياسية والاغتيال المعنوي والدعاية السوداء والبروبوغندا الحربية، ودعمت كتاباتهم لتنشر في أصقاع المعمورة محاولات بائسة لكنس آثار تلك الهزيمة في الخرطوم، فاستكتبت أقلاما استخبارية كونجد باشا ورودلف سلاطين و ريتشارد أ. بيرمان الذي كتب "مهدي الله - قصة الدرويش محمد أحمد" ، وصاغ مقدمته ونستون تشرشل بنفسه، وغيرهم كثير من حاملي العبء الغبائني والضغينة التاريخية، كل ذلك لإلحاق الهزيمة النفسية بذراري الشعب الثائر وما يسميه السودانيون (عقاب الكتلة)، حتى رسخوا في أذهان كثيرين من أبناء شهداء الثورة والدعوة إساءات بالغة لآبائهم وحتى للمهدي وخلفائه عليهم السلام، وما كان ينبغي لعاقل تصديقها ولكن كان قلم المخابرات أمضى وأقوى، للدرجة التي استمال فيها مستقبلا عقولا شابة وواعدة ومستنيرة، محققا بذلك الاستلاب التاريخي والتوريث المتتابع للتأزيم النفسي وتقزيم الذات السودانية، للدرجة التي جعلت ممن يظن أنهم نخب رائدة يتنصلون عن التاريخ وينشطون لشيطنته وحذفه على قلته من المناهج التعليمية، وهذا لا ينفي بعض المحاولات الأكاديمية والعلمية لبعض المؤرخين السودانيين كبروفيسور محمد سعيد القدال الذي خط كتابه " لوحة لثائر سوداني"، وإسماعيل عبد القادر الكردوفاني الذي كتب كتاب "سعادة المستهدى بسيرة الامام المهدي"، والذي حفز بدوره الكاتب حاييم شكيد ، ليكتب عن حياة المهدي السوداني: دراسة تاريخية لكتاب سعادة المستهدى بسيرة الإمام المهدي لإسماعيل عبد القادر الكردفاني (نيو برونزويك ، نيوجيرسي: كتب المعاملات ، 1978)، وحديثا تناول عصمت زولفو لمعارك المهدية.

● أمام تلك الحملات العنيفة للاستهانة والاستخفاف بالمهدي والمهدية ومحاولات التصفية المعنوية برزت إرادة وعزيمة قوية جعلت من ذلك الغرس المقبور تحت الرماد يصبح لاحقا القوة الدينية والاجتماعية والسياسية الأولى في السودان بعد ما يزيد عن 124 عام ورائد المقاومة والاستقلال ومناهضة الدكتاتوريات، بعد ما حدث له من فجيعة سماها الصحفي ديفيد شنفيلد محرر هيستوري توداي بالمذبحة وقال: "استخدمت بريطانيا تقنية عسكرية جديدة في مذبحة جيش الدراويش السودانيين بالقرب من أم درمان في 2 سبتمبر 1898م"، موضحا أن ذروة التقنية العسكرية والتطور التكنولوجي القتالي في بريطانيا تم تجريبها واستخدامها ضد السودانيين في معركة كرري، ومن وسط هذه المجذرة والإبادة والدماء والجماجم المحطمة والأوصال المقطعة نهض جيل وثاب وتواق للحرية والانعتاق.

● إن أعظم ما يبز ويدفع للفخر أنه كان في مقدمة هؤلاء الأشاوس الشيوخ وحفظة كتاب الله والفرسان البواسل من الشباب في المرتبة الأمامية، لم يتوانوا أو يترددوا، وقد جاء في وصفهم أنهم رقدوا مطمئنين يتوسد أحدهم نعاله وينزف مبتسما حتى تفيض روحه إلى بارئها، كما أن جميع من لقوا حتفهم لم يترددوا أو يبتعدوا عن المدافع الرشاشة (المكسيم)، وكان أبعدهم مسافة لا يتجاوز الخمسين متر أي أنهم جميعا كانوا في المدى الفعال والمؤثر لنيران العدو، وكذلك فتكت بهم نيران بنادق (لي- ميدفورد) التي يصل مداها  أبعد من 800 ياردة.

● ليس مؤلما أن تجد وصف اجدادك مقطعي الأوصال متفجري الأجساد ومهشمي الرؤوس ومبذولي الأحشاء تتناوشهم الجوارح والضواري، فهم قد قدروا وقرروا مسيرهم وحددوا مصيرهم، واجهوا جيشا أنجلو مصريا لا يحمل لهم إلا الضغينة والموت فقابلوه برباطة جأش،وقوة عزيمة، ولكن الأشد إيلاما أن من ضمن الألوية التي سحقت بسالة السودانيين في كرري، لواءً حربيا ضم سودانيين قتلوا اخوتهم وفتحوا عليهم وابل النيران وتلذذوا بقتلهم، وذات الأمر يتكرر في كل الحقب والعصور والدهور، ويؤكد أن الهزائم لا تأتي من شجاعة الأعداء وإنما من خيانة الأقرباء.

● إن الجنرال هربرت هوراشيو كتشنر، والضابط ونستون تشرشل، والمهندس الملكي إدوارد جيروار، واللواء ويليام جاتاكري، الكولونيل هيكتور ماكدونالد،  واللواء السير أرشيبالد هانتر، مثلوا مملكتهم البريطانية ومستعمرتهم المصرية وقاتلوا بالإنابة عنها، وارتكبوا في سبيلها ما يرقى بمعايير اليوم أن يصنف ضمن جرائم الحرب والعدوان والجرائم ضد الإنسانية، فقد أجهزوا على ما يقارب الخمسة آلاف جريح غير الشهداء الذين لكثرتهم كان يظنهم كتشنر غابة او "زريبة" لكثرتهم، وتركوا مثلهم يلاقوا مصيرهم المحتوم وأسروا عددا مماثلا، وقد قابلهم رجال آمنوا بربهم ووطنهم وقاتلوا حتى قابلوه على صهوات جيادهم، فقد قضى الأمير إبراهيم الخليل نحبه وهو يحث جنوده على القتال متقدما إياهم ولم يترنح أو يتراجع حتى شوهد رأس جواده مقطوعا وجسده هو ممزقا ورأسه مهشما يكبر الله ويحمده، غلله درهم الخليفة شريف والأمراء عثمان شيخ الدين وعثمان أزرق والأمير علي ود حلو، كانوا يمثلون وطنهم المحتل ويذودون عن حياضه لا يبتغون إلا وجه الله، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه حتى رافقوا خليفة المهدي عليهما السلام إلى لقاء ربهم في منطقة أم دبيكرات بعد شهور قليلة من كرري.


● ختاما: إن معركة كرري في سبتمبر 1898م هي أعظم ذكرى وقد كانت وستظل عبرة للسودانيين، واعتبارا للغربيين، ودرس للإنسانية في الوطنية والشموخ والإباء والبسالة والتضحية والفداء، كما أنها أضحت أوضح عنوان سافر لأسوأ أنواع الغدر والخيانة الوطنية، فمن عملوا في تشييد السكك الحديدية وشحن الذهب وتهريب موارد السودان لتسهيل دخول الآلات الحربية والجيش من مصر إلى السودان، وساسوا خيول المستعمر وعلفوها لم يكونوا سوى أبناء جلدتنا ممن كان ينتهرهم جنرالات المملكة العظمى ويضربونهم بالسياط، و لكل زمان عملاؤه وأجراؤه، ولكل مستعمر ومستبد عبيده، و( لكل وقت حال ولكل زمان وأوان رجال) أو كما قال المهدي عليه السلام، وواجبنا أن نتصدى لأيادي الاستعمار الخارجي والاستبداد الداخلي وأن نكشف زيف مطاياهم من أبناء جلدتنا وممن يعلنون محبتهم ويضمرون بغضهم لنا وللوطن، حينها لن نهزم ولن نقهر

السبت، 27 أغسطس 2022

انتخابات الصحفيات و الصحفيين السودانيين.. من المنتصر؟؟

*انتخابات الصحفيات والصحفيين السودانيين .. من المنتصر؟؟*
● جعلت النقابات والتكوينات المهنية والعمالية لتمكين أصحابها ورعاية مصالحهم بشكل جماعي وبصورة منظمة، وأن تمثل بتواجدها قوة حارسة لحقوق القطاعات المهنية والفئوية والعمالية. وتضطلع هذه الكيانات باختيار قياتها بصورة ديمقراطية شفافة، ينظر لذلك بعض نخبتها ومستشاريها لوضع الأسس واللوائح والنظم التأسيسية والمؤسسية.

● ظلت النقابات المهنية والفئوية والقطاعية تلعب دورا تاريخيًا ومهمًا في التحولات السياسية والإجتماعية في السودان وشكلت نقابة الصحفيين السودانيين في كل الأنظمة محور ارتكاز للنظام السياسي وتجاذب واستقطاب على كل الأصعدة، وقدموا في ذلك مساهمات مهمة في المجتمع على نطاق واسع ومعتبر.

● ومثلت الممارسة الديمقراطية في النقابات والاتحادات الطلابية ذروة التفاعل الحر، إذ أنها تمثل "ديمقراطية خارج الحكومة" وقدمت انتخابات الطلاب والفئات والمهنيين نموذجا لإنشاء المؤسسات الديمقراطية . وظللنا نعتز على الدوام بهذه الممارسة إذ اتسمت بالتنافس الحر والتداعي الكبير من كافة المنتسبين للقطاع أو المؤسسة أو الجامعة.

● بهذا التداعي الذي نشهده في التجمعات الصحفية منذ عقد الجمعية العمومية وصولا لانتخاباتهم التي تنعقد في أغسطس الجاري، الواجب المرجو والمنشود هو الآتي:


1. أن نتجاوب جميعا مع هذا التداعي الحر، وأن يكون تعاطفنا منقطع النظير إذ أن هذه التجربة واحدة من التجارب الواعدة التي تؤسس لاستدامة الديمقراطية.
2. لا يمكن للسودان أن يكون له تواجد على الصعيد الإقليمي والدولي،  بدون أن تكون له نقابة حرة ونزيهة ومنتخبة تمثله في المحافل الإقليمية والدولية ولنا في نقابة العهد البائد عظة وعبرة إذ ظلت داجنة تأتمر بأمر السلطة القائمة وقتذاك.
3. وينبغي إنشاء مجموعة متكاملة من شبكات الإسناد والدعم لاستكمال أدوات مشروع التحول الديمقراطي، وتمثل نقابة الصحفيين السودانيين واحدة من ركائز الانتقال التي علينا أن نعض عليها بالنواجذ.
4. كما أن ذاكرتنا القريبة والبعيدة محشودة برموز صحفية وإعلامية لها باع في هذا المضمار الديمقراطي واجبنا أن نستدعيها تكريما وتخليدا لأدوارهم وقد قضوا حياتهم يرنون لرؤية هذا المران الديمقراطي.
5. علينا أن ندعم تصميم مستقبل العمل الصحفي المنشود، والمؤسس على البرامج الانتخابية التي يحتمل فوز أحدها، جميعها تتفق في رؤيويتها نحو مستقبل واعد.
6. من محاسن هذه التجربة التي علينا العض عليها بالنواجر المساواة الإثنية والجهوية والنوعية بين منتسبي القطاع وتجاوز الأمراض الوروثة من النظام البائد.
7. بهذه الخطوة سيسهم الصحفيون والصحفيات السودانيون في إنهاء أسوأ حقب امتهان المهنة والاستعار الممنهج والاستغلال القذر لمجتمعات الصحافة، وسيكون الصحفي السوداني محميا ومستندا إلى سلطة قوية تدافع عن حقوقه.
8. وعلى الجميع بمختلف أحزابهم وكياناتهم ومنظماتهم وتنسيقياتهم التخطيط لكيفية الحفاظ على مستقبل هذه النقابة وحراستها من كل أيادي العابثين من الداخل والخارج.
9. كما سيظل العوز الاقتصادي والفقر الذي تشهده البلاد هو آفة المؤسسات العصرية، وواجب الساعة هو تقديم الدعم المستحق لترسيخ وتمكين هذه التجربة التي ستكون مفتاح التحول الديمقراطي المنشود؟
10. وواجب الساعة هو تمكين الصحفيين السودانيين من وسائلة المتطورة وتأهيل المؤسسات الصحفية تقنيا وتكنولوجيا المعلومات والاتصلات، والاهتمام بالأكاديميات الصحفية وكليات الإعلام والأجهزة الإعلامية وتهيئة بيئة العمل.
11. إذا أردنا ترسيخ الديمقراطية علينا الاحتقاء بهذه التجربة وتهنئة الجميع لأن الفائز فيها هو الوطن، ومهما اشد الخلاف بين أطراف المنافسة الصحفية فهم يحتكمون فقط للديمقراطية ووسائلها الحرة والشفافة، وواجبنا التصدي لكل سدنة البندقية ولاعقي أحذية الشمولية.

● ختاما: أهني صحفيي وصحفيات بلادي في الداخل والمهجر على هذا الدرس الذي انتظم فعاليات محضورة ومنضبطة وشفافة، كان همها الأوحد هو تأسيس نقابة حرة ومهنية، وأشد على أيادي الذين نظموا كل هذه الفعاليات بدءًا من إنعقاد الجمعية العمومية وصولا لأعمال اللجنة التحضيرية وأنشطتها ختاما بالمناظرات التي وضعتنا في مواجهة القبح الشمولي وأبرزت لنا جمال المران الديمقراطي والمبارزة الحرة التي تعلو في سمائها قوة المنطق ورجاحة الكلمة وتنزوي لديهم وتنحسر أصوات الدكتاتورية وأبواقها.