السبت، 17 سبتمبر 2022

بيع أصول النقل النهري قتل لقطاع النقل وتدمير للبلاد

بيع أصول النقل النهري قتل لقطاع النقل وتدمير للبلاد


● تسبب نظام ٣٠ يونيو ١٩٨٩م في تبديد أصول البلاد الاقتصادية وتدمير بناها التحتية ما ألحق ضررا بالغا في قطاعات عدة، أكثرها تأثيرا قطاع النقل الذي تأثر ببيع الخطوط الجوية وخط هيثرو وتدمير أطول خط سكك حديد في القارة، وخصخصة الخطوط البحرية السودانية والعبث بالنقل النهري للدولة الذي يربط شمالها بجنوبها في أطول المجاري والمحطات المائية الأفريقية ما تسبب في ضيق مواعين النقل النهري والسكة الحديدية وانعدام الطائرات والسفن الوطنية.


● عكفت حكومة الفترة الانتقالية على ملاحقة تلك الأصول الثابتة والمنقولة وتتبع إجراءات تمليكها للغير، الأمر الذي قاد إلى العثور على عمليات فساد تقف عليها مؤسسات وشركات وأفراد بعضهم من السودان وآخرين أجانب، وفور استرداد تلك الأصول واستخلاصها من جماعات تدمير الإقتصاد الوطني شرعت الحكومة في وضع مشروع لتجديد السكك الحديدية والخطوط البحرية والنقل الجوي والنقل النهري، كل ذلك كان غاية منتهاه تطوير قطاع النقل.


● فيما يخص النقل النهري وجدت لجنة التفكيك أن أصوله قد تم الاستحواذ عليها لصالح شركة لا سجل وطني لها ولا أجنبي، امتلكت جميع أصوله بموجب عقود مجحفة وصفقات فاسدة، وقد أودع النائب العام لجمهورية السودان وقتئذ توصية بضرورة اتخاذ قرار باسترداد أصول هذا القطاع المنقولة والثابت والأرصدة، الأمر الذي عنى للبلاد والعاملين في النقل النهري استعادة شريان من شرايين الحياة ورحبوا به غاية الترحيب وأكدوا على الفوائد التشغيلية والاقتصادية التي تحققت من خلال استخدام النقل النهري، واستعادة أصوله وتشغيله.


● تدفقت عمليات الترحيل لدولة جنوب السودان بعقود تدر على البلاد ملايين الدولارات جراء نقل الأدوية والأغذية والوقود، الأمر الذي شمل التأثير على إمدادات الزراعة والصناعة في البلدين ونقل المواد الخام والتقاوى والمحاصيل والأسماك والمواد السمية لمكافحة الآفات من وإلى البلدين.


● كما أدى تشغيل هذا القطاع واسترداد أصوله إلى الانتعاش تجاريا وبصورة رسمية الأمر الذي أدى لتقليل عمليات التهربب للسلع الاستراتيجية ونشاط التجارة الحدودية  الرسمية بين البلدين ما انعكس على تجديد وتوطيد الصلات مع جوبا وملكال، ناهيك عن الآثار الاقتصادية التي كانت مترتبة على هذا العزل، فقد كانت هائلة ومدمرة لنمو القطاع، وأعاقت التطور في البلدين.


● وقد وفرت عمليات النقل النهري الكثير من الوقود والتكاليف وقطع الغيار، والمحروقات لأنها أرخص كثيرا من العمليات الجوية والبرية، وتعتبر وسيلة أكثر فعالية فيما يتعلق بالنقل، في ضوء انعدام البنى التحتية للطرق البرية المناسبة بين السودان وجنوب السودان.


● وقد مثلت عودة النقل النهري فرصة للاستفادة من الأسطول الموجود في نقل الإغاثة التي يقدمها برنامج الغذاء العالمي لدولة جنوب السودان، إذ تعاقدت الحكومة السودانية مع الأمم المتحدة لنقل المواد الغذائية والإغاثية التي توفرها الأمم المتحدة لدولة الجنوب ما يحقق مكاسب مادية للبلدين، ويكفل تيسير وصول الطواقم الأممية والعاملين في مجال تقديم المساعدات الإنسانية وإيصال الإمدادات الجديدة بصورة مستمرة ومتواصلة لا تتأثر بأي ظرف من الظروف الطبيعية أو المناخية.


● كما أن عددا من المشروعات الاستراتيجية في الجنوب وخصوصا شركات النفط تعتمد في ترحيل المعدات والأدوات والمواد الخام على أسطول السودان النهري، الأمر الذي يحقق أحد أهم الموارد المالية بالنقد الأجنبي للاقتصاد السوداني، ويسهم في تسريع عمليات التطور ونقل معينات تشييد المشاريع الاستراتيجية في دولة الجنوب.


● وقد ساهم تشغيل النقل النهري في تطوير المجاري المائية الداخلية وتوفير أعلى درجات الأمان للناقلين، بحيث ازدادت المحطات التشغيلية على طول المجرى المائي الأمر الذي أدخل قطاعات عمالية جديدة في كافة عمليات النقل من تقنيين، وميكنة، وتشغيل، وعمال، وكلات شحن وتفريغ، ومرافق خدمية تشغل الآلاف على طول مجرى النيل الأبيض من البلدين.


● ختاما: إن محاولات إرجاع تلك الأصول لعامل اللحام المصري يسري فاضل ليبيعها بدوره كخرده لصهرها، ما هي إلا محاولة لتصفير جهود الحكومة الانتقالية في تطوير قطاع النقل والتي عكف عليها الوزيرين السيدين هاشم ابن عوف وميرغي موسى، ما يعني تدمير البلاد وبنيته التحتية، وإرجاعه إلى عهود العزلة الإقليمية والارتهان للخارج، وهو محاولات لتمكيل أسطول النقل البري المصري للوصول من أقصى شمال البلاد إلى جنوبها للتحكم استراتيجيا في مدخلات انتاج البلدين، لأن هذا سيقطع الطريق أمام اتفاقات تعاون إقليمي ودولي في مجال الأمن المائي والعلوم والتكنولوجيا والطاقة والنقل النهري وصيد الأسماك عكف الوزيران على تطويرها، وهو ما سيوقف تسريع التكامل السياسي والاقتصادي بين بلدينا التوأم السودان وجنوب السودان، وربما أدى ذلك لانتعاش التجارة السوداء خارج الاطر الرسمية وتوفير فرص التهريب والتهرب الضريبي وتمكين جماعات مجهولة من السيطرة على التجارة الحدودية وقطع الغوث الإنساني الدولي لجنوب السودان، وهو ما سيدفع دولة الجنوب لاتخاذ طرق ومعابر ووسائل لا صلة لها بالسودان، حينها سيخسر السودان ريعان ماديا وعمقا استراتيجيا وجوارا أخويا.

الثلاثاء، 13 سبتمبر 2022

المحاولات البرهاوية لكسر الإرادة القوية

المحاولات البرهاوية لكسر الإرادة القوية


مدخل:

● يروى أن أحد الأنصار كان يعمل طهارا يختن الأطفال، وعندما أسلم سلاطين باشا قام بتطهيره، إلا أنه بعد عودته غازيا مع جيش كتشنر أول ما أمر به سلاطين هو حلاقة سعر رأس ذلك الطهار "صلعة"، الأمر الذي قابله الطهار بسخرية قائلا: " يا سليطين النعيل، الزينتها ات بتقوم لكن الزينتها أنا للقيامة ما بتقوم". قلنا المُلحة دي ليه؟؟


● وجاء كتشنر من بعدها فمنع لبس الجبة والعمامة الأنصارية وحظر قراءة الراتب وقال هذه كلها دفنتها مع المهدي وخليفته، ومن يفعلها أو يرددها سأدفنه معها، واليوم بعد مائة وأربعة وعشرين عاما، ترفرف رايات تلك الدعوة وتتعالي الهامات بالعمائم، ويصدح الأنصار بالراتب، ويتزيا الشباب بالجبة كأزهى حلة حتى ممن هم غير أبناء الأنصار، وهاهم صامدون ضد الطغيان والبطش والاستبداد ودكتاتورية كتشنر الأسمر.


● في الوقت الذي تُدجج فيه قوات مختلطة تضم أرتالا من الأجهزة النظامية الإنقلابية، وتملأ خزانات مركبات الدفع الرباعي بالوقود لتزدحم بهم طرقات العاصمة، وتجهز أسلحتها الخفيفة والمتوسطة، والمضادة، وتصرف لهم نثريات المهمة والاستعداد، كل ذلك من أموال مقتطعة من قوت هذا الشعب، وهناك من يئن مدهوسا تحت إطاراتها، أو مصابا بطلقاتها أو مسجى في قبره شهيدا، أو في المجهول فقيدا.


● يظن الإنسان خيرا إلا أن بعض الظن إثم، يظن أن تلك القوات التي رتبها التي على أكتافها من خير أكتاف هذا الشعب، تريد أن تصون البلاد وتطهرها من جماعات الفساد والافساد، وتتجه لدك حصون العدو الذي تطأ قواته أراضينا، ولكن يرتد  الظن أسوأ مما ساء إلينا التقدير وهو حسير، لأن البرهان لا يمكن أن يصدر أوامره أو يراقب قواته إلا وهي تتجه لانتهاك حقوقه وحرماته، أولم يتلذذ بمشاهد القتل والسحل والتعذيب والاغتصاب في حرم القيادة العامة.


● قوات برهاوية تنشط بتلك الصورة العشوائية والهمجية والرعناء بالاعتداء على الشباب والمراهقين والأطفال، تنزلهم وتذلهم من المركبات العامة ومن عربات الترحيل ومن حجور أمهاتهم لتحلق لهم رؤسهم على قارعة الطريق، وتقطع طريق المارة تجز شعورهم، وتنهب ممتلكاتهم ومن ثم تدون بلاغاتهم ضد مجهول.


● القاعدة الذهبية المجربة التي علمتنا لها شوارع ومدن وحواري وطننا السودان تقول: "أن كسر الإرادة بالعنف لن يكسر إلا دائرة العنف"، فحينما جرب معنا النظام الإخواني هذا النموذج بصورة أعنف وأبذأ في معسكرات الخدمة الإلزامية والتجنيد القسري والمعتقلات والسجون، كان يحاول تعبئتنا بالعنف وتجييشنا لصالح مشروعه العنيف أو المشروع المضاد له، ولكنه فشل.


● خرجنا من تلك المعسكرات ونحن نعرف كل صغيرة وكبيرة عن أيدولوجيا المشروع الواهمة، وممارساته التافهة وسياساته العنصرية المقيتة، واتجهنا فور التخرج صوب أركان النقاش، لتفكيك تلك الفكرة وهدم أركان ذلك المشروع باستراتيجات كسر دائرة العنف باللاعنف، وهزيمة قوة السلاح بالقوة الناعمة وردع منطق القوة بقوة المنطق.


● إن لهذا الشعب جينات عزة وأنفة وشموخ وكبرياء في جنبات من ولدوا في التسعينيات وتربوا وتعلموا في كنف فرعون زمانه (عمروت)، جعلت منهم أفتك الأسلحة بالنظام الأستبداي وأمضى سلاح في أيديهم صفقات أكفهم البيضاء، وضلوع صدورهم العارية التي تتحدى الرصاص، وصيحات حناجرهم التي تشق عنان السماء تشهد الله وملائكته والناس أجمعين على حب هذا الوطن وشهدائه.



● إن أكبر العقبات التي تحول دون إبرام إتفاقات سلام أو مصالحات أو تسامح أو تعايش، هي عمليات الإذلال الممنهج والإهانة التي يتم تدريب قوات نظامية لارتكابها في حق الشعوب، لأن الأمر يخرج من كونه صراع أخلاقي حول مشروعات متضادة إلى غبائن شخصية يحمل بها المجرم ويتحملها المجني عليه، لذلك ليس لنا أن نحلم بسلم اجتماعي في القريب العاجل أو بناء سلام لنكسر به حلقات الصراع الموروثة ونكرس به قيم الإخاء والوفاء المدروسة.


● أي دولة لا تحترم إرادة شعبها الحر دحرت وغلبت وانقلبت، وأي امتهان لكرامة أي إنسان كونه من بنووة آدم عليه السلام، هو استدعاء لتجديد الحروب والنزاعات والعدوان، وها نحن نرى دعوات للتسلح كرد فعل لممارسات قوات الإنقلاب في الخرطوم، وهو أمر سيجلب للبلاد والعباد شررا مستطيرا.


● حاول هؤلاء الشباب تطهير صحائف قواتهم النظامية من الجرائم التي استغلهم المخلوع البشير بارتكابها، من قتل وحرق للقرى وقصف للمدن في دارفور واغتصاب وجرائم ضد الإنسانية النيل الأزرق وكردفان، واعتصموا في ٦ إبريل ٢٠١٩م أمام القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة التي صارت فيما بعد القيادة العامة للقوات المسلحة لتصبح (ق ش م) (ق م س)، وظن السودانيون أنهم طهروا تلك الصحائف وأودعوا مجرمها الأكبر في سجن كوبر.


● إلا أن الايام أثبتت بما نشهده من فظائع ترتكبها هذه القوات، أن هناك سياسية متبعة واستراتيجية محكمة لتبغيض جنس هذه القوات وشيطنتها في العقل الجمعي للشعب السوداني، وهو الأمر الذي سيتخذه الدكتاتوريين مدخلا للهيمنة على البلاد ومطية لنهب ثرواتها واستخدام هذه القوات أداة طيعة لتركيع الشعوب، ولكن وارد أن يأتي هذا بنتيجة في أي مكان إلا في السودان.


● ختاما: أذكر البرهان وسدنته وطباليه وصحفييه وصحّافيه، أن سلاحنا الفعال الذي هزمنا به مشروع الجبهة الإسلامية في أطوارها المتعددة هو "السلمية"، ولكنهم هاهم يحاولون جرنا لمربع "الذئاب المنفردة"، وبذر أفكار الانتقام الشخصي ممن يرتكبون الفظائع في مواجهتنا، لذلك علينا أن نعض على سلميتنا بالنواجذ، فإن هذا الشعب عصي على الكسر، وجيناته الموروثة من أسلافه أقوى من القهر ، وليعلم الجبناء أسلاف الخديوية أن يوم الحساب آت، فإنهم يرونه بعيدا ويعدون له ساعة صفر، وما علموا أن ميقات الشعب قريبا، أولم تكن إرادة الخلق من إرادة الحق؟، وأن ساعة هذا الشعب ما عادت تضبط بتوقيت جرينتش أو دبي أو القاهرة أو مكة، وإنما مضبوطة بتوقيت الثورة السودانية وإن كان ثمة ساعة صفر، فليدق الجبناء أجراسها ويتخفوا خلف البنادق ويتحسسوا أسلحتهم التي أودعوها مؤخراتهم، حينها سنقول: (داك الجمل وداك الجمالي)، ويا الحوري: (الزينها العسكرى بتقوم إلا الزينها الشعب السوداني ما بتقوم)، وطيارتها لن تحوم، وستنعق في كوبرها كالبوم.

انتهى..


عروة الصادق


التاريخ: ١٣ سبتمبر ٢٠٢٢م.
المحطة: البقعة.

___________
@orwaalsadig