الأربعاء، 19 أكتوبر 2022

معارك حامية ومخاض أكتوبري

معارك حامية ومخاض أكتوبري

● سيظل التباين الثقافي والسياسي والديني والقبلي سمة أهل السودان والخليفة الخالدة، وسيبقى الاختلاف في الألسن والألوان والمعتقدات ما بقيت السموات والأرض، ولكن السبيل الأنجع هو التسامح والتعايش بالحسنى واحترام بعضنا البعض، لا بتغذية الصراعات الإثنية وتأليب النعرات وتذخير الصراع بأدوات العنف الفتاكة، فقد ظلت منطقة الجبال (جبال النوبة) خصوصا الشرقية منها تشهد عدد من النزاعات ولكن سرعان ما يتم تداركها، وقد شهدت ولاية جنوب كردفان إيقاف عدائيات ووقف إطلاق نار وإبرام اتفاق (الحلو - حمدوك)، ولكننا نشهد هذه الأيام محاولات حثيثة لنسف أي بذرة استقرار فيها، وذلك لانتهاء فصل الخريف وبدء تحشيدات عسكرية وأخرى مضادة في مناطق يمكن أن تهدد حصاد الموسم الزراعي الناجح إلى حد ما.



● وتبعا لذلك استصدرت القوات المسلحة والدعم السريع بيانات تنديد وإدانة لما وصفوه بالعدوان و (جموح) الجيش الشعبي، ومن جانبها أصدرت الحركة الشعبية بيانا تتهم فيه (جنوح) القوات النظامية لفئة من أطراف الصراع، وجميع هذا معناه أن الأوضاع إذا استمرت بهذه الحرب الكلامية ستتصاعد لتخلف معارك حامية وجروح لا يرجى برؤها، وإحداث حالة من اللا استقرار والنزوح لآلاف الأسر، وهو أمر يقتضي من كل ذي عقل وقلب من أهل الوطن والمنطقة رجالا ونساء من ساسة وإدارات أهلية وقادة مجتمع الإسراع لوأد هذه الفتن في مهدها.



● كما على الشباب الذين انخرطوا في الترويج لمشاريع تمزيق الوطن الالتفات لأنفسهم أولا ولمستقبل الوطن المشترك الذي لن يشاركهم فيه من يروجون للحروب، اأن هذا الجيل ما بينه من مشتركات أكبر من كل المفرقات الموروثة والسموم المبثوثة، فهذا الجيل هو الذي خاض معارك الحامية مع دكتاتورية الإنقاذ لثلاثين عام بالسلاح والكفاح، وانتصر عليها بثورته السلمية الموحدة، وهناك من يعمل ليل نهار لتمزيق هذه الوشيجة ونحن بغفلة وغباء نهلل ونكبر له ونقدس بحمد حربه اللعينة، واجبنا الإنتباه فالإنتباه ثم الانتباه.




● لأن البلاد مرشحة للعنف الشديد فضبطيات الأسلحة التي تعلن بين الفنية والأخرى من قوات نظامية مختلفة تقول أن هناك عمليات تسلح خفي وهناك أسلحة بكميات كبيرة تتسرب إلي البلاد برا وبحرا ومن ثم لأيادي المواطنين وتمتلك خارج الأطر الرسمية، وهناك ما يحفز لاغتناء الأسلحة ولو بصورة غير شرعية (بدون اورنيك ١٢ س)، وذلك لما يعيشه المواطن من حالات خوف وهلع جراء فظائع الجماعات المنظمة التي تجتاح الأحياء والمجمعات والمرافق العامة تسلب وتنهب وتروع الآمنين وتقطع أوصالهم تحت مرأى ومسمع سلطة البرهان.




● في هذه الأثناء يأتي إلى البلاد قادما من واشنطن وزير المالية بخفي حنين، مرددا أن إجراءاتهم الإنقلابية في ٢٥ أكتوبر أثرت على التعاون الدولي مع السودان، وحجمت دور صندوق النقد والبنك الدوليين في السودان، وهددت التعاملات المالية الضخمة بينهما والسودان، وكأن (معاليه) قد اكتشف (الذرة)!!!، إلا أن صديق لي نبهني أنه اكتشف (الزرة) فقد بات الانقلاب وقادته (مزرورين) في ركن قصي يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا حتى أضحوا يتشاكسون ويتلاومون.




● ومع استمرار هذا المخاض المالي العسير، تزداد الضرائب والضوائق المعيشية والركود والكساد وتسرب التلاميذ من المدارس ويعاني كثير ممن زروعوا هذا العام من شح العمالة وارتفاع تكاليف الحصاد، وبعض المحاصيل كالسمسم عرضة للهدر والتلف ما لم يتم تداركها، وهو ما يتطلب تمويل عمليات الحصاد، وشراء المحصول الذي إن أحسن جمعه، سيدر على البلاد عملات صعبة ويوفر لها احتياطي غذائي يجنبها شح الغذاء وربما وقاها شبح مجاعة تلوح في الأفق وفق تقارير دولية.




●  وكذلك تستمر مناهضة الشارع للإنقلاب بفعاليات وأنشطة كثيرة ومتعددة ومختلفة، فالضغط الجماهيري والتعبئة الشعبية والمواكب مستمرة، وقد اتجهت الحرية والتغيير لعقد ندوات جماهيرية حاشدة في المركز والولايات آخرها كانت في النيل الأبيض بمدينة كوستي في ميدان الحرية الذي عج بآميه، وكذلك تستمر التجمعات المهنية والقطاعية والفئوية والحرفية في تنظيم الاضرابات والاحتجاجات وصولا للعصيان المدني الشامل والإضراب العام، والآن كافة تسييريات النقابات المهنية والفئوية والحرفية تنسق مع بعضها البعض رفضا لسوء الأوضاع بعد عام كامل من الإنقلاب.




● في ذات الوقت تستمر العملية السياسية بالتوازي مع الضغط الجماهيري، فقد أكملت الحرية والتغيير رؤيتها الدستورية ومباديء وأسس الحل السياسي الشامل للأزمة لتحقيق التسوية السياسية الشاملة، لا المساومة كما يصورها البعض، وقد صاغت مسوداتها ونشرتها للكافة وانخرطت في مشاورات مع عدد كبير من قوى الثورة والفاعلين والمراقبين والميسرين الإقليميين والدوليين بغية الوصول لموقف موحد وإخراس كافة الألسن التي تتحدث عن اتفاقات سرية وتحت الطاولة مع قادة الإنقلاب، فالأمر منشور وقابل للجرح والتعديل، والضغط مستمر لإسقاط الانقلاب العسكرى وإبطال إجراءاته وإقامة السلطة المدنية الكاملة.




● فيما تنشط حملات حزبية أيضا للدعوة إلى مواكب ذكرى ٢١ أكتوبر المجيدة وذكرى مرور عام على الانقلاب المشؤوم والتي حشدت لها القوى السياسية قطاعات شبابية وطلابية ونسوية، ستنتظم أنشطة وفعاليات أكتوبر كل الأسبوع الأخير من الشهر والمتوقع أن يصل التصعيد ذروته فيه، لأن الإجراءات التي ينتهجها الانقلاب تقول بأن الإصرار على البطش والتنكيل بالخصوم لا زال سمة غالبة وسلوك أدمنته أجهزة قمع الإنقلاب.




● وهو ما يوجب وحدة جماهيرية وتنسيقية بين قوى الثورة لتضع حدا لهذا العبث الذي استطالت أيامه، كما أن أكبر محفز للتحرك الجماهيري والفئوي والقطاعي هو عودة الفلول بكل وقاحة وعنجهية لمفاصل دولاب الحكومة للهيمنة مجددا على الدولة ومرافقها التنفيذية في كل المستويات بل حتى المؤسسة القضائية شهدت عمليات تنقلات تمكينية عززت تواجد التنظيم المباد وعناصره في رئاسة الجهاز القضائي والمستويات القضائية العليا، فبعد أن أجهز البرهان على دولاب الدولة المدني وقضى على الخدمة المدنية وهيئات الجيش العليا وقادة أسلحته وألويته، وغير هيئة القيادة في الشرطة، هاهو يستكمل التمثيل بالمؤسسات القضائية ليتماهى تمام مع الدولة الإخوانية الخفية ويبتعث رميمها من القبور الثورية.




● ختاما: هذا المخاض أشبه بأواخر أيام المخلوع في إبريل، إلا أنه هذه المرة يطل علينا أكتوبريا خالصا، امتزج فيه (عبق) ذكرى ٢١ أكتوبر ١٩٦٤م، و(عطن) إنقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، فانتج حالة من الأسى والرفض الجماعي للواقع الذي سيشهد الجمعة ٢١ أكتوبر ٢٠٢٢م هزة شعبية جماهيرية سلمية تجتاح مدن السودان لتحيي أثر أكتوبر المجيد، وتمهد الطريق لأخرى أقوى في ٢٥ أكتوبر الذي يرجو الجميع أن يكون آخر مسمار في نعش السلطة الإنقلابية المتهالكة، وأن يكون مخاضا لميلاد فجر الحرية والسلام والعدالة.




عروة الصادق

١٩. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com


الاثنين، 17 أكتوبر 2022

مصر الأنجلوفونية الخديوية العثمانية والسودان

مصر الأنجلوفونية الخديوية العثمانية والسودان

● احتل الألباني محمد على باشا السودان في ١٨٣١م، وفي ١٨٦٩م أخطر السفير البريطاني هنري بولار في استنبول خلفه محمد سعيد باشا بأن: (( بريطانيا لا ترغب في حكم مصر أو ممارسة اي نوع من الوصاية عليها .. إلى أن قال...  إلا أننا  لا يمكن أن نسمح لأي قوة أجنبية أخرى بأن تسيطر أو تفرض وصايتها على مصر)).




● وكان هاجس بريطانيا مشروع قناة السويس الذي يسيطر عليه الفرنسيين وهو ما لا تريد مصر تأخير تنفيذه لتجاوز الدين الذي بلغ حوالي ٥٠ مليون جنيه إلى أن وصل ١٠٠ مليون، الأمر الذي قاد عند افتتاحه بتكليف أهم حاضري الافتتاح صامويل بيكر وإرساله على رأس ١٧٠٠ رجل للدخول للسودان تحت ذريعة محاربة الرق حتى استقالته من المهمة في ١٨٧٣م وهي ذات الخديعة التي دخلت بها بريطانيا لاحقا وتمت الاستعانة بغردون الذي اعتقل الزبير باشا ووجه بملاحقة وقتل ابنه سليمان.



● والمؤكد من كل المذكرات التي نشرت وتنشر تباعا أن غردون ذات نفسه تم إيفاده مرة أخرى من غلاديستون عام ١٨٨٤م للسودان لتقييم الوضع وترتيب جلاء من في الخرطوم وقد كتب تلغرافا بأن الجلاء ممكن ولكن ضروري أن نترك خليفة، وكان ترتيبه أن يستخرج الزبير باشا من الإقامة الجبرية في مصر ليوليه حاكما عاما خلفا له في السودان، وهو ما لم يوافق عليه وليسلي وكان يجد رفضا كبيرا من الصحافة ومنظمة مناهضة الرق في بريطانيا.



● عزز من دخول بريطانيا للسودان هزائم عثمان دقنة التي ألحقها بحاميات الشرق وفتكه بجنودها المصريين وضباطها البريطانيين، وانتصارات الإمام المهدي في الأبيض وقدير وفشودة وبارا، كل ذلك جعل غردون يغير رأيه من الاجلاء إلى الاستيلاء.



● ظل جلادستون رئيس الوزراء البريطاني يرفض إرسال جنود لاحتلال السودان، حتى بعد تغراف غردون في فيراير ١٨٨٤م، وله تصريح شهير: إرسال قوات إلى السودان سيكون بمثابة حرب من غزاة على شعب يناضل لينال حريته ويكافح ليكون حرا)، وبرقية قال فيها: ( ليكن واضحا أن الحكومة البريطانية تكون ملعونة لو أنها سمحت لضابط سلاح مهندسين واحد ان يجر بريطانيا بأكملها الى حرب شاملة في السودان)، شاركه في ذلك جرانفيل وزير الخارجية الذي قال بأن غردون يمارس سياسته الخاصة في السودان، وخاطب مجلس اللوردات بأنه لا تترتب عليهم مسؤولية أخلاقية حال أقدم شخص طوعا لمهمة انتحارية على النقيض تماما من موقف الملكة فكتوريا التي كانت تقف في صف غردون وتوبخ جلادستون لتأخره، وخاطبته ( بحق شرف الأمة والحكومة يجب عدم التخلي عن غردون)، إلى أن استسلم غلادستون أخيرا ووجه بحملة الإنقاذ التي لم تصل إلى أن قطع رأس غردون.




● ليكون ذلك الرأس المقطوع سببا فيما بعد لحملة إعادة الفتح التي كانت ذريعتها إنقاذ الطليان في كسلا، وهيأ له كتشنر تخطيطا كبيرا عبر مدن لخط السكك الحديدية العسكرية التي شارك في تشييدها سودانيون، بتمويل مباشر من وزارة الحربية البريطانية وإشراف شخصي من اللورد كرومر، وبذلك تسلل الاستعمار إلى السودان مجددا رغم مناوشات الأمير ود بشارة لصدة، ورغم جحافل الأنصار في قرية عكاشة لأن فعل المكسيم والذخيرة( دمدم) فتكت بتلك الصدور.



● من هذه الخليفة التاريخية الأنجلوفونية الخديوية العثمانية ومن تلك الهواجس المشابهة لقناة السويس وثروات البلاد ونزاعاتها الأهلية،  ينبغي أن تنطلق كل القوى الوطنية التي تريد استقرار الحكم واستقلال السودان لا استغلاله من الآخرين، وقد ظلت مصر الخديوية أو الأنجلومصرية هي بوابة الدخول إلى السودان وهي التي كافأت خرطوم اللاءات التي أبرمت صلحها بانقلاب القوميين العرب في ١٩٦٩م، وكذا كان دأبها في ١٩٨٩م، إذ أنها أول الدول التي أبدت إنقلاب الجبهة الإسلامية القومية في السودان، ومن بعدها عضت عليه الأنامل من الغيظ، لذلك علينا أن نتخذ موقفا من هؤلاء يحقق مصالح شعبنا ويمنع التدخلات الخبيثة وإحالتها لأخرى حميدة تحجب الشرر عن البلاد والعباد.



● لذلك تأتي زيارة قيادات الحزب لمصر لحضور اجتماعات دعت لها الإدارة المصرية في الربع الأول من العام الحالي على أن تكون في أغسطس المنصرم تم الاعتذار من الحزب نسبة لظروف الكوارث والأزمات التي مرت بها البلاد لتكون في أكتوبر الجاري، وشارك فيه قيادات الحزب من الرئاسة والأمانة العامة والمكتب السياسي على مستوى رؤساء الأجهزة فيما شارك من الهيئة د. عبد المحمود أبوه الأمين العام للهيئة، بالإضافة لمكتب الحزب بالقاهرة.



● الإدارة المصرية حينما دعت للأمر لم يكن هناك أي اتجاه نحو الحوار بين السودانيين حتى ناهيك عن الحديث عن تسوية، واعتذر الحزب لانشغاله الشديد بحراك الداخل وقتها وتتالت الأزمات، وقرر وقتئذ أن يكون اللقاء في أكتوبر ليتزامن مع أجواء الحديث عن التسوية، ولا يخفى على شخص رغبة مصر إيجاد موطيء قدم في كل شيء يخص الشأن السوداني، كما لا يخفى على أحد مواقف الحزب الداعمة لتواصل الشعبين المصري والسوداني مع الحرص التام على استقلالية القرار الوطني وأن تكون أي علاقة بين البلدين قائمة على المصلحة المشتركة.




● ولكن هناك من يحاول التشويش على حراك حزب الأمة القومي ويقيده ليقتصر عمله داخل الأزقة والحواري السياسية، فلولا تحرك الحزب وقيادته في عواصم الدول لما تم توقيع نداء السودان ولما التقى قادة العمل السياسي السوداني بالحركات المسلحة، وفي مصر جالية كبيرة جدا تعاني من أزمات وظروف تستوجب الوقوف معها وبحث سبل معالجة شؤونهم مع الإدارة المصرية خاصة أوضاع الأسر والتلاميذ والطلاب والمرضى، وحزب الأمة يتحرك من واقع مسؤوليات تاريخية اليوم نحو مصر وغدا نحو إثيوبيا وبعدها نحو شاد وجنوب السودان وليبيا وغيرها من دول الجوار لأننا قد نكون معارضين اليوم ولكننا حكام الغد ونريد لسوداننا أن تبنى علاقاته على المصالح والاحترام المتبادل.



● ختاما: ويبقى الواجب الوطني قراءة التاريخ واستلهام الدروس والعبر منه للمضي نحو المستقبل، فلن يتحقق استقرار سياسي في السودان وهناك من جيراننا من يضمر لنا العداء، ولن يسمح العالم المعطون في الدكتاتوريات حولنا من بزوغ ديمقراطية في السودان، فالمنطقة العربية والأفريقية تعج بأنظمة استبدادية وملك عضود من العسير عليه استيعاب ومضة السودان الديمقراطية التي تآمر بعضهم على وأدها عند كل ميلاد، وهاهو السودان ينتفض كما العنقاء من الرماد مجددا أقوى مما كان عليه، وهناك فرصة لأن يستفيد منه العالم إن أرادها فستتحقق المعادلة الكسبية لكل الأطراف وإن لم يردها فستنفجر أزمات العالم من السودان ويحرم العالم من فرصته الأخيرة لاستقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر وتحقيق الأمن الغذائي وإيقاف النزاعات المسلحة والجماعات المتطرفة وإيقاف تدفق الهجرة غير النظامية.


عروة الصادق

١٧. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com