السبت، 22 أكتوبر 2022

حصيد البرهان في عام( الأخير)

حصيد البرهان في عام( الأخير)

مقدمة:

● شرع الإنقلاب في تجريم واتهام كل المنقلب عليهم منذ يومه الأول إلى يومنا هذا فقد اقتحم بيوتنا وبيوت الوزراء واقتاد بعضهم إلى المعتقلات بدون إجراءات قانونية معلنة، وإنما بصورة وحشية، واختار البرهان أن يكون التنفيذ عبر أجهزة الاستخبارت والمخابرات لا الشرطة، وتم تصميم بلاغات كيدية لكل من قال لا للإنقلاب ووقف في وجه سلطته ودفع لذلك عشرات القادة السياسيين والمئات من لجان من المقاومة وقيادات التنسيقيات زمنا طويلا ومزمنا في المعتقلات والسجون في أوضاع قاسية في كل من الخرطوم والنيل الأبيض وبورتسودان وغيرها، ولا زال بعضهم يقفبع في السجون بتهم جائرة واتهامات تحت طائلة جرائم عقوبتها تصل للإعدام.


● كل ذلك لم يثن عزائم الشباب ولم تلن له قناة المقاومة ولم يهن له عزم الثائرين والثائرات ولا زالوا يمضون في طريق محفوف بالمخاطر ومخضوب بدماء الشهداء ومعمد بجراحات الضحايا ومحفوظ بعناية الله ودعاء أمهات وآباء الشهداء، إلى أن يبلغ منهاه بإذن الله بالتحرير الكامل للوطن وتحقيق السلام العادل الشامل والتحول الديمقراطي الكامل والحرية والعدالة الإنسانية ورفاه الشعب السوداني.

● تاسعا: مؤسسيا
1. قطاع الحكم والإدارة ويشمل الآتي:
‌أ) الأمن والدفاع:
شهدت القوات النظامية السودانية عددا من الإجراءات ذات الطابع الإصلاحي والهيكلي ولكنها لم تتخذ من مؤسسة أو يطلع عليها حتى أعضاء في مجلس السيادة الإنقلابي كممثلي الحركات المسلحة، فمنذ الإنقلاب وحتى آخر أيام هذا العام أصدر البرهان عددا من القرارات تم بموجبها ترقية ضباط من رتبة العقيد فما دون إلى الرتبة الأعلى و إحالة آخرين للتقاعد بالمعاش، وقيل أن تلك الإحالات "تأتي في إطار الإجراءات الراتبة (روتينية) التي تتم طبقا لقوانين ولوائح القوات المسلحة سنويا للمحافظة على التدرج الوظيفي والتسلسل الهرمي بالجيش"، وهو الأمر الذي يجافي الحق والعدل إذ أن هناك استثناءات لضباط لم يشملهم هذا الإجراء الروتيني وهناك إدراج لأسماء ضباط لم يستوفوا شروط الإحالة وبعضهم يشهد له بالمهنية والكفاءة والانضباط ومنهم ضباط يمسكون بملفات حساسة كملف الترتيبات الأمنية الذي يمثل عقبة أمام استكمال تنفيذ اتفاق سلام جوبا، وكذلك تعطيل ملفات خاصة بالأمانة العامة لوزارة الدفاع كان يشرف عليها أحد مهنيي القوات المسلحة.

ولكن المتتبع للأمر يجد أن ترقيات الدفعة 40 سوف تسري بأثر رجعي اعتبارًا من منتصف يناير الماضي كما أوضحت مونتي كارو، وتم تأخيرها من قبل رئيس الأركان وقتئذ لأسباب وصفت بالأمنية وخشية البرهان من ترقية الدفعة ٤٠ إلى رتبة اللواء باعتبار أنها دفعة يغلب عليها منسوبي الحركة الإسلامية وبعد ترقيتهم سوف يصبحون قادة للفرق والمناطق الفرعية. وأبرز الذين تمت ترقيتهم العميد نادر محمد بابكر قائد الحرس الرئاسي للبرهان، والعميد الركن أيوب عبد القادر قائد ثاني سلاح المدرعات الذي يحاكم أخوه غير الشقيق العريف حمدنا الله عبد القادر محمد مصطفى ضمن المتهمين في محاولة انقلاب اللواء بكراوي، كما تمت ترقية كل من العميد الوليد البيتي العمرابي مدير الإدارة القانونية لقوات الدعم السريع، والعميد دياب بدر دياب قائد ثاني الفرقة السابعة مشاة الذي تم انتدابه في وقت سابق ليقوم بمهام التدريب لقوات الدعم السريع كما شغل منصب قائد قطاع بالدعم السريع. المتحدث الرسمي السابق باسم الجيش العميد عامر محمد الحسن يُعد من أبرز الضباط الذين أحيلوا للتقاعد بعد ترقيتهم إلى رتبة اللواء. وشمل الكشف أيضًا 42 ضابطًا بينهم 4 برتبة العقيد ، 8 برتبة المقدم ورائد و 15 برتبة النقيب إضافة إلى 14 برتبة الملازم أول تمت إحالتهم للتقاعد.

وقد تمت ترقية نائب رئيس هيئة الأركان للإدارة الفريق ركن منور عثمان نقد المعروف بدعمه للدمقراطية وضرورة حمايتها من قبل المؤسسة العسكرية، ونائب رئيس هيئة الأركان للتدريب الفريق ركن عبد الله البشير أحمد الصادق لرتبة الفريق أول وإعفائهما وإحالتهما للتقاعد بالمعاش. كما تم إعفاء قائد القوات البرية، الفريق ركن عصام محمد حسن كرار وإحالته للتقاعد  بالمعاش. وترقية اللواء الركن أحمد عمر شنان لرتبة الفريق وإحالته للتقاعد بالمعاش. وقد نجا الفريق خالد الشامي من الإحالة باعتباره الرجل الذي ارتبطت استعادة الفشقة باسمه هو واللواء صبير وأخرين، ولكن الإحالات لم تخل من تمكين للإسلاميين، حتى الذين تمت إحالتهم لأسباب إدارية من التنظيم الإخواني تم استيعابهم في شركات المنظومة الدفاعية أو مكافأتهم بإرسالهم كملاحق أمنية وعسكرية ومناصب شرفية في عدد من المرافق والمسسات.

كما شملت القرارات ترقيات لرتبة الفريق لكل من اللواء ركن رشاد عبد الحميد إسماعيل وتعيينه قائداً للقوات البرية، واللواء ركن عبد المحمود حماد حسين عجمي، واللواء ركن نصر الدين عبد القيوم أحمد علي، واللواء ركن مبارك كوتي كجور كمتور وتعيينه مفتشا عاما للقوات المسلحة.

كما أصدر البرهان  قرارا بإعادة تشكيل رئاسة هيئة الأركان  برئاسة الفريق أول ركن محمد عثمان الحسين الحسن، والفريق الركن مجدي إبراهيم عثمان خليل نائبا لرئيس هيئة الأركان للإمداد، والفريق مهندس ركن خالد عابدين محمد أحمد الشامي نائبا لرئيس هيئة الأركان للعمليات، والفريق ركن عباس حسن عباس الداروتي نائبا لرئيس هيئة الأركان للإدارة، والفريق ركن عبد المحمود حماد حسين عجمي قائد المدفعية سابقا ومدير زادنا نائبا لرئيس هيئة الأركان للتدريب.

بعد الإنقلاب والأحداث الدامية التي شهدتها العاصمة في أواخر العام 2021م أصدر البرهان قرارا بترقية عدد من قيادات  الشرطة إلي رتبة الفريق تحت مسمى - الترتيبات الإدارية العادية - برئاسة قوات الشرطة وهم: الفريق شرطة حقوقي/كمال ميرغني، الفريق شرطة حقوقي/حسن حامد أحمد عبد الرحيم، الفريق شرطة حقوقي/ يوسف الحسن، الفريق شرطة حقوقي/ طارق الأمين البدراوي، الفريق شرطة حقوقي/حسين إبراهيم مصطفي والفريق شرطة حقوقي/أحمد طاهر عثمان، ووفقا لبيان المكتب الصحفي للشرطة يومئذ، فقد شملت الترتيبات ترقية ضباط شرطة إلى رتبة اللواء والعميد والعقيد وإحالة آخرين في نفس هذه الرتب إلى التقاعد، واستمر الإجراء إلى أن وصل التغيير الأخير في أكتوبر الجاري بإحالة كل من نائب المدير العام – المفتش العام و عدد (3) من رؤساء الهيئات وعدد ضابطين في رتبة اللواء شرطة وضابط في رتبة العميد شرطة ، كما شملت القرارات ترقية عدد (4) في رتبة اللواء لرتبة الفريق شرطة من بينهم مدير الإدارة العامة للسجون والإصلاح وعدد (7) في رتبة العميد شرطة وعدد (2) من قوات حماية الحياة البرية وعدد (3) من قوات الدفاع المدني لرتبة اللواء شرطة.

وتمت في الشرطة أيضا تحت ما سمي بعالجات ترقيات الضباط لمتبقي بعض الدفعات في مختلف الرتب للعام 2022م. وتم تعديل في هيئة الإدارة بترفيع بعض مديري الإدارات المتخصّصة (السجون والإصلاح، الدفاع المدني، والحياة البرية) لرتبة الفريق شرطة، وتمت إحالة (4) من رتبة الفريق وترقية (7) من رتبة اللواء إلى الفريق شرطة ليتوافق مع الهيكل المصدق لرئاسة قوات الشرطة بحسب بيان الوزارة،  ولكن المتابع يجد أن هناك عناصر تمت تسميتهم في مواقع استراتيجية هناك قضايا تزوير في مواجهتهم تم التغاضي عنها وإبقائهم في مواقعم.

‌ب) الإعلام:

خلال الفترة الانتقالية، بدأت الحكومة السودانية ممثلة بوزارة الثقافة والإعلام، تنفيذ خطة لإصلاح الإعلام، بالشراكة مع منظمة «اليونيسكو»، تقوم على 4 نقاط، هي: مراجعة الفجوات في الخريطة الإعلامية، وإصلاح قوانين الإعلام، وإعادة هيكلة المؤسسات الإعلامية التابعة للدولة، وإعداد خطة وطنية للتدريب الإعلامي. وقد بدأ تنفيذ هذه الخطة في نوفمبر 2019م، لكنها توقفت بسبب جائحة «كوفيد-19» ثم استؤنفت في أكتوبر 2020م، لكنها توقفت مجدداً بعد الإنقلاب.

لذلك يكفي فقد النظر لهيئة الإذاعة والتلفزيون القومي في السودان لترى ما حل بالإعلام السوداني من تدجين واستعادة لكامل الفلول في مؤسسات الدولة الإعلامية وتمكينهم من مفاصل تلك الأجهزة، فقد قام مدير الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون (الانقلابي) ابراهيم محمد ابراهيم البزعي بترفيع عدد من أقرانه وزملائه في التنظيم (الإخواني) ممن قامت لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 واسترداد الأموال العامة بإنهاء خدمتهم وفق اشتراطات القانون وبالوثائق والأدلة، فقد أعيد على سبيل المثال النور محمد أحمد النور معني والذي كان قد عيد بعد انقلاب الإنقاذ في ١٩٩٣م، ودرجته حتى تاريخ إنهاء خدمته بواسطة اللجنة ( الرابعة). وهو من متطوعي الدفاع الشعبي. وقد تمت إعادته للخدمة بعد انقلاب 25 اكتوبر 2021م (أبو سبيحة)، وقد كافأته سلطة الانقلاب بتعينه مديراً للبرامج بالتلفزيون القومي، ومثله عدد كبير جدا من منتسبي التنظيم والحركة ومتطوعي هيئاتهم وواجهاتهم جميعهم اليوم يعيثون في التلفزيون والإذاعة والوزارة تمكينا لمنظومتهم وبثا لمبرامجهم وتغييبا للوعي عبر برمجة إعلامية بعيدة كل البعد عن واقع الشعب المعاش.
في الوقت الذي هيمن فيه الجيش على الإعلام وأطلق العنان لصحيفة القوات المسلحة التي صارت تتحدث بلسان الفلول، حذف شبكة تضم نحو ألف حساب خلال أكتوبر 2021، لديها 1.1 مليون متابع، ويديرها أشخاص على صلة بـ(قوات الدعم السريع) وجماعة فاغنر الروسية وهي الحادثة التي قادت إلى كشف صلة فاغنر بعمليات تهريب تتم من مطار بورتسودان إلى اللاذقية.
وبعد أن تقدم السودان في مجال الحريات الإعلامية في العام 2019م، تراجع ليحتل السودان المرتبة 151 بين 180 دولة في «مؤشر حرية الصحافة العالمي» لعام 2022م الذي تصدره منظمة «مراسلون بلا حدود» سنوياً، وكان السودان قد سجل تقدماً في مؤشر حرية الصحافة عام 2020 بـ16 مركزاً ليحتل المركز 159 مقارنة بـالمركز 175 في تقرير عام 2019 إبان حكم المخلوع البشير، وكل هذا مرده لانتهاج سياسات خاطئة أدت للتضييق على الإعلاميين والصحفيين، والتغول على إرادتهم بفتح المجال لاتحاد صحفيي فلول النظام البائد للنشاط وتجميعهم وتمويلهم وتسهيل إنشاء منصات وشركات إعلامية بعون مباشر من سلطة الإنقلاب، وتسهيل هروب رئيس الاتحاد العام للصحفيين السودانيين السابق إلى مصر ثم إلى تركيا.


‌ج) الإدارة ونظم الحكم:

عملت الحكومة الانتقالية على توطيد دعائم الحكم اللامركزي وتطوير نظم مستويات الحكم المحلي لضمان التوزيع العادل للسلطات والموارد مركزياً وولائياً ومحلياً تعميقاً لدعائم الحكم الراشد والإرتقاء بالوعي السياسي للمواطنين لتخطي العصبية والقبلية والجهوية ، وإحكام التنسيق بين مستويات الحكم المختلفة في ممارستها للسلطات المشتركة، وهيأت لذلك مجالس وصناديق ومفوضيات معنية بتنمية وإعمار المناطق التي تأثرت بالحرب و مجلس تنمية وتطوير الرحل، ولكن الإنقلاب قطع الطريق أمام ذلك ليوقف التشريعات التي تحدد صلاحيات الولاة وحكام الأقاليم، فاستمرت الأزمات الموروثة لتتفاقم وتتسبب في صراعات ونداءات إنفصالية.

وقد أدت سياسات الإنقلاب التسلطية الإملائية حتى على شركاء الإنقلاب إلى استقالة وزيرة الحكم الاتحادي السيدة بثينة دينار والتي جاء في استقالتها:  " أستقيل من منصبي كوزيرة لوزارة الحكم الاتحادي من أجل أن استطيع قول (لا) متى ما رأيت خطأ وأرفض الإمـلاء حيثما وجد، وأن أصون كرامتي وأحمي وأدافع عن حقي قبل أن أتحدث عن حق الآخرين ففاقد الشئ لا يعطيه”.


‌د) الشؤون الخارجية:

تم تجريد وزارة الخارجية كمؤسسة من هذا الملف ليدار بيد الجنرال البرهان شخصيا ينافسه في ذلك نائبه الجنرال دقلو، وقد جعل البرهان من السفير علي الصادق وزير الخارجية المكلف سكرتيرا يدير له العلاقات الخارجية، وصار يتحكم شخصيا في إصدار قرارات الإعفاء والتكليف لوزراء السلك الدبلوماسي والناهي والآمر في التحركات الخارجية.

فقد عين البرهان الفريق، فتح الرحمن محي الدين صالح محمد، سفيرا في وزارة الخارجية السودانية، والذي يعرف أنه أحد خبراء الإنقلاب الاستراتيجيين، وضمت القائمة أيضا الفريق أول جمال عبد المجيد، مدير جهاز المخابرات العامة السابق، وهو ضابط جيش تم استقدامه للجهاز في فترة د. حمدوك، كما عين على عثمان محمد يونس سفيرا، وسمى القرار إبراهيم محمد أحمد إبراهيم سفيرا بالخارجية، واللواء بشرى أحمد إدريس، وهو ضابط شرطة سابق، جميعهم ارتبطوا عضويا بالإنقلاب، وقد تم ترشيحهم لمحطات إفريقية لا تخلو حكوماتها من أنظمة دكتاتورية، الأمر الذي يدلل على تمدد الإنقلاب خارجيا.

‌ه) العدل والتشريع:
الدستور في السودان  والأوضاع الدستورية شهد تراجعا كبيرا حيث مزق الإنقلاب في 25 أكتوبر الوثيقة الدستورية بتجميده لأهم بنودها وهي التي تؤسس لأوضاع العدل والتشريع في الدولة وتحتوي على أهم الوثائق (وثيقة الحقوق )، وتمدت ظلال قائد الإنقلاب دستوريا لتطال عدد من المؤسسات والمرافق المعنية بالتشريع والشؤون الدستورية، قاد ذلك التراجع إلى إخلال تام بالمعاهدات و الاتفاقيات الدولية وانتهاك صريح للعهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية ومخالفة للعهد الدولي للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية. 
عطل الإنقلاب إكمال كافة التشريعات التي ابتدرتها الحكومة الانتقالية في عهد وزير العدل نصر الدين عبد  الباريء والتي شملت القوانين واللوائح المنظمة لعمل المؤسسات، وقضايا دولية كمكافحة الاتجار بالبشر والهجرة غير المنتظمة، ومكافحة المخدرات والجريمة العابرة للحدود، وقضية مكافحة الفساد وغسيل الأموال وتمويل الارهاب وتطوير قانون تفكيك التمكين وسن قوانين للمؤسسات العاملة في الحد من الفقر والتمويل للقطاعات الهشة وتشريعات الشباب والنساء والأسرة والطفل ومشاركتهم في مؤسسات الدولة وحقوق الأقليات الدينية  وحرية الإعلام وما يخص أوضاع السجون والشرطة والنيابة العامة وفصل السلطات.


2. قطاع التنمية الاقتصادية ويشمل التالي:

‌أ) المال والاستثمار:

من المؤكد أنه لا توجد احصاءات فعلية  وحقيقة حول التجريف الذي حدث في قطاع المال والاستثمار ولكل القطاع التجارى الذي شهد اضطرابا على الصعيد الحكومي والخاص، واتخذت سلطة الإنقلاب إجراءات هيكلية وسياسات مالية أدت لهروب كبير لرؤوس أموال وفرص إستثمارية خارجية وتوقف عمليات الاستقطاب المالي، كما مكن الإنقلاب فلول النظام السابق من هياكل الدولة المالية ومنح بعضهم ترقيات بعد إعادتهم إلى الخدمة وصرف لهم رشا مالية كبيرة كاستحقاق تعويضي، ينشطون في تزيين الأخطاء المالية الكارثية التي وقعت فيها السلطة الإنقلابية ويصورون لهم مخارج فشلت وصفتها مع النظام المباد.

وتشير التقديرات إلى إنهيار عدد من القطاعات الاستثمارية وتراجع الأعمال في أخرى وتوقف العمل بصورة كبيرة في قطاع كالمقاولات الذي توقف بنسبة  لا تقل عن 80%،  وتراجعت مبيعات المواد الغذائية نزلت بواقع 40%، منها مصانع الدقيق التي خفضت مناوبات العمل من 3 إلى 2 وهو ما فعلته أيضا مصانع المشروبات والعصائر.

وتعطلت إجراءات تأسيس بورصة حديثة للمحاصيل والصادرات السودانية وبخاصة بورصة الذهب التي تسبب إيقاف إنشائها في تكبيد تجار الذهب خسائر كبيرة بهبوط اسعار الذهب العالمية بنسبة تقارب 10% الأمر الذي ضيع فرص استثمارية كبرى في هذا المجال.

كما أن الاستثمار في المحروقات والمشتقات النفطية شهد اضطرابا شديد، فقد أعاد الإنقلاب الهيمنة في هذا المجال للجماعات التي وعدته بتوفير حصص من الوقود حال تنفيذ الإنقلاب وقد وردت بواخر تحمل كميات كبيرة قبيل شهر من الإنقلاب إلى مياه البحر الأحمر قبالة المواني السوداني ، ولكن جراء الأزمة الاقتصادية التي تسبب فيها الإنقلاب تراجعت مبيعات الوقود وانخفضت بنسبة كبيرة.

نستطيع القول بأن هناك ترهل إداري في هياكل المؤسسات المالية والاستثمارية وبخاصة الجهاز الاستثماري والأسواق والمناطق الحرة وهناك ركود تضخمى خطير ضرب كل القطاعات، وهناك عجز حكومي أقر به وزير المالية  عن إزالة كافة المعوقات التي  تعترض الاستثمارات الخارجية، فقد فشلت الحكومة في إقناع البنك وصندوق النقد الدوليين في استئناف علاقتهما مع النظام في السودان، وأعاق الإنقلاب مراجعة القوانين والتشريعات المعيقة للاستثمار، وضيعوا فرصا جاذبة  للإستثمارات الأجنبية  خاصة العربية والأجنبية.

فهناك فرصة كبرى للاستثمار العربي ضيعها الإنقلاب وهي مبادرة الأمن الغذائي العربي والتي أطلقها السودان، وفرص دخول السودان للتنافس الدولي في ظل الأزمات التي تواجه الاقتصاد العالمي بسبب جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، وارتفاع السلع والمواد الغذائية كالقمح  والحبوب الأمر الذي سيؤثر على الأمن الغذائي.

‌ب) الزراعة:
عرف وطننا بسلة العرب الغذائية ولكنه يعاني شحا في الغذاء بحسب التقارير الدولية، فبعد أن قررت وزارة الزراعة الحكومة الانتقالية بالتوسع الأفقي والرأسي في الزراعة، وزيادة النسبة المئوية 30% الممستغلة من 200 مليون فدان زراعي لتصل 100 مليون بحلول 2024م ولكن ذهب كل ذلك أدراج الرياج مع حدوث الإنقلاب، وتم تعطيل خطط الوزارة الزراعية وتجميد التمويل الإقليمي والدولي للزراعة في السودان.

ينتج السودان 50600 طن من لحم الإبل متصدرًا به قائمة دول العالم وحينما قررت الحكومة الانتقالية تأسيس مصانع لانتاج اللحوم واتخذ رئيس الوزراء قرارا بعدم تصدير الخام تم إجهاض كل ذلك لتتجه الثروة الحيوانية شمالا وتصدر عبر الجارة مصر كمنتجات مصرية  وتم تمزيق الخطة التي وضعتها الوزارة، وتنتج البلاد من قصب السكر بـ672800 طن محتلًة نفس المرتبة، ولكن الإجراءات التي اتخذتها أذرع الإنقلاب في مشاريع السكر السودانية التي أقالت العمال وهددت بعضهم قلصت كميات الانتاج بحيث شهد انتاج السكر تراجها كبيرا في ظل تزايد الوارد عبر مستوردين يتمتعون بصلات وطيدة مع النظام المباد والسلطة الإنقلابية، كما يقدر انتاج ألبان الأبقار بـ5373000 يحتل به المرتبة الثانية عالميًا، أما الذرة البيضاء ففي المرتبة الرابعة بـ263000  طن، كما يأتي في المركز السادس عالميًا في إنتاج الفول والسابع في إنتاج الموز والحادي عشر في الطماطم والخامس عشر في القمح.

لم يوقف الإنقلاب عملية التوسع الزراعي والانتاج الحيواني فقط وإنما أوقف منحا خاصة بصيانة قنوات الري في مشروع الجزيرة واستصلاح أراضية وإعادة المشروع لسابق عهده وتحديثه، وأوقفت وزارة المالية تمويل عمليات الصيانة وامتنعت عن شراء المحصول ولا زال المشروع يشكو التعطيل لكثير  من البوابات ولا زال متأثرا بالإهمال الذي أ ضر بالآف الأفدنة جراء حادثة الفيضان في سبتمبر 2022م لمشروع المناقل.


‌ج) الصناعة:
مثلت أزمة الطاقة والاضطراب في التوليد الكهربائي واحدة من أسباب إيقاف عمليات الصناعة، وتراجعت الصناعات المحلية بنسبة مخيفة جراء اتخاذ سياسات مدمرة للصناعات، ووضع تكاليف انتاج ورسوم على مدخلات الانتاج وضرائب ورسوم حفزت عدد من المستثمرين إلى إغلاق مصانهم وبعضهم فككها وأعاد تصديرها لتعمل في دول أخرى.

‌د) البنيات الأساسية:
في مايو 2021م التقى د.حمدوك وفد البنك الدولي برئاسة  د. حافظ غانم نائب مدير البنك، وذلك بعد النجاح الكبير لمؤتمر باريس وتم التأكيد على أن المجتمع الدولي يقدر الجهود التي تقوم بها الحكومة السودانية لتنمية الاقتصاد ومحاربة الفقر بجانب كل الإصلاحات الاقتصادية المهمة التي قامت بها.وتمت مناقشة أهمية مشاريع البنية التحتية والاستثمار فيها، بجانب التعليم والصحة وأهداف الحكومة الأخرى. وتم التأكيد على تمويل مجدول لمدة 12 شهر لبعض المشروعات الكبيرة في البنية التحية بقيمة 2 مليار دولار بجانب مشروعات لمساعدة النازحين والعائدين.

وتم التفاكر حول موضوعات الكهرباء ومياه الشرب والري، وتم التأكيد أيضا على خطة في المدى القصير توفر المياه للقرى وتدعم تنمية قدرات المرأة السودانية، وأكد الجميع أنه لا يمكن تصور نهضة اقتصادية دون توفر الاتصالات والطرق والكهرباء والصرف الصحي وغيره من مشروعات البنية التحتية الأساسية وتأهيل وتدريب للقطاعات المنتجة عبر مرافق ومؤسسات تأهيل ورعاية حديثة وقوية، وقف كل ذلك كليا بضربة لازب من برهان.


3. قطاع التنمية الاجتماعية والثقافية ويشمل الآتي:

‌أ) تنمية الموارد البشرية:

تمت إعادة القطاع بالكامل لفلول النظام السابق وتم استدعاء العناصر الأمنية التي كانت تدير مجلس تنمية الموارد البشرية الحكومي، كما تم التضييق على المؤسسات والمرافق غير الحكومية ومنع بعضها من مزاولة نشاطة بعدم التجديد لمراكز ومنظمات وجمعيات لها شراكات إقليمية ودولية.

‌ب) المعلوماتية:
يعتبر العسكر هذا من القطاعات الأمنية السيادية التي يجب أن تكون تحت ناظريهم لذلك ظل ملف المعلوماتية والاتصالات والتكنولوجيا ملف تستحوذ عليه أجهزة الأمن والمخابرات، وقد سعت الحكومة الانتقالية لتحديث كامل ورقمنة كلية للدولاب الحكومي بتمويل وإسناد إقليمي ودولي، ومشاركة فاعلة من تجمعات مهنية لمهندسين وتقنيين سودانيين تطوعوا للنهوض بهذا القطاع، ما أن تم الانقلاب حتى تم إيقاف أي خطوة للتحديث وعزز الإنقلاب من قبضته على قطاع المعلوماتية والسيطرة على الاتصالات والانترنت، بالصورة التي مكنت ضباط المخابرات من قطع الانترنت على كل البلاد في خرق تام للحقوق الدستورية والإنسانية.

كما تم تجميد اتفاقيات التعاون التقني والتكنولوجي ونقل التقانة مع عدد من الدول التي رأت في رفع الحظر الاقتصادي عن السودان فرصة للتعاون التكنولوجي وقضايا المعلوماتية، ولكن بعد الانقلاب تراجعت تلك الدول عن التزاماتها وأكدت أن هذا الأمر لن يدخل حيز التنفيذ إلا في ظل حكومة مدنية ذات مصداقية كما ظلت تردد كثير من الدول والهيئات والوكالات.

‌ج) المنظمات الدولية والإقليمية:
يعد هذا الملف من الملفات المفتاحية لعلاقات السودان الإنسانية والدبلوماسية، وبه تم فتح مسارات تعاون مع كل الهيئات الدولية والإقليمية والمراكز العالمية العاملة في مجالات العمل الطوعي والإنساني والحقوقي، واتخذت الحكومة الانتقالية إجراءات بتنظيف ما شاب هذا الملف من إجراءات وقرارات أدخل السودان بسببه في قوائم الإرهاب والتعاون الدولي، إلا أن مفوض مفوضية العون الإنساني قام بإعادة تسجيل (23) منظمة تمّ حلّها في نهاية (نوفمبر) 2019 لمخالفتها لعدد من المواد المتعلقة بقانون تنظيم العمل الطوعي والإنساني لعام 2006م، ولائحة تنظيم المنظمات الوطنية والأجنبية ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية لعام 2013. ومن ضمن المخالفات إجراءات تسجيل المنظمات بصورة خاطئة، ووجود مخالفات في استقطاب وتلقي المنح من الجهات الأجنبية ووجود مخالفات في الاتفاقيات الفنية لهذه المنظمات والمقرّرة بموجب اللوائح، والتي تم إدراج بعضها سابقا في تقارير متعلقة بتفجيرات 11 سبتمبر ولها صلة بتنظيم القاعدة وتمويل الإرهاب.


● عاشرا: قضائيا
تعدي المنظومة القضائية هي رمانة القبان في الاستقرار لأي دولة إذ تمثل هي المرجعية القانونية والدستورية والسلطة العليا التي ينبغي الإحتكام إليها، ولذلك بدأ النظام الإنقلابي في كل الحقب بتجريفها واختلاق الأزمات في أضابير محاكمها الدستورية والعليا والاستئناف والموضوع والمحاكم الإدارية ورئاسة الجهاز القضائي، لذلك نجد أن انقلاب 25 أكتوبر مهد الطريق لإرباك الأوضاع في الجهاز القضائي بتعطيله لفترات طويلة تسمية رئيس القضاء، إلى أن وصل الأمر لانتقاء رئيسة قضاء جلست في مكتب رئيس الإنقلاب أكثر من جلوسها بمكتبها، الأمر الذي حفز الشارع للاحتجاج على سلوكها وتعطيلها ملفات قضائية وعدم تسريعها لملف العدالة، ما دفعها لتقديم استقالتها، ومنذ ذلك الوقت بدأ التلاعب بالقضائية وتحريك ملفات قضاة النظام السابق، إلى أن اكتمل الأمر بتكوين دائرة إدارية بالمحكمة العليا للنظر في قرارات لجنة التفكيك، وسارعت إلى نقضها دون النظر في قرارات لجنة الاستئناف التي أعاق البرهان تكوينها طوال الفترة الانتقالية.

ووصل الأمر أخيرا إلى استصدار قرارات إرتدادية لكل القرارات التي اتخذتها لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو وأعادت جميع منسوبي الحزب والحركة المحلولين إلى الخدمة ومكنتهم من مفاصل الدولة وأعادت لهم الأموال التي نهبوها والأصول التي امتلكوها بأسس غير شرعية، وأخطر القرارات الارتدادية تلك  التي أعادت قضاة محكمة عليا واستئناف وبدرجات مختلفة إلى السلك القضائي، على سبيل المثال أحد القضاة وهو كادر من كوادر الحزب والحركة المحلولين من ذوي النشاط السياسي المعروف داخل السلطة القضائية واستغل نفوذه التنظيمي ورفض تنفيذ نقله من  مدني إلى الكوة . ثم استقال في عام 1995م من السلطة القضائية ثم أعيد تعيينه في العام 1999م في عهد مولانا حافظ الشيخ الذاكي رئيس القضاء الأسبق وقد انتدب آنذاك إلى الهيئة الشعبية لدعم القوات المسلحة بولاية الجزيرة بعد استقالته وهي كانت واجهه من واجهات النظام البائد وعمل أمينا عاما لصندوق التكافل الاجتماعي ليعُيِّن قاضي نظام عام قام بأخذ أثاثات المحكمة إلى منزله بمنطقة فارس ريفي ود الحداد وقد تم استعاده الأثاثات من قَبل أدارة الجهاز القضائي.واشتهرت فترة عمله بالجبائية، وغيره كثر على هذه الشاكلة من منتدبي منظمة الدعوة الإسلامية والدفاع الشعبي ومحاكم جهاز المخابرات العامة، ومنهم من كان موظفاً بديوان الزكاة ومنسيقة الخدمة الوطنية وهيئة الأوقاف الإسلامية، ومنهم ليس له ما يبقيه في السلك القضائي سوى شهادات العمليات الحربية في جنوب السودان وأوامر التحرك.


 ومن النماذج التي تمت إعادتها للعمل بالقضائية شخص كان بمناطق العمليات يكسلا مرابطا ضمن لواء عثمان دقنة في الفترة من 1990م وحتي يوليو 1996م وفي الفترة من عام 2004م حتي عام 2014م عمل مستشار بوزارة العدل بالإدارة القانونية للهيئة القومية للكهرباء، ورئيسا للإدارة القانونية لشركة السودانية لتوليد الحراري، ورئيسا للإدارة القانونية لوزارة المالية بالولاية الشمالية، ورئيسا للإدارة القانونية لوزارة السياحة والآثار والحياة البرية الاتحادية، ليعود للسلطة القضائية في عام 2014م، ويعين مساعدا لرئيس عام إدارة المحاكم، وينتدب كرئيس الإدارة القانونية لشركة الرواد للعمليات البترولية ويمنح دون سواه احتكار المشاركات الخارجية في كل من (الصين – المغرب العربي- الإمارات العربية لمدة 5 مرات – باريس فرنسا).


ومن ضمن الذين تمت إعادتهم قاضي من الذين عينوا في عام 1992م وذلك بغرض التمكين والإحلال مكان القضاة الذين فصلوا للصالح العام، وهو من ضمن الذين عملوا إقرارات بالانخراط فى الدفاع الشعبي لذود عن التوجيه الإسلامي آنذاك، وقد اشتهر بالتجارة عندما كان قاضيا بغرب السودان كان يستغل عربه المحكمة في تجارة أم دورو من سوق إلي اخر، وإلى وقت قريب عندما كان بالفاشر عمل بتجارة  سيارات ما عرف بـ (البكو) حيث امتلأ ميز قضاة الفاشر بعربات البوكو بل سمح لبعض سماسرة العربات و(الكرين) بالسكن في الميز وذلك يخالف قواعد سلوك القضاة حيث أن القاضي غير مسموح له بأي نشاط تجاري.


هذا غيض من فيض الذي يحدث في المؤسسة القضائة التي عكف قاضي المحكمة العليا أبو سبيحة لإعادة تمكين كافة رموز الحزب والحركة فيها، وهو الأمر الذي لم تنج منه النيابة العامة ولا وزارة العدل ولا ديوان الحسبة ولا المؤسسات التي لها صلة بالحقوق وانتزاعها ليسلط البرهان بانقلابه سيف القضاء على رقاب الشعب وساسته ونخبه ونشطائه ويزجهم في السجون تحت مرأى ومسمع وربما بإشراف هؤلاء القضاة.
● ختاما:
• إن الممارسات الخرقاء التي ارتكبت في عهد هذا النظام ليست بريئة ولم تتم عن جهل وإنما تم القيام بها مع سبق الإصرار والترصد، اشتركت في التخطيط لها والتآمر عليها والتنفيذ جماعات وأفراد ومؤسسات ودول وأجهزة مخابرات ورجال أعمال، ومن سوء حظهم أنهم ارتكبوا هذه الحماقات ضد الشعب السوداني واستعدوا أمة بكاملها، وجيشوا ضدهم مستقل الأمة من شبابه ونسائه، وجعلوا عدوهم الأول إلى الأبد هو الشمولية والدكتاتورية والاستبداد والأنظمة العسكرية.

• كما يتضح جليا أن الطاغية في السودان تقمص دور الإله، فمع تبريره للإنقلاب بأن هناك قلة من أربعة أحزاب استأثرت بالسلطة إلا أنه انفرد بها وحده لا يشاركه قرارها أحد، وأمعن في الاسراف في القتل وتبديد الثروات والأموال وتشريد الكفاءات والخبرات، وكل ما ارتكب هو ورهطه فظاعة من الفظاعات زاد تشبثه بالسلطة، فمارس الخديعة والتضليل للقوى السياسية والتمويه والتعمية للشعب السوداني، وادعى أنه سينأى بالمؤسسة العسكرية عن العملية السياسية ولكنه اتخذ من جماعات النظام البائد وعناصره السياسية والأمنية أدوات طيعة في يده ليخرب بها الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد.

• هذا يوجب على كل شرائح الشعب السوداني إدراك أنفسهم ووطنهم والتوجه بقوة نحو الكشف عن كافة الممارسات والفظائع والمخالفات التي ارتكبتها السلطة الإنقلابية وتدوينها للتاريخ، ورصدها لتكون حاضرة متى ما استدعى الأمر، فهي شهادة لله وللتاريخ، (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) سورة البقرة الآية: 283.

• هأنذا أضع شهادتي بين يدي أبناء شعبي لما شهدته في هذه الحقبة المقيتة التي مثلت أيامها ولياليها أمر فترات حياة السودانيين والسودانيات، وشهدوا فيها قتل خيرة فلذات أكبادهم، وتبديد أغلى الثروات، الأمر الذي أرجو أن يكون بعض وفاء لشهداء الوطن، وقليلا من البر بسوداننا أرض الأجداد ومنبت الرزق.


عروة الصادق

٢٢. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com



الخميس، 20 أكتوبر 2022

حصيد البرهان في عام (٣)

حصيد البرهان في عام (٣)

● مقدمة:
ظل الملف الاجتماعي طوال فترة الانقلاب يتخذ طابعا تدميريا تمزيقيا بصورة لم تخل من تآمر بين، غرضه تمزيق وشائج الشعب السودان وتفريق جموع شبابه الذين تحالفوا جيليا لاسقاط منظومة الإخوان فب السودان وإزالة الفوارق التي وضعتها كجدر مانعة للتواصل بين السودانيين، واستمر قادة الانقلاب في ذلك الأمر بصورة أكثر سفورا للمدى الذي حدى برأس الانقلاب للاستقواء القبلي، وسار على نهجه نائبه الأمر الذي دفع أبواق النظام البائد في الإدارات الأهلية لترديد تلك الأقاويل العصبية الجهولة، وفي هذا الجزء الثالث أركز على الجوانب الاجتماعية وما صنعه فيها الإنقلاب في عام.

ثامنا: اجتماعيا
• أدركت القوى السياسية السودانية باكرا أن المجتمع السوداني لا يمكن أن يتم تنميطه ثقافيا أو دينيا أو تذويبه اجتماعية عبر سياسات آحادية وأيدولوجيات واهمة ووافد وأنماط تغيير احتماعي تنفذ عبر سياسات خاطئة، وتم إدراج ذلك في كل الأدبيات السياسية للقوى السياسية الراشدة، وهوالأمر الذي عززته مراكز ومنظمات ومنصات اجتماعية ومشاريع تغيير تأسست على رؤى تكاد تكون متطابقة، الأمر الذي ضمنته قوى الحرية  والتغيير ضمن أطروحاتها وبرامجها ما جعل حكومتها الأولى والثانية مستوعبة للتغيرات الاجتماعية في المجتمع التي تنطوي على الثقافة باعتبارها عاملا حاسما في التطورات السياسية والثقافية والتنموية ومن الضروري فهم كيفية استجابة المجتمع لهذه التغيرات وعلى ضوء ذلك فتح الباب على مصراعيه لتوفير كافة ما يمكن أن يسهم في تطوير المجتمعات ويعزز تماسكها ويجعلها رافدا تنمويا أصيلا من تشريع وتطوير وتحديث وسياسات وبرامج وتمويل ..الخ.

• إلا أن انقلاب 25 أكتوبر وضع المقطورة أمام القاطرة فلجأ إلى سياسات طوارئ اجتماعية ذات طابع أمني تشريعات لاحقة للكوارث الماحقة، لأنه عجز عن ترجمة التغير الاجتماعي في السودان الذي احدثته الثورة السودانية إلى تغيير سياسي وإجراءات حكومية وسياسات تملأ الفراغ الذي أحدثه زول منظومة الإخوان في السودان والتي هيمنت لثلاثين سنة على مفاصل الدولة ومؤسساتها الاجتماعية وذوبتها في ثوب الحزب الواحد حتى صار كل من لا يرفع سبابته في المجتمع السوداني ويكبر ولو نفاقا هو ضد للدولة ومارق الواجب ملاحقته إن لم يصل الأمر للتهديد والوعيد والاعتقال والسحل والقتل.

• كما قامت الحكومة الانتقالية على دراسة التغيير الاجتماعي من خلال وزارتها المختصة وعكفت على ترجمةكافةالرسائل والرموز المتواترة في أحاديث المجتمعات والمنتديات المنشورة على كافة وسائل التواصل، وتم وضع خطط اشتركت فيها كافة الوزارات المختصة التي صممت رسائل اجتماعية اعلامية إيجابية وبرامج دينية لوزارة الأوقاف وصرف إعانات وتمويل للأسرة الفقيرة ودراسة التركيبة السكانية والشروع في تنظيم احصاء دقيق وحقيقي لمعرفة احتياجات المجتمعات وتوفيرها بتخصصية ومهنية وشفافية وعدالة، وقد أنشأت الحكومة منظومة سياسية وتنفيذية ومالية لدعم للفقراء، وصناديق لمساعدة التنمية في المناطق الريفية النائية، ووضعت برامج ترمي إلى تحسين أوضاع الأسر المعيشية ومساعدتها على التكيف مع التغيرات الاجتماعية..

• لم يتجاهل الانقلاب كل ذلك فحسب بل عمد إلى تعزيز التمزيق الاجتماعي ودق أسافين الفرقة والشتات بين المجتمعات والبيوتات القبلية والدينية وفتح الباب على مصراعية لوسائل إعلامية تبث الكراهية وخطاباتها، وعطل تشريعات كانت ستقر وتنفذ وتوقع عقوبات رادعة لكل من يخالفها لأنها تحرم وتجرم الاستعلاءات الثقافية والدينية والاثنية وتمنع التمايز الاجتماعي، وانتشرت  جراء ذلك نزاعات دامية وعنيفة شملت كل أركان السودان بلا استثناء بدءا بين مكونات شرق السودان وأحداثه المختلفة في بورتسودان وكسلا والقضارف إلى النزاع الأخير بين البطاحين والبجا في حلفا الجديدة.

• وليس ببعيد عن الأذهان اندلاع نزاع كارثي خلف مئات الضحايا فيما نزح أكثر من31 ألف بحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية الصادر أغسطس 2022م ترجح تقديرات أخرى لوصول العدد إلى 40 ألف نازح غالبيتهم نزحوا لولايتي سنار والنيل الأبيض، وقد أدى سوء التقدير الحكومي إلى تجدد الاشتباكات القبلية في إقليم النيل الأزرق، عندما شرعت لجنة حكومية في إرجاع مئات النازحين إلى مناطقهم، دون أن تضع في الإعتبار تعقيدات الواقع القبلي على الأرض في أعقاب أحداث الاقتتال التي شهدها الإقليم منتصف يوليو 2022م الأمر الذي أدى إلى أحداث في  كل من قنيص شرق بمدينة الروصيرص بمجمع طيبة الإسلامي ثم انتقل القتال إلى أم درفا بمحلية ودالماحي شمال مدينة الدمازين، وما يؤسف له أن هذا الصراع القبلي نشب في ولاية تهيمن عليها الحركة الشعبية لتحرير السودان وهي التي تحمل مشروع السودان الجديد القائم على الاعتراف بالآخر والإقرار بالتعدد الثقافي والديني والاثني إلا أنها عجزت عن كبح جماح تمدد خطابات الكراهية وجيوب السلاح التي تسربت للولاية، والتي لم تسطع جحافل الجيوش والقوات المشتركة من إيقاف تسببها في النزيف الذي شمل عددا من قرى منطقة ود الماحي بالإقليم، بل لتفصل السلطات المواطنين اجتماعيا  عن بعضهم وعن بقية البلاد قطعت الاتصالات في المنطقة منذ 17 أكتوبر 2022م.

• وفي يوليو 2020م اعتصم مواطنو نيرتتي بولاية غرب دارفور اعتصاما يضاهي اعتصام الشعب السوداني أمام بوابات القيادة العامة للجيش، وأوفدت له الحكومة وقتئذ من يخاطبه لتلبية قضاياه، إلا أن الأمر اتخذ طابعا تدميريا دمويا في سبتمبر 2021م ليكتمل الحرق والتهجير في 2022م الأمر الذي أثبت التقاعس الحكومي إن لم نقل التورط الأكيد في تلك الأحداث التي خلفت مئات الضحايا وآلاف النازحين الذين لم يكتب لهم الاستقرار منذ العام 2003م، وليس من قبيل الصدفة أن تكون تلك المجازر في إقليم يحكمه رئيس حركة جيش تحرير السودان وفي ولاية يقودها والي من حركات الكفاح المسلح، الأمر الذي يؤكد أن سيناريو الإحراج لهذه الحركات مع جماهيرها ومواطني الولاية أمر مخطط له سلفا إلا أنها لم تع الدرس ولم تلق بالا أو تهتم بأدنى عوامل الاستقرار الاجتماعي في الإقليم.

• بالانتقال لجنوب كردفان نجد منطقة جبال النوبة تشهد بركان مكتوب تخرج منه بعض الحمم بين فينة وأخرى، وهناك إهمال متعمد من السلطات لعدم إخماد ما تشعله تلك الحمم من نيران، كما أن غياب المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل عناصر معلومين جعل من إعادة تكرارها أمرا سهل، فقد تزايد عمليات النهب في مدينة أبو جبيهة والمناطق الطرفية على خلفية أحداث محلية قدير وتوترت الأوضاع بصورة أخرجت عدد من المواطنين من المدينة، وتكرر الأمر في مدينة  لقاوة ففي أغسطس 2022م استقبلت مناطق تحت سيطرة الحركة الشعبية (الحلو) أكثر من 7 آلاف شخص من سُّكان المدينة ليتكرر الأمر مجددا بصورة أعنف في أكتوبر 2022م ليتخذ طابعا عسكريا استراتيجيا بقصف مقار بانتقاء عالي بغية تأجيج نيران الفتنة بين مكونات المجتمع المحلي كأن يحتجز الشاب أبو القاسم الناير ويذبح ويتم التمثيل به ويقصف منزل احد قيادات الإدارة الأهلية لتشمل الفتنة كل بيوتات الولاية (نوبة – مسيرية – داجو- وغيرهم)، اكتفت فقط الحكومة بالتنديد وإطلاق الاتهامات، التي قابلتها الحركة الشعبية باتهامات مضادة، الأمر الذي يعني إمكانية تمزيق اتفاق وقف العدائيات وإيقاف إطلاق النار في 2019م، وهو خطوة ستقود إلى صفر سلام.

• كما نشطت اتحادات شبابية لتأجيج صراعات حول الحدود في ولاية غرب كردفان ومطالبات بإنشاء ولاية وسط كردفان، لم تخل أيضا من عنف وتحريض وخطابات قبلية متعصبة، فاقم من زيادتها لحد الاشتباكات وقوف قيادة المنطقة العسكرية والحاميات وقوات الشرطة في خانة المتفرج، وسط مجتمع مسلح بالكامل وينشط وسطه فلول النظام السابق بصورة كبيرة، وقد أثرت تلك الصراعات على كل البلاد كالتخريب الذي حدث في مناطق انتاج البترول من جهات لم يكشف عنها إلى تاريخه والتلويح بإغلاق الطرق الغربي الذي يربط السودان ببعضة وبدول الجوار غربا.


• كل تلك الحروب بين السودانيين أنفسهم مثلت سببا في تمزق اجتماعي كبير ولكن القنبلة الاجتماعية التي لم يتم التحسب لها هي الأعداد الكبيرة من اللاجئين من دول الجوار والمستقدمين من مناطق أخرى هؤلاء عطل الإنقلاب سياسات الهجرة التي اتخذتها حكومة الفترة الانتقالية لينحى بها من الجانب الفني إلى تعامل أمني صرفي وجعل من معتمدية اللاجئين ثكنة تعج بالضباط والمخابرات الأمر الذي سيعطل الاستفادة من استحقاقات السودان من التمويل الدولي لللاجئين الأمر الذي يعني تسربهم من معسكرات اللجوء إلى المدن ومناطق الانتاج دوان اتخاذ أي خطومات لإدماجهم في المجتمع أو تسهيل إقامتهم في البلاد ما سيؤدي لتغيرات اجتماعية مستقبلا.


• هذه الأعداد الكبيرة من اللاجئين سريعة التنامي وتنتشر في  التجمعات السكانية المتزايدة في المدن والأرياف وتنشط في الحياة العامة اجتماعيا واقتصاديا وتستغل من بعض أصحاب النفوذ لتظهر شبكات تتاجر في العملات وتزيفها وتهريب البشر والسلاح والاتجار في المخدرات والممنوعات والدعارة، وصار الأمر عملية منظمة وصلت تهريب بعض هؤلاء المهاجرين من المقبوض عليهم في جرائم خطيرة من السجون السودانية ليعيدوا الكرة مرة أخرى.

• أخطر ما حاول الإنقلاب فعله هو إحداث قطيعة اجتماعية بين الأجيال السودانية المتعاقبة، وقد بث عبر آلته الإعلامية دعاية كذوبة قبل وأثناء وبعد الإنقلاب تشيطن الأحزاب السياسية وقادتها ورموزها في محاولة لإقامة حواجز بينهم وبين جيل الشباب، وقد حاول رئيس الانقلاب مخاطبة الشباب في الأيام الأولى للإنقلاب واجتمع بأعداد كبيرة منهم وتم تصميم أجسام اجتماعية وسياسية ضرار تهتف بإحداث هذه القطيعة الاجتماعية بين الكبار والصغار، الأمر الذي سرعان ما تداركته السبيكة الاجتماعية السودانية وتنسيقيات لجان المقاومة بأن هذا الفخ المنصوب الغرض منه إضعاف الشعب السوداني.

• كما حاول الانقلاب استعادة المنظومة الاجتماعية للحزب الحاكم وتمكين إداراته الأهلية المؤدلج بأيدلوجية واحدة مهيمنة وسهل لهم كافة سبل الحركة والنقل والتواصل والتسليح والحماية والنفوذ، حتى صار بعض قادة  الإدارات الأهلية يهدد ويتوعد بقية البلاد بحرب شاملة وشرر مستطير، وهو ما حفز كيانات اجتماعية أخرى للاصطفاف على أسس مضادة للتوجه الأيدولوجي الأحادي، وبهذا الفعل غير المدروس عطلت حكومة الإنقلاب آفاق التفكير السابق بتوطيد أواصر التعايش وأغلقت أطر التفكير  والوعي المشترك بالتغيرات الاجتماعية.

• بعد أن حدثت الثورة المنظومة الاجتماعية والسياسية والفكرية والاجتماعية وقدمت عدد من الشباب في مواقع مختلفة أصر قادة الإنقلاب إحداث ردة في هذا المستوى بإرجاع الجميع إلى آثار الشيخوخة الاجتماعية بابتعاث أموات النظام البائد وأفكارهم التي لفظها الشعب السوداني من قبور الثورة ووضعهم في صدارة المشهد الاجتماعي تحت مسمى مجالس حكماء الولايات التي عجت بالعنصريين والإخوانين من الفلول،  ما أثر ذلك بصورة مباشرة على التنمية الاجتماعية- واقتصاديات المجتمع، إلى جانب التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي تحدث في السودان، ومن جانب آخر أبعد الإنقلاب كافة الكفاءة المهنية والقيادات الاجتماعية وأحالهم للتقاعد المذل ما أعاق ضمان مواصلة إدماج كبار السن وتمكينهم الأمر الذي أحدث هزات نفسية واجتماعية يصعب علاجها وتداركها.

• استندت الحكومة الانتقالية في تخطيطها على بيانات ومسح ميداني فعلي إلا أن سلطة الانقلاب استنسخت بيانات النظام البائد كما هي والتي كانت تصمم على أنشطة تمول المجهودات الحربية والمنظومة الأمنية، ما أثر بصورة مباشرة على المجتمعات الهشة والتعليم والصحة وأوضاع النازحين والقطاعات الفقيرة، فقد بدأت وزارة الرعاية الاجتماعية بالمركز والولايات برصد دقيق وفعلي للقطاعات المستحقة للدعم المباشر والأسر الفقيرة والأيتام والأرامل وذوي الدخل المحدود، والكيانات والجمعيات الاجتماعية والروابط الأهلية وعكفت على دعمها بصورة مباشرة عبر مفوضية متخصصة وبنوك حكومة الأمر  الذي أوقفه كليا الإنقلاب وقطع الطريق أمام تدفق أموال كانت ستحقق بعض الاستقرار الاجتماعي ما كان سيسهم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

• كانت الثورة السودانية نتاج التغيرات والتراكمات التاريخية، فضلا عن التغيرات الاجتماعية والسياسية التي حفزت جيل الشباب للوثوب نحو المستقبل والإنقضاض على النظام الإخواني، وكانت أداتهم الرئيسية في هذا الأمر الترابط الاجتماعي والوحدات التنظيمية المهنية والفئوية والقطاعية والحرفية ومثلت وسائل التواصل الاجتماعي شريان ذلك التواصل الحميد، الأمر الذي دفع الإنقلاب إلى إجراءات تقطع تلك الروابط الاجتماعية القوية باستخدام ذات الوسائل عبر تخليق كيانات اجتماعية ربيبة للانقلاب ولجان تسيير ونقابات تأتمر بأمر سلطه وتسخر وسائل التواصل الاجتماعي ومراكز النظام الإعلامية لتصميم رسائل مهددة للسلم والأمن الاجتماعي الأمر الذي أحدث شرخا اجتماعيا كبيرا، وفي كثير من الأحيان ليعزز النظام تلك القطيعة الاجتماعية ومنع التواصل عكف على قطع شبكة الانترنت وإغلاق المعابر التي تربط المدن اجتماعيا في حالة أشبه بالحصار الاجتماعي.


• أرغم سلوك الحكومة الانتقالية المؤسسات الاقتصادية الكبرى في السودان ورجال الأعمال على انتهاج سياسات جديدة تجاه المسؤولية الاجتماعي، فقد انتشلت أيادي العون الكثير ممن يستحقون الدعم عبر إجراءات المسؤولية الاجتماعية التي اتخذت طابع الحياد، ولكنها بعد الانقلاب تم تحجيمها لتقتصر على الجهات التي توصي بها أذرع الإنقلاب بإملاء من فلول النظام السابق الذين تم تمكينهم مجددا من المنظمات والكيانات والجمعيات الاجتماعية التي تستنزف أموال المسؤولية المجتمعية.


• ركزت الحكومة الانقالية على مواضيع مهمة بجانب عملية السلام وهي: تحديات استدامة الديمقراطية وسبل استقرار، والتغيرات الاجتماعية المرتبطة بها، والكوارث الإقليمية والدولية المتسببة في تلك التغيرات بالإضافة إلى  مستقبل السودان ، واتخذت لذلك السبيل العلمي الأكاديمي الموضوعي للتحليل الاجتماعي معززا ببيانات حقيقية ومستفيدات من قفزات التكنولوجيا والتطور الذي يمكن من رصد سكان السودان ومجمعاتهم الاجتماعية واحتياجاتها، وأعانت في ذلك منظمات دولية وهيئات مهتمة بالأمر، الآن نستطيع القول بأنه تم القضاء على كل ما بذل وقطعت الصلاة بين تلك المنظمات الإقليمية والدولية وخرجنا من المراصد الدورية المنتظمة التي تمدنا بكل التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المعقدة والمتغيرة التي تؤثر بصورة مباشرة على أوضاع حقوق الإنسان والتنمية والديمقراطية وحتما ستقود لإحداث نزاعات داخلية سيتأثر العالم من تناميها.

• كما مضت الحكومة الانتقالية قدما في ملف التشريعات المدنية المتعلقة بالمجتمع السوداني وقانون الأحوال الشخصية وذلك لإلحاق البلاد بمنظومة التشريع الأممي فيما يخص قضايا المجتمع والأسرة والطفل والنساء وقضايا تمكين المرأة وإلغاء القوانين التي تحط من كرامتها، والبدء في سن قوانين تتواءم مع التشريعات الدولية والحقوقية تعزز شعور  النساء بقيمتهن الذاتية، وبقدرتهن على التحكم بمقادير حيواتهن، وقدرتهن على التأثير في مواجهة التغيرات الاجتماعية والسياسية التي تطرأ عليهن، إلا أن الإنقلاب عطل هذا الجانب التشريعي واتخذ ممارسات سياسية واجتماعية وأمنية حاطة من قدر النساء وإلى الآن يناور بملف المصادقة على اتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة ويتمنع عن الالتحاق بمعاهدات واتفاقيات لها صلة بالمجتمع.


• جعلت الحكومة الانتقالية ملف الأقليات ملف ثراء ثقافي وتعايش اجتماعي إلا أن الانقلاب اتخذه مدخلا للاستقطابات الاثنية والقبلية والمزايدات الاجتماعية وشرع في تكوين إدارات أهلية واتحادات اجتماعية سوادها الأعظم فلول النظام السابق، ولجأت كثير من الأقليات للاستقواء بمال وسلاح وسلطة الإنقلاب،  الأمر الذي أدخل بعضها في معارك دامية وخصومات اجتماعة تعتبر الأكثر تهديدا للاستقرار في السودان، لأن ملف الأقليات دوما ما تستخدمه الأنظمة المتسلطة لتأجيج الحروب.


• كل هذه الآثار مجتمعة أثرت بصورة مباشرة أو غير مباشرة على السلوك الإنجابي، فانتشرت الأمراض الاجتماعية كالطلاق، والأطفال فاقدي السند، وتزايدت عمليات الإجهاض بنسب مخيفة ففي السابق كانت عمليات الإجهاض تتم في المنازل أو على يد أطباء كالطبيب الشهير عبد الهادي الذي صرح بأنه أجهض لحوالي 10 آلاف إمرأة حامل، واليوم تم منح تراخيص لمراكز صحية وعيادات وصيدليات أصحابها فقط رؤس أموال أو لهم علاقات بنافذين تمارس فيها تلك العمليات بصورة أشد وضوحا من ذي قبل، وذلك لانتشار أموال طائلة في أيادي مراهقين لا يحسنون إدارتها. 


• وإدراكاً منها للحاجة إلى إتباع نهج شامل تجاه قضايا الشباب، بدأت الحكومة الانتقالة سلسلة من المبادرات في مجال تنمية وتطوير الشباب ومؤسساتهم الاجتماعية والاقتصادية والرياضية والفنية وريادة الأعمال، ورصدت لذلك أموال كثيرة ومشروعات كبيرة كان هدفها إحداث استقرار اجتماعي بالمقام الأول لأن استقرار الشباب هو مدخل للتنمية والاستقرار الاجتماعي وهو كابح لعمليات التجريف الاجتماعي التي تسببها المخدرات والحروب والصراعات، ولكن لأن هذا الأمر يجرد (لوردات) الحروب من أسباب التجنيد  قطعوا الطريق أمام ذلك بالإنقلاب وبدأوا في بث خطابات الكراهية لفتح المزيد من معسكرات التجنيد كل لمعسكره .

نواصل.....

عروة الصادق

١٩. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com