الثلاثاء، 25 أكتوبر 2022

بيان الشرطة السودانية والجماعات الإرهابية

بيان الشرطة السودانية والجماعات الإرهابية


• بيان الشرطة السودانية إذا تبنته وزارة الداخلية وحكومة الإنقلاب فهو بمثابة إعلان حرب على المدنيين العزل وتبرير للقمع والقتل والسحل والتعذيب، واستحلال لدماء المحتجين، وسير على ذات الطريقة (القوشية)، بالتدريج لأكاذيب خلايا إرهابية من حركات دارفور، وغدا ستعود قصة الفتاة التي تحمل بندقية موريس في حقيبتها وغيرها من أحابيل العهد المقبور، والذي يحاول عناصره المبعثرون من قبور النظام البائد إحياء خططته وخطاباته على طريقة (نسخ ولصق).



• إن بيان الشرطة نسخة من تقرير تم إرساله بإشارة عاجلة من القوات الميدانية التي تعاملت مع المتظاهرين وقتلت الشهيد قاسم دهس ليلحق بالخالدين في علياء رب العالمين، والذي لم يكلف إعلام الشرطة نفسه الترحم عليه كونه مواطنا سودانيا بإعادة الصياغة حتى، ولم يقم سوى بإضافة بعض الكلمات المغلظة والمفخخة، على شاكلة (تشكيلات عسكرية مساحة)، و (تنظيمات غير مشروعة)، (تحت تأثير المخدر) لتصوير مدى التخدير الذي ينتشر وسط هؤلاء الجماهير (المغيبون)، و(زعزعة الأمن) وغيره من الترهات، كحماية المدنيين والممتلكات، وهناك أكثر من 10 آلاف بلاغ نهب وسلب في العاصمة مقيدة ضد مجهول وبعضها تم تصويرها متورط فيها نظاميين أو ببطاقات نظامية.



• حشر البيان في طياته من أسماهم بالمراقبين والمستشارين المنتدبيبن من النائب العام ووزارة العدل، وهو ما يعني أن المسؤلية من انتهاكات اليوم تقع على عاتق وزارة العدل والنيابة العامة، وأن ما حدث اليوم من تعامل باشتراك إن لم يكن بتوجيه من هؤلاء "المراقبين"، وهو ما يستوجب استصدار بيانات من هذه المؤسسات تؤكد أو تنفي اشتراكها الجنائي في جريمة مواكب الخامس والعشرين من أكتوبر. 



• طفق البيان الكذوب يعدد ويصف مجاميع الشباب بالشكل واللون ولم يتبق له إلا أن يذكر رتبهم العسكرية، فعدد من الألوان ما عدد، ونسي ألوانا رئيسية هي الأخضر والأبيض من ألوان أعلام السودان الزاهية العالية الخفاقة التي تفوق جمالا ونضارا تلك المعلقة على سواري القيادة العامة والقصر الجمهوري ومقار الشرطة لأنه مخضوبة بدماء الأكارم من أبناء الشعب السوداني.



• ما صدق فيه البيان أن هذه المجموعات الشبابية التي أطلق عليها (قوات) مدربون، نعم! هم مدربون على الهمة والعزيمة والإنضباط لأنهم ومنذ 2018م وهم لم يتخلفوا من توقيتاتهم (١:٠٠م)، أو يخالفوا عهدهم لمن قضى منهم ومن ينتظر وما بدلوا تبديلا، نعم! هم مدربون على حماية بعضهم البعض وعدم التولي وترك مصابيهم خلفهم، ويرفعون مصابي القوات النظامية ويرددون: "نحن إخوانك يا بليد"، ولا زالوا يحددون مساراتهم ونقاط تجمعهم بذات الشجاعة.



• نعم! هم مدربون ومبتكرون لوسائل الحماية التي استوجبها التصدي للقمع، قطعوا البراميل البلاستيكية وحملوا شبابيك الخشب ليصنعوا درقات تحميهم مقذوف الأوبلن والرصاص المطاطي والغاز البذي واستهداف (الطرف الثالث) لهم بالرصاص الحي والذي عجزت الشرطة السودانية حتى اليوم عن تحديده.




• وصف البيان تسليح (القوات) بالموحد، ونسي أن هذه القوات أيضا موحدة جيليا، فهم جيل واحد بضمير واحد ووجدان سوداني واحد وخالص لله والوطن، موحدون رغم تنوعهم، ومشاربهم وألسنتهم وألوانهم، جميعهم خرجوا يهتفون باسم الحرية والسلام والعدالة والقصاص للشهداء وإسقاط هذه السلطة الدموية، يرددون شعارات كتبوها هم تشق حناجرهم عنان السماء، شأنهم شأن ألتراس المريخ والهلال العظيمين ولا يتوانون في استخدام كل أدوات التعبير السلمي المتعارف عليها والمسموح بها في كل بقاع العالم.




• ظن البيان أو كاتبه متوهما أن تحديد قيادة للمواكب سبة، وهو عين العقل والحكمة أن يكون لموج هادر كهذا قيادة تنسقية وميدانية تحدد جداوله وتبين مساراته وتصدر بياناته وترفع شعاراته، ولكن لاضطراب العقل الذي يدير السلطة في البلاد تارة يصف هذه المجموعات بالفوضوية وتارة بأنها أناركية ومرة بأنهم غير ذلك من الأوصاف، إلا أن بيان الشرطة أقر بوجود قيادة لهم، نعم لهم قيادة وهذا ما يزعج السلطة أن التنسيقيات واللجان والمجموعات باتت أكثر تنظيما وأشد دقة في تحديد الأهداف، ويصعب توجيهها وتوظيفها لصالح حزب أو جهة أو تيار فهؤلاء قدامهم الصباح والوطن ودماء أحبابهم وأصحابهم.




• القول بالتعدي على عربة الإطفاء للاستدلال على أن هؤلاء غير مدنيين، وكأن تلك العربة كانت تحمل لهم (عبق المسك والزعفران)، وليس آسن المياه الملوثة والحارقة والممرضة، والخطأ ليس خطأهم وإنما خطأ إدارة كاملة يتحملها قائد عام قوات الشرطة الذي اختار أن يقحم عربات الدفاع المدني في معركة تقتيل وسحل الشعب السوداني، وهو أمر سيوسع دائرة العداء للقوات النظامية التي ظل عدد كبير من وحداتها بعيدا عن الإشتباك المباشر مع الجماهير، ومعلوم أن استنفار هذه القوات في معركة خاسرة فيه زيادة لرقعة القطيعة وعدم الثقة بين جهاز الشرطة والمواطنين .




• كما أن الحديث عن عبوات ناسفة هو تضخيم مفهوم في هذا الوقت وتهديد مبطن بأن البلاد يمكن أن تتحول إلى قندهار أو كابول، ولكن قد فشل النظام البائد وصلاح قوش في جر البلاد إلى درك الإنفجارات، وستفشل مخططات السلطة الإنقلابية بإدارة البلاد بالحرائق والفوضى، فقد تم تجريب خلية جبره، وتسعة طويلة وحريق النيل الأزرق ولقاوة والجنينة وغيرها.



• أما محاولة دق إسفين خبيث بين القوى السياسية والتنسيقيات والشباب في الميدان بأن هذه التحركات خلت من شعارات حزبية، وأن الأحزاب السودانية عليها أن تحدد موقفها من هذا الحراك، أؤكد أن القوى السياسية السودانية جميعها اليوم كانت مشاركة بكل قطاعاتها الشبابية والنسائية والفئوية والحرفية والمركزية والولائية ومكاتبها الميدانية، وبعض المهجريين الذين انخرطوا في هذه المواكب وقد أصدروا بيانات تؤيدها وتدعوا لها وكذلك سيفعلون.




• أتوقع في الموكب القادم أن تعلن الشرطة أن سربا من الطائرات الثورية يطير بتشكيلات عسكرية في السماء ويهدد قوات الشرطة السودانية، وأن أفراد يتبعون لهذه المواكب (القوات) باستخدام مروحيات هجومية من طراز Mi -24 لإسناد المواكب الأرضية في سياق العمليات الحربية التي تعلنها تنسيقيات لجان المقاومة.



• كما أخشى أن يتم الإعلان في خطوة لاحقة عن القبض على خلية إرهابية تجهز لاعتداءات مسلحة وتفجيرات تستهدف المواقع الاستراتيجية، ويزج فيها أبرياء كما تم اتهامنا من قبل جهاز الأمن الوطني في العام 2016م، وهذا السلوك لن يزيد إلا من (تغبين) الشارع السوداني وحفزه للمضي بقوة لإسقاط هذه السلطة التي تعجز على حفظ الأمن بخمسمائة شرطي في النيل الأزرق ودارفور وجنوب كردفان وتحشد عشرة أضعافهم في مثلث لا تتجاوز مساحته العشرين كليومتر مربع.


• وأنبه وزارة الداخلية لأمر مهم وهو أن التكوين المسلح في السودان منذ العام 2002م أضحى أسهل من التكوين السياسي أو التنظيم المدني، ومن السهولة بمكان استقطاب مجندين وكتابة منفيستو لحركة مطلبية أو مسلحة وكذلك الحصول على التسليح الجيد فردي وخفيف ومتوسط وثقيل ومضاد طائرات، ويمكن إيجاد المدربين والمتدربين بوفرة وكثرة، ويمكن شراء المسيرات وحتى صناعتها في الخرطوم، وتأسيس قوة ضاربة ممولة تمويلا جيدا من دول وأحلاف وأجهزة مخابرات وشركات تجارة سيارات وأسلحة تريد إزدهار تجاراتها، فضلا عن آلاف الضباط والخبراء والجنود السابقين المستعدين للانخراط في أي عمل بمقابل مادي مجزي، ولكن هؤلاء الشباب اختاروا طريقا عز فيه استخدام السلاح و العنف، ونأوا بأنفسهم التي عافت الدماء والسلاح والقتل، وانتهجوا السلمية سلوكا وممارسة لا يعتدون وما كانوا ظالمين.



• ولو أن أحدث ضابط تحري عرض عليه بيان اليوم لقال بأنه بيان كذوب ومضلل ومثير للشفقة، ولعل هذا يوضح أننا بحاجة إلى تحديث منظومة الداخلية. برمتها كجهاز سياسي وقيادي وريادي ومهم، بإدخال أجهزة كشف الكذب والتزييف لتفحص البيانات الرسمية قبل أن تصير مضحكة للمحيط الإقليمي والدولي الذي يرصد مثل هذه البيانات عبر أجهزته الرصيفة ومنظماته الحكومية وغير الحكومية ومنظمات حقوق الإنسان والهيئات المختصة التابعة للأمم المتحدة.




• إن موقع وزارة الداخلية الإلكتروني التي ننشدها والوحدات والإدارات التابعة لها ينبغي أن يكون صادقا ودقيقا وخاليا من مثل هذه التفاهات ويحتوى الموقع على معلومات حقيقة وبدرجة عالية من الموثوقية وتحليلات خبراء ومختصين في الشؤون الداخلية، واستطلاعات المواطنين باعتباره موقعهم، ويعج بالنصائح والإرشادات كما تفعل التنسيقيات بإصدار توجيهاتها وإرشاداتها للمحتجين والجماهير ولعامة من يسكن السودان، وأن يحوي الموقع التقارير الحكوميّة المرجعية التي تترجمها جهات تراقب الوضع في السودان وترسلها لدولها، أن يكون موقعا للثراء لا للثرثرة، مستندا على وثائق يصعب تزييفها وفيديوهات لا يمكن دبلجتها كالتي تحتفظ بها كميرات شرطة المرور التي رصدت آلاف الفظائع في مواكب الخرطوم طوال العام المنصرم والسنوات الماضية، ولكن هل ستقدم للعدالة إذا طلبت أم أنها ستعدم كما أعدمت فيديوهات تهريب الذهب.


• وأكرر للمرة الألف لسنا ضد دولتنا ولا مؤسساتها ولا ضد قواتنا النظامية بل نريدها أن تكون مؤهلة غاية التأهيل وتتقاضى أفضل الأجور منضبطة ومهنية ومنظمة ومدربة ومجهزة بأحدث التجهيزات وتعمل بموجب قوانينها الداخلية لأغراض الدفاع والاستخبارات أو الأمن الوقائي أو الأمن القومي، وأن تكون حماية المواطن وممتلكاته هدفها في المقام الأول، وحينها سيكثر الأشخاص المتطوعين والمتحمسين لمساندة تلك القوات النظامية والمسلحة ويخضعون لقيادتها وسيطرتها ومسؤوليتها الرسمية ويتوجهون بتوجيهاتها في معركة تحرير أطراف الوطن الموطوءة.




• أخيرأ: إن هذا الجيل غالبيته انخرط في معسكرات التدريب قسرا تحت مسمى الخدمة الوطنية وملم بقواعد الاشتباك (Rules of Engagement) ولهم دراية بأبجديات العلوم العسكرية ويعلم القواعد التي تلتزمها القوات النظامية عند استعمال القوة في خضم العمليات الأمنية والشرطية والعسكرية التي تضطلع بها في المسرح الدولي أو الإقليمي أو الوطني سواء في النزاعات المسلحة أو مهمات حفظ الأمن والسلام فالسماء المفتوحة لم تترك شاردة ولا واردة ولم تكتم علما، لذلك الاستخفاف بهم جهل، ودمغهم بمثل هذه الأباطيل عته، ومن شأنه أن يولد تيارا متطرفا سيلجأ لخيارات أخرى غير السليمية إذا ضاقت به السبل. 



• إننا نحلم أن نشاهد أقوى أجناد الأرض هم أبناء وطننا حماة السيادة والتراب والمال والعرض، وأن تأتي حكومة تنفيذية مدنية تضع في أولوياتها تأهيل وهيكلة هذه القوات وتضع في اعتبارها الشراكات الإقليمية والدولية فدوننا بيان ألترويكا والمملكة المتحدة واليابان والالتزام الذي تعهد به الاتحاد الأوروبي بإيفاد مدربين شرطيين وعسكريين لتدريب ورفع قدرات القوات النظامية وإمكانية أن يكون شرطي السودان مزود بذات رصيفه في اليابان.



• ختاما: يا ساداتي لا تستهينوا بتأهيل هؤلاء الشباب والفتية، فهم يفوقونكم تأهيلا في كل المجالات المعرفية والتكتيكات والاستراتيجيات، بل والخبرات فهم يبنون دول كاملة ومستعمرات افتراضية لا تحدها حدود، يعرفون مواردها ويرفعون قدراتها ويكونون جيوشها وأحلافها، ويجتهدون في تطوير خوارزميات حربية تستعين بها حتى أقوى جيوش العالم، أرفق لكم أدناه بعض الألعاب التكتيكية والاستراتيجية التي يلعبها هؤلاء حتى لا تتعجبوا من قدرتهم على مناورة عناصر شرطة بعربة مدرعة بدائية وغاز بذيء فهؤلاء جيل (الميتا فيرس) لم يعش في الأمس وإنما يسايرون اليوم ويعيشون في المستقبل ومصرون على النهوض بوطنهم وبنائه على أحسن طراز، فلا تلعبوا معهم بالنيران ولا تحصبوهم بالحجارة فبيوتكم من زجاج.

ألا رحمة الله على الشهداء، ولعنته على الظالمين.


• ملحوظة هذه ألعاب هذا الجيل لذلك لا تستهينوا به:

Assassin creed black flag
Assassin creed valhala
Assassin creed odyssey. 
Assassin creed unity.
Aplague tale 
Battle field v
Batman Arkham night
Call of duty vanguard. 
Call of duty cold wor
Far cry primal 
Far cry 6
god of war4
ghost of tsushima 
Hitman
Hitman 2
Hitman 3
Metal gear sold 
Resident evil 2 remake
Resident evil 4remaster
Resident evil 5
Resident evil 6
Resident evil 7 biothard  
Resident evil 8 village 
Rise of tomb rider 
Red dead redemption 2
Saint Row  
Sniper 2 remaster 
Sniper elite 4
Sniper elite 5
The last of us 2
Uncharted 1
Uncharted 4 
Uncharted lost legacy 
Watch dogs 2
Watch dogs ligon
Were wolf

عروة الصادق

٢٥. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com





الاثنين، 24 أكتوبر 2022

الإفلات من العقاب .. التمهيد له جريمة!!

الإفلات من العقاب .. التمهيد له جريمة!!

 
مقدمة:

● الاحتجاجات ضد الإنقلاب منذ اليوم الأول دفع ثمنها الشباب السودانيون والشابات كست النفور، بمختلف أنماط الاعتداء الجسيم، وتختلف طرائق القتل من شهيد لآخر، فمنهم من مات تحت التعذيب في مقابيء الاحتجاز، ومنهم من قتل بالرصاص الخي ومنهم من هشمت جمجمته قذيفة الغاز المسيل للدموع، ومنهم من تم دهسه بمركبة تتبع لواحدة من القوات النظامية أو منعه من الاسعاف بواسطة نظاميين، والنتيجة الحتمية هي الموت.



● إن جميع جرائم القتل تمت بأدوات ومركبات نظامية وقوات تتزيا بزي نظامي، حتى المدنيين الذين يحملون السلاح ويصوبونه تجاه المحتجين يتحركون في أرتال القوات النظامية وضمن دورياتهم، وهو ما يعني أن المسؤولية المباشرة تقع على القوات النظامية مجتمعة وتقع المسؤولية الأكبر على السلطة الإنقلابية التي تتحكم في توزيع وتجميع تلك القوات وتصرف لها التوجيهات عبر وزير الداخلية ومدراء عام الشرطة والمخابرات العامة.



● يمتد الأمر ليصبح جريمة عدوان وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت في حق مدنيين عزل بآلات الدولة العنيفة، جراء سياسات تم اقرارها من سلطة عسكرية يشاطرها الحكم مدنيون، ويديرون دفة الحكومة التنفيذية في مختلف الوزارات، وهنا يصعب استبعاد أي ممن في السلطة من المسؤولية الجنائية أو المسؤولية التقصيرية أو المسؤولية التضامنية ضد المحتجين.



● وهو ما  شكل أعظم التحديات التي تواجه النتقال السياسي وأكبر العقبات الخطيرة التي تواجه تحقيق العدالة، وولد اهتزاز الثقة في السلطة الحاكمة والمنظومة التنفيذية والجهاز القضائي وغياب سيادة حكم القانون وانعدام صون وتعزيز وحماية حقوق الإنسان في السودان وهو ما ينتج عنه الإفلات من العقاب.



● وفي الفترة الأخيرة مهدت السلطة الإنقلابية لتضليل مؤسسات العدالة وتقييد لجان الوصول للحقيقة، ومحاولات طمس الأدلة والبراهين وذلك لاصطباغ بعض قادتها بالجرائم الجسيمة ذات الصبغة السياسية والإنسانية والاقتصادية، كالاعتقالات غير المشروعة ومحاولات الإخفاء القسري والتعذيب وما يترتب على إجراءات الإنقلاب من عسف بما في ذلك الاغتيالات السياسية وتصفية الخصوم، وجرائم التهريب والتخريب الاقتصادي خصوصا تلك التي اقترفت في الأربعة أعوام الماضية ولم تتبين ملابساتها أو تصل لجان تحقيقها إلى نتائج.



● فضلا عن محاولات حثيثة لتقييد الوصول إلى نتيجة مرضية للضحايا في ملف الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وجريمة قتل المتظاهرين وفض الاعتصام وجرائم العدوان المرتكبة في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، والتمنع عن تسليم أو مثول الجناة أمام المحكمة الجنائية الدولية، ووفقا لمبدأ التكامل المنصوص عليه في نظام روما الأساسي، فإن الإجراءات القضائية الوطنية تشكل خط الدفاع الأول في مواجهة الإفلات من العقاب، إلا أن السلطة تبذل قصارى جهدها للعبث في الإجراءات الأولية المقيدة في مضابط الجهات الحكومية والعدلية في السودان، وهو الأمر الذي صور لسلطة الإنقلاب أنه بالإمكان الإفلات من العقاب بواسطة تأخير الإجراءات أو التسويف والتماطل لتسقط تلك الجرائم بالتقادم.



● لسنوات خلت استمرت ثقافة القتل وانتهاك  حقوق الإنسان في ظل صمت مكتوم للضحايا، وهروب عدد من الأسر التي فقدت ذويها تحت تهديد أذرع وأجهزة السلطة الحاكمة للدرجة التي اختفى فيها أي خيط يوصل لتلك الأسر، وحتى القضايا الماثلة أمام المحاكم يتم تأخير إجراءاتها والضغط على ذوي الضحايا عن طريق الصلات الاجتماعية والإدارات الأهلية لنيل العفو وإطلاق سراح الجناة أو التلاعب في مستنداتها وشنودها.



● الغريب في الأمر أن الدولة لها من الإمكانيات التقنية والفنية والكوادر الأمنية ما يسهل القبض على الجناة ومعرفة مصدر تعليماتهم في أوجز مدى زمني، فالحكومة تتنصت على هواتفنا وتراقب تحركاتنا و تجمع بياناتنا وترصد بدقة كافة أماكن تواجدنا واحتجاجاتنا ومسارات المواكب وفي بعض الأحيايين تصدر بيانات بأعدادنا، وهنالك رصد شعبي أيضا لغالبية حوادث القنص والقتل والضرب المباشر والدهس التي قادت لتلك الانتهاكات، ولكن لأن الحكومة عبر عناصرها وقواتها النظامية والغة في دماء الأبرياء تحجب تلك البيانات والمعلومات وتستخدمها للابتزاز والمساومة.



● كل هذا حفز الضغائن والغبائن وحرك تيارات شعبية لم تنخرط في مناهضة الإنقلاب منذ يومه الأول لتتقدم صفوف المواجهة، وهو الأمر الذي سيجعل من العسير جدا إدخال أي صفقة للهروب من العدالة والإفلات من العقاب، ولن يكون ذلك ممكنا في ظل تنامي البطش وعمليات القتل خارج الأطر القانونية أو مكافحة الجريمة، وانتشار السلاح وحملته دون ضوابط، وفي رأيي ذلك كله يحدث لإغراق البلاد في مزيد من دماء الضحايا حتى يستسلم الجميع لمساومة تمكن الجناة من الإفلات من العقاب والملاحقة الجنائية.



● إن معاناة ذوي الضحايا تزداد كل يوم بتأخر القصاص من الجناة، وترتفع درجات السخط الشعبي وتتنامى وتيرة التصعيد ضد السلطة، وهو ما يقود لحالات الإحتقان والإنسداد السياسي، وبالتالي انفراط عقد الأمن والاستقرار كما حدث في بعض المناطق التي تشتعل فيها نيران الحروب الأهلية في السودان، وما يعني إضطرابا في المنطقة والمحيط الإقليمي والدولي، وهو الأمر الذي يستوجب استحداث آليات حوكمة فاعلة لئلا يسود الإفلات من العقاب وإلا سنشهد ازدياد المعاناة أكثر فأكثر، وتضاعف أعداد النازحين واللاجئين واتساع رقعة الحروب فلا استقرار بلا عدالة.



● وهناك من يطالب بكل وقاحة ليس الإفلات من العقاب فحسب بل يطالب بما يسميه حصانة، تمكنه من العيش بصورة طبيعية دون ملاحقة من أهل الضحايا، وهو في نفس الوقت ينكر ارتكابه لأي جريمة ويكذب كل متهميه، ويرمي اللوم على جماعات اصطلح على تسميتها بالطرف الثالث، وهو ما مهد لنمو وازدهار كوارث العصر والجريمة المنظمة ما بين الاتجار بالممنوعات والمخدرات والاتجار في الأسلحة إلى الاتجار بالبشر وتدريب وتمويل الإرهابيين وتنظيم مافيا التهريب للثروات عبر الموانئ الرسمية والمعابر والمطارات والنظاميين.



● دون أدنى شك أصيب القضاء السوداني في مقتل وتم تجريف العناصر الكفوءة والنزيهة والمهنية، وكثير من القضاة اليوم وعناصر النيابة العامة والشرطة منتسبون لما يسمى بالأمن الشعبي وكتائب الظل التي تتبع للنظام المباد والحركة الإخوانية، ما يعني أن أي حديث عن تحقيق عدالة واقتصاص في ظل وجود هؤلاء ضرب من المستحيل لأنهم أعضاء الحاضنة الإجرامية للنظام المباد والسلطة الحالية، والأنكى أن رأس الإنقلاب أعادهم إلى الخدمة بعد إقالتهم من قبل لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989م ليعودوا لمواطن النفوذ ويرأسوا الأجهزة القضائية في العاصمة والولايات ويتحكموا في المحاكم العليا والإستئناف والعامة.



● وقد مثل المال والثراء السريع أهم عوامل الإفلات من العقاب فنحن نرى كيف يتحرك قادة الإنقلاب لشراء ذمم الإدارات الأهلية وخصوصا في المناطق التي ارتكبت فيها انتهاكات جماعية، ليسهل الحصول على العفو تحت ما يسمى بمؤتمرات المصالحات، دون أدنى مراعاة لمشاعر الضحايا الذين تشتتوا في أصقاع الوطن وأنحاء المعمورة نزوحا ولجوءا.




● ختاما: 

● أستطيع القول أن شباب الثورة السودانية لن يتراجع من مواكبه واحتجاجاته السلمية، ليس لأنه يريد الاقتصاص لمن رحلوا من زملائهم، ولكن ليحققوا ما استشهد لأجله الضحايا، حرية تنعم بها البلاد، وسلام عادل شامل، وعدالة تنصف كل مظلوم، وهو ما يعني أن أي محاولة للاستمرار في قمع الشغب السوداني ستنتهي باقتلاع النظام القائم عليها مثلما كرر ذلك السودانيين في كل مرة يستبد فيها طاغية.



● وعلى القوى السياسية السودانية التي تطلع لتحقيق السلام واستدامة الاستقرار في السودان عدم السماح للمشتبه بهم ناهيك عن المتهمين والمجرمين ممن تورطوا في جرائم فساد وقتل وجرائم ضد الإنسانية، ومنعهم من استخدام الفضاء العام وفتح الباب لهم لإقحام أنفسهم كفاعلين في الشأن السوداني، كما نرى اليوم كثيرين ممن لا ينكرون ارتكابهم فظائع في حق الشعب السوداني يحاولون التواصل مع الجماهير عبر حماية وتمويل وتغطية من السلطة الإنقلابية للتطبيع الشعبي والتمهيد لإنتشار ثقافة الإفلات من العقاب في البلاد.



● كما يقع على عاتق كافة القانونيين والحقوقيين والفقهاء الدستوريين الذين ستقع عليهم مسؤولية التشريع ودسترة شؤون الدولة أن يضعوا هذه القضية نصب أعينهم في كافة التشريعات والقوانين ونص الدستور الانتقالي ومسودة الدستور الدائم بضرورة ووجوب وضع عبارة "تجنّب الافلات من العقاب" في كافة النصوص المجترجة ذات الصلة بالحقوق والعدالة.



● هذا يستوجب مخاطبة الضحايا بصورة عاجلة وفورية للمؤسسات الإقليمية والدولية وبخاصة رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة وأمينها العام بضرورة إنشاء لجنة ادولية لمناهضة الإفلات من العقاب في السودان ودراسة الحالة الراهنة التي تمهد لإفلات الجناة من العقاب، وضرورة إدراك الأمم المتحدة لقصورها في تحقيق العدالة في السودان ودول كثيرة أخرى، بل ضاعت كثير من قرارات مجلس الأمن في الأضابير، ولا زال المطلوبون للمحكمة الجنائية الدولية طلقاء في السودان.



● ففي ظل ما يتم الترويج له عن اتفاق تسوية وتقديم التنازلات كمنح الحصانة للعسكر، هو عطاء من لا يملك لمن لا يستح، ولم يفوض أهل الضحايا شخصا للتنازل عن دماء ذويهم، ولا يوجد تصور متفق عليه عن ماهية هذه الحصانة ولمن وكيف ومتى؟ فالوحيدون الذين يستطيعون منح تلك الحصانة ليس القوى السياسية ولا لجان المقاومة ولا قوى الثورة مجتمعة وإنما هم ذوي الضحايا، وليتحلى رأس الانقلاب ونائبه بالشجاعة ويذهبوا لاسترحام أسر الضحايا وانتزاع تلك الحصانة منهم، حينها سيفكر الشعب السوداني وقواه الحية في الصفح عن هؤلاء المجرمين، وأي محاولة لتضييع حقوق الضحايا باتخاذ إجراء سياسي لا يحقق العدالة الجنائية ولا يمتثل للمحكمة الجنائية الدولية ولا يحقق العدالة الانتقالية فهو اشتراك في جريمة التمهيد للافلات من العقاب.

عروة الصادق

٢٤. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com