الخميس، 27 أكتوبر 2022

استخدام غريزة الاحتماء بالقبيلة في الصراع السياسي

استخدام غريزة الاحتماء بالقبيلة في الصراع السياسي

● مقدمة: من الطبيعي أن يحتمي الإنسان من عوارض الدهر بضدها، فهو يستعين بالظل على الهجير والحرور، وبالماء على الجفاف واليباس، وعلى البرد بالدفء والغطاء، وعلى السهر والسهاد بالنوم، ولكن أن يستعين الإنسان على العوارض النفسية والسياسية والإقتصادية والأمنية بمزيد من التأزيم والتخندق في أتون الأيدولوجيات المقيتة والسياسات الخاطئة والحروب الأهلية فهو استجارة بالنار من الرمضاء.



● غريزة الإحتماء تملكها غالبية الكائنات الحية وحتي تلك التي لا تملكها تتكيف على العوارض حتى الهلاك، وأمامنا مجموعات بشرية آثرت الاحتماء والتصرف بطريقة دفاعية تدميرية، يشبهها الفلكلور السوداني بحصار القطط (الكديس "القط" لو ضايقتو بخربشك)، وقد اختارت تلك المجموعات السياسية والمسلحة والقبلية والانتهازية ورجالة الأعمال والعسكر، اللجوء إلى أسهل طرائق الإحتماء للدفاع عن أنفسهم، فلجوءا للولاءات الأولية التي تكون المجتمعات الإنسانية ويسعون جاهدين لتقسيم حتى تلك الولاءات لتشكل لهم حواضن تحميهم ويراهنون عليها ويرهنون بها مستقبل الوطن.



● وليسهل الطريق للإحتماء بالقبلية في السودان، تمت تعبئة العقل الجمعي بفرضيات هدمتها ثورة السودانية وهي أن السودان طرائق وقددا مختلفة ومتفرقة ومحتربة لا يرجى أن تعيش في سلام ووئام، فجمعت شوارع الثورة أبناء وبنات السودان، ووحدت وجدانهم وقربت مسافاتهم وحققت التعايش بينهم في مشاهد ظل السوادنيون يبعثون عنها منذ الاستقال.



● كما حاولوا إيهام العوام بأن للأجنبي دور كبير يتحكم في القرار الوطني، ورموا كل قادة القوى السياسية والنشطاء بالعمالة والارتهان للأجنبي والارتماء في أحضانه، وحشدوا لذلك مواكب متقطعة أمام مقار البعثة الأممية وبعض السفارات وهتفوا بطردها ونددوا بوجودها في الخرطوم.



● ومضوا إلى تخوين الجميع وعبأوا الجماهير بأكاذيب مضللة، بأن الحكومة الانتقالية تريد أن تبيح المحرمات والرذائل، وتفتح البارات والخمارات وبيوت الهوى، وأجهشوا بالبكاء في المساجد، وأرغوا وأزبدوا في المنابر، وتنكروا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سمع رجُلًا مِن الأنصارِ فقال يقول : يا لَلأنصارِ وقال المُهاجريُّ : يا لَلْمُهاجِرينَ قال : فسمِع النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذلك فقال : ( ما بالُ دَعْوى الجاهليَّةِ ) ؟ فقالوا : يا رسولَ اللهِ رجُلٌ مِن المُهاجِرينَ كسَع رجُلًا مِن الأنصارِ فقال : ( دَعُوها فإنَّها مُنتنةٌ ) فقال عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولٍ : قد فعَلوها لئِنْ رجَعْنا إلى المدينةِ لَيُخرِجَنَّ الأعَزُّ منها الأذَلَّ فقال عُمَرُ : دَعْني يا رسولَ اللهِ أضرِبْ عُنُقَ هذا المُنافِقِ فقال : ( دَعْه لا يتحدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحمَّدًا يقتُلُ أصحابَه )، وكم منهم من جاهل، وكم منهم من مماثل لبن أبي سلول يفوقونه نفاقا وتملقا.



● وتحت دعاوي الإستهداف للبلاد من قبل دول المؤامرة والكيان الصهيوني والماسونية العالمية، استنفروا شباب القبائل والطرق الصوفية والإدارات الأهلية وشيوخها، وزجوا في عقولهم ترهات ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يفتح الله عليهم بأن يبينوا لهم أن الذي اجتهد وجد في سبيل التطبيع هو رأس الإنقلاب الذي حشدت له القبائل لتفويضه حاكما عاما عسكريا على السودان.




● وبهذا التنادي القبلي فتح الباب على مصراعيه لـ (الفزع) القبلي والفزع النفس، فاستنفرت القبائل بطونها، وتنادت العشائر، وثارت الحمية لتجناز الحدود، وتتدخل قبائل من دول جارة في الصراع، ويستفحل الأمر ليتم الإحلال والإبدال لمجتمعات سودانية بتلك القبائل الوافدة، وتغيير ديمغرافيا سودانية كاملة بأخرى قبلية خالصة لا تعرف عن السودان إلا أن أحد أبنائها في رأس سلطته ووجبت نصرته، وهو ما فتح الباب لاحتماء قبائل سودانية لجوءا إلى دول أخرى وهو الأمر الذي تطور لتسليح وتسليح مضاد وتباري بين تلك القبائل في استقطاب الدعم اللوجستي والأمني والدعم السياسي ويمكن الإشارة باقتضاب إلى الصراع في تشاد والسودان.




● أيضا عززت سياسات الحكومة الخاطئة من تلك الردة إلى القبيلة، فقد لعبت لعبة الاستعمار بالحدود، ومعلوم أن حدود الأراضي القبلية قد أنشئت خلال الفترة الاستعمارية، وعمدت بعض الدوائر الاستخباراتية والأمنية منذ النظام السابق على اللعب بهذا الكرت، وتقسيم مديريات السودان وأقاليمه الموروثة إلى ولايات والولايات إلى محليات وتمت تسمية بعض الولاة على اسس قبلية ورسمت حدود واستحدثت ولايات على أساس القبيلة، الأمر الذي جعل السودان عبارة عن مناطق قبلية، يمكن أن تتحول إلى مناطق قبائل أشبه بالتي في باكستان وأفغانستان.




● أكتب وأنا بن قبيلة لها ارتباطات بقبائل شتى رحمية ومصاهرة ونسب وقلبي واع وعقلي مدرك وعيني مفتوحة على تعقيدات العلاقات القبلية في السودان، والتي يتخذها البعض مطية للتكسب الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ويراها آخر أنها أفضل فرصة للنيل من الخصوم الذين يتم تصويرهم كأنهم لقطاء بلا أهل ولا آباء ولا قبائل، ويستمر ابتزازهم بالقبيلة ليلجأوا إلى قبائلهم أو يعزلوا عنها وينفوا منها حال لم ينجح مخطط زجهم في الصراع القبلي المقيت.



● نعم! السودان الموروث بحدوده التاريخية بلد متعدد الثقافات والقبائل والإثنيات والأديان، به عدد من العوائل اللغوية، التي أفرزت مئات اللهجات واللغات والقبائل وآلاف البطون، وتهيمن الإنتماءات القبلية على المجتمع بصورة كبيرة، عكفت كل الأنظمة الديمقراطية منذ الاستقلال وأجهزة الدولة الرسمية إلى تقديم الإسناد والدعم المطلوب لتعليم البيوتات القبلية ونقلها من محط القبيلة إلى محيط الوطن، وتطوير أنظمتهم الإدارية، ودعمهم بالتشريعات والقوانين، والإسناد من أجهزة الدولة ليسهموا في التعايش والسلم واستتباب الإمن في شراكة متطورة مع الدولة، إلا أن الأنظمة الشمولية وفي كل الحقب والفترات اتخذت من التجهيل والزج في الحروب والتجييش لتلك القبائل لصالح مشاريع واهمة آخرها وأشدها فظاعة مشروعي الحرب الجهادوية في جنوب السودان التي قادت لانفصاله، ومشروع الحرب على الهوية في دارفور والمنطقتين.



● لذلك نجد أن السودان تمزق وشعوبه تقطعت بها السبل والأرحام، ووصل الخصام للقتال في مناطق متجاورة لما يزيد عن الخمسمائة عام كـ (المعاليا والحمر، الزغاة والميدوب، الفلاتة والهبانية، البرتي والزيادية، النوبة والمسيرية .. الخ) وتناسلت تلك الخلافات لتتسع وتشمل حتى بطون القبيلة الواحدة (زرق وحمر)، وما إلى ذلك من دعاوي يستثمرها حتى اليوم دعاة المشروع الإسلاموي الذين لا يقرأون قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات الآية: (13)، ويصورون أن الكرامة باللون أو الجنس أو النوع.




● ومضت الحكومة المبادة والسلطة الإنقلابية الحالية إلى أبعد من استقطابات عابرة وإنما أسست لمساوئ سياسات أسست على الهوية القبلية والإثنية، وعقدت المشهد بتجنيد وتسليح على أسس قبلية، وعمق ذلك من أزمة الديمقراطية في السودان، وأعاق استمرارها واستدامتها، ومثل رافع القبيلة جزءا مهما للترقي السياسي، بل شكل في فترة من الفترات كيان القبيلة المدخل للحصول على سلطة سياسية أو خدمات إجتماعية أو دوائر انتخابية، وفي ذلك نشطت إدارة القبائل المستحدثة وقتئذ في جهاز الأمن الوطني لاستقطاب قادة الإدارات الأهلية للقبائل والتضييق على المناوئين لهم والتمهيد لنافع على نافع ورموز الحزب المحلول للحصول على ما أسموه وقتها (البيعة) والتي استهدفوا بها مناطق ولاءاتها قومية ومزقوا كيانها المجتمعي، لتأتي إدارات الاستخبارات في مؤسستي الجيش والدعم السريع لتتقاسم بيانات الإدارة الأهلية التي وجدوها في هذه الوحدة، وينشط كلا الجهازين في استقطاب تلك الإدارات للتحشيد لمشروعه.



● لذلك لا يستطيع أحد إنكار أن المجتمع السوداني انحدر بصورة مريعة من القومية و (السودان للسودانين) إلى (السودان للفلانيين والعلانيين) ومقولات قبلية (ولدنا خط أحمر) والتي  حطمها وعي كبير لأحد نظار شرق السودان الناظر دقلل الذي قال: (الوطن خط أحمر و تفنى الشخصيات و يبقى الوطن، ويرث الله الخالق الأرض و من عليها)، وهو ما يعني أن من بين تلك الإدارات والبيوتات الأهلية يلوح وعي كبير بالقومية والإنتماء للوطن وهو ما سيسهل الوصول للحكم الراشد والديمقراطية والخروج من قمقم الاستبداد والقبلية المقيتة.



● قد يستصغر البعض حراك بعض الفلول وسدنة الإنقلاب العسكري في السودان، للاستقواء بالقبيلة والاحتماء بها، ولكن ما لم تضطلع الكيانات القومية في البلاد بدورها، وتنشر وتنشيء دورها ومراكزها السياسية كالدور الحزبية، والإجتماعية كالجمعيات والمنظمات، والثقافية كالمراكز والأندية القومية والرياضية، والإقتصادية كالأسواق الصغيرة المتنقلة (أم دورور) وغيرها من معززات الممسكات الوطنية، حتما ما لم يحدث ذلك ستتفاقم النزاعات القبلية المؤدية إلى حروب دائمة أو طويلة الأجل كحرب البسوس وحروب القرون الوسطى في أوروبا، وما حدث في النيل الأزرق ليس ببعيد.



● الخلاصة:

• إن أية محاولات تسكينية مؤقتة للصراع لن تنجح في نزع فتيل الأزمة ولن تلفح في حتى في إخماد نار الصراع فقد رأينا بأم أعيننا كيف تهاوت اتفاقية أبوجا الأولى ومن بعدها اتفاق الدوحة، والآن يتصدع اتفاق جوبا، وهذا الأخير الذي يتم ترقيعه بما يعرف بمؤتمر المصالحات القبلية في ولايات دارفور،  الأمر الذي يزول بزوال المؤثر المؤقت وهو الأموال التي صرفت لبعض قادة الإدارات الأهلية وبعض العون الصحي والخدمي والإنساني الذي لا يذكر، دون مخاطبة للاحتياجات الحقيقية لأهل الإقليم خصوصا النازحين واللاجئين ودون تحقيق عدالة حقيقة فيما يخض ضحايا الصراع.



• حتى النماذج البسيطة التي حاول قادة السلطة في دارفور معالجة الصراع بها خاطئة ويمكن أن تقود لكوارث قبلية كبيرة، فمعلوم أن السلطة الآن تهيمن عليها حركات ذات طابع إثني محدد وأي محاولات لإحداث استيعاب للقوات ودمجها وتكوين جيوش وشرطة في المنطقة على أساس تلك الجيوش سيقود إلى شرطة قبلية صرف، وهياكل عدالة قبلية ستتورط أكثر وأكثر في أتون الصراع القبلي، لذلك يجب الاستدراك أن تتم عمليات الدمج في الجيش القومي اتحاديا وتوزع تلك القوات داخل القوات المسلحة في مناطق يحبذ أن تكون غير دارفور، لتخرج من إطار (الحواكير العسكرية)، وتندمج مع غيرها من الكتائب واللواءات والمناطق العسكرية الأخرى.



• إذا استمرت السلطة الإنقلابية والسدنة والفلول في إيقاظ الفتن القبلية واستثارتها بالوفود التي تتحرك بتمويل من البرهان ومكتبه أو توجيه من دقلو ومستشاريه فلن ينعم السودان بالاستقرار، ومن المؤكد أنه ستكون انفجارات وحروب قبلية لكن لن يكون من ضحاياها البرهان ولا مستشاريه ولا دقلوا ولا حاشيته، لأن ضحايا مثل هذه الصراعات هم البسطاء والخسائر الهامشية وليسوا سوى مجرد أرقام بالعشرات أو المئات أو الأولوف لا يعرف أحد أسماءهم أو قبيلتهم حتى في كثير من الأحيان.



• إني قد مضيت في صراع ذاتي كبير بيني ونفسي لأن أنحاز إلى عصبية القبيلة: (الحمية، والجاهلية، والعصبية، والأنانية، والإنغلاق،  ...الخ)، أو أتحلى بأعرافها الحميدة الخالدة: (المروة، والنجدة، والشجاعة، والفراسة، والهمة، والشهامة والكرامة والعزة، وغوث الملهوف،..الخ) فاخترت الأخيرة ونبذت التحلي بروح قطاع الطريق، وبذلت وسعي لقطع الطريق أمام الزج بأهلي وقبيلتي في أتون صراعات مقيتة - ولا زلت- وهو الأمر الذي ينبغي أن يعمل عليه كافة أبناء السودان وأبناء هذا الجيل ويبدأوا بتحجيم نزعتهم القبلية ومصالحهم الفردية والانتقال للتفكير بشكل إنساني أعم وأشمل لنصل إلى مجتمع التعايش والسلم الاجتماعي.




• كما على رجال الدولة ومراكز القرار السياسية والاقتصادية والاجتماعية هدم الجدر القبلية الحدودية التي تفصل الشعوب وإلا ستنشأ جدران حقيقة حديدية كالتي شيدها المعتوه دونالد ترامب بين الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك، وحينها سنشهد احتكار قبلي للموارد والخيرات والأموال والمرافق القومية ليصبح الوطن رهينة في أيدي زعماء العشائر وتصير الثروات في أيديهم كما حدث في ليبيا بعيد سقوط نظام العقيد معمر القذافي، وبوادر ذلك الأمر تتبدى في إغلاق الطرق القومية والموانئ وآبار النفط وحقول البترول.



• ما لم نتدارك الأمر اجتماعيا أيضا سنرتد لعهد الأوشام و(الشلوخ) القبلية، وربما شهدنا العودة إلى دعاوي الرق والاستعباد، واستحلال الحرمات التي استحلها النظام البائد يوم أن شهد شيخ المشروع الإسلاموي حسن الترابي باعتزاز ربيبه عمر البشير بارتكاب فظائع واغتصاب في حق نساء إقليم دارفور في فيديو شهير منشور في وسائط التواصل الإجتماعي.



• وعلينا الوقوف بشدة في وجه أي تكوينات مسلحة على أسس قبلية أو جهوية قديمة أو قائمة أو قادمة، والمناداة بضرورة إدماج القائمة في الجيش القومي الموجد الذي يحتكم للسلطة المدنية والدستور ويحمي الديمقراطية والأرض والعرض، وألا يلعب المستوطنون دور أبطال القبيلة ليحكموا الوطن باسم قبائلهم، وأن يتم إيقاف الاستحواذ القبلي على الموارد وإيقاف القبليين الجيولوجيين الذين يريدون الاستئثار بالثروات ليس لأهلهم ولا لقبيلتهم وإنما لذواتهم، وهو ما رأيناه في بترول الجنوب.



● ختاما: 
• ليس من السهل التخلص من القبلية ولكن من السهل جدا تحقيق السلام الاجتماعي بين المجتمعات القبلية المختلفة، متى ما تحققت الإرادة وأتت الإدارة التي لا يعرف أحد قبيلتها أو عشيرتها، ومتى ما مهدنا الطريق إلى السلام العادل الشامل، سيجد كل إنسان أن مكاسبه في الدولة القومية أكبر منها في مضمار القبيلة الضيق، وأنه بالإمكان أن يحصل على امتياز كبير في حواكيره القبلية ولكن بالإمكان أن يحوز على امتياز أفضل وأكبر متى ما تساوت الفرص القومية، وأن مصالح القبائل كمجتمعات متماسكة ستتحقق جميعها في ظل الأوضاع المستقرة ويمكن أن ترعى أنعامهم باتفاقات قومية ودولية ملزمة، وأن ترعى مصالحم ضمن أطر دستورية وقوانين وحوكمة راشدة.



• ولكن إذا استمر التحشيد والتجييش واحتكار الموارد والبلاد لتمويل أنشطة القبيلة ستصاب حتى القبيلة بأمراض إجتماعية وسياسية لن يصعب حلها بقانون القبيلة، ولن تكون العدالة القبلية هي الملاذ الآمن لتلك المجتمعات نفسها، لأن الإنصاف سيكون لصاحب المال والسلاح داخل القبيلة التي يهيمن على القرار فيها أسرة أو بطن أو بيت أو فرع من الفروع، وهو ما سيحدث الهزة الكبرى في كيان الدولة والمحيط الإقليمي وتنعكس ارتداداته على الأمن والسلم الدوليين.



• إن هشاشة الوضع السياسي في البلاد تقتضي النهوض من ركام القبلية إلى توحيد الكلمة والتعاضد، وتجاوز كل الخلافات البينية بين تلك العشائر والقبائل بإبرام مصالحات حقيقية نابعة من المجتمعات المحلية لا بالإملاءت الفوقية أو الحوافز المالية، وأن ينشط في ذلك (أولاد القبائل) الذين يتحلون بالسمت السوداني الأصيل ولا يتبعون نزغ السلطة ولا المال والسلاح ولا أخلاق قطاع الطريق، حينها سيتحقق السلم الإجتماعي وتندحر جيوش القبائل ليتقدم الجيش القومي السوداني.


• الرحمة والمغفرة لشهداء الوطن في عليائهم، فهم الذين قضوا نحبهم ومضوا إلى ربهم وإلى الآن لا أحد يعرف قبيلتهم، لأنهم ظلوا يرددون حبهم لله والوطن والإنسانية، وقد تماسكت أطرافهم دون أن ينظروا لألسنتهم ولا لألوانهم ولا لأجناسهم، كما تعاقد آباؤهم الأوائل وربطوا أطرافهم ببعضها ليواجهوا المستعمر، والوفاء لهؤلاء الشهداء هو السير في نهجهم الذي يجمع ولا يفرق ويحقق التعايش وينهي الحروب.



عروة الصادق

٢٨. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com




الأربعاء، 26 أكتوبر 2022

سيناريوهات (طبيعية) و (اصطناعية) لمحتملات الأزمة السودانية

سيناريوهات (طبيعية) و (اصطناعية) لمحتملات الأزمة السودانية



• بعد مواكب الخامس والعشرين من أكتوبر، اتضح جليا للعالم قبل السودانيين أنفسهم استحالة حكم السودان عسكريا، أو قمعه دكتاتوريا، أو تحقيق عكس رغباته في الحرية والديمقراطية والعدالة والعيش الكريم والسلم والأمن المستدامين، ورأيت أن أجهر بأفكاري حول السيناريوهات المحتملة (طبيعيا) و (اصطناعيا)، وما ترسمه دوائر القرار السياسي في السودان وأجهزة دول وإقليم، وأضع هذه المساهمة بين يدي القاريء الكريم، وأولئك الذين يتحكمون في القرار السودان، ومن يراقبون الوضع من الداخل والخارج، على أن يكون هذا الصوت ضمن صرخات الملايين الذين يريدون إيقاف شلالات الدم والدموع، وإنهاء حقبة الفجيعة التي تواصلت منذ اندلاع الإنقلاب في يومه الأول إلى ذكره السنوية بقتل الشهداء قاسم ومدثر وإخوانهم.



• التصور الماثل طبيعيا هو أننا نعيش حالة اضطراب استراتيجي في العقل والتكتيكات والممارسات والقرارات وردود الأفعال، وانقسمت الساحة السياسية لثلاثة تيارات هي: "تيار مناهض للإنقلاب يعمل على اسقاطه بالضغط الشعبي والعملية السياسية للحل الشامل، والضغط الدولي، وتيار آخر راديكالي جذري لا يملك آليات ولا أدوات الجذرية، وتيار أخير وهو حاضنة الإنقلاب وحلفائه والسدنة والفلول والفاسدين"، وكل واحد من هذه التيارات يرسم سيناريوهاته.


• أبدأ التيار الراديكالي الجذري وهو منقسم على نفسه يخطب بعضه ود التنسيقيات المقاومة والقوى الثورية ويحاول استصحابها في رؤيته الجذرية، وبعضه الآخر يجتهد ليثبت صحة وجهة نظهر بدون كتابة أجندة موضوعية ومشروع جديد وهؤلاء يرجحون أن تحدث عملية راديكالية أشبه بمجزرة بيت الضيافة في السبعينيات وحراك ضباط رمضان في التسعينيات بالقضاء على كافة قادة الإنقلاب، وهو سيناريو حالم ودام لا يملك أحد في السودان المقدرة على تحمل تبعاته.


• أما حاضنة الإنقلاب فهؤلاء بدأوا التجمع من جديد بصورة طبيعية واصطناعية لتوسعة تحالفهم ليشمل كل سواقط النظام البائد ووزرائه ومستشاريه والسدنة والتنظيمات الإخوانية ليضعوا العقبات والمتاريس أمام الحل السياسي الشامل الذي بدأت ملامحه في الاتضاح، وهؤلاء خياراتهم محدودة، وتتمثل في التحشيد القبلي والجهوي والموجه بغرض ابتزاز السلطة وخلط الأوراق السياسية، ويمهدون بصورة واضحة لعملية إنقلاب إخواني كامل بصورة أقبح وأفضح من إنقلابي 1989م و أكتوبر 2021م، تساندهم في ذلك بعض الدول في الخفاء وتوفر لهم المؤسسة العسكرية التمويل والحماية وفتح المسارات وتأمين الإجتماعات وسهولة الحركة.


• أما تيار الحل السياسي الشامل والعملية السياسية التي اصطلح على تسميتها (تسوية) فأمامه سيناروهين موضوعيين لا ثالث لهما وهما: "الأول: إذعان السلطة الإنقلابية باشتراطات هذا التيار والتزامها بأسسه الدستورية الجديدة وتسليمهم الحكم لسلطة مدنية كاملة، أو الثاني: المضي في مواجهة رفض الإنقلاب لخيارات الحل السياسي الشامل وفتح الباب لسيناريوهات الفوضى (الاصطناعية) التي يبشر بها العقيد "الحوري" (هناك جهات تسعى لحرق البلاد)، وتهديدات الشرطة (جماعات مسلحة ومدربة هي التي تقود التظاهر)، وحديث الدعم السريع (عن دخول جماعات إرهابية للبلاد)، ومكاء الأخ أردول وجماعته تهديدا ووعيدا بالدماء والدك.



• كل هذا يمهد للسيناريو الذي يتحالف تماما مع توجه تيار السدنة والإخوان وهو التهديد بشلالات الدماء والعودة إلى الحرب، فالجماعات الإرهابية تم إطلاق حواضنها السياسية وفتحت المنابر لمن بايعوا البغدادي وتنظيم الدولة الإسلامية، لذلك من العقل والحكمة استسلام قيادة الإنقلاب بعد إقرارهم بالفشل الذي ارتكبوا فظائعه في عام هم وحلفاءهم ليخلصوا البلاد من سيناريوهات أسوأ مما ذكرت.


• إن غياب الإرادة السياسة سيجعل من تحقيق سيناريو الإنتقال المدني أمرا مستحيلا وسيفتح الباب لأن تدفع البلاد تكاليف باهظة لسيناريوهات أكثر فظاعة وأشد إيلاما من سيناريوهات دامية شهدتها المنطقة ومحيطنا العربي والإقليمي ، وهو الأمر الذي ينبغي أن تتحمل القوى السياسية تكلفته السياسية وتهيء نفسها لمستقبل سيمثل بالنسبة لهم إما بداية سياسية مرحب بها أو نهاية تمحو أثرهم من الوجود.


• ولن يتثى ذلك إلا بالانتحاء لا الانحناء للسيناريوها الإيجابية التي تقطع الطريق أمام كافة السيناريوهات السلبية، وبالضرورة أن يتفق الجميع على ضرورة الخروج بالبلاد والنهوض بها عبر عقد اجتماعي جديد يوافق فيه الجميع على فترة انتقالية تدار بواسطة كفاءات مدنية مستقلة تحقق شعارات الثورة (حرية، سلام ، عدالة)، وأن تتم قيادة البلاد بواسطة حكومة مدنية تتقبلها كافة قطاعات الشعب السوداني، وتمهد الطريق لانتخابات حرة ونزيهة تتنافس فيها الأحزاب السياسية والحركات المسلحةحال تحولت إلى أجسام مدنية.



• ومن شأن هذا السيناريو ضمان الانتقال السلس، وفتح الباب لاستئناف التواصل السوداني مع العالم وعقد فعاليات ومؤتمرات من شأنها استيعاب آراء كافة السودانيين في مرحلة ما، على رأسها المؤتمر الدستوري الذي يحدد ملامح الدستور الدائم للبلاد ويضعه أمام منضدة الشعب السوداني ليستفتى حوله.



• وفي هذا نجد أن دعما لا محدودا قد قدم وأبدت حكومات عدد من الدول تأييدها له كألترويكا واليابان ودول الخليج والاتحاد الأوروبي وأشاروا لاستعدادهم لتوفير أقصى درجات الدعم للاسهام في استقرار البلاد وتوفير الاسناد المطلوب للنهوض التنموي والاقتصادي والتأهيل والتدريب في كافة المجالات الإنسانية والحياتية.



• هذا الأمر ينبغي علينا رسمه في سياسات وطنية عبر التحاور المشترك، ومحاولة استيعاب كافة المؤمنين بالتغيير والحل السياسي الشامل، لجعل هذا السيناريو أمرا واقعا، وأن يشترك الجميع في برانامج الحكومة الانتقالية لتحقيق السلام المستدام والتحول الديمقراطي والتخطيط لتنمية ورفاهية المواطن وتحقيق العدالة الجنائية والانتقالية والتمهيد لمثول أو تسليم المتهمين في جرائم دارفور للمحكمة الجنائية الدولية.



• وكذلك يتطلب الأمر الحضور الفعلي والفعال لمؤسسات المحيط الإفريقي والعربي والأمم المتحدة للإسهام بصورة فعالة في الدفع نحو سيناريو النجاة لإحداث تسوية سياسية شاملة تبريء الجراح وتنقذ السودان، وهو ما يعني أن يتضاعف جهد وعمل الأصدقاء في المحيط العربي والإفريقي وفي البعثة الدولية وألترويكا للإسناد السياسي والدعم الدبلوماسي والضغط على السلطات العسكرية في السودان للمثول إلى خيار نجاة الوطن.



• لا يمكن توقع تخريب أكثر مما حدث في النيل الأزرق، وغرب دارفور، وما يحدث بصورة يومية في مختلف مدن السودان، حديث قيادة الدعم السريع مقروءا مع تصريحات العقيد الحوري، توضح أن عقد أمن البلاد يتجه نحو الإنفراط، وهذا التوجه يتم بصورة منظمة وتخاذل للقوات النظامية وتواطوء في كثير من الأحيان.



• ولكن في حال فشلنا في انتشال بلادنا لن يكون من المستبعد اصطناع وتفعيل نشاط حركات إرهابية في البلاد،أقول "نشاط" وليس دخول لأن النظام البائد كان يوفر حواضن ومقار آمنة وفرص حياة في السودان ووثائق ثبوتية بعضها خاص ودبلوماسي لقادة هذه الجماعات، وأذكر منها غير التنظيم العالمي للإخوان المسلمين الذي هيمن على مفاصل الدولة ومؤسساته، الجماعات الإرهابية الآتية:

1. جماعة بوكو حرام: فمنذ نشأتها في ميدوجوري عام 200م التحق بها عدد كبير من الخريجين والمثقفين النيجيرين الذين تخرجوا من جامعات سودانية كجامعة إفريقيا العالمية والتي اتخذوا منها منصة تجنيد نشطة تؤي عدد مقدر من منسوبي الجماعة ومرابطي الحركة الإخوانية والذين كانت تتم الإستعانة بهم في تأمين عدد من المرافق الاستراتيجية كسلطة الطيران المدني وغيرها من المؤسسات الحساسة.

2. حركة أنصار الدين: والتي نشطت بعد سقوط نظام العقيد القذافي والتي بدأت نشاطها مع قيادة تنظيم الحركة الإخوانية في السودان وتحديدا مع علي عثمان محمد طه، ووفر لها جسور الإعانات والإمداد والتواصل، وهيأ لبعض قياداتها حواضن آمنة في الخرطوم.

3. حركة الجهاد والتوحيد في غرب أفريقيا: منذ العام 2011م تنشط في غرب إفريقيا وإلى اليوم تتحرك بصورة نشطة، وحفز نشاطها التحركات المتضادة الفرنسية الروسية، والتي تمددت حتى الجارة تشاد وهو ما يجعل إحتمال دخولها إلى السودان من حدوده الغربية أمرا واردا.

4. القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي: هؤلاء لهم اتصالات مع جماعات سلفية في السودان وحوارات سرية، وبعض مساجد هذه الجماعات استضافت عدد منهم في الخرطوم وينشط بعضهم في جماعات واتساب وتلجرام تحت أسماء مختلفة (كأهم خبار العالم وسلاسل علمية والقدس وغيرها)، وهؤلاء لا يخفون رغبتهم في استئناف نشاطهم في المنطقة ككل.

5. حركة شباب المجاهدين في الصومال: لها ارتباطات وثيقة ووشائج صلة بشيوخ ومراكز دينية كانت تفوج لهم المقاتلين من الخرطوم، ومنهم من قتل في الصومال ولم يعد، ومن المؤكد أن لهم وجود خفي في السودان خصوصا أن أهم مشائخهم هربوا إلى تركيا بعد الثورة في 2019م ولم يعودوا بعد.

6. جماعة الإخوان المصرية: وهؤلاء تمت استضافتهم بصورة كبيرة هم وأسرهم وتم توزيعهم في أماكن مختلفة وتوفير مشاريع استثمارية صناعية وزراعية، إلا أنه وفي أيام البشير الأخيرة تم تفوجيهم إلى تركيا بواسطة مدير جهاز الأمن والمخابرات وقتذاك محمد عطا المولى ليقطع الطريق أمام صلاح عبد الله قوش ويسلم جزء كبير منهم للسلطات المصرية، وقد شاهدت أحد المعتقلين معنا في يناير 2018م بعد تسليمه للسلطات المصرية بأنه قتل وهو يقاوم الاعتقال في سيناء،وهؤلاء آثر كثيرون منهم السلامة وحاولوا الهروب من السودان بعد الثورة، ولكن الآن هناك طمأنة لهم من قبل المنظومة الخفية للإخوان التي عادت للسلطة بواسطة الإنقلاب.


• ختاما: من المؤكد أن جميع هذه الحركات تتخذ من تواجد البعثة الأممية والتدخلات الدولية لا سيما الغربية مبررا للنشاط في السودان، وخصوصا بعد تسمية الولايات المتحدة الأمريكية لسفير في السودان، ورسائل التهديد المبطنة التي يطلقها من في السلطة من عسكر وأمن ودعم سريع ليست عفوية أو عشوائية وإنما تدسها أذرع الإخوان الأمنية في بيانات تلك المؤسسات بعناية فائقة لتهديد الأسرة الدولية وإيصال رسالة مفادها إما أن نكون جزء من اللعبة في السودان أو أن نحرق السودان والقرن الفريقي ونحدث إضطرابات لا حصر لها في البحر الأحمر والقارة الإفريقية تمتد ألسنتها وهجرتها إلى أوروبا، وفي ذلك لن يستنكف هؤلاء بالإستقواء بروسيا الرسمية أو جماعاتها الأمنية كفاغنر وغيرها.

• وهذا ما يمكن تسميته بنمذجة اصطناعية تفلح فيها أجهزة المخابرات وستكون تحويلية للصراع من كونه سياسي سلمي مدني، لانفجارات مستعرة ومفتعلة، وحروب أهلية وتطهير عرقي وصراعات دينية، ويستند هذا التصور كليا إلى سيناريو تحالف كتل جذرية "راديكالية" مع كتل "إخوانية" و"فلول" النظام البائد و"جماعات مسلحة"، بوعي أو دون وعي ترى في انتقال السلطة المدنية إلى الشعب انتقاص لمكاسبها، وجميعهم أضحوا يبشرون بـ (نموذج الانفجارات التدميرية) وتتطابق أقوالهم وتوجهاتهم، وهو الأمر الذي يضعنا أمام إلتزام تاريخي بتكرار النصح الأخير لأصدقاء الأمس بأن هذا الحريق سيمتد إلى دياركم وسيهدم المعبد على رؤوسكم ولن يتضرر السودان ولا السودانيون أكثر منكم فارعووا وعوا.