الاثنين، 31 أكتوبر 2022

السودان (العربي) - هل يجد إهتمام (العرب)؟؟!!

 

السودان (العربي) – هل يجد إهتمام (العرب)؟؟!!

 
 

·  قمة الجزائر النوفمبرية لانعقاد أعمال جامعة الدول العربية، تأتي في ظل أوضاع سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية استثنائية في المنطقة العربية، وكذلك أوضاع إنفجارية في المحيط الدولي والأقاليم التي تتشاطرها الرقعة العربية أو تشاطئها من المحيط إلى الخليج ومن الأبيض المتوسط إلى جنوب السودان.

 

 

·  تعيش المنطقة الوسطى من العالم العربي إضرابات شديدة في كل من السودان وليبيا واليمن وسوريا والعراق، فالسودان به إنقلاب عسكري صمتت عن إدانته الجامعة العربية في الوقت الذي أدانه الاتحاد الإفريقي وجمد عضويته فيها، وليبيا بها اختلال بنيوي وإضطراب في القرار السياسي لا يقل عن الحروب الدامية في كل من سوريا واليمن والتي تم إقحام السودان فيهما برحلات روسية من بورتسودان للاذقية وتجنيد سودانيين للقتال في اليمن، أما العراق فقد هدأت نسبيا بعد تولي السوداني مهامه الرئاسية، ولكنها عرضة لارتدادات الثورة الإيرانية.

 

 

·  مثلت أجندة القمة الـ(31) شواغل قادة المنطقة، دون إيلاء أدنى إهتمام لقضايا الشعوب فالسيد أبو الغيط الأمين العام للجامعة العربية والسيد حسام زكي الأمين العام المساعد، كلاهما يسعيان للتركيز على أوضاع سياسية واقتصادية وأمنية ولم يكلفا نفسيهما إدخال بند للحريات وحقوق الإنسان في المنطقة العربية التي تضمن بين جنباتها أكبر عدد من معتقلي الكلمة والضمير من نشطاء وقادة سياسيين ودعاة ونساء وإعلاميين، وتعد مصر أكبر سجن عربي للحريات.

 

·  تصر في هذه القمة الجزائر عبر وزير خارجيتها لإقحام جند مهم وجريء وهو ترقية وتطوير دور الجامعة، الأمر الذي يراه كثيرون بأنه سيفتح الباب لإقحام أجندة شعبية وإعطاءها أولوية عن الأجندة الحكومية بخاصة إهتمام الجامعة العربية بملفات حقوق الأنسان والديمقراطية ودسترة الملكيات ومطالبة القادة الإنقلابيين في المنطقة بالتنحي عن الحكم، وتجميد عضوية الأنظمة الإنقلابية في الجامعة.

 

 

·  كما يمثل الاحتقان الدولي أهم شواغل القمة التي أثرت في سلاسل توريد الحبوب والوقود والغاز والطاقة للمنطقة العربية، تحديدا الأزمة الأوكرانية الروسية والاتفاق حول تأمين مرور الحبوب من أوكرانيا عبر البحر الأسود، ولكن استجد الوضع لمحاولات روسيا التنصل عن الاتفاق الذي يفاوض في الأتراك عن العرب، فروسيا لا تريد مرور القمح الأوكراني فقط، وإنما تريد مرور قمحها وموادها الخام التي تصدرها لتلك الدول.

 

·  في هذه الأزمة اتخذ العرب موقفا أشبه بالحياد رغم محاولات إماراتية التواصل مع روسيا، إلا أن السودان له موقف مضطرب قادت له زيارة نائب رئيس مجلس السيادة الجنرال دقلو إلى روسيا قبل ساعات من إندلاع الحرب، كما لا يخفى على الجميع تهريب ذهب السودان إلى روسيا عبر شركات أمنية لها صلة بالرئيس فلاديمير بوتن أهمها ميروقولد وفاجنر.

 

 

·  إن أزمة أوكرانيا وروسيا أثرت وستظل تؤثر الأوضاع المعيشية بصورة مباشرة، وانتبه العرب لذلك مؤخرا بعقدهم لمؤتمر الأمن الغذائي العربي، والذي يرى في الوطن العربي فرص وموارد مائية وأراضي خصبة يمكن أن تنتشله من أي أزمات غذائية، جل تلك الفرص في السودان الذي يكابد إنقلابا عسكريا مرت عليه سنة عجفاء لم تصدر فيها الجامعة العربية موقفا يظهر تضامنها مع الشعب السوداني أو يزجر العسكر ليكفوا عن الانتهاكات التي أودت بحوالي ألف قتيل وآلاف المصابين وعشرات الآلاف من النازحين، هذا الصمت العربي المخزي لن يصب في مصلحة العرب ما لم يصححوه في هذه القمة.

 

·  وتبعا لهذه الحرب شهدت المنطقة اضطرابا في الأسواق، وهو بلا شك محنة دولية كبيرة يمكن أن تمثل فرصة للمنطقة العربية التي بها من الموارد والمرافق ما يمكن أن يسد حوجة المنطقة العربية وجوارها الأسيوي والإفريقي والأوروبي وصولا لأستراليا، من حيث مبيعات الطاقة والغذاء.

 

 

·  كما ظل ملف صراع الولايات المتحدة الأمريكية والصين بخصوص تايوان أحد الأجندة الحاضرة في الطاولة العربية، لارتباط المنطقة بالصين وأمريكا، وهو صراع لا تستطيع بعض الدول العربية اتخاذ موقف محايد فيه، وهنالك دولة حليفة للولايات المتحدة وتحظى بحمايتها، الأمر الذي يستوجب ألا يتم الزج بالجامعة العربية في استقطاب صيني أمريكي، وأن يتم التعاطي مع هذا الملف بالحكمة المطلوبة.

 

 

·  ولكن الحياد غير موجود في الملف الإيراني مع إسرائيل، فالجزائر التي تستضيف الملف موقفها معلن بصورة واضحة فيما يخص القضية الفلسطينية، ولكن من ضمن المستضافين قادة وفود قادوا تطبيعا قسريا باسم دولهم مع إسرائيل، وهو الأمر الذي سيفتح الباب واسعا أمام الاشتباك العربي العربي فيما يخص القضية الفلسطينية والتطبيع مع إسرائيل.

 

·  قاتل العالم العربي مجتمعا جائحة كوفيد، ولكن ظل متفرجا في دعمه لعدد من الدول بخاصة السودان، جل الدعم الذي وصل إلى السودان في الجائحة كان من دول صديقة، وهو الأمر الذي يجعل من التعاطي مع الأوبئة المسقبلية أمرا غاية في التعقيد يوجب التعاون الحقيقي وتبادل الخبرات والمعلومات، وإذا مورست الإجراءات الانتقائية تجاه السودان في الدعم خلال الأزمات والكوارث هذا سيعزز عزل السودان من محيطه الحربة وقطعه لحلقة الإنتماء العربية.

 

 

·  وتظل قضية المناخ وملفات الألفية للتنمية المستدامة أكبر كوابيس المنطقة العربية، والذي يمكن أن تحقق فيه هذه الدول تقدما كبيرا إقليميا وعربيا ودوليا، الأمر الذي يمكن أن يلعب فيه السودان الدور الأكبر بزراعة ملايين الأشجار التي ستسهم في خفض درجة حرارة الكوكب، وذلك لما للسودان من أراضي صالحة ومياه، وهو ما سيدعم أيضا تغزير المياه والإسهام في الأمن المائي.

 

 

·  تظل قضايا النساء وأوضاعهن في المنطقة العربية من أكبر الكوارث التي يتحاشى (ذكور) القمة العربية الحديث عنها، ويتعمد بعضهم تغييبها وعدم إبراز أي دور لهن، فحتى وزيرات الخارجية اللاتي يحضرن للأجندة لا يتجاوز حضورهن كونه ترميزا خجولا من بعض الدول التي تحاول إبراز وجهها الديمقراطي الداعم للمساواة، وقد منيت نساء السودان بتنكيل وتعذيب وسحل واغتصاب ظلت الجامعة تغض الطرف عنه لفترات طويلة، ولكنهم جميعا سارعوا إلى إدانة مقتل مهسا أميني في إيران.

 

 

·  كما أن قضايا الشباب تظل مجرد عناوين عريضة لا يتم التفصيل فيها، وذلك لأن الأجسام العربية الشبابية سوادها الأعظم من أبناء وبنات أنظمة سلطوية ملكية أميرية أو دكتاتورية وفي الغالب هم من سدنة الأحزاب أو الأسر الحاكمة ولا يرجى أن يناقشوا الاهتمامات الحقيقية للشباب في المنطقة العربية:

1.  فليس منهم أحد عانة البطالة أو عرف شيئا عنه أو ذاق مرارة العوز ليتحدث عن مشاريع تطوير وتمويل الشباب.

2.   ولم يذق أحدهم مرارة الأمية ليهتم بتصفير عداد الأميين في المنطقة العربية.

3.   وليس لهم اهتمام بالإيدز كمرض مستشر في وسط الشباب العربي، ولا أحد منهم يجروء على الحديث عن العنوسة وعزوف الشباب عن الزواج لأن هذا الأمر لا يشكل هاجسا لهم.

4.   كما أنهم لا يأبهون بالفجوة الرقمية واستخدام التكنولوجيا في المنطقة العربية ولا يرون أننا متخلفون في هذا المجال ما يفقدنا حجز مقعد في المستقبل التكنولوجي.

5.  الهجرة غير المنتظمة لا تجد إهتماما من قادة الشباب العربي ولا قمة الجامعة لأن غالبية المهاجرين عبارة عن أشخاص غير مرغوب فيهم ويمثلون عبء على المنطقة العربية ومصدر إزعاج للحكام.

6.  الإرهاب وجد في هذه المنطقة شباب في حالة فراغ روحي وتيه وإهمال ففرخ مفارز متطرفة من المحيط إلى الخليج واحتضن أكبر إمارات التطرف في العالم كداعش في الشام وأنصار الشريعة في درنة والشباب الصومالي في الصومال وغيرهم من التنظيمات.

7.  من المؤكد أنه  في ٢٠٥٠م ستكون نسبة الشباب في هذه المنطقة لا تقل عن 75% وهو ما يعني أن إهمال هذا القطاع الحي هو إهمال للمستقبل وسيكون حينها الشباب العريب.

 

 

·  إن التحديات التي تواجه هذه القمة أكبر من أن تحصر في مقالة واحدة، ولكني أستطيع الجزم أن 80% من تلك التحديات لا تخرج عن الأمن والغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد، وفي المنطقة العربة من الفرص ما يمكن أن ينتشل العالم ككل، ولكن الأنظمة الحاكمة تعيق أي تصورات ورؤى مستقبلية وتهدم كل الخطط الاستراتيجية.

 

 

·  من أكبر تلك التحديات انتشار السلاح في المنطقة العربية التي مثلت بعض الدولة العربية سمسارا للدول المحظورة، ووردت مركبات وآليات وأسلحة لأنظمة أبادت شعوبها ولم تجد صوت إدانة واحد من الجامعة العربية، وعانى السودان من تلك السياسات الرعناء التي تستوجب الإعتذار للضحايا والتعويض العربي، وفي اعتقادي أن اليمن وليبيا وسوريا ستطالب بذات الأمر.

 

 

·  وتظل بنية الجامعة العربية ونظام الحوكمة المعمول به فيها مثارا للغط والجدل في ظل عالم يسعى لمأسسة المؤسسات الإقليمية والدولية على أسس الحوكمة الرشيدة، فعلى سبيل المثال نجد أن موظفي هذه الجامعة أتت بهم أنظمة بمحسوبية وصلات خاصة وهو أمر يضعها في خانة الفساد الوظيفي، والمرجو أن يكون من ضمن الإصلاحات المطلوبة فتح الوظائف في هذه الجامعة كما هو معمول به عالميا وأن يكون التقديم كما يحدث في وظائف الأمم المتحدة، فمن المدهش أن تجد خبيرا دوليا يتم قبول توظيفه في مؤسسات دولية وترفض حتى استشارته في شؤون منطقته العربية.

 

 

·  كما أن مندوبي الجامعة العربية الذين يتم إرسالهم لمناطق النزاع العربي لا يخرجون من ذات الوصف السابق، فجلهم سدنة لأنظمة دكتاتورية أو حواضن فساد، ولم يسهم مندوب واحد منهم في الوصول لتوافقات عربية في الدول التي فيها نزاع، بل بعضهم أزم الوضع بصورة مقيتة في سوريا وليبيا واليمن.

 

·  تمثل قضية التمويل للأنشطة العربية أكبر عوامل الاختلال التنموي في المنطقة ومع أنها تتلقى دعما دوليا من مؤسسات دولية كصندوق الأمم المتحدة الاستئماني للأمن البشري، والميزانية الدائمة لليونسكو، ألا أن الوزراء العرب وحكوماتهم عجزوا عن وضع صيغ مؤسسية للتمويل العادل والمتكافيء لدول المنطقة.

 

 

 

·  واجب الساعة أيضا هو توسيع التواصل مع "حلف شمال الأطلسي وحلف "وارسو" و "الصين" و "روسيا" والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، وفتح المجال واسعا لوضع خطط تحد من الأنشطة التدميرية في المنطقة العربية وبخاصة التسليح المدمر للمنطقة والزج بها في صراعات وتحجيم التدخلات الدولية في الشؤون العربية، وقطع الطريق أمام الاستقطابات التي ستحرق نيرانها العالم ككل.

 

 

·  الاحتكار النووي قاد إلى ابتزازات نووية، وهو ما يوجب أن يستثمر العرب مواردهم النووية في بناء مفاعلات نووية للطاقة لأغراض سلمية، وفي هذا سيجد العرب أن السودان به أكبر احتياطي يورانيوم يمكن أستثماره لتوليد طاقة تكفي كل المنطقة العربية والمحيط الإفريقي، وأن يتم هذا الأمر بتعاون مباشر مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومبعوثي الجامعة العربية في فيينا والذين ينبغي أن يخضع تواجدهم وتمثيلهم لمراجعة فورية لأن بعضهم من تسبب في الحريق والإعتداء على بعض الدول العربية وشارك في تضليل الأسرة الدولية.

·  البرامج الإنمائية الدولية تحتاج إلى تعاون عربي فعال، ولكن بالصورة التي تشهدها المنطقة العربية التي تعج بمنظمات حكومية غارقة في الفساد والمحسوبية وبعيدة عن المساءلة سيجعل ذلك الأمر تخلف المنطقة وإنسانها أمرا عصيا على المعالجة، وهو ما يستوجب أن يكون للجامعة العربية منظمات عربية تخضع للمساءلة والمحاسبة شأنها شأن وكالات الأمم المتحدة وهيئاتها الفرعية، وأن تتوزع رئاسة تلك الهيئات في الدول العربية المختلفة وألا تحتكر دولة واحدة كل مقار الجامعة والهيئات التابعة لها.

 

·  إن نموذج الأونروا التعليمي في الأراضي المحتلة ظل أكثر النماذج الأممية نجاحا، وهو ما يوجب استحداث نموذج عربي يشمل كل الدول التي تحتاج مساعدات تعليمية للأطفال وبخاصة في بلد كالسودان وصل تسرب التلاميذ فيها إلى الملايين، وكذلك اليمن وسوريا، وما يؤسف له أن المتسبب في تشريد هؤلاء الأطفال من المدارس هو أنظمة وطنية وليس نظاما محتلا، وقد فاق تشريد الأنظمة العربية لتلاميذها خمسين ضعف الأطفال الذين شردهم الكيان المحتل.

 

 

·  منذ عقد المؤتمر الثالث الرفيع المستوى المعني بالطفل في كانون يناير 2004م لم يجد الطفل العربي أدتى درجات الإهتمام، فقد احترق في دارفور الأطفال جراء جرائم عنصرية منظمة، أدت لإبادات جماعية وتطهير عرقي وجرائم عدوان واغتصاب للطفلات، لم تكلف الجامعة العربية إلى يومنا هذا إدانة سلوك نظام البشير، في الوقت الذي أصدر مجلس الأمن عشرات الإدانات لذلك النظام، ساهمت الجامعة العربية وقتئذ في فك العزلة عن ذلك النظام ورئيسه المستبد الباطش، وهو الأمر الذي ألفت إليه الجامعة العربية ولجنتها التوجيهية المعنية بالعنف ضد الأطفال.

 

 

·  أخيرا: إن اللجنة العربية لحقوق الإنسان، لا تكاد تعلم شيئا عن حقوق الإنسان في المنطقة العربية وبعيدة كل البعد عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان،  وتتجاوز الدول العربية في المنطقة الإفريقية الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، ويعد الميثاق العربي لحقوق الإنسان من أشد المواثيق إهانة وإذلالا وتمريغا لكرامة الإنسان، إذ أنه مجرد نص معلق في موقع الجامعة العربية ولا أحد يكترث لأوضاع الإنسان العربي.

 

·  في فترة تاريخية مضت أثارت مبادرة السادات جدلاً هائلاً في العالم العربي وأدت إلى طرد مصر من جامعة الدول العربية، واليوم أشبه بالبارحة ليست مصر وحدها من تقود خطا أشبه بمبادرة السادات، يشاركها في ذلك دول خليجية أخرى تسعى للتطبيع يشاركهم الجهد قائد الجيش السودان وأنظمة مغاربية، هذا الموقف زادت حدته ودرجة الاستقطاب فيه بصورة لن تتسبب في طرد دولة من الجامعة العربية وإنما سيكلف العرب جامعتهم برمتها وربما أدى لتفكيكها.

 

·  ختاما: إن السودان له حلقات انتماء إسلامية وعربية وإفريقية وظل يحاول الحفاظ عليها على الدوام بتوازن وتواد وإخاء ولكن السودان الذي ظل مجرورا في ذيل الدول العربية حضورا وقرارا ومشاركة وفعالية استمرأ العرب إذلاله وإهانة مواطنيه وحكامه، ولكن هذا العهد قد ولى زمانه، وأمام القادة العرب النظر بعين الإعتبار لهذه الدولة بعين الوعي والإدراك، لا بعين المخابرات التي تزين لدكتاتوريي الأنظمة العربية ضرورة قتل الديمقراطية السودانية في مهدها، لأن أي محاولات لفك الخوانق الأمنية والمائية والغذائية والمناخية والهجرة لن يتم حلها إلا عبر السودان، ولن يمكن إحداث ذلك إلا بدعم الاستقرار فيه، ولن يتحقق الاستقرار في السودان بدون الاستجابة لمطالب ثورته في الحرية والسلام والعدالة، وهو ما يعني أن أي دعم عربي لقادة الإنقلاب في السودان دعم لـ (اللا إستقرار)، وهو ما سيحدث هزات سياسية وأمنية في المنطقة العربية والبحر الأحمر والقرن الأفريقي ويؤخر تحقيق الحلم الغذائي العربي، وحلم الاستفادة من الموارد النووية السودانية.

 

·  هذا إن أراد (العرب) التعاون مع سودان (الغد) ورسم مستقبل مشترك للمنطقة والعالم والإقليم، وإن زهد (العرب) في السودان (العربي)، فهو الأزهد لما رآه، فقد قدم للعرب كل شيء من موارد وخبرات وخدمات ولكنه لم يجن إلا "الحصرم"، وحصاد "الهشيم"، وغياب الأمن، وشح الغذاء، وكوارث لا حصر لها خلفها الإنقلاب المدعوم عربيا، فهل سيقدم العرب دعمهم للسودان، سيبق ذلك الدعم اعتذارهم عن دعم الإنقلاب، وتعويضهم للسودان بدعم تنموي أم أنهم سيتبعون خطط أجهزتهم الأمنية والاستخبارية لتنصيب حكام مستبدين في السودان يهربون لهم قطن وذهب وموارد السودان ويسومونهم جنود السودان في سوق الحروب بثمن بخس؟؟!!

 

 عروة الصادق

٣١. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com




السبت، 29 أكتوبر 2022

دين الإخوان وقدسية وادي البرهان

دين الإخوان وقدسية وادي البرهان


• يريد البرهان أن يخلع الشعب السوداني نعاله في هذا الوادي الذي تجري فيه دماء الأبرياء، فيهرعوا إليه حفاة مجردين من شعاراتهم: (الحرية السلام العدالة)، ويكونوا داجنين خانعين راضين بما ارتكب من فظائع اقترفها هو وفلول النظام السابق وسدنة الإنقلاب، ويرى أن هذا الوادي النجس يستمد قدسيته من مشروع أيدولوجي إخواني معبأ بهتافات التنظيم والحركة المحلوليين، وملتزما ببيعتهم ومنتظما في سلك المنظومة الخالفة، واختار لذلك دغدغة المشاعر بالتمسك بقيم الدين وعدم التفريط فيها، مصورا بذلك قدسية متوهمة لهذا الوادي النجس.



• الأمر الذي يعلمه السودانيون جميعا أن أقصر الطرق التي ظلت تستخدمها الأنظمة الشمولية هو الأيدولوجيات يمينا ويسارا واستمالة عقول وقلوب السودانين هو التدين الشكلي، والابتزاز واستثارة الناس بدعاوي المساس بالمعتقدات، فيتشدد الناس في المظاهر ويتركوا الجواهر، ويشيدوا المساجد والمعابد ويتركوا المقاصد، ولجهل البرهان أو القائمين على تشييد المسجد الذي افتتحه في منطقة بئر حماد غربي أم درمان، أن تلك المنطقة من المناطق الحديثة جوار سجن الهدى، وبها تزايد مضطرد للكثافة السكانية وتحتاج إلى أبسط مقومات الحياة وخدمات تسد الجوعة وتؤمن الخوفة كما قال الفاروق رضوان الله عليه: (إن الله استخلفنا على عباده لنسد جوعهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإذا أعطيناهم هذه النعم تقاضيناهم شكرها)، فهؤلاؤ ليسوا بحوجة إلى مسجد فقد جعل الله لهم الأرض مسجدا وطهورا، ولم يقدر البرهان حوجتهم للإطعام من جوع والأمان من خوف الجماعات المنفلتة والمتطرفة، حتى يعبدوا رب هذا الدين : (ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ) (قريش - 4).




• اتخذ البرهان من هذه المطية الدينية سبيلا جديدا للخداع على غرار الكذبة الأولى في 1989م، بخديعة (ألا لدنيا قد عملنا نحن للدين فداء)، وحاول ابتعاث الكهنوت الإخواني من القبور المبعثرة في وادي الإخوان، لينتفضوا ممهدين له الطريق أمام خديعة أخرى وليزينوا له سوء عمله، ويمهدوا له الطريق للاستمرار في الحكم ردا لجميل إرجاعهم وتمكينهم من مفاصل الحكم في البلاد وحفظ مصالحهم وحماية رموزهم داخل البلاد وتسهيل تهريبهم خارجها.



• وهو الآن يحاول أن يبيع كل ما لديه من خطط يقدمها له مستشاروه ومكتبه الإخواني وإمارته التنظيمية في القوات المسلحة، لإبقاء أبواب المعبد مفتوحة، سواء كان ذلك بـ (الدين) لمعشر الجاهلين به، أو بـ (العجين) للجوعى والمسغبين، ولو كلفه الأمر دفن المزيد من الجماجم في ذلك الوادي واسترخاص الآلاف من نفوس الآدمين، وترويع الآمنين.




• وفي سبيل ذلك لم يتورع في الاستعانة حتى بالجماعات المتطرفة والتيارات الدينية المختلفة، وفتح المجال للتناظر العنيف والتضاد الديني في أوضاع هشاشة اجتماعية وأمنية وظروف إقتصادية غاية في البؤس، محفزة للاستقطاب على أسس دينية، وقطع الطريق أمام التأسيس لمشروع وسطي جامع لأهل القبلة في السودان وممهد للتعايش مع أهل الأديان ومسهل للحوار مع الآخر الثقافي والحضاري.




• هذه الخطوات الثيوقراطية هي أساس التدرج الهرمي لسيادة الأفكار الدكتاتورية والمفرخ للنظم الشمولية التي تصب الزيت على النار وتلهب مشاعر البسطاء، لتصوير أن هناك تيارات رافضة للتدين، وتتصيد مواقف أفراد لوصم تيار كامل بأنه مغاير لوجدان الشعب السوداني وكل ذلك هدفه لجر الفرقاء إلى ملف صراع ليس محله الفترة الانتقالية وهو ملف الدين والدولة.



• ما شهدناه من ممارسة باسم الدين في هذا الوادي الإخواني خلال الثلاثة عقود المنصرمة بعهديها الترابي والبشيري، هو ما يحاول البرهان استعادته بحذافيره، لتطبيق فظائع ناسوتيه وإصباغها بصبغة لاهوتيه، فقد أحال البرهان رئيسه البشير إلى السجن حبيسا ليدخل القصر رئيسا، ويعود ليمكن النظام المباد وهو يتحدث عن دين يقول نبيه صلى الله عليه وسلم: (مَن غَشَّ فليسَ مِنِّي).



• وواصل البرهان في ذات ممارسات النظام المباد وأفلح في إعادة انتاجه وتجديد شبابه بانقلاب 25 أكتوبر 2021م، ليكون بذلك خائنا للعهد، متعمدا الكذب ومتناسيا (وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) (يوسف- 52)، ومزق الوثيقة التي أسست الفترة الانتقالية العلاقة التعاقدية بينه وبين شركاء الحكم، والدين الذي يتحدث عنه البرهان يقول: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (الإسراء - 34)، واستحق بذلك أن يكون من الذين: (أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٌ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (البقرة - 100).




• هذه الحالة هي خطوات كذوبة لتخليق وضع ديني يساعد البرهان على الهروب والنجاة، وحرمان الشعب من ممارسة حقه الفطري والإلهي في الحرية وإرغامه على اتباع دين الإخوان، وتأسيس دولة ثيوقراطية جديدة، وهو ما يجب محاربته على طول الطريق لارتباط تلك التجربة الدينية بالبطش والحروب الأهلية والقتل والترويع والتعذيب.




• حاول البرهان غسل عار انحيازه للثورة وما سماه الإخوان خيانة ورد الجميل لهم بسفك دماء الأبرياء من أبناء وبنات الشعب السوداني وفي سبيل ذلك اتخذ سبيلا للتحالف النجس بينه وبين أوليك الذين: (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ) (الأنعام: 112) سبيلا لنشر الترويع وانتهاك الحرمات وقتل الأنفس، وسفكت في عامه الإنقلابي الأول دماء ما يفوق الألف نفس وألفي ضحية وعشرات الآلاف من النازحين واللاجئين مخالفا بذلك نصا يردد إلى قيام الساعة: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) (النساء:29).




• أما إذا استرسلنا في سرد فظائع إنقلاب البرهان فقط وقرأناها مع نصوص الدين المنزل لوجدنا أن المقصود ليس النصوص المتواترة المتبعة، وإنما هو ممارسات مبتدعة ولكنها ليست جديدة في عرف الطغاة كظاهرة الاعتقال السياسي والتعذيب والتصفيات للخصوم، وعمليات الفساد وحماية رموزه، شأنه في ذلك شأن كل الأنظمة المحيطة الشمولية والاستبدادية.



• هذا النقاش الذي فتحه البرهان وردده نائبه دقلو، هو تخوف من فزاعات ظل تجار الدين يلوحون بها في كل الحقب وكل العصور، وتمارس من مختلف الأديان، إلا أن الجماعات الإسلاموية في السودان، قد شاب مماراستها الدينية فجورا وجرائم ترقى لمخالفة شرع الله ونصوص دينه الحنيف، ومع ذلك ظل ملف المناورة الأول هو ملف الدين وعلاقته بالدولة وهذا ما نشهده من هتافات ممجوجة تصبغ الدين بالدم (فلترق كل الدماء)، وترفض قيم اللبرالية، والتي تتسق مع صحيح الدين كحرية الاعتقاد (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (الكافرون - 6)، وحرية التعبير(وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ) (الكهف – 29)، وحرية الضمير والإعتراف بالآخر (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة - 8).



• ختاما: من المؤكد أن الممارسة الفعلية واليومية أثبتت أنه لا أحد يستطيع إحداث فصل واضح بين الدين والدولة، ولا بينه وبين الحياة العامة، بل حتى مسيرة الثورة ارتبطت بالعبادة الجماعية والتدين الواعي، واستصحب الثوار الشعائر الدينية في مواكبهم وتشييع شهداء الثورة، وعمدت الحرية والتغيير لخلق توازن أقليات للتمثيل في مجلس السيادة، ولم تنح الحكومة الإنتقالية إلى إلقاء الحقائب والوظائف الحكومية الدينية الموروثة في غيابة الجب، وإلغائها وزارة كالشؤون الدينية والأوقاف، كل هذا يؤكد أن علاقة الدين بالدولة في السودان النقاش فيها سابق لأوانه وأنها ملف برامجي يعمد به الشعب السوداني من يشاء ثيوقراطيا كان أو علمانيا، محافظا أو ليبراليا،  أو غيرهم، ولكنها ليست ملفات للمناورة السياسية كما يفعل البرهان في وادي الإخوان.

عروة الصادق

٢٩. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com