الجمعة، 4 نوفمبر 2022

إفريقيا الدكتاتورية وقمة المناخ

إفريقيا الدكتاتورية وقمة المناخ


• إن الجهود الإفريقية النظرية التي بذلت من أجل اتخاذ موقف أفريقي موحد بخصوص المناخ ليتسق مع المساعي الدولية لم تتوقف منذ العام 2008م في جوهانسبيرج و2009م في نيروبي، وقد بذلت جهود لوضع استراتيجية إفريقية شاملة حول التغير المناخي، اصطدمت تلك الجهود دوما وأبدا بأنظمة عدووة لشعوبها قبل المناخ.

• وفي ذلك تم بذل جهود مشتركة مع الشركاء الدوليين والإقليميين لإعداد البيانات الفنية والقطاعية وتكاليفها الاقتصادية وكمية الانبعاثات التي تسببها الأنظمة البيئية الإفريقية، تم ذلك نظريا وحظي بالموافقة الدولية ولكن أعاقتها إما الاضطرابات السياسية أو الحروب الأهلية أو الانقلابات العسكرية كما هو حادث في السودان.


• وقد تمت الاستعانة بالنيباد وبرنامج الأمم المتحدة ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والدول الأعضاء والبنك الإفريقي للتنمية وغيرها من المؤسسات لوضع تلك الاستراتيجية التي لا زال البحث عنها جار في قمة المناخ في شرم الشيخ.

• تنظر الكثير من دول العالم والدول للتغيرات المناخية كعائق بيئي بينما تراه غالبية الدول الأفريقية كتحد تنموي، وقد وصلت الآثار المناخية السالبة لأغلب دول القارة فهناك شح في المياه بأقل من ألف لتر مكعب للفرد في العام لعدد من البلدان وانحسار للغطاء النباتي وتمدد الزحف الصحراوي، وقلة جريان عدد من الأنهار.

• وكذلك من نتائج التغيرات المناخية حدوث الفيضانات والسيول، الأمر الذي تسبب في عدد من الكوارث الإنسانية وهجر مئات الآلاف من المواطنين نزوحا من مناطقهم الأصلية، وأدى لتهديد مصادر دخولهم الزراعية والرعوية والانتاجية والتنموية وضيع على كثير من البلدان موارد إيرادية وأهدر آلاف فرص العمل في شتى المجالات.

• وهو الأمر الذي ألقى بظلال سالبة وعرض مجتمعات هشة لخطورة الاستغلال والأجور الزهيدة في وظائف أغلبها ذات طابع مؤقت أو موسمي، ما يعني عدم الحصول على الغذاء الكافي أو فرص تعليم جيدة للأطفال وانعدام الرعاية الصحية والكفالة الاجتماعية والضمان، الأمر الذي ألقى بعبء كبير على الأسر وقاد لغياب كثير من الرجال وهجرتهم رغبة أو رغما عن أنفسهم أو التحاقهم بالجيوش الزاحفة في المنطقة أو الهجرة غير النظامية نحو أوروبا أو دول الجوار المحيطة.

• في ظل هذه الأوضاع المذكورة تم إلقاء العبء الأكبر على نساء القارة اللاتي امتزن بالصلابة في وجه هذه التحديات واكتسبن مهارات كبيرة، وقدرات عالية، رغم محدودية الفرص، وأعباء الأمومة من حمل وولادة وإرضاع وحضانة ورعاية في ظل إنعدام الأمن والسلامة وضعف الأمان الوظيفي.

• لذلك لا مجال لإنجاح استراتيجية مناخية إقليمية أو دولية في القارة الإفريقية دون إشراك فعلي للشباب والنساء في دول المنطقة، وهو ما يستوجب اتخاذ إجراءات حوكمة رشيدة، تحقق الكفالة والمساءلة والشفافية والمساواة وأن يصون تلك الاستراتيجية ويحصنها قانون محلي يتسق مع التشريعات الدولية، وهو الأمر الذي يتعذر القيام به في ظل الأنظمة الدكتاتورية المهيمنة  على القارة الإفريقية.

• وأكثر البلدان تأثرا بارتفاع درجات الحرارة هي دول القارة الإفريقية والتي تتاثر صحة الإنسان فيها بدرجة عالية بأمراض كالسحائي وزيادة حالات الوفاة بسبب الإجهاد الحراري، والسكتات الدماغية وأمراض القلب، وانتشار الآفات والحشرات الناقلة للأمراض، كالبعوض والذباب واستشراء الأوبئة كالكوليرا وتفشي الملاريا وحمى الضنك المنتشرة في ولاية شمال كردفان بالسودان هذه الأيام.

• كما أن المواسم الزراعية ستضطرب وتختل عمليات الجدولة الموسمية أو ما يعرف بـ( العروة)، الأمر الذي سيغير كليا في أنماط الزراعة المتبعة وهو ما يترتب عليه تغير الثقافة الغذائية، والذي قاد في عدد من الدول إلى ارتفاع في أسعار المحاصيل والحبوب الغذائية وتسبب في نقص الغذاء وفاقم من المشاكل الصحية وأدخل ملايين الأطفال والسكان في دائرة سوء التغذية بحسب التقاريرالدولية.

• في تصوري أن غالبية دول العالم حدد المخاطر التي ستواجهها جراء التغير المناخي وآخرها ما ورد بصورة خجولة ومختصرة في قمة جامعة الدول العربية بالجزائر، ولكن على الدول الإفريقية اغتنام هذه الفرصة لتحديد مخاطرهم واستراتيجياتهم لمجابهة تلك المخاطر المناخية وإدماجها في الإطار الدولي، وأن تحرص أن تكون الدول الإفريقية قائدة في ملف المناخ لا منقادة، وذلك للتركيز على الأنشطة التنموية المرتبطة بتقييم المخاطر المناخية والفرص المتاحة.

• وعلي الدول تحديد وترتيب أولوياتها ووضعها ضمن الإطار الإقليمي والدولي وتحديد الإطار الزمني لتنفيذها، مقروءا ذلك مع الموروث النظري الذي تمت صياغته في فترات سابقة ولم ينفذ منه إلا النذر اليسير، والحرص على اتخاذ طرق فعالة وبرامج استجابة فورية تتواءم معواقع القارة وتتحكم في سيناريوهات المستقبل المناخي.

• ويقع على عاتق دول القارة الإفريقية تأسيس مراصد مناخية بأحدث التقنيات المتاحة وامتلاك أقمار صناعية خاصة بدول المنطقة ووكالة إقليمية للتعاون المعلوماتي فيما يخص المناخ، لتسهيل الحصول على المعلومة الموثوقة لوقف انتشار المعلومات المضللة وتحجيم دور منصات الهواة، لأن كافة الإجراءات والقرارات والسياسات المناخية تعتمد بصورة أساسية على المعلومة الموثوقة التي ينبغي تبادلها بين الدول، فكثير من الكوارث يمكن تلافيها قبل حدوثها، وعدد من الأزمات يمكن أن تشكل فرص لارتباط المعلومات المناخية بالمياه وإنشاء السدود والغذاء وسلاسل الإمداد ومشاريع الطاقة.


• هذا الأمر ينبغي أن يتزامن مع تعاون معلوماتي ديمغرافي يحدد كثافة السكان في الدول الإفريقية والتوقعات في الزيادة ومعدلات الوفيات والخرائط التنموية والمشاريع الاستراتيجية التي تؤثر وتتأثر بالمناخ، يدخل في ذلك تخطيط وإعادة التخطيط وتشيد المدن وأنظمة الري والتوسع في المشاريع الزراعية والتعدين والأنشطة النووية والنفطية وأنظمة الصرف الصحي وتطبيق برامج تعويضية للشرائح المتأثرة بالحروب والنزاعات والآثار المناخية وقد طبق في السودان برناج التحويلات النقدية المباشرة للأسر (ثمرات)، الأمر الذي سيسهم في خلق مجتمعات مستقرة تسهم إيجابا في تحقيق أهداف التنمية واستراتيجية القارة المناخية.

• وبذات القدر الذي تتحمل فيه الحكومات مسؤولية وضع السياسات المناخية وتنفيذها،  ينبغي على الهيئات الحكومية الاشتراك في رسم تلك السياسا والتفاعل مع الخطط والاستراتيجيات القومية للبلدان والإقليمية وأهداف التنمية الأممية، وهو النهج الشمولي الذي يستصحب كل أهل المصلحة في تلافي أخطار التغيير المناخي، وهذا الأمر تراجع كثيرا في قمة شرم الشيخ، إذ تم تحجيم المشاركة للمنظمات غير  الحكومية أو الاستعاضة عنها بتمثيل من كيانات مناخية اصطناعية صممتها الأنظمة الحاكمة في القارة الإفريقية، والأوضاع السياسية في مصر أثرت سلبا في مشاركة نشطاء المناخ في البلد والقارة.

• تظل مسألة المياه العابرة للحدود أكبر الاشتباكات المناخية الدولية، ومصر تعاني من تبعات صراع مائي مع دول حوض النيل من جانب، ومن جانب آخر الآثار المترتبة على سد النهضة، لذلك على الدول المشتركة في هذا المؤتمر ألا تمرر أي قرارات أو خرائط أو معلومات مناخية من شأنها تغذية الصراع في القارة الإفريقية.

• ما يؤسف له أن كثير من الدول الإفريقية وصانعي القرار فيها، والهيئات الحكومية والأحزاب  السياسية لا تملك خريطة طريق لقضية المناخ إلا قلة قليلة من الساسة المهتمين بأجندة التنمية، والذين يجدون الاستهجان حتى من القطاعات الحية عند تناولهم قضية كالاحتباس الحراري، بل تجد هذه القضية إهمالا وتبخيسا للدرجة التي يتم تغييب وزارة البيئة في بعض الدول والاستعاضة عنها بمجالس كسيحة لا تسمن ولا تغن من جوع.

• شهدت القارة الإفريقية صراعات دامية جلها في الغالب نجمت عن نزاعات حول المياه والموارد والمراعي والمظالم التنموية، واتخذ بعضها في مراحل لاحقة صبغات أيدولوجية أو إثنية أو دينية، وراح جراء ذلك ملايين الضحايا وضعفهم من النازحين واللاجئين، كل ذلك في سبيل البقاء والاستحواذ على نفوذ جغرافي أو جيوسياسي أو هيمنة على الموارد تطورت لاحاقا لبسط نفوذ سياسي وزحف نحو مستعمرات جديدة.

• إزاء ذلك لن تثمر الجهود المناخية المبذولة من ساسة يضعون استراتيجيات مناخية بيدهم اليمنى ويمزقونها ببنادقهم التي تفتك بالسلم الاستقرار خارج أروقة انعقاد القمة، فالدول العربية والأفريقية ودول العالم ترى في كثيرة من قادة العالم أخطر مهددات الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة والإقليم وأنهم جزء لا يتجزأ من الأزمات المناخية الناجمة عن الحروب، وكذلك يمثلون معيق رئيس للتنمية في بلدانهم وحائط صد أمام تدفق المنح والتمويل الخاص بالمناخ، فالسودان مثلا أهم دول القارة الإفريقية مناخيا والذي بإمكانه خفض درجة حرارة الكوكب باستزراع ملايين الأشجار ليكون أمازون إفريقيا، قطع الطريق إنقلاب 25 أكتوبر أمام مضيه قدما في الإسهام المناخي مع شركائه الدوليين، والذي كان يرجى أن يقلل من نسبة التلوث الناجم عن توليد الطاقة عبر إنشاء منظومات الطاقة النظيفة التي بإمكانها تغذية الوسط والشرق الإفريقي.

• إن العالم يشهد طفرة تكنولوجية في مجالات البيئة والزراعة والمراصد، وأحرز تقدما علميا وتنبؤيا يمكن أن يجعل من التعاون المناخي بين الدول أمرا مثمرا، ويحقق تطورا تنمويا بصورة سريعة، ويتسبب في قفزات اقتصادية في عدد من الدول، وهو ما تنشده القارة الإفريقية، ففها مكنيزمات التعويض البيئي والتكيف المناخي للكوكب، ولكنها حرمت من الإمكانيات والتكنولوجيا، ورزئت بالحكام المستبدين، والأنظمة الدكتاتورية، وهربت مواردها وأموالها إلى دول تتأثر مناخيا اليوم وتجف أنهارها وترتفع درجات الحرارة فيها.

• إن إفريقيا تنشد تعاونا نديا مع دول العالم التي تريد خفض درجة حرارة الكوكب وتلافي الآثار المناخية، وليكون ذلك كذلك على الجميع التواضع على معاهدات ملزمة للدول وإلتحاق إجباري ومصادقة على كافة البروتوكولات والمعاهدات الدولية، وبالأخص ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، وعلى المجتمع الإقليمي والدولي والحكومات المحلية تكييف التشريعات والمعاهدات لتردع جميع المتهاونين في ِشأن المناخ أنظمة كانوا أو حكومات، وأن تستصحب تلك الدول تشريعات مكافحة الفساد وغسل الأموال وتمويل الإرهاب وتفعل اتفاقات التعاون الأمني في تبادل أمراء الحروب ومدمري اقتصادات الدول وفرض عقوبات دولية على الشركات والأنظمة التي تغتال الأمم وتستنزف موارد شعوبها وتتسبب في كوارث مناخية وبيئية وتلزمها بتعويضات مجزية للدول والشعوب.


• ختاما:
• سيظل الحشد السياسي الدولي لقضية المناخ مستمرا فهو لم ينقطع منذ قمة بوزنان البولندية في 2008م، ومؤتمر التغيرات المناخية في نيويورك 2009م، وكوبنهاجن للمناخ في 2009م، وكانكون المكسيكية في 2010م، وصولا لمؤتمر دروبان بجنوب إفريقا في 2011م الذي وافقت فيه أكثر من 190 دولة على توسيع نطاق الجهود المنصوص عليها في اتفاق كيوتو 1997م، وأخطر التقارير الدولية التي تم تقديمها من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيير المناخ كان في 2018م والذي سلط الضوء على تأثيرات الاحترار العالمي البالغ درجة ونصف الدرجة المئوية، الأمر الذي دفع أنطونيو غوتريش في 2019 وهذا العام لمطالبة الدول بالإيفاء بالتزاماتها السابقة في خفض انبعاثاتها من الغازات الدفيئة، وفي هذا الصدد التزمت 75 دولة بالتبرع بحوالي 100 مليار دولار لخفض انبعاثات الغازات إلى المستويات المطلوبة، ولكن جزء كبير من تلك الالتزامات أخرت الحرب الروسية الأوكرانية الوفاء به، لتتحول تلك الأموال إلى جهود حربية وإغاثات إنسانية أو تم دفعها لتمويل شراء حبوب وأغذية ووقود.

• ويتحتم على كل إنسان في هذه القارة الشابة أن يرفع درجة وعيه بضرورة إسقاط الطغاة وإلغاء الأنظمة الدكتاتورية في القارة وتوطين الديمقراطية وتنصيب أنظمة مدنية تهتم بمخاطر التغير المناخي، وتمكن من الضغط الشعبي للحكومات في سبيل استنان قوانيين واجتراح سياسيات مناخية عادلة وتحديد إجراءات تسهم في خفض درجات الحرارة في الكوكب،  وتكوين جماعات غير حكومية لرصد كافة المخالفات الإقليمية والمحلية والدولية المخالفة للمعاهدات والاتفاقات والصكوك الإقليمة والدولة المنظمة للمناخ، وبالضرورة السعي جماعيا لتنوير بمخاطر التغير المناخي عبر منصات التواصل الحديثة والإعلام البديل وحث صناع المحتوى والمشاهير للإهتمام بهذه القضية التي لا تشغل حتى حيزا من تفكيرهم، ويبقى واجب الحكومات المسؤولة تغيير أنماط التعليم التقليدية ونشر المعاهد والأكاديميات والكليات والجامعات المختصة بالبيئة والمناخ وإدخال السياسات البيئية والطاقوية النظيفة والمسدامة قدر الإمكان في أعمال الحكومات والمؤسسات والشركات والتوجه استراتيجيا نحو دول نظيفة.

عروة الصادق

٤. نوفمبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com








مصير البرهان بعد فوز نتنياهو

مصير البرهان بعد فوز نتنياهو
● مقدمة:
إن الإلقاء بالبرهان في سلة القمامة سيكون أولى خطوات بنيامين نتنياهو والاستعاضة عنه بجنرال آخر، لأن الأخير قد بدأ حملة الكشف عن فضيحة لقائه مع قائد انقلاب السودان الجنرال البرهان في أوغندا بدايات العام 2020م، للتطبيع بين الخرطوم وتل أبيب فقد ذكر نتنياهو في مذكراته: «في 3 فبراير 2020م كنت قد زرت أوغندا للقاء قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، أحد القادة السودانيين الذين قادوا الحركة للإطاحة بالديكتاتور عمر البشير. تم ترتيب هذا الاجتماع بتكتم من قبل الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني ». وأضاف: «خلال الغداء مع البرهان ناقشت المزايا التي يمكن أن تعود على السودان من إقامة علاقات مع إسرائيل بما في ذلك شطبها من القائمة الأمريكية للدول الداعمة للإرهاب. بطبيعة الحال، لم استرجع قراري بقصف مطار الخرطوم قبل سنوات قليلة. كان البرهان مهتماً بشكل واضح. ولكن مع تقدم الغداء رأيت أنه كان يواجه مشكلة في إصدار حتى البيان الموجز حول اجتماعاتنا التي تم الاتفاق عليها مسبقاً». وتابع: «”ما هي المشكلة؟” سألت الدبلوماسية الأوغندية القديرة نجوى قدح الدم التي فعلت الكثير لترتيب الاجتماع. قالت: “لديه معارضة محلية”. الشريك الآخر في ائتلافه خائف أن التطبيع مع إسرائيل سيثير احتجاج المسلمين”».


● كل هذا الأحاديث السرية نشرها بنيامين نتنياهو بعد يئس من عودته لرئاسة الوزراء، فجعل منها كرت أخير هي وعدد من الصلات الدبلوماسية والأمنية مع دول أخرى وأجهزة مخابرات في المنطقة، ليتخذ منها رافعا إنتاخبيا يحفز الداخل الإسرائيلي للتصويت له في الانتخابات العامة.


● إلا أن نتنياهو نفسه يدرك أن الممانعة الداخلية لما أسماء عملية السلام مع تل أبيب كبيرة جدا وتمثل عقبة كؤود أمام التطبيع، على عكس ما صوره له الجنرال البرهان، الأمر الذي أعاقه البرهان بنفسه بانقلاب 25 أكتوبر 2021م، والذي لم يستطع تكوين حكومته التنفيذية لتكمل عملية الاتفاقية الإبراهيمية.


● بعد انقلاب 25 أكتوبر انكشف الغطاء الأوغندي عن الجنرال البرهان وتحركاته تجاه إسرائيل، فقد ظلت على الدوام أوغندا البوابة الخفية للتعاون الإسرائيلي مع جماعات سودانية سواء كانت حكومية أو معارضة كالحركة الشعبية لتحرير السودان، وبسوء علاقة الحكومة السودانية مع الاتحاد الافريقي اتخذ الرئيس موسيفيني خطوات للوراء في لعب دور الوساطة الإسرائلية السودانية وبخاصة بعد موت مستشارته نجوى قدح الدم الفاعلة في هذا الملف.

● كما أن سوء علاقات الخرطوم مع إثيوبيا، قد أعاق الترتيب للتعاون المباشر لتل أبيب مع الخرطوم، إذ يتواجد في أديس أبابا وحدها حوالي ألف من الخبراء والتقنيين والمستشارين الإسرائيلين كانوا يعدون العدة للتعاون مع السودان وتدريب بعض العناصر السودانية في أديس أبابا أسوة ببعض ملحقي البعثات الإفريقية في مقر الاتحاد الإفريقي.


● كذلك لم يعد لإريتريا ذلك الدور الفعال في استهداف عناصر سودانية حكومية ومعارضة واستقطابهم للعمل مع أجهزة المخابرات الإسرائيلية في أسمرا، وقد حاولت بعض الجهات في شرق السودان التواصل منفردة مع تل أبيب إلا أن تلك المحاولات لم تثمر، ولكن الخطوات التي تسير نحو المطالبة بحق تقرير المصير في شرق السودان تتسق تماما مع توجه الإدارة الإسرائيلية التمزيقية للسودان، ومثل الجنرال البرهان أحد روافع الإحتقان واستغلال الشرق في التحضير لانقلابه المشؤوم.


● قبل انقلابه بساعات قليلة كان المبعوث الأمريكي السيد فلتمان يحلس مع البرهان في القصر الجمهوري وأكد له البرهان حرصهم على إكمال الانتقال وتحقيق الإستقرار في البلاد، وهو الأمر الذي دفع فلتمان بعد فترة وجيزة بنعت البرهان بالكاذب والمراوغ، إلا أن لإسرائل ومستشاريها الأمنيين الذين وصلوا الخرطوم دور كبير في خديعة فلتمان ومبعوثي الدول الأوروبية والمملكة المتحدة والداخل السوداني، إذ قدم أولئك المستشارون كافة التطمينات للبرهان بأنه لا البعثة الأممية ولا أي دولة من الدول تستطيع إعاقة الإنقلاب أو التدخل في السودان، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية بعد تجربتها المريرة في الصومال قد اتخذت الإدارة الأمريكية قرار التوقف عن التدخل المباشر في الدول الإفريقية.


● كذلك كان هناك دبلوماسيون في طاقم حمدوك تواصلت معهم هيئة الإذاعة الإسرئايلية "كان"، وأن التطبيع مع إسرائيل سيستمر أيضا بعد الانقلاب، الذي من غير المتوقع أن يؤثر فيه بشكل كبير، لأن رجال الجيش مؤيدون للتطبيع، كانت هذه أيضا إحدى محفزات نتنياهو لدعم انقلاب البراهان، الأمر الذي جعل من الولايات المتحدة الأمريكية تلتفت للأمر وتعطل عملية التطبيع بدورها، باعتبار أنه كان من المفترض أن يتم توقيع إتفاقية سلام بين الخرطوم وتل أبيب في واشنطون، وهو الأمر الذي صرح به المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، نيد برايس : "أن هناك حاجة إلى "إعادة فحص" التطبيع بين إسرائيل والسودان في أعقاب الانقلاب العسكري في البلاد".

● اتخذ البرهان نقطة انطلاقه نحو إسرائيل من استراتيجية منطلقاتها تصريحات وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة "تسيبي ليفني"، التي أعلنتها في 24/05/2006م بإن حكومتها ستساعد في إيجاد حل للأزمة في اقليم دارفور خلال لقاء جمعها مع عدد من السفراء الأفارقة في تل أبيب حيث ناقشت معهم الأزمة في الإقليم، ومن وعود لاحقة بتوفير ضمانات تحصنه من الملاحقة الدولية، ومن خوف المشير المخلوع أن تستهدفه ضربات جوية كالتي استهدفت أسلحة وذخائر في البحر الأحمر وقصف مصنع اليرموك في الخرطوم.


● توافرات للحكومة السودانية في فترة سابقة عبر أجهزة الأمن الأردنية معلومات عن وجود إثنين من مهرّبي الأسلحة يحملون جوازات سفر إسرائيلية، تبيّن من التحقيقات التي تمت معهما تورّطهما في تهريب أسلحة لدارفور، وأن من بين المتهمين رجل يعمل بصورة مباشرة مع "داني ياتوم" الإبن الأصغر لمدير الموساد الأسبق، وهو الذي أدلى بمعلومات مؤكّدة تفيد بتورّطه و"شيمون ناور"، وهو صاحب شركة استيراد وتصدير إسرائيلية، في تهريب أسلحة لإقليم دارفور، الأمر الذي حاول البرهان استغلاله وتوظيفه لابتزاز قادة الحركات المسلحة وقطع الطريق أمامهم بالتعاون المباشر مع تل أبيب، وحاول منافسته في ذلك جاهدا قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حمدتي" وشقيقه عبد الرحيم.


● في الوقت الذي يعلم فيه البرهان ونائبه أن اسرائيل بغيتها في التعاون مع السودان ليس تحقيق مصلحة مشتركة مع الخرطوم، وإنما رغبة في كسر حدة العزلة الدولة المفورضة عليها وكسب قواعد للتأييد والمساندة، والعمل على تحقيق أهداف أيدولوجية توراتية خاصة بنمذجة دولة شعب الله المختار، والسعي لتحقيق مطلوبات الأمن الداخلي الإسرائيلي وتيسير هجرة اليهود الأفارقة إلى دولة الإحتلال، وبناء قاعدة استراتيجية لتحقيق الهيمنة الإقليمية لإسرائيل في إفريقيا والقرن الإفريقي والبحر الأحمر.



● وكذلك يعلم هؤلاء الجنرالات أن إسرائل قد استندت على موروث مرير تجاه السودان في ذاكرة الحكومة الإسرائلية وضعت لتحقيق تلك الأهداف عشرة لاءات وهي تضمر لاءات الخرطوم الثلاثة، فكانت لاءاتهم:
١. لا للانسحاب الكامل إلى حدود 1967.
٢. لا لتقسيم القدس.
٣. لا لسيادة عربية كاملة على جبل الهيكل (المسجد الأقصى).
٤. لا لدولة فلسطينية ذات استقلال كامل.
٥. لا لإيقاف علميات الاستيطان أو تفكيك المستوطنات.
٦. لا لعودة اللاجئين الفلسطينيين.
٧. لا لتحالف إستراتيجي عربي يضم بعض أو كل دول المواجهة والعمق العربي.
٨. لا لامتلاك أي دولة عربية برنامج نووي.
٩. لا لأي خلل في الميزان العسكري القائم حالياً بين العرب وإسرائيل.
١. لا لحرمان إسرائيل من مطالبها المائية في الأنهار العربية.


● كل ذلك مقروءا مع المحاضرة التي ألقاها وزير الأمن الإسرائيلي ( آفي دختر) في معهد الأمن الإسرائيلي 4 سبتمبر 2008 فيما يخص إستراتيجية تعامل دولة الاحتلال مع السودان، إذ قال: " كانت هناك تقديرات إسرائيلية حتى مع بداية استقلال السودان في منتصف عقد الخمسينات، أنه لا يجب أن يسمح لهذا البلد رغم بعده عنا أن يصبح قوة مضافة إلى قوة العالم العربي، لأن موارده إن استثمرت في ظل أوضاع مستقرة ستجعل منه قوة يحسب لها ألف حساب، وفي ضوء هذه التقديرات كان على إسرائيل أو الجهات ذات العلاقة أو الإختصاص أن تتجه إلى هذه الساحة وتعمل على مفاقمة الأزمات وإنتاج أزمات جديدة، حتى يكون حاصل هذه الأزمات معضلة يصعب معالجتها فيما بعد، كون السودان يشكل عمقا استراتيجيا لمصر. هذا المعطى تجسد بعد حرب الأيام الستة 1967م عندما تحول السودان إلى قواعد تدريب وإيواء لسلاح الجو المصري وللقوات البرية هو وليبيا. ويتعين أيضاً أن نذكر بأن السودان أرسل قوات إلى منطقة القناة اثناء حرب الإستنزاف التي شنتها مصر 1968- 1970م." و وعندما سئل دختر ماهي نظرته إلى مستقبل السودان على خلفية أزماته المستعصية في الجنوب وفي الغرب والإضطراب السياسي وعدم الاستقرار في الشمال وفي مركز القرار في الخرطوم؟ هذا السؤال طرحه نائب وزير الدفاع السابق جنرال الاحتياط افرايم سنيه، رد دختر على هذا السؤال: هنالك قوى دولية تتزعمها الولايات المتحدة مصرة على التدخل المكثف في السودان لصالح خيارات تتعلق بضرورة أن يستقل جنوب السودان، وكذلك إقليم دارفور على غرار إقليم كوسوفو. لا يختلف الوضع في جنوب السودان وفي دارفور عن الوضع في كوسوفو. سكان هذين الإقليمين يريدون الاستقلال وحق تقرير المصير قاتلوا الحكومة المركزية من أجل ذلك.


● كل هذه الشواهد تؤكد أن البرهان عبر خطواته وسياساته التي اتخذها بعد الإنقلاب واستعادته بتنصيب منسوبي النظام البائد في دولاب الحكومة والجهاز التنفيذي والمؤسسات الأمنية والعسكرية، وما تم ارتكابه من فظائع في غرب دارفور والنيل الأزرق وكردفان واستثارة الشرق وتحفيز النداءات الإنفصالية، يريد أن يسرع بتحفيز تلك الأقاليم للمطالبة بالإنفصال الأمر الذي ساعدته فيه بعض الإدارات الأهلية وقيادة الحركات وحكومة إقليم دارفور وزعماء العشائر، وتمت تغذية هذا الصراع بأسلحة وأدوات العنف المحتكرة للدولة إذ تسربت كميات مهولة من الأسلحة والذخائر لأيدي التحشيدات القبلية والإثنية لتستخدم في الصراع، كما تم تمويل مباشر لعدد من اتحادات شبابية قبلية تنشط في مناطق السودان المختلفة لهتك النسيج الإجتماعي والتجييش للحروب الأهلية.


● يمكن أن يفعل الجنرال البرهان للبقاء في السلطة أكثر من ذلك، ولا أستبعد أن يعقد صفقات مع أمراء الحروب في الأقاليم المختلفة وقادة المسارات المصطنعة في اتفاق سلام جوبا، ويمكنهم من حكم تلك الأقاليم على غرار إقليمي النيل الأزرق ودارفور ليصبح كل من كردفان إقليما والأوسط والشمالي وشرق السودان، وبالتالي يسهل إجراء استفتاءات تمهد لتقرير المصير ومن ثم الإنفصال، خصوصا وأن هناك مجموعات يرعاها النظام الإنقلاب تنشط تحت مسميات إنفصالية، وهو الأمر الوحيد الذي سيجعل من برهان كرتا رابحا لنتنياهو. 


● واجب السوادنيات والسودانيين العمل الدؤوب لتجاوز كافة خلافاتهم البينية وتوحيد لحمتهم الوطنية وتوطيد وشائجهم الاجتماعية، والكف عن السجال القبلي والاحتراب الأهلي والاقتتال الإثني والامتناع عن التحريض وخطابات الكراهية، وإلا لن تكون هزيمة هذا الإنقلاب وعملاءه أمرا سهلا، ولن نتمكن من تجاوز الأزمات التي تحيط بالبلاد إحاطة السوار بالمعصم.


● فلن تمكننا الحروب الأهلية والصراعات الحدودية ونزاعات الموارد وعدم الاندماج الوطني من بناء سودان الحرية والسلام والعدالة والرفاه، وستظل ثرواتنا تهرب إلى الخارج ومواردنا تهدر من بين أيدينا، وستظل بلادنا موطوءة وسيادتنا منتهكة.

●ختاما:
• لنتجاوز هذا الابتزاز السياسي الذي مارسه نتنياهو على البرهان، وتمارسه أجهزة مخابرات دول جارة وشقيقة تنشط في تقسيم الكيان الوطني لخلق تنافس خبيث بين العسكر والمدنيين، وتحاول به تحقيق مكاسب عبر إملاءات حثيثة وضغوط شديدة على الجميع، لا وصول لذلك إلا بإسقاط هذا الإنقلاب وتحجيم الدور الخارجي للقوات المسلحة وتقييده بالدستور والقانون، وكذلك إيقاف محاولات الحركات المسلحة الإنجرار في هذا المضمار ومحاولات شراء أسلحة خارج إطار القوات المسلحة السودانية من إيران أو إسرائل أو غيرها، وتوحيد قناة التواصل الدبلوماسي مع الآخر الإقليمي والدولي وأن تؤسس علاقاتنا على المصالح المشتركة.



 • ولنحدث ذلك الخروج الكبير من الأزمات ولتصفير الكوارث السودانية علينا أن ننشط لتكامل الجهود السياسية والمقاومة والمدنية والدبلوماسية والحقوقية والتقدم ببرنامج حد أدنى متوافق عليه يوصلنا إلى حكومة كفاءات مهنية مستقلة مدنية تنتشل البلاد اقتصاديا وتمهد لانتخابات حرة ونزيهة وتعقد المؤتمر الدستوري القومي لدسترة أوضاع البلاد بصورة دائمة، وليحدد الجميع عبرهم مصير البلاد في علاقاته مع الآخر ويحافظ على سيادة البلاد وحدود أراضيها.

عروة الصادق

٤. نوفمبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com