السبت، 12 نوفمبر 2022

الدرس الإثيوبي

الدرس الإثيوبي

• مقدمة:

° في غمرة انشغالنا كشعب سوداني ببطش السلطة الإنقلابية القائمة في الخرطوم، والتي ألقت بظلال تدميرية على كافة أنحاء البلاد، وشملت أنماط التردي كل أوجه الحياة العامة والخاصة، وتأثرت بها حتى عمليات الاستثمار الخارجية، نجد أن هناك دول جارة وشقيقة تستثمر في إبراء جراحها لا تعميقبها، فقد طالعت اليوم إعلان صادر يوم 12 نوفمبر 2022م بنيروبي الكينية، عن كبار القادة بشأن وسائل تنفيذ اتفاق استمرار السلام من خلال وقف دائم للعمليات العدائية، الموقع ما بين جمهورية إثيوبيا الديمقراطية الاتحادية (FDRE) وجبهة تحرير التغراي (TPLF)‏، 


• الاتفاق:
° ميزة الاتفاق الذي تم توقيعه، أن حدد مبكرا أطراف الصراع، وتوجهت الحكومة نحوهم بكل صدق وتجرد، ولم تحاول المراوغة واصطناع كيانات ربيبة أو حركات خداج للتشويش بها على العملية السياسية ومجريات مباحثات السلام، ولو فعل الرئيس الاثيوبي آبي أحمد، وجهاز المخابرات الفدرالي ما فعلته أجهزة المخابرات السودانية لظل الأمر إلى اليوم معلقا لأن أطراف عملية السلام غير محددون، ولكنه اتجه وبكل صدق لتحديد المعنيين بالاتفاق وقد تمت الاشارة إليهم بوضوح في نص الاتفاق الذي أورد ما ترجمته :"يستند هذا الإعلان عن اجتماع كبار قادة قوات الدفاع الوطني الإثيوبية ومقاتلي تيغراي المسلحين (المشار إليهم فيما يلي باسم الأطراف) إلى اتفاق سلام دائم من خلال وقف دائم للأعمال العدائية تم توقيعه في 2 نوفمبر 2022 في بريتوريا ، جنوب إفريقيا (يشار إليها فيما بعد باسم أطراف الاتفاقية)".

° والدرس الذي قدمه الإثيوبيون للسودان في نقاشاتهم المستفيضة التي لم تأخذ عاما كاملا أو شهرا أو حتى عشرة أيام أنهم حددوا أساليب التنفيذ المنظم والناجح للاتفاق، واكدوا أنهم بالتنفيذ الفعال للاتفاق، وحرصوا على أن يكون لإثيوبيا قوة دفاع واحدة، أي جيش نظامي واحد ولم يتعنت أو يرفض أهل إقليم تقراي بجيشهم القبلي أو يصروا على أن يكون قوة موازية للجيش النظام كما هو الحال عندنا في السودان، "وإذ يؤكد من جديد أن إثيوبيا لن يكون لها سوى قوة دفاع واحدة"، نص واضح لا لبس فيه.

° وقد تضمن الاتفاق الوقف الدائم للأعمال العدائية، وتماشياً مع الاتفاقية، أكد الطرفان وقف جميع أشكال الاشتباكات العسكرية وفك الارتباط بها، وضمان اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لتحقيق الغرض العام من تنفيذ هذه الاتفاقية، نزع سلاح المقاتلين المسلحين التيغراي، وحددوا عملية نزع السلاح وكيفية تنفيذها بكل سلاسة دون مناورات أو مراوغة أو تسويف وحددوا سقفا زمنيا لذلك الأمر على النحو التالي:
• وفقاً للمادة 6 من الاتفاق، ستكون عملية نزع السلاح هذه هي التالية:

(أ) سيتم توجيه القادة لقواتهم على مدى سبعة (7) أيام تبدأ من تاريخ وصول القادة إلى الموقع العادي في 15 (نوفمبر) 2022م.
(ب) بعد التوجيه ، سيتم فك الارتباط على مدى أربعة (4) أيام في أربع مناطق فض الاشتباك.
(ج) عند فك الارتباط ، تتولى السلطات الاتحادية مهام الاتحاد.

• بسلاسة وبثلاثة نقاط المبينة أعلاه حسم أمر ترسانة عسكرية تفوق ترسانة الحركات المسلحة السودانية مجتمعة والتي استمر أمر الترتيبات الأمنية فيها زهاء العامين، وإلى الآن لم يقطع فيه إلا النذر اليسير، وعطل الإنقلاب إكمالها بإجراءات الإقالة والإحالة للتقاعد التي اتخذها قائد الجيش، والتي شملت أهم الضباط القائمين على عملية الترتيبات الأمنية، وظل الأمر معلقا إلى اليوم، ما يحول دون الوصول إلى جيش قومي مهني سوداني واحد في القريب العاجل، فإذا كان أمر الحركات المسلحة بهذا التعقيد فكيف سيكون حال قوات الدعم السريع التي تضخم حجمها وقوتها وعدتها وعتادها وانتشارها الجغرافي والاستراتجي؟.

• أهم ما في الاتقاق أنه حدد المسؤوليات وفقًا للدستور لجميع المجالات بما في ذلك استئناف الخدمات، والإحالة الدستورية في الاتفاق كان بالإمكان فهمها من السياق لأن الدستوري الإثيوبي من أرسخ الدساتير في المنطقة، واستمر العمل المؤسسي لمدة طويلة جدا، ولم تطرأ عليه أية اهتزازات دستورية، ومع ذلك تم التأكيد على أن تكون المسؤوليات مدسترة، ومضى الاتفاق ليبن الموقف من تحديد الأسلحة وكيفية نزعها والأطراف المشرفة على النحو الوارد في النقطتين: 
(د) يتم نزع الأسلحة الثقيلة بالتزامن مع انسحاب القوات الأجنبية وغير التابعة لقوة الدفاع الوطنية الإثيوبية من المنطقة.
(هـ) يتم تشكيل لجنة مشتركة في تاريخ التوقيع على هذا الإعلان من قبل القائدين لوضع خطة تنفيذية مفصلة لنزع الأسلحة الخفيفة وتقديم تقرير خلال فترة أربعة عشر (14) يومًا مع خطة واضحة لـ عملية نزع السلاح والجداول الزمنية لنزع الأسلحة الخفيفة. تتألف اللجنة من ممثلين (2) من الأطراف وممثل واحد (1) من فريق الرصد والتحقق التابع للاتحاد الأفريقي.

• لم يقتصر الأمر حل فض الاشتباك ووقف إطلاق النار وإنما حمل الأطراف حماية المدنيين، وفقًا للمادة 4 من الاتفاقية، وحدد بالنص: " تقع مسؤولية حماية المدنيين على عاتق جميع أجهزة الأمن الاتحادي والأمن الإقليمي وفقًا للدستور الاتحادي". وفصل تحديدا كيفية تلك الحماية الملزمة إذ أورد النقاط التالية: 
أ) منع الهجمات ضد المدنيين.
ب) ضمان الحركة السلسة للمدنيين.
ج) ضمان سلامة وأمن المؤسسات المدنية والبنية التحتية.
د) ضمان سلامة وأمن الفئات الضعيفة بما في ذلك النساء و الاطفال.
هـ) حماية المدنيين من هجمات قوات الأمن.
و) تقابل أي انتهاكات للمادة 4 من الاتفاقية من قبل أي طرف بإدانة شديدة وإجراءات عقابية.

• ولم يغفل الاتفاق الجانب الإنساني وإيصال المساعدات الإنسانية فقد اتفق الطرفان على:  
 أ) التعاون وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
ب) يتم تسليم المساعدات الإنسانية وفقا للمادة 5 من الاتفاقية.
ج) تخضع جميع الإغاثة الإنسانية للتفتيش وإخطار الحكومة الاتحادية.
د) سيتم توفير الضمان الأمني للعاملين في مجال المساعدات الإنسانية والمنظمات بناء على طلبهم.
و) يقوم الطرفان بتسهيل حركة المساعدات الإنسانية دون عوائق.
ز) يجب أن يكون هناك نقطتان فقط للتفتيش ، يتم إنشاء أحدهما عند المدخل من نقطة التحميل و / أو المستودعات وعند مدخل مناطق الوصول.

• كما حدد الطرفان الفترة الزمنية وكيفية المراقبة والتحقق المشترك على نحو: 
1. يتفق الطرفان على التعاون مع فريق المراقبة والتحقق (MVT)‏ ، الذي سيتم إنشاؤه من قبل الاتحاد الأفريقي (AU) من خلال اللجنة رفيعة المستوى بما يتفق مع المادة 11 من الاتفاقية. يجب تطوير ملف التعريف والاختصاصات (TOR) الخاصة بـ MVT بالتشاور مع الأطراف.
2. يجب أن تبدأ MVT عملياتها بعد عشرة (10) أيام من توقيع هذا الإعلان.
3. يجب توفير الضمان الأمني لـ MVT من قبل ENDF بناءً على طلبهم.

• ولأن الإعلام هو أهم معاول الهدم والبناء وتعزيز الثقة بين الشعوب وأخطر أدوات تأجيج الأزمات وبث خطابات الكراهية وإشعال الحروب حدد الطرفان الأمر بعبارة ملزمة ومقتضبة هي: "الاستخدام المسؤول لوسائل الإعلام"، وتم تفصيل الأمر كالآتي:
° يؤيد الطرفان المادة 3 (2) والمادة 12 من الاتفاقية التي تنص على أن المنصات الإعلامية التي تسيطر عليها الأطراف المعنية يجب أن تلعب دورًا بناء من شأنه تسريع تنفيذ هذه الاتفاقية.
° وإثباتًا لذلك ، قام الممثلون المفوضون حسب الأصول من الأطراف بالتوقيع على هذا الإعلان في نيروبي ، كينيا في اليوم الثاني عشر من نوفمبر 2022.
وقد قع عن الطرفين، الأول: المشير بيرهانو جولا ، رئيس الأركان العامة لقوة الدفاع الإثيوبية، والثاني: اللفتنانت جنرال تاديسي وريدي قائد ، مقاتلو تيغراي المسلحين، بشهود كل من فخامة أولوسيغون أوباسانجو، الرئيس السابق لجمهورية نيجيريا الاتحادية، والممثل السامي للاتحاد الأفريقي في القرن الأفريقي، وفخامة أوهورو كينياتا ، الرئيس السابق لجمهورية كينيا (عضو فريق).


• الخلاصة:
° بهذا الاستعراض لهذه الاتفاقية التي أنهت أحد أكبر الصراعات الدامية في القرن الإفريقي، يستطيع المرء أن يستخلص أن الإرادة القوية هي التي تحدد الأولويات والأهداف وتمضي نحوها بوضح، لترسم معالم المستقبل والأبعاد الاستراتيجية سياسيا وأمنيا واقتصاديا، وهو الأمر الذي لن يتحقق دون إنهاء الصراع.

° من المؤكد أن إثيوبيا لن تنعم وحدها بهذا الاتفاق في حال تنفيذه واستكمال مطلوباته، بل سينعكس الأمر على الأقاليم المتاخمة لها، في القضارف والنيل الأزرق، والتي شهدت موجات لجوء متبادل خصوصا بعد اندلاع الأحداث في النيل الأزرق، الأمر الذي يجعل الحادبين في البلدين يجدون المسير نحو تحقيق السلم والاستقرار في كلا البلدين ويدعمون جهود السلام ولو ببرقيات التهنئة الرسمية والشعبية، وتفويج قوافل المشاركة في احتفالات السلام، لكي ترتد علينا تحايا السلام بأحسن منها، وقطع أجندة التآمر والحرب والتخريب التي تعكف عليها دول وأجهزة مخابرات.

• الواجب:
على السودانيين شد أيادي إخوتهم الإثيوبيين ودعمهم لتحقيق الاستقرار واستدامة السلام في أقاليمهم الفدرالية المختلفة، لأن في استقرارها استقرار للسودان، وقد أثر الصراع في اثيوبيا على السودان، ودفع بنحو 60 ألف لاجي في فترة وجيزة للدخول إلى السودان، يعيشون أوضاع غاية في السوء، لا غنى عن الآتي:
1. تراجع السلطة الإنقلابية في الخرطوم عن انقلابها فورا وذلك للآتي:
أ‌. إبداء حسن النوايا وجسر هوة الثقة المنعدمة بين الشعب ومكوناته الحية والقوة الإنقلابية.
ب‌. تحرير السلطة من هيمنة آحادية لقائد المؤسسة العسكرية.
2. كسب تأييد المحيط العربي والإفريقي لدعم إنهاء الصراع في السودان، إذ أن لأي صراع محتمل في قادم الآيام آثار كارثية وتدميرية على المنطقة والمحيط العربي والإفريقي والدولي.
3. العمل على تحقيق أهداف الثورة السودانية وتمهيد الطريق نحو إبراء الجراح بإقرار الجميع بمدأ تحقيق العدالة وعدم الإفلات من العقاب.
4. السعي لاستعادة مكتسبات الفترة الإنتقالية، للحاق بالفقر الماحق الذي اجتاح كل فئات الشعب السوداني وتقديم الدعم المباشر لهم.
5. بناء حكومة كفاءات مستقلة تؤسس لقاعدة استراتيجية لتحقيق المكاسب التنموية والاقتصادية، وتفتح الطريق أمام استدامة الديمقراطية بالتحضير الجيد لانتخابات حرة ونزيهة.


● لتحقيق تلك المطلوبات المذكورة أعلاه يتعين على الجميع إدراك سهولة تحقيق الأمر، متى ما تحلوا بالإرادة القوية والعزيمة والإصرار لإنهاء أظلم الحقب الاستبدادية في السودان وطي صفحة الشمولية وإسقاط الأنظمة الدكتاتورية وإلى الآبد، علينا العمل على النحو التالي:
1. أسر الشهداء ولجان وتنسيقيات المقاومة السودانية واللجان المطلبية وقوى الثورة الآخرى، عليهم تحديد تصوراتهم الواضحة وموقفهم من العملية السياسية الجارية بوضوح وشفافية، وصياغة رؤاهم المتفرقة في مسودة مرجعية واحدة تكون هادية لكل تكوينات المقاومة السودانية في المركز والولايات، ومعسكرات النزوح واللجوء، وتحدد المطلوبات الملزمة للجميع والتي لا تنازل عنها ولا مساومة فيها.
2. القوى السياسية السودانية عليها أن تكمل عملها الدؤوب الذي ابتدرته بتقييم تجربتها الانتقالية، السياسية والتنفيذية، وصياغتهم لمسودة الدستور مع اللجنة التسييرية للمحامين السودانيين، عليهم أيضا ابتدار برنامج ومشروع الحكومة الانتقالية مع جهات مستقلة كلجنة المحامين، وتقديمه ليتضامن مع برامج أسر الشهداء ولجان المقاومة.
3. على الجاليات السودانية في الخارج قيادة حراك وضغط دبلوماسي كبير لإيجاد أكبر الروافع الإقليمية والدولية لضمان وحماية وصون الحكومة الانتقالية ودعمها، وإسنادها لمجابهة الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد، وأن تعكف تلك الجاليات على تعريف العالم بجرائم وفظائع النظام الإنقلابي في السودان.
4. جماعات المصالح والتجارة والاقتصاد، عليهم أن يتعلموا من درس إنقلاب 25 أكتوبر ألا ازدهار ولا نمو اقتصادي أو تجاري، ولا مضاعفة لأرباح الآعمال أو الأسهم، إلا في ظل أوضاع مستقرة وهو الآمر الذي لن يكون إلا في ظل نظام مدني ديمقراطي.
5. على أصحاب المصالح الاستراتيجية في العالم والمنطقة الإفريقية والجوار العربي، أن يعلموا أن تغذية الدكتاتورية في القارة وبالتحديد في السودان، سيجلب وبالا عليهم في بلدانهم ولن يمنحهم الاستقرار، وسيفرخ النظام الاستبدادي الذي ترعاهم مخابراتهم جماعات متطرفة وعنيفة وموجات هجرة ولجوء أول من ستجتاح بلدانهم.
6. على الشعب السوداني أن يحرص على حراسة حقوقه دائما وأبدا، فالدرس الذي تم تقديمه صباح انقلاب 25 أكتوبر 2021م بين للعالم أن السودان كبلد وشعب، بلاد محرمة على الدكتاتوريين والأنظمة العسكرية.
7. على الجبهات والتيارات الإخوانية أن تتعلم من ماضيها الذي لم يورث البلاد إلا الفساد والاستبداد، وأن الشعب السوداني قد قال كلمته، وأن محاولة التترس وراء النصوص الدينية سيكون شأنه شأن التترس الصهيوني وراء النصوص التوراتية لاستعباد العباد واغتصاب البلاد وهو الأمر الذي لن يتحقق إلا على رقاب السودانين، لذلك سارعوا إلى عقد المراجعات الفكرية وتغيير الاسماء والتوجهات والأفكار وإلا فسيكتب لتجارتكم الكساد والبوار.


• ختاما:
تبين أن في القارة الإفريقية وجود قيادات بدرجة عالية من الحكمة والحنكة، متى ما دفعوا بالإرادة، هذه القيادات لم تأت من غيابة الجب، وإنما نبعت من رحم الشعوب، وفي السودان من القيادات رجال ونساء، من يستطيعون إخراج البلاد من وهدتها، ليس عليهم سوى إعمال سلاح الإرادة وإشهاره في وجه المتمنعين والممانعين، وإرغامهم على الوفاء باستحقاقات الثورة السودانية في الحرية والسلام والعدالة كاملة غير منقوصة.

عروة الصادق
13 نوفمبر 2022م
البقعة

orwaalsadig@gmail.com

الجمعة، 11 نوفمبر 2022

عودة الإخوان أو حريق السودان


عودة الإخوان أو حريق السودان


رزيء السودان والإسلام بأسوأ تجربة مرت على تاريخ العالم الإسلامي، فاقت نازية هتلر ومحارق الهولوكوست، وإبادات رواندا وعنصرية جنوب إفريقيا، فمثلت التجربة الإخوانية السودانية لقاح السوء والمكر والفساد والقبح الإنساني، وأجدر ما يمكن وصفهم به وأدق ما يلاصق صفاتهم ويصور نهجهم هو قول الله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ ۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ) .




● لم يسلم السودانيون من ألسنتهم وأيديهم، فبرعوا في فحش القول وآذوا الناس بألسنتهم، ولا زالت آذننا تسترجع صدى العواء الصباحي الذي كان يأتي به (بوق الإنقلاب) وقتئذ غضو مجلس الثورة يونس محمود، والصياح الذي ما ترك لجار قريب أو صديق غريب إلا ولا ذمة فرضا ولا عرضا إلى قدح فيه وكال له من السباب ما كل، وما تركوا للسودان صليحا بسوء أقوالهم، وأسسوا تجربتهم على البذاءة والكذب والخداع والإساءة، متناسين قول الحبيب صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ» "، ولا زال بعضهم يجتريء على خلق الله وعلى الله ودينه ويسب العقيدة وتتعالى قهقهاتهم دون إنكار.





● لم يُقروا إلى اليوم بخطأ تجربتهم الإنقلابية، ويعتذروا عنها للشعب، ولم يعكفوا على مراجعات وتقديمها للجماهير التي اختارتهم في انتخابات حرة ونزيهة ضمن نظام ديمقراطي أقسموا على حمايته، فنكصوا عن العهد وخانوا الأمانة وتسوروا حياض الأمة رامين خلفهم قول سيد البشر صلى الله عليه وسلم : " «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا» ". وتمادوا في خيانة الخلق وخيانة الله ورسوله، (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (27)) ، فضيعوا القرآن وحرقوا حفظته أحياء، ودرسوا سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم وتجردوا من الرحمة: (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللَّهُ)، فقطعوا أرحام الخلق بتجريدهم من بيوتهم وأوطانهم وأسرهم وجعلوهم طرداء لجوءا ونزوحا وتشريدا في شوارع المعمورة، (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرْحَامَكُمْ) ، وأي فساد يستطيع المرء حصره؟؟.




● فتك الإخوان بخلق الله دونما سبب إلا أنهم رفضوا الإنصياع لمشروعهم الأيدلوجي الواهم، الذي صور لهم أنهم ظل الله في الأرض، وأنهم القائمون له بالحجة، وأنهم أرباب العقائد، فأذاقوا شعب جنوب السودان صنوف العذاب والعنصرية والإساءة والسباب ودفعوهم دفعا نحو الإنفصال وتقرير مصيرهم، وفتكوا ببقية الشعب أيما فتك بآلة القمع والتنكيل فجربوا فنون التعذيب الذي استوردته أجهزة المخابرات، وأسلحة التدمير التي استجلبت من دول كإيران، فأحرقوا جبال النوبة، ودارفور وفتكوا بالحجر والمدر والشجر، واغتصبوا الحرائر من البشر، ولم يتذكر منهم أحد قول الرحيم صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ الْإِيمَانَ قَيْدُ الْفَتْكِ، لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ"، وإلى الآن ينكر الإخوان أنهم قتلوا الناس جميعا وهو حكمهم عند الله: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ۝  ).



● لم يكن السودان يعرف هذا النوع من الحقد والبغض لخلق الله، فهو الوطن الذي جمع أهل السودان شرقه وغربة شماله وجنوبه  ووسطه في دوواوين ومرافق ومؤسسات وخلاوى وجامعات ومشافي ومشاغل ومصانع ومؤسسات، جميعهم يعملون في تواد وتآخي وتسامح، إلا أن الإخوان تجردوا من كل أعراف السودانيين وسمتهم السمح، وتحلوا بروح المنبتين من قطاع الطريق وتنكر بعضهم حتى لآبائه، فلا تستطيع أن تنادي أحدهم بأبي سروال، أو آخر بمخطر، أو تنقير، أو آغا، فقد تبرأوا من أنسابهم وادعو انتسابا لغير آبائهم، وحاول بعضهم إلحاق أوصاف ونعوت وكني ليست له، والحبيب صلى الله عليه وسلم يقول: " «كُفْرٌ تَبَرُّؤٌ مِنْ نَسَبٍ وَإِنْ دَقَّ، وَادِّعَاءُ نَسَبٍ لَا يُعْرَفُ» ".




● رغم كل هذا لم يتناصحوا فيما بينهم، وظنوا أن هذا التيار المسمى بالإسلامي، قد أقام الدينة والفرائض، وعزز أركان السنة وشيد المساجد، ولم يعلموا أنهم أخرجوا الدين من نفوس كثير من الناس، وأخرجوهم من الملة، بعد أن رأوا وسمعوا جماعات تكبر الله، وهي تحرق القرى وترمي بالأطفال الرضع في النيران، وتغتصب الحرائر وتكبر، ويتفاخر رئيسهم بأن تلك مفخرة لا سبة، يريدون العودة ولو أن "ترق كل الدماء"، يتنادون لما سمي بمسيرة الكرامة الثانية، وهم الذين أهدروا كرامة الوطن، واستباحوا حرامته ولم يخرجوا يوم أن مرق رأسهم المخلوع كرامة هذا الشعب حينما هرع لاستجداء الحماية من الرئيس الروسي الشيوعي فلاديمير بوتين.




● لم نسمع لمسيرة كرامة حينما تعلق الأمر بإهدار كرامة المكرم من فوق سبع سماوات، فكل يوم تهدر فيه كرامة الإنسان السوداني ولمدة ثلاثة عقود، ظلوا يرددون أقولا انتقائية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ) ، ولم ينصح أحدهم الآخر بأن هذه الآية لها بقية توجب التحاكم لأمر الله الذي كرم بني آدم وحرم الاعتداء على حرماتهم، والواجب الاحتكام إلى قول الله: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)) ، ولكنهم رفضوا أن يقرأوا القرآن كاملا وقرأوه على شاكلة قراءة قارئ يقف بوقف قبيح لقوله تعالى: (إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ) ، وصمتوا صمت القبور يوم أن تم إذلال الأكارم من خلق الله في الطرقات بائعات الشاي والأطعمة، من يحرقن أجسادهن ويخرقن ثيابهن، ليأكلن الحلال، ولم يقرأوا قوله: (۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70)) ، فعن أي كرامة يتحدثون؟؟.




● تعالى صراخهم يوم أن قدمت البعثة الأممية المدنية بموجب الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة لدعم الحكومة الانتقالية، ولكنهم التزموا الصمت يوم أن قدمت طائرات تحمل بعثة أممية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة واستقرت في دارفور السنوات الطوال، ولم ينبس أحدهم ببنت شفة يوم أن رست سفن وبواخر وبوارج أجنبية في مياه البحر الأحمر، وكانت تنتوي قيادة الإخوان منحهم كل ساحل البحر الأحمر كما سمحت لهم باستباحة سمائنا وأضنا تدخلا وقصفا وضربا، فكان حالهم حال الذي يرفض الحق لغيره وحينما يكون له يتمثل قوله تعالي: ﴿ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴾  .




●  يصطبغ مكاؤهم بآيات وأحاديث لاستجداء عواطف الناس، وتصوير أن الذين أسقطوا تجربتهم هم في أدنى الفروض علمانيون، وفي أبهى الصور كفار، يسبون لهم العقيدة، وربما تستباح دماؤهم وأعراضهم وتسبى نساؤهم، وهذا التصور لا يبشر باستقرار في السودان، فبحكم التجربة حينما سار عليه التنظيم الإخواني لثلاثة عقود، حرق البلاد، وأباد العباد، وأثار الفتن ما ظهر منها وما بطن، وكرس للعنصرية والشحناء والبغضاء، وأسس عليها منهجه التمزيقي للوطن.




● هذه الحجج تتهاوى والممارسة الحقيقة للنظام الإخواني والقناعات المضمرة والإيمان بأنهم يمارسون خديعة انطوت صفحاتها وأبقت جماعاتها، فالتجربة الإخوانية أثبتت ان الخرطوم كانت عاصمة علمانية بموجب اتفاقية السلام الشامل لمدة خمسة سنوات، الاتفاقية التي لم يجروء علي عثمان محمد طه كتابة البسملة فيها، ولم يحتج غازي صلاح الدين على علمانية اتفاق ماشاكوس، ولم يرفض البشير أن يكون نائبه الأول د. جون قرنق ومن بعده الجنرال سلفاكير، ولم يصرخ أئمة الضلال وعلماء السلطان من منابر المساجد برفض تولي أمرهم عند غياب البشير لشخص دينه يغاير دينهم، فصمتوا صمت أهل القبور.





● يحاولون الآن خداع أهل التصوف ورجال الدين لتحشيدهم واستخدام خلاويهم القرآنية للاصطفاف العنصري المقيت، وهو الأمر الذي تدركه بوعي كل البيوتات الصوفية النقية، التي لم تلطخ أياديها بدماء أبرياء أو فساد أموال عامة، ولكن سينخرط استجابة في هذه الدعوة البيوتات المتآمرة التي تجتمع عندها الجماعات الإنقلابية ويشارك ابناءها في أجهزة القمع والتنكيل لتصفية الخصوم حماية لهم وتحصينا لهم من الملاحقة الجنائية، فمعظم الذي تم اعتقالهم في الثلاثة عقود يعرفون أبناء تلك البيوتات بالإسم ومن أذاقوهم مرارة السجن وإذلاله وتعذيبة ورأوا كيف كان ينكل بالسودانيين من أبناء تلك البيوتات وعناصر بعض القبائل التي يحاول قادتها أيضا ممالأة السلطة الإنقلابية ودهمها حماية لمصالحهم التي قد تهتز من تحت أقدامهم لأن موسى الشوارع قد خرج من بيوتهم وأفرزت الثورة السودانية أفضل ما في البيوتات القبلية والصوفية من كرم وإكرام وشجاعة وبسالة وكرامة ومروءة ونجدة وشهامة لا يريد أن يراها سدنة الطغاة وزبانيتهم.




● ختاما: 

•إن احتجاج الإخوان على الثورة ونهج الثوار واعتراضهم على العملية السياسية ومسودة الدستور التي طرحتها نقابة المحامين وتعكف على تقديمها للفرقاء الآلية الثلاثية تدعمها الرباعية الدولية وتراقبها بعثات ألترويكا والاتحاد الأوربي، ما تلك الاحتجاجات إلا حنين للفساد، والإفساد، والجرائم ضد العباد، والأفضل هو أن يحجزوا لهم مقعدا في المستقبل القريب بالإعتذار للشعب السوداني وتقديم مراجعات تسودها الحقيقة والمصارحة، والإقرار باقتراف الذنوب والكبائر في حق الشعب السوداني، والإذعان للمساءلات الجنائية التي تطال من أجرم منهم، وإلا فالتهديد والوعيد بتمزيق السودان أو حرقه حال تم تجاوزهم فلن يجدي، وقدر جربه المخلوع، وزبانيته، وطفقوا يهددون وهم يملكون أقوى ترسانة عسكرية وقوات أمنية انهارت أمام جحاف الشعب السوداني وأمتثلت لثورته الشعبية، وأي مغامرة غير محسوبة العواقف ستكلف التنظيم الإخواني المستقبل برمته، أمامكم تجربة الرفاه الذ تم حله في تركيا فتحول للفضيل فتم حله مرة أخرى ليستقر على مسمى التنمية والعدالة ليقدم تجربة تنموية وديمقراطية في تركيا حماها الشعب حينما حاول مغامرون الإنقلاب عليها.

• واجب الساعة هو أن يعكف مراجع الفكرة الذين تبقوا ليراجعوا المنهج، وألا يحاول منتسبوها إعادة عقارب الساعة، بذات الشعارات التي قيلت قبل ثلاثة عقود، فلا الشيخ موجود، ولا هناك دارفور لتحرق، لأنه لم يتبق منها شيء ولا نيل أزرق ليستثار لأن ما فيه يعتمل، ولا هناك ثروات لتنهب، فقد فصل الجنوب وجف الأنبوب، ولم يعد المال المنهوب، ولا المحيط الذي دعمهم بات مقتنعا بمشروعهم التضليلي، ولا العالم سيقبل بجماعات أدخلت بلدانها قوائم الحظر الدولي ووصمتها بالإرهاب، ولا يوجد شخص بقوة أو أموال الراحل أسامة بن لادن لكي ينهب التنظيم أمواله التي لا زال يستثمر بعضها بعض منتسبيه اللصوص، وحتى الذين جلبهم التنظيم العالمي من مصر باعهم صلاح قوش فب يناير 2018م بثمن بخس، وتمت تصفيتهم، فكل الذين يمكن استضافتهم هم طرداء بلدانهم المجردين من الأهل والأهلية، وأي محاولة شبيهة لاستدعاء الإرهاب وجماعاته في السودان، سيتصدى لها أبناء وبنات الشعب السوداني الذين يراقبون المساجد وساحات الدعوة وينخرطون في تواصل كثيف لتحصين البلاد من الفكر المنكفي والتطرف العنيف.

لا لن يعود الإخوان ولن يحرق السودان


الهوامش:

 ١ .سورة المنافقون الآية 4
 ٢ . سورة الأنفال الآية 27
 ٣ . سورة محمد الآية 22
٤ . سورة المائدة الآية 32
٥.  سورة النساء الآية 59
٦.  سورة النساء الآية 59
٧ . سورة يوسف الآية 17
 ٨. سورة الإسراء الآية 70
 ٩. سورة النور الآية 49

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
12 نوفمبر 2022م