الثلاثاء، 15 نوفمبر 2022

وددت لو أن في مسودة الدستور الانتقالي الآتي؟؟ (2)

وددت لو أن في مسودة الدستور الانتقالي الآتي؟؟ (2)
أواصل بعض الملاحظات التي ارتأيت أن تضمن في وثيقة الدستور الانقالي، من وحي الاطلاع على بعض دساتير الأنظمة الدستورية الديمقراطية المدنية الراسخة في المحيط الإفريقي والعربي والعالم، وإن لم تحظ بحيز وجود في المسودة الحالية، أتطلع لأن يفتح فقهاء الدستور نقاشا حولها لتضمينها – إن قبلت- في مسودة الدستور الدائم، وأن تكون حاضرة في نقاشات المؤتمر القومي الدستوري، فإلى النقاط التالية:



• ثامنا: ورد في بند حكم القانون النص الآتي، "(2) تلتزم مؤسسات السلطة الانتقالية وأجهزة الدولة بإنفاذ حكم القانون وتطبيق مبدأ الحوكمة الرشيدة، بما في ذلك المساءلة والمحاسبة وإزالة المظالم ورد الحقوق".، وكان الأجدر إكمال تعديد أركان الحوكمة الرشيدة بإضافة أهم ركن وهو الشفافية، لاطمئنان الجميع أن الإجراءات القانونية تسير وفق مقتضيات العدالة المطلوبة، فالبتجربة تم تكوين عدد من المؤسسات الحقوقية واللجان التحقيقية في الفترة الانتقالية ولم تتسم إجراءاتها بالشفافية، ما عزز الشكوك في أوساط كثيرة واستيئاس بلغ ذروته عند أهل الضحايا.



• تاسعا: ورد في الفصل الثاني ثلاثة إلتزامات للدولة، وجميعها تقرأ كالتزامات حكومية، وبما أن الدولة أرض وشعب وسلطات، فقد أغفل هذا الباب التزامات المواطن تجاه الدستور، وكذلك تقييد المقيمين في الأراضي السودانية بالدستور والقوانين المنظمة للحياة في السودان، التي أرى بضرورة إدراجها كالقول:

1. أي مواطنة أو مواطن سوداني أو مقيم بالأراضي. ملزم بالعمل وفق مقتضيات الدستور السوداني.

2. أن تنص فقرة محددة على الخيانة العظمى للوطن والدستور، وتبين وصف المواطنة أو المواطن الذي يقع في محظور خيانة الوطن.

3. أن ينص على حماية المواطن السوداني خارج الحدود والدفاع عنه، أو سحب الجنسية منه وتسليمه إلى دولة أخرى ارتكب بها جريمة توجب العقاب في التشريع المحلي والإقليمي والدولي.

4. أو أن يتم تعديل مسمى إلتزامات الدولة، إلى التزامات الحكومة أو السلطات.




• عاشرا: نصت وثيقة الحريات المدرجة في الدستور الانتقالي على عدد مقدر من الحقوق التي تتسق والمطلوب الوطني والوثائق الدولية، وددت لو تمت إضافة حق الإرث والتوريث والملكية، فقد جاء في الدستور الألماني الآتي:

1. ينبغي ضمان حق الملكية وحق الإرث، ويتم توضيح مضمونهما ومحدداتهما من خلال القوانيين.

2. لا يسمح بنزع الملكية إلا لما فيه خير الصالح العام فقط، ولا يجوز اللجوء إلى ذلك إلا بتبرير قانوني، أو من خلال قانون يحدد بموجبه، في الوقت نفسه، كيفية ومقدار التعويضات عنها. يتم تحديد هذا التعويض على أساس التوازن العادل بين الأطراف المعنية من ناحية، والصالح العام من ناحية أخرى. في حالة الاختلاف حول كمية التعويضات يبقى باب الطرق القانونية لدى المحاكم النظامية مفتوحا.

3. أرى أن يضاف نص يحدد زمان توزيع المواريث وصيانة الدولة لحقوق الوارثين، وفق مقتضيات شرعية وقانونية.

4. رأيت بضرورة إدراج هذه الفقرة في الدستور لما في السودان من تسويف، ومماطلة في مواضيع المواريث، الأمر الذي خلف أمراضا اجتماعية وصراعات أسرية في كثير من البيوتات السودانية.




• حادي عشر: ورد في مهام الفترة الانتقالية: " إصلاح أجهزة القوات المسلحة، والشرطة والمخابرات العامة، لضمان إزالة التمكين فيها، وتأكيد قوميتها، وانصياعها للسلطة المدنية. "، وقد أغفلت تماما ذكر قوات الدعم السريع، التي لم تذكر في المسودة إلا في باب لاحق بإدماجها في القوات المسلحة وإدماج قوات من الحركات المسلحة، الأمر الذي يقتضي إيرادها بوضوح في كافة عمليات الهيكلة والمسؤوليات والدمج والتسيح المنصوص عليها عن القوات النظامية في وثيقة الدستور الانتقالي.




• ثاني عشر: ورد مهام الفترة الانتقالية الآتي:

أ‌. التنمية الاقتصادية، باقتضاب في فقرتين تحدثتا عن إعداد وتنفيذ، ولم تشر من قريب أو بعيد للجهود التي بذلت بصورة كبيرة في الفترة الانتقالية، كأن يقال: "استئناف جهود الفترة الانتقالية المبذولة اقتصاديا والالتزام بها، ومواصلة ما توقف من برامج وشراكات استراتجية وجدولة وإعفاء للدين"، حتى لا يفتح الباب لرئيس الوزراء القادم أو حكومته نقض أي إجراءات تمت في مصلحة الاقتصاد السوداني والمواطنيين السودانيين، أو اتخاذ أي سياسات تجريف لعمليات الاصلاح الاقتصادي التي بدأتها الحكومة الانتقالية.

ب‌. تمت الإشارة إلى لجنة مجزرة فض اعتصام القيادة العامة، بدعمها أو إعادة أو تعديل قرار تشكيلها، الأمر الأصوب هو تكوين لجنة تحقيق دولية في الجرائم المرتكبة في القيادة العامة وبعد 25 أكتوبر 2021م، والأحداث التي نشبت في كل من دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان.

ت‌. كما ذكر تعزيز صناعة وبناء السلام، ووردت فيه تفصيلات مهمة وجيدة، إلا أنها أغفلت أهمة عمليات استدامة السلام المتعارف عليها دوليا، وهي عملية حفظ السلام، التي تتطلب إجراءات خاصة تتدرج من القوات المشتركة إلى القوات الأممية، ومن الحفظ والالتزامات المحلية وصولا للقرارات الدولية.

ث‌. في ملف العلاقات الخارجية تم تحديد كيفها ولم يحظر الدستور تدخل الجهات غير المعنية في ملف العلاقات الخارجية، كأن يحدد أن العلاقات الخارجية من اختصاص رئيس الوزراء والوزارات المختصة (الخارجية، التعاون الدولي)، ولجنة العلاقات الخارجية بالمجلس التشريعي أو البرلمان، الأمر الذي سيمنع أي مغامرات فردية من جهات أو مؤسسات دون إخذ الإذن من الجهات المختصة.




• ثالث عشر: في النظام الفدرالي، ترك أمر تحديد معالم الفدرالية والأقاليم/ الولايات، وعواصمها، للقانون، وهو أمر أقل إلزاما وفي رأيي الآتي:

أ‌. أن الأمر يجب أن يحد دستوريا، بصورة واضحة لا لبس فيها، وأن ينطلق تأسيس الفترة الجديدة على أسس واضحة أقاليم/ ولايات، ولا يترك الأمر للمماطلة والتسويف.

ب‌. أن يكون القانون والدساتير الإقليمية/ الولائية ضمن الدستور ليمنع التعديات، وليعد تجاوزه مخالفة دستوري، لا سيما وأن عدد من الولايات أعدت دساتيرها المحلية.

ت‌. أن يحدد الدستور تخويل سلطات الأوامر للقوات السلحة والقوات الأمنية والنظامية الأخرى وقياداتها في الأقاليم، بعد التجربة المريرة التي كلفت البلاد دماء عزيزة جراء تأخر السلطات في التعامل مع الأزمات والصراعات الدامية في أطراف البلاد المختلفة.

ث‌. أن يتم حصر التشريعات التي من اختصاص المجلس التشريعي القومي، وتحديد صلاحيات التشريع في المجالس الإقليمية أو الولائية.

ج‌. تحديد السلطات الاتحادية التي تقع في حيز تنفيذي ولائي أو إقليمي كـ( إدارة الجيش القومي، إدارة الطاقة بشتى أنواعها، الملاحة الجوية، إدارة السكك الحديدية، إدارة الطرق القومية، إدارة البنك المركزي، إدراة الممرات المائية، إعلان حالة الطوارئ الإقليمية أو الولائية، إدراة الموارد القومية، إدارة البورصات، إدراة الجمارك ... إلخ).





انتهى
عروة الصادق
15. نوفمبر 2022م
البقعة

الأحد، 13 نوفمبر 2022

وددت لو أن في مسودة الدستور الانتقالي الآتي؟؟ (١)

وددت لو أن في مسودة الدستور الانتقالي الآتي؟؟ (1)
• أولا: جاء في الديباجة: "نَحنُ الشعْب السودانيّ صَاحِب السيادةِ عَلَى مَصيرِهِ وأرضِهِ ومواردِهِ:"، ليت النص إكتمل بالآتي:
" نَحنُ الشعْب السودانيّ صَاحِب على نفسه ومصيره وحدوده وجيشه وأرضه وسمائه ومياهه وموارده"، لماذا؟
1. بحكم تجارب تمرد الجيش وانقلابه على إرادة الشعب ينبغي أن يعلم قادة القوات المسلحة في كل مرة يفكرون فيها الانقضاض على الحكم الديمقراطي أنه نابع من إرادة فوق إرادتهم.
2. استباحة الحدود والسماء والمياه الإقليمية أضحت سمة غالبة في نظام الإنقاذ المباد، لذا وجب النص على هذه العبارات بدقة ودسترتها حتى يعرف كل من تسول له نفسه تسور حياض الأمة السودانية أن الأمر لا عبث فيه.
3. التنازع على المياه كمورد استراتيجي يجعل من الإشارة الواضحة إليه دون لبس، رسالة واضحة بأنه ملف ليس محلا للنزاع أو المساومة أو المناورة.


• ثانيا: قد جاء: "ووفاءً لدماءِ شهدائِنا الكرامِ، وتقديراً لمعاناة الجرحى والمفقودين وأسرهم"؛ وددت أن ينص على وضع تفضيلي أشد وضوحا للشهداء والضحايا في كل ربوع السودان وحقبه المتتالية، ليعالج التظلمات التاريخية ويبريء الجراح، إذ تقتصر الإشارة هنا الجرحى والمفقودين، ولا تقل معاناة النازحين واللاجئين ومشردي النزاع بشاعة عن أوضاعهم.



• ثالثا: ورد في الديباجة: "اعتباراً بدروسِ الحركةِ الوطنيةِ ونضالاتِ الشعبِ السودانيِّ في ثورَتَيْ أكتوبر 1964 وأبريل 1985م"؛ وددت إما أن يشار لكل الثورات والهبات التي لا تقل عن أكتوبر وإبريل أو أن تقتصر الإشارة للتاريخ النضالي للشعب السوداني على مر الحقب دون تحديد، لأن قطاعات كثيرة من الشعب السوداني ترى كفاحها ضد نظام الإخوان ثورة إقليمية، بتضمينها في الدستور أو الإشارة إليها يكون الأمر محفزا للوحدة لا طاردا ومدخلا لشياطين الإنفصال في التفاصيل التي يتصيدها كثر.




• رابعا: كما جاء في طبيعة الدولة أنها " جمهورية السودان دولة ديمقراطية فيدرالية، تتعدد وتتعايش فيها الثقافات والإثنيات واللغات والمذاهب والأديان؛ نظام الحكم فيها نظام برلماني، وتقوم الحقوق والواجبات فيها على أساس المواطنة دون تمييز بسبب الإثنية، أو الدين، أو الثقافة، أو اللون، أو اللغة، أو النوع، أو الوضع الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو الإعاقة، أو الانتماء الجهوي، أو بسبب أي تمييز أياً كان."، وهو الحديث المتوافق عليه في غالبية أدبيات القوى السياسية السودانية، ولكني وددت لو تمك تحديد اللغة الرسمية للدولة، كما في غالبية دساتير الدول، وتبيان موقف اللغات الأخرى في الأقاليم المختلفة، طالما أن النظام فدرالي يحدد الأمر على نحو ما جاء في الدستور الاسباني ودستور جنوب إفريقيا مثلا:
1. اللغة العربية هي اللغة الأولى الرسمية للدولة. على كل السودانيين أن يعرفوا هذه اللغة وهم يتمتعون بحق استعمالها.
2. النص في الدستور على كل اللغات واللهجات الرسمية في الدولة، أو تضمينها ضمن ملحق دستوري.
3. تكون باقي اللغات السودانية واللهجات الأخرى لغات رسمية أيضاً وذلك في الأقاليم الخاصة بها بموجب لوائحها.
4. يعد الثراء اللغوي في السودان بمثابة تراث ثقافي يخضع للاحترام والحماية الخاصة.
5. تضمين مفوضيات اللغات لتكون ضمن المفوضيات المقترحة في الدستور وتنشأ بموجب قانون يوفر الآتي:
أ‌. البيئة المناسبة لاستخدام وتطوير وتدوين اللغات.
ب‌. تعزيز احترام كافة اللغات المستخدمة لأغراض رسمية أو دينية.




• خامسا: كما أنه لم يشر من قريب أو بعيد للنشيد أو العلم الوطني، الأمر الذي لا ينبغي التنازع عليه فالبتجربة، تعالت الكثير من الشعارات والأناشيد، والرايات الحزبية في مرافق الدولة وبخاصة في  أقاليم الحكم الذاتي، وهو أمر يستوجب إلزام حكام الأقاليم برفع علام البلاد ونشيدها الوطني والتوحد حوله، وأن يكون هذا الأمر مضمنا في كافة اتفاقات السلام المبرمة مع أطراف تتحدث عن حكم إقليمي، لأن هذين الأمرين (العلم، النشيد الوطني)، من أهم الممسكات الوطنية، حتى لو أدى الأمر لأن يفتح نقاش حولهما وتقديم ورش ومقترحات تقرب مشتركات الأقاليم المختلفة وتخلق ممسك وجداني ومعنوي موحد، وقد نص دستور دولة جنوب إفريقيا بوضوح على الأمر، وبملاحق تحدد ألوان العلم وكلمات النشيد بالتحديد.




• سادسا: نصت الوثيقة على أن نظام الحكم برلماني، مع أن النظام البرلمان هو أفضل حلول توزيع السلطات، وودت لو أنها اعتمدت نظاما مختلطا برئيس واحد، ورئيس مجلس وزراء بمرجعية برلمانية ، وليس (مجلس سيادة)، لأن للنظام البرلماني العيوب التالية:
1. منبع التحالفات المعيقة للاستقرار السياسي، وفي ظل وضعنا السياسي والثوري المنقسم سيشكل أخطر مهددات الانتقال، ما لم ينص على اعتماد الديمقراطية التوافقية في اتخاذ القرارات في الفترة الانتقالية.
2. يتعذر الحفاظ على السياسات، والالتزام بالخطة المعلنة لفترة طويلة ما لم يتم إلزام رئيس الوزراء وحكومته والمجلس التشريعي بنص دستوري.
3. على عكس الحكومة التنفيذية من كفاءات مهنية سيكون غالبية أعضاء البرلمان، من مجاميع ثورية، قد لا يرضيهم أداء التكنوقراط أو يتذمر طاقم الحكومة من استدعاءاتهم، وهو أمر يحتاج لمواءمة في نظري.




• سابعا: النص على الفدرالية أمر إيجابي ومطلوب، ولكنه ستكون له ارتدادات عكسية وربما انفصالية، حال لم يلتزم بالمواءمة التي تحقق الآتي:
1. قوة الحكومة الاتحادية بمختلف مستوياتها السيادية والتنفيذية والبرلمان القومي، ومقدرتها العالية للاستجابة لاحتياجات كل أطراف الدولة.
2. قوة حكومات الأقاليم المستمدة من الدستور ومحكومة بقانون يكفل استقلاليتها المالية والإدارية والسياسية.
3. قوة حكومات المحليات والوحدات التنفيذية الدنيا، بتوفير كافة المعينات لها، ومنحها صلاحيات دستورية لتكوين مجالس بلدية وقاعدية تحقق المشاركة والرقابة على حكومات الأقاليم بصورة ترضي جميع قطاعات الشعب السوداني.



انتهى

عروة الصادق
14. نوفمبر 2022م
البقعة

orwaalsadig@gmail.com