الأحد، 11 ديسمبر 2022

التسوية السياسية للأزمة السودانية والحل السياسي الشامل( ٣)

التسوية السياسية للأزمة السودانية والحل السياسي الشامل

 (3)

·   صور البعض الاتفاق الإطاري بأنه تعاقد مع الأوليغارشية وقادة الإنقلاب لتعيين الأوليغارشيين الجدد في مؤسسات الدولة المدنية، وهو محض إفتراء، وليس هناك تمييز سياسي حتى للقوى التي عكفت على صياغة وطرح الاتفاق بتسميتهم تسمية تمييزية يمكن أن يتذرع الآخر برفضه لهم واحتكاره لمسمى "الحرية والتغيير"، على سبيل المثال، بل العكس مضى الاتفاق لتجريد أي صاحب امتياز منه ليكون الامتياز الأوحد لأصحاب المصلحة الحقيقة وتمكين السودانيين بصورة فيدرالية من الولوج إلى مضمار تصميم نظام الحكم مستقبلا، والمشاركة في القرار السياسي بصورة حقيقية، على كل الأصعدة والمستويات، مركزيا، وسياديا، وتنفيذيا، وبالضرورة ولائيا، وهو تجاوز لأنماط التعليب السابقة التي يتم إرسالها من المركز، وتجريد الخرطوم من امتيازها الاقتصادي والسياسي والديمغرافي، والتعامل معها صنوها صنو أي إقليم من أقاليم السودان، ورأينا كيف تفاعلت مؤسسات حزبية وجهات ولائية مع الاتفاق إيجابا، ومنهم من أبدى ملاحظاته مسبقا وتم تضمينها في الاتفاق الإطاري، ومسودة الدستور الانتقالي، جاء ذلك في لقاء مشهود جمعت له كيانات ولائية من كل ربوع السودان في المركز العام لحزب الأمة القومي.

 

·   لذلك نجد أن هناك محاولات لتصميم أجسام جديدة لتقف ضد هذا الاتفاق أو التسلل إليه كواجهات خفية لتنظيمات تقف ضده، وهو ما اتضح بجلاء في صدور أكثر من خمسة عشر بيانا عشية توقيع الاتفاق الإطاري جميعها بصيغة مختصرة وبشكل واحد وكأن من صاغها شخص واحد، حملت اسم عدد من التنسيقيات الولائية والفرعية في المدن والأرياف، وهو نوع من التضليل برعت عدد من الكيانات العقائدية في ممارسته، تشاطرهم إياه أجهزة مخابرات واستخبارات.

 

 

·   رغم أن هذا الاتفاق عمل على إعادة الاعتبار للشعب السوداني وإعلاء شأنه بتمكينه من السلطة قاعديا صعودا، وليس مركزيا، وجعل السودانيين هم المرجعية له، بالجلوس مع نحو 5000 جسم قاعدي مع الآلية الثلاثية، والتي ترى في الاتفاق الإطاري ومسودة الدستور الانتقالي أساسا خاطب كل قضايا تلك الجماعات، إلا أن هناك جماعات لا تعنيهم إلا أنفسهم، مجهولي الأطماع، محط للريبة والتوجس، ومحاطون بالكثير من الشبهات، يسعون لتأمين أوضاعهم في الحكومة المركزية والحكومات الإقليمية والولائية، أو إجهاض هذا الاتفاق الذي تحدث عن الكيف ولم يتحدث عن الأشخاص بل مضى إلى الحديث عن ضرورة تأسيس سلطة مدنية من كفاءات مستقلة، وهو ما يخيف بعض القوى التي تخشى أن تكون الانتخابات هي الوسيلة الوحيدة للوصول إلى السلطة، باعتبار أن ذلك خطر داهم يهدد بقاءهم ككيانات سياسية محدودة  الأثر وقليلة التواجد والانتشار وضعيفة الحظ الانتخابي.

 

·   وهناك آخرين لهم من الإخلاص ما يؤهلهم لاحتكار الثورية وتوزيع صكوكها ولكنهم اتسموا بالسطحية وعدم المقدرة على الإنجاز، فلا زال بعضهم يحاول (النسخ واللصق)، لتصميم تجربة سريالية لم يسبق لها مثيل حتى في تصوراتهم، وهؤلاء لن يجدوا بدا في آخر المطاف من انتظار نتائج هذا الاتفاق الإطاري، وما سيفضي إليه من إجراءات تمهد للوصول إلى الاتفاق النهائي الذي يرجى أن يشترك الجميع في تصميمه وصياغة ملامحه ومناقشة قضاياه المؤجلة.

 

·   إن هذا الاتفاق نسف نظرة التشكيك في مقدرة السودانيين على إدارة مصيرهم، ففي كل العمليات واللقاءات التي انتظمت الوصول إليه، تعجب القادة الإقليميين والدوليين من الثلاثية والرباعية والترويكا من درجة وعي وإدراك المجتمع السوداني في كل الصعد الريفية والحضرية  وتنسيقيات اللجان وقادة العمل المجتمعي والسياسي والنخب، ومدى إدراكهم لقضيتهم وتعظيمهم لمواردهم، وعزة أنفسهم، وأيقنوا جميعا أن هذا الشعب لن تحكمه سلطة استبدادية، وإلى الأبد، وأنهم مجمعون على التخلص من هيمنة العسكر على السلطة وينشدون التحول الديمقراطي ، ويرغبون في تفكيك أعتى المنظومات الاستبدادية التي حكمت السودان.

 

·   أعلم أن هناك مشاريع تتخلق تحاول امتطاء صهوة هذا الاتفاق للوصول إلى غاياتها، كما فعلوا في الفترة الانتقالية الأولى، وهؤلاء معلوموا التوجه والأهداف، ومن أهم مشاريعهم تفكيك منظومة ما أسموه "السودان القديم"، عبر السلطة التي يرون في هذا الاتفاق بوابة لها، وهي تجربة خاسرة إذ حاولها نظام الإخوان لمدة ثلاثين سنة، إلا أنها ارتدت عليه وفككته فأضحى شذر مذر، ومحاولة تجريب تلك التجربة في اتخاذ السلطة وسيلة للهيمنة على القرار السياسي في البلاد  واتخاذه عصا ترهيب وتفكيك لكيانات وجماعات تاريخة أوالتحكم في الموارد الاقتصادية واتخاذها جزرة ترغيب للانتماء لهذه الكيانات الوليدة، سيكون وبالا على البلاد والعباد، ولا سبيل لتفيكيك وتغيير وإعادة صياغة المجتمع السوداني إلى عبر آلية واحدة وهي الانتخابات الحرة النزيهة التي يعمد فيها الشعب السوداني من يشاء وينتصر فيها صاحب البرنامج المقبول.

 

·   في هذه الأثناء فتح الباب لجماعات عسكرية متقاعدة لتكوين كيانات تتبنى قضايا سياسية واقتصادية وتنموية، واستقطاب قطاعات واسعة من الشعب السوداني، باستخدام خطابات إثنية وعنصرية تم التأسيس لها بناءً على أخطاء الانقلابيين وبالأخص الأزمات التي سببتها وزارات تتبع لمجموعات سلام جوبا، وعكفت آلة إعلامية مكثفة للتعبئة ضدهم، ومضى قائلون بضرورة إلغاء الاتفاق برمته، وهو ما يعني العودة للحرب التي فقد امتيازها هؤلاء الجنرالات المتقاعدون، لذلك نجد أن الاتفاق الإطاري حافظ على مكتسبات سلام جوبا، وقال بضرورة مراجعة بعض الأخطاء التي أثبتتها الممارسة خلال الفترة الانتقالية وفترة الانقلاب، وهو أمر انطبق من قبل على الوثيقة الدستورية فنصوص الاتفاقات السياسية صنع بشري قابل للخطأ والتصويب، ولكن هناك من يشي لقادة سلام جوبا بأن هذا الاتفاق يستعديكم ويستقصد إقصاءكم وهو في اتجاه آخر يعبيء ضدهم تحت نداءات عنصرية وصلت حد المناداة بالإنفصال، ويسعى بعضهم لفتح معسكرات تجنيد في وسط السودان بولاية كولاية سنار.

 

الخميس، 8 ديسمبر 2022

القمة العربية الصينية

القمة العربية الصينية

• لفت انتباهي في هذه القمة ما سبقها من قمة واجتماعات ثنائية بين وزارات البلدين، والاتفاقيات الكثيفة التي أبرمت بين المملكة والصين، وعلى رأسها الاتفاقات التكنولوجية، وهو رسالة للعالم بأن هناك دول تحتكر التكنولوجيا ولا تبيعها إلا للحلفاء، فرغم العلاقات الراسخة بين الخليج العربي وخصوصا المملكة العربية السعودية بالولايات المتحدة، إلا أن الآخيرة لم تمكنها من ميكانيزمات تكنولوجية مهمة وأسرار التطور على رأسها الذكاء الصناعي و الحوسبة السحابية وغيره.



• المستقبل يقول بأن الهيمنة التكنولوجية أضحت أقوى عناصر قوى الدولة الشاملة، والصين مضت في هذا المضمار بعيدا، وتمتلك من الأسرار في الأرض والفضاء ما تنوء بحمله العصبة أولو القوة، لذلك سعي المملكة العربية السعودية للشراكة في هذا المجال بوجه استراتيجي يضعها في قمة الدول التي حجزت موقعها في المستقبل ولا أحد سيستطيع منافستها إلا من يمتلك تلك الأسرار.



• اهتمامي بهذه الجزئية مقروء مع اهتمامات قادة المنطقة العربية الآخرين، وعلى رأسهم رئيس السلطة الإنقلابية في السودان، والذي اجتمع على هامش القمة مع الوفد الصيني، والذي نحا كعادته منتحيات سلفه نظام المخلوع عمر البشير، وانصب الأمر في مطلوبات مادية ومنح وقروض أثقلت كاهل الدولة السودانية، وغيره من أوجه التعاون الأمني والدعم السياسي والدبلوماسي لسطلة قائمة على البطش والتنكيل.



• هذا التوجه القاصر لرأس الانقلاب ووزرائه، وغيره من القادة العرب يجعل من السودان أضحوكة العرب، والمنطقة والعالم، وسيؤكد للصين أن هذه المنطقة أهل للاستحمار والاستحقار والاستعمار، ويمكن الاستيلاء على ثرواتها بسهولة بعد إغلاقها عن الغرب وإغراقها في الديون، بأثمان زهيدة وبأقل التكاليف.



• إن سعي السودان بسلطته الحالية سيجعله في ذيل الأمم يتسول ويقتات من نفاياتها السياسية والعسكرية والاقتصادية وربما النفايات التكنولوجية والمضار النووية المسرطنة، وهذا مرده لغياب المشاريع التي تطرحها حكومة مسؤولة مؤمنة بمقدراتها ومواردها ومصادر ثرائها وقوتها الاستراتيجية، والتي تضعها في منضدة التعاطي الدولي بتقدير واحترام.



• أعود لأقول لو أننا ظفرنا فقط باتفاقية مسؤولة مع الصين تمكننا من امتلاك برامج تطوير تكنولوجية متقدمة لحزنا فرص المستقبل في القارة والمنطقة والعالم بامتياز، وعلى رأس تلك البرامج منصات التدريب على التطور التكنولوجي والتقني والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة والحوسبة السحابية وانترنت الأشياء، وهي لوحدها قوة توازي قوى الدولة الشاملة التي يمكن أن تنهض بالسودان في غضون عام واحد فقط.



• ختاما: إن هذه القمم فرض لتقديم الذات واكتساب صداقات حقيقية تحقق مصالح الشعوب، فالسودان يمكن أن يقدم للصين فرصة لأن تدخل لإفريقيا بسلاسة وبسهولة وهو أهم دول طريق الحرير الأمر الذي يجعل له أهمة خاصة واستراتيجية للمصالح الصينية في إفريقيا والعالم العربي وهو ما يستوجب مد السودان بأسرار صيد الأسماك لا منحه سمكة ليأكلها ويأتي من جديد ليسأل عن سمكة أخرى.

عروة الصادق
8. ديسمبر 2022م
البقعة