الخميس، 15 ديسمبر 2022

خطاب البرهان في المعاقيل والسيناريوهات والأحابيل

خطاب البرهان في المعاقيل والسيناريوهات والأحابيل


• مقدمة:
• أهم ما جاء في حديث البرهان أن القوات المسلحة لن توافق في مرحلة الاتفاق النهائي للعملية السياسية على أي بنود يمكن أن تنال من ثوابت البلاد، وفي اعتقادي أن هذه ذات الفزاعة التي ظل يستخدمها طوال العام المنصرم وهي محض أحابيل لجأ إليها سلفه المشير المخلوع، وهو يعلم علم اليقين أن الاتفاق الإطاري الذي وقع عليه يحمل ملامح الاتفاق النهائي، والذي لا يوجد به ما يمس بسيادة السودان وثوابته الوطنية، بل على العكس نحن نرى محاولات استباق التوقيع النهائي بتمكين دول من مياه السودان وأراضيه وسيادة موانيه.

• كما أن قوله: " إنه ليست هنالك تسوية سياسية بالمعنى الذي يفهمه البعض، وإنه لا ينبغي أن تحاول أي جهة أن تختطف الاتفاق الإطاري لمصلحتها الذاتية دون الآخري"، كل هذا أسميه خطاب تماسك لأنه قال به أمام أفراد وضباط وصف ضباط للقوات المسلحة في منطقة المعاقيل العملياتيه، وبعض عسكر السودان حينما يرى جنوده تأخذه  الحماسة، ويقول ما يشاء، ولكن المتفق عليه أن هذا الاتفاق أطرافه معلومة ومشهودة، ومحدد المعالم، إذ لا يوجد هيمنة فيه لأحد أو استئثار بمفاصل الحكم فيه لحزب وقد أقر الجميع تكوين حكومة كفاءات مستقلة دون محاصصة حزبية، أما محاولات إغراق الإتفاق بجماعات يرى البرهان ويعمل على إدراجها ضمن الإتفاق من شأنه نسفه وإرجاء الجميع إلى نقطة الصفر، وهو ما لن يستطيع البرهان ولا جماعاته دفع ثمنه. 

• أما تأكيده بالقول: " أن القوات المسلحة لن تمانع في المستقبل أن تعمل تحت إمرة حكومة شرعية ومنتخبة يختارها الشعب طبقا لانتخابات حرة وشفافة" فهو من نافلة القول، ولكن هو يعلم أن القوات المسلحة منذ الآن حال تم اتفاق نهائي ستعمل تحت إمرة رئيس الوزراء الذي سيحكم الفترة الانتقالية وهو ما وقع عليه وما ستؤسس عليه الفترة الانتقالية، ولن يكون للقوات المسلحة أي دور سياسي وسقتصر دورها على ما تم النص عليه في الدستور والقانون.

• أما الحديث عن الإصلاح الحقيقي للقوات المسلحة وأنه يشمل التعديلات والإصلاحات في النظم واللوائح المنظمة للعمل، وأنها هي قادرة على ذلك ومستمرة فيه بما يضمن مصلحة البلاد وقواتها المسلحة، نؤكد أن هذا ليس كافيا، فالبرهان يعلم أن التنظيم يستحوذ على مفاصل هذه القوات ويهمن على إرادة جنرالاتها وهنالك جنرالات بالاسم وبقوائم كاملة ضمن عضوية التنظيم الإخواني والحركة ويأتمرون بأمر قيادتهم الداخلية والدولية، ويعمل هؤلاء على أدلجة القوات المسلحة، كما أن هنالك عناصر فاسدة في القوات المسلحة ولها صلة بتجارة ممنوعات وتهريب موارد البلاد وتعاون مع جماعات خارجة عن القانون، كل هؤلاء يسئيون لتاريخ القوات المسلحة، والواجب تنقية هذه المؤسسة من جميع هذه العناصر الفاسدة وإعادة جميع الضباط المهنيين الذين تمت إقالتهم في عهد الإنقلابين البشيري والبرهاني، وإكمال عمليات الدمج والتسريح وصولا لجيش مهني واحد يؤمن الديمقراطية والحرية ويحرس تطلعات الشعب السوداني.



• السيناريوهات المتوقعه لمسار التحول الديمقراطي بالبلاد:
بدراسة وقائع التاريخ السوداني ونماذج الانتقال عقب الثورات يمكن قراءة السيناريوهات المحتملة والتي يسهل الوصول إليها ، فالناظر لما يجرى يعلم أن هذا الإنقلاب حدث بسبب تحالف إرادات ديكتاتورية مع أخرى سياسية وقوى مسلحة وبنذر يسير مع ممثلين من المجتمع المدني والإدارات الأهلية وهو التحالف الحاضن لإنقلاب 25 أكتوبر 2021م والمؤكد أن هذه الحاضنة تمزقت للدرجة التي دفعت العسكر للبحث عن طريق العودة للحل السياسي الشامل ، وفي ذلك تعمل عده جهات على تغيير الأفكار والاهتمامات والسياقات والمؤسسات، فقوى الانتقال الديمقراطي تتوجه نحو تنقية الحياة السياسية واستكمال مهام الانتقال وتحقيق شعارات الثورة، فيما تشد قوى الردة مؤسسات الدولة وقياداتها نحو التقهقر إلى النظام الدكتاتوري بصورة أعنف مما كان عليه الوضع في 1989م، وهي محاولة حثيثة لم يكف عنها عسكريو ومدنيو التنظيم الإخواني الذين يجتهدون في إضعاف الحراك الجماهيري والبطش به واختراق احزابه ولجانه وتنسيقياته، والمتوقع هو:

• أولا: إما أن تمضى العملية السياسية إلى نهاياتها لما فيها من ضغط دولي كبير يمكن أن يصل إلى التلويح بالعقوبات الدولية والتدخل بموجب الفصل السابع وهو ما سيعجل بالوصول لاتفاق نهائي ويؤمن انتقال بصورة تؤسس لحكم مدني وسلطة قوية بقيادة قادرة على إيصال البلاد إلى انتخابات حرة ونزيهة، وهذا يتطلب لاحقا إيجاد المؤسسات المناسبة لإدارة النزاعات بين النخب والاستعداد لجميع الجهات الفاعلة الرئيسية لقبول الديمقراطية خيارا أوحدا لإدارة البلاد.

• ثانيا: أما السيناريو الأكثر قتامة وسوءا وله دوافعه الذاتية والموضوعية هو انتكاسة عملية الحل السياسي الشامل، ومحاولة (العسكر) الرجوع إلى آحادية قابضة، وهو ما سينجم عنه اصطراع سياسي شديد، وربما اتخذ طابعا مسلحا قاد إلى فوضى وحروب أهلية تلوح نذرها في كل أطراف البلاد.

• ثالثا: أما التوجه الأخير والخطير هو استمرار التماطل في الوصول لاتفاق سياسي ومد الفترة الانتقالية لفترات طويلة لا ترغب كثير من القوى السياسية والمسلحة في التوجه نحو انتخابات، وهو ما سيؤثر سلبا على الحراك الجماهيري، ويسهل عودة الفلول إلى مفاصل الدولة كما رأينا بعد الإنقلاب، واتسمرار الأوضاع في التراجع سياسيا واقتصاديا وأمنيا وإكتمال العزلة الدولية.



• ختاما: 
• مطمح ومطمع البرهان هو العودة إلى ما قبل الإنقلاب والاكتفاء بامتيازاته الشرفية في مجلس السيادة حتى قيام الانتخابات وهو أمر تستحيل العودة إليه، فقد أوصد رأس الانقلاب منذ اليوم الأول الباب للعودة إلى ما قبل 25 أكتوبر بتقسيمه للتحالف الحاكم ودعمه لمجموعة التوافق الوطني وزجه للشركاء في السجون والمعتقلات، وتمزيق الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية، وتلطيخ تلك الصفحة بدماء الأبرياء من ضحايا الإنقلاب، ونسف عملية الحكم المؤسس على شراكة مدنية عسكرية، لذلك لا مجال لإعادة عجلة التاريخ والمرجو هو التقدم إلى الأمام بجرأة وتأسيس حكم مدني يبعد العسكر عن الممارسة السياسية، وسلطة كاملة تقودها كفاءات مهنية مستقلة تستعيد مكاسب البلاد الانتقالية وتفكك التمكين وتحقق العدالة، وتضع السودان في موضعه الرئيس وترجع له ما فقده من مكتسبات دولية ومالية ودبلوماسية وعون للأسر الفقيرة.



عروة الصادق
16. ديسمبر 2022م
البقعة

الأحد، 11 ديسمبر 2022

التسوية السياسية للأزمة السودانية والحل السياسي الشامل( ٣)

التسوية السياسية للأزمة السودانية والحل السياسي الشامل

 (3)

·   صور البعض الاتفاق الإطاري بأنه تعاقد مع الأوليغارشية وقادة الإنقلاب لتعيين الأوليغارشيين الجدد في مؤسسات الدولة المدنية، وهو محض إفتراء، وليس هناك تمييز سياسي حتى للقوى التي عكفت على صياغة وطرح الاتفاق بتسميتهم تسمية تمييزية يمكن أن يتذرع الآخر برفضه لهم واحتكاره لمسمى "الحرية والتغيير"، على سبيل المثال، بل العكس مضى الاتفاق لتجريد أي صاحب امتياز منه ليكون الامتياز الأوحد لأصحاب المصلحة الحقيقة وتمكين السودانيين بصورة فيدرالية من الولوج إلى مضمار تصميم نظام الحكم مستقبلا، والمشاركة في القرار السياسي بصورة حقيقية، على كل الأصعدة والمستويات، مركزيا، وسياديا، وتنفيذيا، وبالضرورة ولائيا، وهو تجاوز لأنماط التعليب السابقة التي يتم إرسالها من المركز، وتجريد الخرطوم من امتيازها الاقتصادي والسياسي والديمغرافي، والتعامل معها صنوها صنو أي إقليم من أقاليم السودان، ورأينا كيف تفاعلت مؤسسات حزبية وجهات ولائية مع الاتفاق إيجابا، ومنهم من أبدى ملاحظاته مسبقا وتم تضمينها في الاتفاق الإطاري، ومسودة الدستور الانتقالي، جاء ذلك في لقاء مشهود جمعت له كيانات ولائية من كل ربوع السودان في المركز العام لحزب الأمة القومي.

 

·   لذلك نجد أن هناك محاولات لتصميم أجسام جديدة لتقف ضد هذا الاتفاق أو التسلل إليه كواجهات خفية لتنظيمات تقف ضده، وهو ما اتضح بجلاء في صدور أكثر من خمسة عشر بيانا عشية توقيع الاتفاق الإطاري جميعها بصيغة مختصرة وبشكل واحد وكأن من صاغها شخص واحد، حملت اسم عدد من التنسيقيات الولائية والفرعية في المدن والأرياف، وهو نوع من التضليل برعت عدد من الكيانات العقائدية في ممارسته، تشاطرهم إياه أجهزة مخابرات واستخبارات.

 

 

·   رغم أن هذا الاتفاق عمل على إعادة الاعتبار للشعب السوداني وإعلاء شأنه بتمكينه من السلطة قاعديا صعودا، وليس مركزيا، وجعل السودانيين هم المرجعية له، بالجلوس مع نحو 5000 جسم قاعدي مع الآلية الثلاثية، والتي ترى في الاتفاق الإطاري ومسودة الدستور الانتقالي أساسا خاطب كل قضايا تلك الجماعات، إلا أن هناك جماعات لا تعنيهم إلا أنفسهم، مجهولي الأطماع، محط للريبة والتوجس، ومحاطون بالكثير من الشبهات، يسعون لتأمين أوضاعهم في الحكومة المركزية والحكومات الإقليمية والولائية، أو إجهاض هذا الاتفاق الذي تحدث عن الكيف ولم يتحدث عن الأشخاص بل مضى إلى الحديث عن ضرورة تأسيس سلطة مدنية من كفاءات مستقلة، وهو ما يخيف بعض القوى التي تخشى أن تكون الانتخابات هي الوسيلة الوحيدة للوصول إلى السلطة، باعتبار أن ذلك خطر داهم يهدد بقاءهم ككيانات سياسية محدودة  الأثر وقليلة التواجد والانتشار وضعيفة الحظ الانتخابي.

 

·   وهناك آخرين لهم من الإخلاص ما يؤهلهم لاحتكار الثورية وتوزيع صكوكها ولكنهم اتسموا بالسطحية وعدم المقدرة على الإنجاز، فلا زال بعضهم يحاول (النسخ واللصق)، لتصميم تجربة سريالية لم يسبق لها مثيل حتى في تصوراتهم، وهؤلاء لن يجدوا بدا في آخر المطاف من انتظار نتائج هذا الاتفاق الإطاري، وما سيفضي إليه من إجراءات تمهد للوصول إلى الاتفاق النهائي الذي يرجى أن يشترك الجميع في تصميمه وصياغة ملامحه ومناقشة قضاياه المؤجلة.

 

·   إن هذا الاتفاق نسف نظرة التشكيك في مقدرة السودانيين على إدارة مصيرهم، ففي كل العمليات واللقاءات التي انتظمت الوصول إليه، تعجب القادة الإقليميين والدوليين من الثلاثية والرباعية والترويكا من درجة وعي وإدراك المجتمع السوداني في كل الصعد الريفية والحضرية  وتنسيقيات اللجان وقادة العمل المجتمعي والسياسي والنخب، ومدى إدراكهم لقضيتهم وتعظيمهم لمواردهم، وعزة أنفسهم، وأيقنوا جميعا أن هذا الشعب لن تحكمه سلطة استبدادية، وإلى الأبد، وأنهم مجمعون على التخلص من هيمنة العسكر على السلطة وينشدون التحول الديمقراطي ، ويرغبون في تفكيك أعتى المنظومات الاستبدادية التي حكمت السودان.

 

·   أعلم أن هناك مشاريع تتخلق تحاول امتطاء صهوة هذا الاتفاق للوصول إلى غاياتها، كما فعلوا في الفترة الانتقالية الأولى، وهؤلاء معلوموا التوجه والأهداف، ومن أهم مشاريعهم تفكيك منظومة ما أسموه "السودان القديم"، عبر السلطة التي يرون في هذا الاتفاق بوابة لها، وهي تجربة خاسرة إذ حاولها نظام الإخوان لمدة ثلاثين سنة، إلا أنها ارتدت عليه وفككته فأضحى شذر مذر، ومحاولة تجريب تلك التجربة في اتخاذ السلطة وسيلة للهيمنة على القرار السياسي في البلاد  واتخاذه عصا ترهيب وتفكيك لكيانات وجماعات تاريخة أوالتحكم في الموارد الاقتصادية واتخاذها جزرة ترغيب للانتماء لهذه الكيانات الوليدة، سيكون وبالا على البلاد والعباد، ولا سبيل لتفيكيك وتغيير وإعادة صياغة المجتمع السوداني إلى عبر آلية واحدة وهي الانتخابات الحرة النزيهة التي يعمد فيها الشعب السوداني من يشاء وينتصر فيها صاحب البرنامج المقبول.

 

·   في هذه الأثناء فتح الباب لجماعات عسكرية متقاعدة لتكوين كيانات تتبنى قضايا سياسية واقتصادية وتنموية، واستقطاب قطاعات واسعة من الشعب السوداني، باستخدام خطابات إثنية وعنصرية تم التأسيس لها بناءً على أخطاء الانقلابيين وبالأخص الأزمات التي سببتها وزارات تتبع لمجموعات سلام جوبا، وعكفت آلة إعلامية مكثفة للتعبئة ضدهم، ومضى قائلون بضرورة إلغاء الاتفاق برمته، وهو ما يعني العودة للحرب التي فقد امتيازها هؤلاء الجنرالات المتقاعدون، لذلك نجد أن الاتفاق الإطاري حافظ على مكتسبات سلام جوبا، وقال بضرورة مراجعة بعض الأخطاء التي أثبتتها الممارسة خلال الفترة الانتقالية وفترة الانقلاب، وهو أمر انطبق من قبل على الوثيقة الدستورية فنصوص الاتفاقات السياسية صنع بشري قابل للخطأ والتصويب، ولكن هناك من يشي لقادة سلام جوبا بأن هذا الاتفاق يستعديكم ويستقصد إقصاءكم وهو في اتجاه آخر يعبيء ضدهم تحت نداءات عنصرية وصلت حد المناداة بالإنفصال، ويسعى بعضهم لفتح معسكرات تجنيد في وسط السودان بولاية كولاية سنار.