الجمعة، 16 ديسمبر 2022

نتائج حتمية للانتقال المدني في السودان

نتائج حتمية للانتقال المدني في السودان
مقدمة:
خضنا تجربة انتقالية لها وعليها من المزايا والرزيا، استطاع السوادنيون خلال تلكم الفترة تغيير حكومتهم الانقالية بعد عملية تقييم لآداء الوزارة الأولى، وقد كانت فرصة كبيرة للإيمان بأن التداول السلمي للسلطة في السودان ممكن ومتاح ومرغوب، وأن محاولات التسور على سياج إرادة الشعب الحرة يصطدم بعنفاونه الرافض للاستبداد والدكتاتورية وحينها تثور ثائرة الجماهير رفضا لأي إجراء مدني أو عسكري أو مختلط يسلب إرادة الشعب كما حدث في فجر 25 أكتوبر 2021م.
انطلاقا من هذه التجربة ومن التجارب السابقة والموروثة استطيع القول بأننا بإمكاننا إنجاح الفترة الانتقالية وفتح الباب أمام استدامة الديمقراطية وتحقيق الاستقرار في السودان، كما أيضا بالإمكان هدم هذه التجربة وفتح الباب على مصراعيه لقوى الردة والهيمنة والفساد والإفساد، وإجهاض التجربة الانتقالية وإيصاد الباب للأبد أمام التطلع نحو الديمقراطية، وربما مزقنا وطننا إلى طرائق قددا.
مما سبق من تجارب نستطيع استقراء التوقعات الحتمية للانتقال بنسب عالية تحدد سمات التطور السياسي للسودان وأنماط الانتقال التي يمكن أن تؤهله للعودة للعالم والإقليم والمنطقة، وأهم تلك العوامل المؤثرة في الانتقال:
1. هوية الفاعلين الذين يقودون عملية الانتقال: بأي حال من الأحوال لا يمكن توقع نتائج جديدة من ذات الفاعلين الذين قادوا التجربة الانتقالية الأولى في طوريها الأول والثاني، وذلك على مختلف الصعد والمستويات التنظيمية والسياسية والمدنية، بل حتى قادة البيوتات الأهلية والدينية لا يمكن أن يخاطبوا جيل وقضايا الانتقال بذات المنطق المتبع منذ الاستقلال وحقب الثورات المتلاحقة، لذلك لا بد من الآتي:
‌أ. تغيير الفاعلين وتقديم وجوه وأسماء جديدة وعدم التفكير في استخدام ذات الأسماء والشخصيات.
‌ب. تقديم عناصر لها ارتباط مباشر بالقطاعات الحية الشبابية والطلابية والنسوية والفئوية والمهنية والحرفية والمهجرية وسودان اللجوء والنزوح.
‌ج. التخلص من التركة السالبة التي خلفها بعض الشخوص ممن هدموا التجربة الانتقالية.

2. الاستراتيجيات التي يستخدمها الفاعلون الجدد: لا يمكن توقع نتائج جديدة باستخدام ذات الخطط والاستراتيجيات المعهودة، ولا يمكن أن تحدث الهياكل الموروثة والمؤسسات القديمة نتيجة ذات قيمة ترجى، ولا يمكن أن نتوقع إحداث تغيير كبير في الدولة، ما لم نضطلع بالآتي:
‌أ. أن تحدث المؤسسات المدنية والعسكرية قيادتها وتطور برامجها وأفكارها وأطروحاتها.
‌ب. أن تغير الأجسام المدنية المتحالفة سياقاتها التكوينية المعارضة إلى أخرى تؤسس لدولة وحكم قادم بعد 24 شهر على أسوأ الفروض.
‌ج. أن تغير القوى السياسية خطتها كليا وتعتمد استراتيجيات غير تلك التي تم تجريبها طوال سنوات الانتقال وسنة الانقلاب.
‌د. تقييم فعلي وحقيقي لجدوى مؤسسات الدولة الحالية ودراسة عميقة للقائمين عليها والسياسات المتبعة ونظام العمل والتشغيل لدولاب الدولة.
‌ه. الانخراط في وضع ملامح استراتيجيات حكومية عبر بيوتات خبرة محلية وعالمية وتبني أفضل الخيارات.


3. النمط التنافسي بين الفاعلين: اتخذ التنافس السياسي في السودان طابعا قد يكون محفوظا للكل، عسكري مدني، وعسكري عسكري، ومدني مدني، وظلت الحركات المسلحة متواجدة في هذه المسيرة طوال كل مراحل الانتقال المتعاقبة، يشارك في هذه العملية التنافسية مجموعات ظلت تأتمر بأمر السلطة وترغب في التواجد الفعال في المشهد في كل الحقب تتخذ طوابع إثنية ودينية واجتماعية مختلفة وللأسف جميع طرق التنافس لا زالت متخلفة تنحصر في الاستقواء بالبندقية والسلاح أو القبيلة أو الشعارات الأيدولوجية أو الإغراءات السلطوية، وهذا يوجب الآتي:
‌أ. نأي الجميع من ساسة المؤسسة العسكرية والمؤسسات الحزبية من الحكومة الانتقالية والاكتفاء باختيار عناصر ذات كفاءة ومهنية تمكن الشعب من اختيار من يحكمه في نهاية الفترة الانتقالية.
‌ب. اتخاذ التنافس البرامجي والطرح الرؤيوي لقيادة البلاد، وذلك بالنشر الإعلامي والانتشار الفعلي على ربوع السودان، وأن يكون التنافس وجها لوجه لا خلف جدران السلطة والقبيلة والسلاح.
‌ج. إعمال الشفافية في المؤسسات الحزبية المتنافسة، حتى يكون المواطن السوداني على علم ببواطن هذه المؤسسات وصلاحيتها وأهليتها لنيل صوته.
‌د. أن يكون التنافس منضبطا بمعايير موضوعية وقومية ومدنية تعلي من أصوات الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وتردع كل من يريد التنافس عبر فوهة البندقية أو الشيكات البنكية أو الواجهات القبلية أو الإغراءات السلطوية.

4. طبيعة النظام السياسي الذي يرتضيه الفاعلون: عدد كبير من القوى السياسية في السودان، تناور بالديمقراطية كنظام حكم، وجزء منها ارتضاه واحتكم إليه وجاءت به الانتخابات إلى السلطة إلى أنه سرعان ما امتطى ظهر الدبابة لينقلب على نظام الحكم الديمقراطي البرلماني ويؤسس تجربة دكتاتورية شمولية ثيوقراطية أوتوقراطية، وهو ما يعني أن النظام الذي نرتضيه للحكم سيحدد نجاح تجربتنا أو فشلها، وقد حددت ملامحه مرجعيات أهمها:
‌أ. مسودة الدستور الانتقالي التي طرحتها اللجنة التسييرية للمحامين.
‌ب. الاتفاق الإطاري الذي تم توقيعه تأسيسا للمرحلة الانتقالية القادمة.
‌ج. تجارب حكم لدول ديمقراطية في المنطقة والقارة والإقليم والعالم.
‌د. فشل الأنظمة السياسية الاستبدادية الآحادية على مر تاريخ السودان.
‌ه. فشل أنظمة الحكم الآحادية في المنقطة وما خلفته من خراب ودمار وحروب أهلية في الكثير من الدول.
‌و. تطلعات الشعب السوداني في تحقيق الفدرالية والديمقراطية في دولته المدنية البرلمانية.

5. السياسات لما بعد الانتقال: اقتصر دور الحكومة الانتقالية السابقة لوضع سياسات آنية للفترة الانتقالية ولم تتحسب لما بعد الانتقال، وهو ما سيجعل الحقبة الانتقالية منفصلة عضويا من الفترة الديمقراطية، وربما تحدث تلك القطيعة ردة عن النظام الديمقراطي، لذلك أتصور الآتي:
‌أ. في الوقت التي تعد فيه قوى الثورة والانتقال سياسات الحكومة الانتقالية، تأخذ في الحسبان وضع ملامح سياسات النظام الديمقراطي.
‌ب. أن تضطلع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية بتدريب عناصر مؤهلة في وضع السياسات لترفد بهم النظام الديمقراطي.
‌ج. أن تفرغ الجامعات وكليات العلوم السياسية والتخطيط الاستراتيجي جزء من طلابها وسلكها الأكاديمي في رسم ملامح أكاديمية ومنهج سياسي يسترشد به الساسة في البلاد.
‌د. أن يشترك في وضع ملامح السياسات في الحكومة الديمقراطية كل مكونات الشعب السوداني وفئاته المؤمنة باستدامة الديمقراطية.

6. القواعد المؤسسية التي تم إنشاؤها خلال الفترة الانتقالية: خير معين للنظام الإنتقالي وأعظم ممهد لاستقرار النظام الديمقراطي هو القواعد والقيود التي يحتكم إليها البناء المؤسسي للدولة وأحزابها ومؤسساتها وبنياتها التنظيمية ومواعينها الشعبية، وهو الأمر الذي يستدعي:
‌أ. مراجعة كافة القوانين والتشريعات التي تؤسس عليها الأحزاب السياسية والمؤسسات المدنية والمنظمات والمراكز والهيئات والجمعيات، وتعاير بتلك المعايير المتبعة إقليميا ودولية ويكون الالتزام بها صارما.
‌ب. أن يحظر بالقانون النشاط المناهض للسلام والديمقراطية وحرية الإنسان، وتمنع الكيانات والجماعات التي تنشط على أسس عنصرية وعرقية ودينية.
‌ج. أن تمول الحكومة وتستقطب التمويل الدولي لكل المؤسسات المدنية الداعمة للانتقال وتهيئتها للنظام الديمقراطي القادم.
‌د. أن تشرف الحكومة الانتقالية على أنشطة ومؤتمرات المؤسسات المدنية وتمكن الهيئات المستقلة والجهات الرقابية من تقييم مدى ديمقرطة تلك المؤسسات.
‌ه. إعمال الفحص المؤسسي في دولاب الحكومة الانتقالية في كل مرافقها السيادية والتنفيذية والتشريعية والولائية ومؤسسات القطاع الخاص واتخاذ التدابير اللازمة في موجهة عمليات السطو والتسلط والفساد المؤسسي.


7. استعداد الفاعلين: تمثل درجة الاستعداد والقابلية للتفاعل مع المعطيات السياسية أهم عوامل نجاح أو فشل النظام الانتقالي، وهو ما يعني أن الفاعلين يمكن أن تتغير مواقفهم وتتبدل آراؤهم، وتتحول تكتيكاتهم، وقد تتباين المواقف وتختلف الرؤى، ولكن هذا يوجب الآتي:
‌أ. التشديد على ضرورة التزام الجميع بمباديء عامة وثوابت لا يمكن الحياد عنها كمدنية السلطة والدولة والحكومة، وتحقيق مطلوبات الانتقال وشعارات الثورة وعدم الافلات من العقاب.
‌ب. يقبل جميع الفاعلين آليات بعضهم المختلفة طالما التزمت بالسلمية ومعايير حقوق الإنسان، ولم تجنح إلى العنف أو الاستقواء بالأجنبي أو السلاح.
‌ج. إبداء درجات المرونة في التلاقي الوطني وعدم إحداث قطيعة بين القوى الفاعلة كالتي شهدناها الفترة السابقة (كيان لا يقبل بلقاء كيان)، ما لم يشب ذلك مجرد شبهة التآمر ضد الانتقال أو النظام الديمقراطي.
‌د. جاهزية الفاعلين لتقديم الاسناد الفعلي سياسيا وفنيا وقانونيا ودبلوماسيا للحكومة الانتقالية الممهدة للنظام الديمقراطي.
‌ه. أن تكون الحجة هي معيار التفاضل في المواقف السياسية بين الفاعلين وأن يتخذوا لتثبيتها المنصات الإعلامية المفتوحة في الفضاء العام واللقاءات الجماهيرية على الأرض.


8. الالتزام بالقواعد الجديدة للعبة: دوما ما تتمرد النزوات ونزغ الشخصيات ونزوع الكيانات إلى السلطة على قواعد اللعبة المتوافق عليها، وهو ما يقود إلى إعاقة مسير الانتقال وإجهاض حلم التحول الديمقراطي، ففي الوقت الذي يبحث فيه الجميع نحو تأسيس تجربة انتقالية تؤسس لنظام ديمقراطي يجنح كثيرون لتأسيس ذوات وتنظيمات وأحلاف على حسب حلم الجماهير، والواجب هو:
‌أ. بذل الوسع كله لخدمة أجندة الانتقال المتفق عليها ولو كان ذلك على حساب الأجندة الحزبية.
‌ب. الترفع عن التكسب والتنافس من أجل الاستقواء الآني واللجوء إلى سبل تطوير بعيدة عن دولاب الحكومة.
‌ج. التقيد التام بما يتم الاتفاق عليه من مواثيق ونصوص طوال الفترة الانتقالية وأن يكون الخروج عنها معلنا.
‌د. الامتناع عن اللجوء لوسائل التمرد التاريخية أو المستحدثة على النظام الانتقالي عبر الإنقلاب أو التآمر أو غيره، والاحتكام إلى الإرادة الشعبية الحقيقة.


• ختاما: بقراءتنا لتاريخنا واستلهامنا الدروس والعبر وعدم تكرار الأخطاء وتحديث أساليبنا وأنماط ممارستنا السياسية ومواعينها حتما سنصل إلى نتائج غير مكرورة وربما أكثر إبداعا واتساقا مع واقعنا، ولكن الإصرار على تكرار ذات الأخطاء من ذات الأشخاص في ذات التوقيتات سيجلب لنا ذات الفشل وربنا الأسوأ، وجبنا المضي للأمام وعدم التراجع إلى مواطيء الأقدام السابقة، وعدم الركون للنصوص الماضوية إلا تلك التي تضيء لنا المستقبل وتلهمنا عدم تكرار الأخطاء، ما لم يحدث ذلك ستجد القوى القديمة والأنظمة الموروثة سبيلها للهيمنة على القرار السوداني بـوجوه وواجهات جديدة ومستحدثة.

الخميس، 15 ديسمبر 2022

خطاب البرهان في المعاقيل والسيناريوهات والأحابيل

خطاب البرهان في المعاقيل والسيناريوهات والأحابيل


• مقدمة:
• أهم ما جاء في حديث البرهان أن القوات المسلحة لن توافق في مرحلة الاتفاق النهائي للعملية السياسية على أي بنود يمكن أن تنال من ثوابت البلاد، وفي اعتقادي أن هذه ذات الفزاعة التي ظل يستخدمها طوال العام المنصرم وهي محض أحابيل لجأ إليها سلفه المشير المخلوع، وهو يعلم علم اليقين أن الاتفاق الإطاري الذي وقع عليه يحمل ملامح الاتفاق النهائي، والذي لا يوجد به ما يمس بسيادة السودان وثوابته الوطنية، بل على العكس نحن نرى محاولات استباق التوقيع النهائي بتمكين دول من مياه السودان وأراضيه وسيادة موانيه.

• كما أن قوله: " إنه ليست هنالك تسوية سياسية بالمعنى الذي يفهمه البعض، وإنه لا ينبغي أن تحاول أي جهة أن تختطف الاتفاق الإطاري لمصلحتها الذاتية دون الآخري"، كل هذا أسميه خطاب تماسك لأنه قال به أمام أفراد وضباط وصف ضباط للقوات المسلحة في منطقة المعاقيل العملياتيه، وبعض عسكر السودان حينما يرى جنوده تأخذه  الحماسة، ويقول ما يشاء، ولكن المتفق عليه أن هذا الاتفاق أطرافه معلومة ومشهودة، ومحدد المعالم، إذ لا يوجد هيمنة فيه لأحد أو استئثار بمفاصل الحكم فيه لحزب وقد أقر الجميع تكوين حكومة كفاءات مستقلة دون محاصصة حزبية، أما محاولات إغراق الإتفاق بجماعات يرى البرهان ويعمل على إدراجها ضمن الإتفاق من شأنه نسفه وإرجاء الجميع إلى نقطة الصفر، وهو ما لن يستطيع البرهان ولا جماعاته دفع ثمنه. 

• أما تأكيده بالقول: " أن القوات المسلحة لن تمانع في المستقبل أن تعمل تحت إمرة حكومة شرعية ومنتخبة يختارها الشعب طبقا لانتخابات حرة وشفافة" فهو من نافلة القول، ولكن هو يعلم أن القوات المسلحة منذ الآن حال تم اتفاق نهائي ستعمل تحت إمرة رئيس الوزراء الذي سيحكم الفترة الانتقالية وهو ما وقع عليه وما ستؤسس عليه الفترة الانتقالية، ولن يكون للقوات المسلحة أي دور سياسي وسقتصر دورها على ما تم النص عليه في الدستور والقانون.

• أما الحديث عن الإصلاح الحقيقي للقوات المسلحة وأنه يشمل التعديلات والإصلاحات في النظم واللوائح المنظمة للعمل، وأنها هي قادرة على ذلك ومستمرة فيه بما يضمن مصلحة البلاد وقواتها المسلحة، نؤكد أن هذا ليس كافيا، فالبرهان يعلم أن التنظيم يستحوذ على مفاصل هذه القوات ويهمن على إرادة جنرالاتها وهنالك جنرالات بالاسم وبقوائم كاملة ضمن عضوية التنظيم الإخواني والحركة ويأتمرون بأمر قيادتهم الداخلية والدولية، ويعمل هؤلاء على أدلجة القوات المسلحة، كما أن هنالك عناصر فاسدة في القوات المسلحة ولها صلة بتجارة ممنوعات وتهريب موارد البلاد وتعاون مع جماعات خارجة عن القانون، كل هؤلاء يسئيون لتاريخ القوات المسلحة، والواجب تنقية هذه المؤسسة من جميع هذه العناصر الفاسدة وإعادة جميع الضباط المهنيين الذين تمت إقالتهم في عهد الإنقلابين البشيري والبرهاني، وإكمال عمليات الدمج والتسريح وصولا لجيش مهني واحد يؤمن الديمقراطية والحرية ويحرس تطلعات الشعب السوداني.



• السيناريوهات المتوقعه لمسار التحول الديمقراطي بالبلاد:
بدراسة وقائع التاريخ السوداني ونماذج الانتقال عقب الثورات يمكن قراءة السيناريوهات المحتملة والتي يسهل الوصول إليها ، فالناظر لما يجرى يعلم أن هذا الإنقلاب حدث بسبب تحالف إرادات ديكتاتورية مع أخرى سياسية وقوى مسلحة وبنذر يسير مع ممثلين من المجتمع المدني والإدارات الأهلية وهو التحالف الحاضن لإنقلاب 25 أكتوبر 2021م والمؤكد أن هذه الحاضنة تمزقت للدرجة التي دفعت العسكر للبحث عن طريق العودة للحل السياسي الشامل ، وفي ذلك تعمل عده جهات على تغيير الأفكار والاهتمامات والسياقات والمؤسسات، فقوى الانتقال الديمقراطي تتوجه نحو تنقية الحياة السياسية واستكمال مهام الانتقال وتحقيق شعارات الثورة، فيما تشد قوى الردة مؤسسات الدولة وقياداتها نحو التقهقر إلى النظام الدكتاتوري بصورة أعنف مما كان عليه الوضع في 1989م، وهي محاولة حثيثة لم يكف عنها عسكريو ومدنيو التنظيم الإخواني الذين يجتهدون في إضعاف الحراك الجماهيري والبطش به واختراق احزابه ولجانه وتنسيقياته، والمتوقع هو:

• أولا: إما أن تمضى العملية السياسية إلى نهاياتها لما فيها من ضغط دولي كبير يمكن أن يصل إلى التلويح بالعقوبات الدولية والتدخل بموجب الفصل السابع وهو ما سيعجل بالوصول لاتفاق نهائي ويؤمن انتقال بصورة تؤسس لحكم مدني وسلطة قوية بقيادة قادرة على إيصال البلاد إلى انتخابات حرة ونزيهة، وهذا يتطلب لاحقا إيجاد المؤسسات المناسبة لإدارة النزاعات بين النخب والاستعداد لجميع الجهات الفاعلة الرئيسية لقبول الديمقراطية خيارا أوحدا لإدارة البلاد.

• ثانيا: أما السيناريو الأكثر قتامة وسوءا وله دوافعه الذاتية والموضوعية هو انتكاسة عملية الحل السياسي الشامل، ومحاولة (العسكر) الرجوع إلى آحادية قابضة، وهو ما سينجم عنه اصطراع سياسي شديد، وربما اتخذ طابعا مسلحا قاد إلى فوضى وحروب أهلية تلوح نذرها في كل أطراف البلاد.

• ثالثا: أما التوجه الأخير والخطير هو استمرار التماطل في الوصول لاتفاق سياسي ومد الفترة الانتقالية لفترات طويلة لا ترغب كثير من القوى السياسية والمسلحة في التوجه نحو انتخابات، وهو ما سيؤثر سلبا على الحراك الجماهيري، ويسهل عودة الفلول إلى مفاصل الدولة كما رأينا بعد الإنقلاب، واتسمرار الأوضاع في التراجع سياسيا واقتصاديا وأمنيا وإكتمال العزلة الدولية.



• ختاما: 
• مطمح ومطمع البرهان هو العودة إلى ما قبل الإنقلاب والاكتفاء بامتيازاته الشرفية في مجلس السيادة حتى قيام الانتخابات وهو أمر تستحيل العودة إليه، فقد أوصد رأس الانقلاب منذ اليوم الأول الباب للعودة إلى ما قبل 25 أكتوبر بتقسيمه للتحالف الحاكم ودعمه لمجموعة التوافق الوطني وزجه للشركاء في السجون والمعتقلات، وتمزيق الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية، وتلطيخ تلك الصفحة بدماء الأبرياء من ضحايا الإنقلاب، ونسف عملية الحكم المؤسس على شراكة مدنية عسكرية، لذلك لا مجال لإعادة عجلة التاريخ والمرجو هو التقدم إلى الأمام بجرأة وتأسيس حكم مدني يبعد العسكر عن الممارسة السياسية، وسلطة كاملة تقودها كفاءات مهنية مستقلة تستعيد مكاسب البلاد الانتقالية وتفكك التمكين وتحقق العدالة، وتضع السودان في موضعه الرئيس وترجع له ما فقده من مكتسبات دولية ومالية ودبلوماسية وعون للأسر الفقيرة.



عروة الصادق
16. ديسمبر 2022م
البقعة