السبت، 24 ديسمبر 2022

يسألونك عن ذكرى الميلاد

يسألونك عن ذكرى الميلاد

مقدمة:
إن التأريخ للمناسبات الدينية والسياسية والوطنية والإجتماعية والإنسانية غاية في الأهمية، وضرورية لكل من يريد أن يتعلم من ماضيه الشخصي وتاريخ قومه والأمم من قبله، ومن نعم الله علينا أننا أمة قدر الله لها الاهتمام والإلمام بالتواقيت الزمانية والمواقيت المكانية، وجميع مناسكنا ومشاعرنا المقدسة ترتبط بالتوقيت، فكذا الميلاد والوفاة والعبادات والمعاملات كالدين والعلاقات كالنكاح، ومواعيد الزيارات الإجتماعية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ النور (58)، والتغذية الروحية والأذكار:﴿ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ الحج (28)، لذلك تمثل بالنسبة لنا التواريخ والتوقيتات والذكريات أمر مهم نستلهم منه الدروس والعبر، نتعبد به ونعبد به الطريق لتجنب أخطاء الماضي، ونشحذ به الهمم لمقابلة المستقبلة برؤى السابقين وتجاربهم الوضيئة المضيئة.



أولا: نجد أننا من أمة تهتم بالقمر ومنازله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴾ يس (39)، وهذا أمر كوني مرتبط بالعلم والمتعلمين والعالمين، ولا تخطئه إلا أعين الجاهلين الرمداء، فقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يونس (5) ، وأكتب اليوم وقد رأيت هلال جمادى الآخر للعام الهجري 1444هـ، والذي يتزامن مع ليلة 24 ديسمبر ونهار 25 ديسمبر في التقويمين الغريغوري واليولياني  التي توافق ميلاد السيد المسيح عليه السلام.

واحتفاؤنا بميلاده عليه السلام نابع من محبة سرمدية لإنسان بشر سوي تقي نقي هدي رضي، لم يكن جبارا ولا شقيا، وقد كانت أمه صديقة نحبها لنقائها وصفائها وطهرها وصدقها، السلام عليه وعلى أمه البتول،﴿ وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ مريم (15).


ثانيا: من أسباب محبتنا الشديدة لهذا التاريخ ميلاد الإمام الصادق المهدي، والذي تطابق ميلاده في العام 1935م في ديمسبر مع ذكرى ميلاد المسيح عليه السلام، وغرة شوال 1354هـ، ومثل هذا الميلاد، نقطة تحول في قناعاتنا الشخصية بجدوى الاحتفاء بذكرى ميلادنا، إذ تعلمنا منه الآتي:
1. أن تكون لحياة الإنسان قيمة ومعنى، يعيشها لذاته ولغيره، دون إفراط أو تفريط، كما كان يردد صاحب الذكرى عليه الرضوان: " "حُبُّ التَّنَاهِي غَلَطْ خَيْرُ الأُمُورِ الْوَسَطْ".

2. أن يعظم الإنسان ذاته ويرفعها من الحطة الطينية أو الدناءة الحيوانية إلى المصاف الذي ميزه به الخلاق العليم بثلاثة أشياء عددها الحبيب: هي: العقل، وحرية الاختيار، والروحانية.

3. أن يلتزم الإنسان بحياة بعيدة عن الاستهتار بهذا البنيان المكرم من رب العالمين وذلك باتباع روشتة من خمس معنويات عددها صاحب الذكرى وهي: الإيمان، والمحبة لمن حولك، وألا تغضب، ولا تحقد، ولا تحسد. وستة حسيات: لا للخمر، ولا للدخان، ولا لزيادة الوزن، وممارسة الرياضة، والنوم ست ساعات في الليل، وتناول الإفطار بانتظام.

4. أن يتصف الإنسان بالتوازن في احتياجاته العشرة التي فصلها الحبيب تفصيلا في كتابه أيها الجيل والذي أنصح الأطفال والصبية والشباب والكهول بقراءته، وتلك العشرة الكاملة هي: الروحية، الخلقية، المعرفية، المادية، الاجتماعية، الفنية، العاطفية، البيئية، الرياضية، الترفيهية. والتي ينبغي إشباعها بصورة متوازنة.

5. أن تكون لحياة الإنسان قيمة مضافة في فكرة، وثقافته وتثقيفه، وتطويره، فقد كانت حياة الراحل توثيقا للأحداث وتدوينا للأفكار وتطويرا للقيم والمعاني بل حتى الملبوسات التي نتزيا بها، فجعل من مظهر الزي السوداني تحفة فنية ومن مجرد العامائم "الدلقان" على رؤوس أحبابه "تيجان".

6. أن يسر الإنسان بامتنانه لمن حوله ويعلن ذلك، فقد كان الحبيب في كل عام يعدد مآثر واجتهادات من حوله ومن يتبارون في عونه على الصعيد الأسري والخاص والعام، وظلت إشاداته بأبنائه في مكتبه الخاص أنصع صور الوفاء فعرف الناس عنقود الخدمة والوفاء المتصل من العم إبراهيم علي والأحباب محمد زكي وأحمد يوسف والحبيبات رباح الصادق وإنعام الجمري وسامية يعقوب، وكثر ظل يذكرهم من الأقارب والأغارب.

7. أن يظهر الإنسان وفاءه للراحلين ومواساته لأهلهم وذويهم، فقد كان الحبيب في كل عام يذكر من رحلوا عن حياته ويواسي أهلهم بكلمات تخفف الآلام والأحزان، وها نحن اليوم هذا العام لا نجد من يواسينا في فقدنا الأليم ولا من يضمد جرحنا الذي لن يلتئم.



ثالثا: إن هذا الحبيب كانت حياته محبة وسلام، لأنها كانت لها قيمة أضافت للمجتمع الأنصاري والإسلامي العريض والإنساني قاطبة، فقد عزز قيما عز أن تتوافر في مجتمعات اليوم، وأذكر منها:
1. أن الوصول إلى الحقيقة لا يتأتى إلا بالمثابرة، فقد سمعت أحدهم يسأله عن اسم الله الأعظم، فرد له قائلا: اسم الله الأعظم هو همة المؤمن، متى ما علت همة المؤمن أدرك اسم الله الأعظم.

2. أن قيمة الإنسان كونه من بنوة آدم عليه السلام ذكرا كان أو أنثى طفلا كان أو كهلا، توجب تكريمه: ﴿۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ الإسراء (70)، وقد حرم علينا ترديد كلمة "شافع" التي تقال للأطفال لأنها تردد أصداء الموت، ومنعنا من ترديد كلمات "عوين، وحريم، أو مرا"، وشدد على أن نصفهن بما وصفهن به الله ورسوله الكريم، إما إمرأة أو نساء أو سيدة.

3. أن الحسنى والتعامل بها ينبغي أن تكون للجميع، فقد رأيناه يحسن لمن ناصبوه العداء ومن مكروا به مكر السوء، فعنده الدين المعاملة، وعنده تتدرج من المماثلة إلى الإيثار، ولكنه لم يقابل مسيئا بإساءة.

4. أن العضلة التي بين فكي الإنسان، ينبغي أن تصان وتسخر للخير والفضائل والطيبات، وألا تنجر للتسفل والسفاهات والتفاهات، فقد حاول أحدهم أن ينتزع منه إساءة لفظية ردد بأني لن أقول ذلك.

5. أن التعالي والكبرياء من المحرمات التي متى ما تركها فهي ما يرفع قدر الإنسان وظل يردد:" الارتفاع بالاتضاع"، فرغم رئاسته لأكبر حزب في السودان وإمامته لأكبر كيان ديني تجده، يجالس الجميع ويخاطبهم وكثيرا ما سمعته ورأيته يطلب الفرصة من رؤساء الجلسات ويرفع يده طلبا للحديث شأنه شأن أي عضو في تلك المؤسسات والمجالس عندما يرأسها غيره.

6. أن الديمقراطية ليست شعارات سياسية، وإنما هي نظام حياة يحترم الآخر وخصوصيته وحريته، وتقبل وجهات النظر المخالفة برحابة صدر، وتحمل نتائجها التي كثيرا ما توغر صدور المهزومين، فقد ارتقى بهذه الممارسة الديمقراطية إلى ما عرف عنده بالتوافق، وظلت جميع مواقفه الجماعية والمؤسسية وقرارته تتخذ طابعا توافقيا، ولم يرغم يوما أحد على الالتزام برأيه المخالف وكثيرا ما تنازل عن قراره لصالح قرار الجماعة.

7. إن الحكم ليس غاية وإنما قيمته السامية تتجلى عند تحقيق العدالة والمساواة والشفافية والمساءلة وسيادة حكم القانون، وأن حوكمة كافة المؤسسات في كل مرافق الحياة ومراحلها ينبغي لها أن تلتزم بهذه الأركان الرشيدة.



رابعا: حرم هذا الجيل من القرب الوجداني والفكري والوطني والسياسي والإجتماعي من الإمام الصادق المهدي، لعوامل كثيرة، منها الذاتي كالحسد والغيرة، ومنها الموضوعي كالتنافس والتدافع السياسي والديني، وأتى الوقت ليتجردوا جميعا من تلك النزعات الذاتية والموضوعية، للاستبصار في مسيرة الرجل الذي مضى إلى ربه راضيا مرضيا، أفنى زهرة شبابه من الركاب إلى التراب في خدمة الدين ونجدة الوطن، لا يبتغي الأجر إلا وجه ربه الأعلى عله يرضى، وواجبنا اليوم الذي لا غنى عنه هو الإنصاف والإقرار بما تم اقترافه من ضلالات فيه حقه، وذلك بالآتي:
1. أن يبذل أنصاره كل جهدهم لرفع راياته الدينية والوطنية والبيئية والإنسانية والأخلاقية، ويتابعوا مشاريعه الوطنية والإقليمية والدولية مساعيه حتى بلوغ تمامها.

2. أن يراجع جميع من صمموا الحملات المدفوعة بأجندة سياسية وأمنية ضده كتاباتهم وأقوالهم ويعتذروا عن ممارساتهم التي وصل بعضها محاولات التصفية والإغتيال.

3. أن يطلع الذين ناصبوه العداء دون علم أو فهم لمشروعه على ما تركه من كتابات مسطورة ومنشورة في كل المواقع والوسائط، عسى ولعل تذوب تلك الجفوة المصطنعة.

4. أن يسعى السودانيات والسودانيون ويصروا على استكمال المشروع الذي أكد رجاحته "الديمقراطية عائدة وراجحة"، وأن يؤسسوا ذواتهم في وطن أجدادهم ومنبت رزقهم.

5. أن تفتح تحقيقات شفافة حول المؤسسات والشخصيات الأمنية والسياسية التي حاولت مرارا اغتياله، لردع كافة المحاولة الماثلة لاغتيال آخرين ماديا ومعنويا.

6. أن تصان المعاني التي جسدها في حياته حتى مماته، وتحرس كما حرسها سلفه الأوائل مهما كلف الحرص، وأن تبذل التضحيات لبلوغ الغايات.

7. وأعظم العرفان أن يلتئم من تفرقوا بعده، فالوفاء له يستحق الاجتماع في داره الدينية ومقره الحزبي وقطيته العامرة، وخلف نصوص ومسودات ومشروعات كد لصياغتها وإنضاجها.



ختاما: فضلا وتكرما لا تلومونا في محبتنا له ولفكره ولنهجه، فقد حفنا باللطف، وغذى عقولنا بالفكر، وفتح ألبابنا وقلوبنا للنقد وتحمل الأذى، وجعل منا تواقين للحق، مناصرين للضعفاء والمظلومين، حماة وحراسا ونجادين، عزز فينا المروؤة والنجدة والشهامة وأوصانا بالصلاة والزكاة ما دمنا أحياء، وحببنا في ديننا ووطنا وبعضنا فترك فينا مفردة (حبيب) التي لها استحقاق واحد وهو المحبة الخالصة لأخووة الوطن والمحبة في الله والدين الحنيف.

تهاني للجميع بذكرى الميلاد المجيد، ولكل المحتفين بميلاده وميلاد السيد المسيح عليه السلام، ولكل أحبابه وأصحابه وجيرانه وعارفي فضله، وأن يربط الله على قلوبهم لفقده ويلهم زوجه وأهله وذريته من الدم والروح الصبر والهداية والرشاد، وأن يرزقنا وإياهم حسن العزاء،﴿ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ﴾ البقرة (156).

• اللهم أنر وجه الحبيب الإمام الصادق بنور وجهك الكريم وارزقنا وإياه لذة النظر لنور وجهك يا رحيم وتفضل علينا بجود منك وصحبة نبيك عليه الصلاة وأفضل التسليم.

عروة الصادق
25 ديسمبر 2022م
البقعة

الخميس، 22 ديسمبر 2022

البشير من الآلهة إلى الآلة

البشير من الآلهة إلى الآلة
● ظللت طوال سنوات حكم الرئيس المخلوع أسميه الآلهة عمروت، فقد تجلت فرعونيته واتسامه بصفات المتألهين طوال فترة حكمه، فهو هامان الذي انقلب على الفرعون، وهو الرئيس الواحد الأوحد لكل شيء، رئيسا لمجلس قيادة الثورة والقائد العام للقوات المسلحة ورئيس الحزب الحاكم ورئيس الحركة والإمام المبايع، للدرجة التي أوصلت بعض كوادر التنظيم للسجود له على مرأى ومسمع العالمين، فاستحق أن يكون آلهة معبودة من دون الله بامتياز يردد مقولة سلفه فرعون لعنه الله: (ما أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ) غافر(29)، ويردد كوادره في مقابيء الاعتقال والقمع والتعذيب أن هذا البشير خالدا أبدا وأنه سيسلم الحكم للسيد المسيح، تعالى الله عما يأفكون.



● إلا أنه استحال باستغلال دهاقنة الحركة والتنظيم إلى آلة، تم تثبيت برمجة جديدة لها تأتمر بأمر التنظيم وشيوخ الحركة، وتتوجه بتوجيهاتهم عبر التسيير من على البعد، فضرب به مثل الجنرال الأغبى، والأكذب، والأجبن، ممن مروا على القوات المسلحة السودانية، فها هوى يمضي في ذات الغي سادرا دون أن يكبحه وازع دين أو أخلاق أو قيم أو حتى شرف الجندية السودانية الذي مزقه يوم أن انحنى للإخوان ليمتطوه وصولا إلى السلطة.




● مضى في الأمر وكأنه قد أغشي عليه، حتى قتل خيرة زملائه من ضباط القوات المسلحة، بدم بارد ودفن بعضهم أحياء كما أفاد الشهود، وهذه وحدها كافية أن تجعله إن كان بشرا بدم ولحم أن يرتجف وترتعد أوصاله، فمن بين الضباط زملاء آووه في منازلهم وأطعمنهم نسوته وناداه أطفالهم بـ (عمو عمر) إلى أنه لم يقدر لا شرف الجندية ولا خووة السلاح ولا لقمة العيش ولا الثقة التي أولاها له زملاؤه وأسرهم، ليستمر المخلوع في التبجح السافر وليثبت على أقواله لأنه سيواجه خصوما جدد من ضحاياه في محاكم قادمة لن يقو على مواجهتها وسينهار باكيا كلما رأى إحدى زوجات أو بنات أو أبناء زملائه الذين أعدمهم.



● هذه المحاكمة التي تجري في الخرطوم أكدت أنه لا زال الإخوان يستخدمون الدهاء والمكر لإدارة المشهد السياسي، والعبث بتفاصيل الأوضاع الحالية، بما فيها محكمة المخلوع، وكما تم التمويه يوم تكوين مجلس الثورة ومجلس الوزراء في 1989م، بتعيين من أسموهم تكنوقراط وهيمنوا على وكالات الوزارات بكوادرهم وعبر لجان سياسية وأمنية واقتصادية على رأسها جنرالات يديرهم كوادر التنظيم والحركة، هاهم يكررون ذات الأساليب بالتسربل بثوب الدين والتأصيل لذلك بأن: "الحرب خدعة"، وما رسوا ذلك التضليل إلى أن حصلوا وقتئذ على الإعتراف المصري بالإنقلاب والتأييد والترويج له في الدول العربية ودول الخليج التي منحت الإنقلاب دفعة معنوية وسياسية ودبلوماسية كبيرة جدا، وهو ما يرجون الحصول عليه هذه الأيام من تعاطف إنساني وعربي وحقوقي مع رأسهم المخلوع (الآلة عمروت).




● أذكر أن عثمان أحمد حسن عضو مجلس الثورة، رئيس اللجنة السياسية بعد الإنقلاب، عكف مباشرة على الاتصال بالملوك والرؤساء في المنطقة العربية والإفريقية، وشملت السعودية ليبيا تشاد وكينيا وارتريا واثيوبيا وغيره، قال لهم بأن "الثورة" قومية وليس لها توجه سياسي أو حزبي أو جهوي.
• ولكن اللواء الفاتح عابدون كان رئيس الجبهة الإسلامية في الخرطوم، وأمين التنظيم في السودان ضمه اجتماع في مدرسة خاصة في شارع جبرة بالشيخ الترابي، ويقول: " بعد الغداء أخبرني الشيخ حسن الترابي بأن هناك أمر سيضطرنا لاعتقالك"، فأجاب: " ما يجري عليكم يجري علي".



• أما محجوب فضل وهو ضابط إسلامي متقاعد قال: " عندما بدأنا التحرك لتأمين المواقع، والناس متجهون للحفلات، وكنت أعلم أننا ننفذ إنقلابا، وتسلمنا كلمة سر الليل التي تغيرت في منتصف الليل "بالوطن الغال"ي، وكانت بطاقة مرورنا للداخل، والأمر الذي لم يحتج لكثير من التعقيدات.




• أما مالك دفع الله، أحد الضباط الإسلاميين له شهادة مهمة وقد برر للانقلاب بأن هناك 60 عسكري ماتوا جوعا في الجنوب، وذكر هناك فتاة اسمها جمال أبو القاسم تعمل في التلفزيون أتلفت التسجيل الأول الذي تم تسجيله في منظمة الدعوة الإسلامية، ما اضطررهم للعودة للقيادة العامة لتسجيل البيان مرة أخرى في استديوهات التوجيه المعنوي بالقيادة، وقال له البشير منفعلا بعد التسجيل:" البيان لو ما اشتغل أقراه انت يا مالك"، وأعطاه النسخة الأصلية التي قرأ منها، وأفاد مالك بأن الشيخ حسن الترابي هو من طلب الإعتقال ليكون بمثابة تمويه و"كوموفلاش"، وشدد على ألا تظهر "دقن" في الإنقلاب، حتى أن هنالك ضباط حلقوا لحاهم قبيل الظهور بقليل وهم حضور لبيان رئيس مجلس قيادة الثورة، وأفاد بأن محمد إبراهيم نقد إطمأن بعد أن وجد الترابي معه في المعتقل بأن الإنقلاب ليس إخوانيا، وانطلت عليه الخدعة بحسب مالك..





• وفي الإفادة عن القوة التي سيطرت على الخرطوم قيل أنها لم تصل إلى 300 شخص في غضون ساعتين نفذت الخطة التي اشتملت على اعتقال جميع الوزراء والرموز، بمن فيهم بعض قيادات الجبهة الإسلامية، وقد تلقى بعضهم التدريب في ليبيا وقد شارك في العملية بعض الأفغان العرب.




• كما أسلف للتمويه تم اعتقال قيادات الحركة الإسلامية، وقد نفذ الضابط إبراهيم البطحاني من اعتقل اللواء عابدون الطاهر وهو صديق لابن اللواء وأخبره أن هناك إنقلاب وأنك مطلوب حمايتك، بدأت المجموعة تتوالى في محطة التجميع الأولى للإعتقال، الترابي أحمد عبد الرحمن السنوسي، وتم نقلهم إلى سجن كوبر الاتحادي.




• وبحسب إفادة محجوب فضل أن وصول السفير الأمريكي في ساعة الصفر (2:00) وملاحظة الأمريكان لحركة الجيش غير الطبيعية في شوارع الخرطوم والوضع المعلوم هو أن الخرطوم بها نظام مدني ديمقراطي، لم تفت تلك الملاحظة على عناصر الـ(CIA) وطاقم حماية السفير الأمريكي، وأن تلك الصدفة هي من أعاقت اعتقال مبارك الفاضل وآخرين.




• وقال فضل أن مصر كانت تعد لانقلاب مغاير لما قامت به الجبهة الإسلامية وقتها مع بعض الجهات في الجيش وقد التبس عليها الأمر وظنت أن عناصرها هم من نفذوا الإنقلاب، لذلك سارعت في تأييده وتقديم الدعم الدبلوماسي له، وهيأت الرؤساء والملوك العرب لدعمه والإعتراف به.





• أكبر الأكاذيب التي يتخذها الإخوان ذريعة للإساءة للحكومة الديمقراطية والحكومة الانتقالية المنقلب عليها في 25 أكتوبر وحراك الحرية والتغيير أنها عميلة للغرب وتتلقى توجيهاتها منه، ولا يذكرون أنه وفي صبيحة اليوم التالي للإنقلاب قد التقى العميد عمر البشير بالسفير الأمريكي مرتجفا يتصبب عرقا يرتجم له أحد كوادر التنظيم، قائلا للسفير أن تحرك القوات المسلحة جاء لإنهاء نظام فاسد، وقد حكم البشير لمدة 30 عام ولم يستطع إلصاق تهمة فسادة واحدة في أحد قادة النظام الديمقراطي في 1989م.




• كما أكد للسفير أن الثورة لن تدخل في محاور ولن تقف ضد أي دولة، ورحب بالسفير وطالبه بتقديم شكره للإدارة الأمريكية على المساعدات والعون الذي تم تقديمه إبان أزمة الفيضانات وأكد على الصداقة بين الشعبين، بل ومضى إلى أكثر من ذلك بأنهم سيزيلون كافة العقبات والعراقيل التي وضعها النظام الديمقراطي أمام الأمريكان في السودان، وهنا الإشارة لرفض رئيس الوزراء السيد الصادق المهدي إقامة قاعدة الأفروكام العسكرية في سواحل البحر الأحمر.




• وما ردده البشير عن فشل الحكومة تكذبه عملية شريان الحياة التي كانت من أكبر المشاريع السياسية والأمنية والإنسانية المدهشة التي سمحت بمرور الإغاثات بين المتاحربين وخطوط التماس، وسمي الأمر "بنموذج السودان" وكان المقرر تطبيقه في أفغانستان ودول أخرى لتسهيل مرور العون والغوث الإنساني عبر خطوط التماس.




• الوثائق العسكرية التي صدرت والأوامر التي حكمت الفترة الأولى للإنقاذ وحدها تفضح صلة التنظيم وهيمنته على الإنقلاب فنجد أن محمود عثمان الفاضل أصدر أوامر عسكرية في الإقليم الشرقي وهو قائد منطقة البحر الأحمر العسكرية، بموجب قانون الطواريء، وزج بأسماء مدنين تبين لاحقا أنهم عناصر للجبهة الإسلامية.




• ومن ضمن الشواهد والشهود معتمد العاصمة وقتها (حسان) الذي اجتمع بقيادة الإنقلاب وأفصح عن الإحتياطي من السكر والدقيق محل الأزمة التي قادت للانقلاب والكميات التي وفرها له تجار الجبهة القومية الإسلامية، والتوجيهات التي صدرت له لفتح معارض للبيع المباشر بعد ترهيب وغيب التجار بنقل ما في مخازنهم إلى حدائل السادس من إبريل بعد يوم من الإنقلاب لبيع السلع بأسعار محددة وفق ضوابط لجنة كرار.





• وكرار هذا هو صلاح الدين كرار الذي برر للإنقلاب بأن كتيبة الضفادع البشرية كانت تحمي طلمبات الوقود في كنانة دلالة على دنو التمرد من مدينة ربك وأن ذلك وحده كان مبررا للإنقلاب ليرأس اللجنة الاقتصادية في مجلس قيادة الثورة وبحكم يتم علاقته بالاقتصاد كان  مقرر تلك اللجنة بابكر محمد توم وهذا الاسم ليس عسكريا وليس من المصادفة أن يكون لاحقا هو رئيس اللجنة الإقتصادية في برلمان النظام المباد ورئيس اللجنة الاقتصادية للحزب المحلول، تلك اللجنة (الكرارية الدولارية) شكلها مجلس قيادة الثورة للتحكم في الثورة الجديدة، لتكون عين على العمل الإداري والتنفيذي، اللجنة الأمنية رأسها الزبير وتحته عناصر إخوانية تولت فيما بعد إدارة المخابرات كقطبي المهدي ونافع علي نافع وغيرهم، اللجنة الإعلامية رأسها سليمان محمد سليمان وتحته مجموعات إخوانية، والقانونية ترأسها التجاني آدم الطاهر الذي حشد تحته قانونيو الحركة والحزب.





• المدهش أن جميع هؤلاء من مجلس قيادة الثورة إما تمت تصفيتهم أو ماتو بحسرتهم أو تم ضرب حجاب بينهم وبين المخلوع، للدرجة التي جعلت صلاح كرار يجأر بالشكوى ويستجدي مدير مكتب المخلوع وقتئذ حاتم بخيت للقائه وحثى الثرى ليلتقي طه عثمان الحسين ليهيء له لقاء مع البشير، وصرح بأن بكري حسن صالح عجز عن ترتيب مقابلة له مع رئيسه المباشر قائد ثورتهم الموؤودة.





● ختاما: أعتقد أن أهم شهود المحاكمة الحالية إن لم يكن من المتهمين بالإنقلاب هذا الكرار الذي تحدث عن الأمر مرارا وتكرارا ووصف قرارات رمضان بأنها كانت عسكرية، ومحاكمات تمت لمن خالفوا قانون القوات المسلحة، وكأن انقلاب البشير على القائد فتحي أحمد خليل كان بموجب صحيح القانون!!! وقال بأن محاكمة مجدي محجوب كانت بموجب القانون وأن المسؤول عنها جلال علي لطفي الذي طالب من رئيس مجلس قيادة الثورة المصادقة على إعدام مجدي، هذه الشهادات المنشورة والمسطورة يجب أن تجمع ويستنطق قائلوها الأحياء حتى تستبين شجاعة هذه الزمرة التي زجت البلاد في جحر الدماء والدمار والخراب وفرطت في الثروات والتراب.




عروة الصادق
23. ديسمبر 2022م
البقعة