الجمعة، 30 ديسمبر 2022

إضراب المعلمات والمعلمين- بعد صحي

إضراب المعلمات والمعلمين في السودان – بعد صحي


• شهدت البلاد إضطرابات وحروب وهجرة ونزوح ولجوء وتعسر ومشاكل اجتماعية وأسرية واقتصادية أدت لنزعات إجرامية ونزاعات على الهوية، وبعض أطراف العلمية التعليمية من تلاميذ وإدارات ومعلمين، تأثروا بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فبعضهم ضحايا وآخرين كانوا جنودا ضمن عمليات الحروب العبثية التي انتظمت البلاد، والبعض لوردات حرب بامتياز، هذا الأمر أدخل البلاد في خلل صحي مبدأه الصحة النفسية للمعلمات والمعلمين وتلاميذهم وإداراتهم والاعاقة البدنية او السمعية او البصرية وتقطع أوصال فئات بعض الأطفال وتعرض بعض الطفلات للعنف، وما يؤسف له أن جميع الخطوات التي بدأتها الحكومة الانتقالية في تعزيز الصحة النفسية في المدارس والمؤسسات التعلمية وإداراتها.



• وقد ازدادت الأمراض والكوارث الصحية في البلاد وانعكست على التلاميذ وأساتذتهم فازدادت حالات الأنيميا الحادة وفقر الدم والتقزم والشرود الذهني وأمراض الطفولة المختلفة وقد أطل شبح شلل الأطفال برأسه من جديد، وفي فترات الشتاء تتضاعف أعداد المصابين بالربو والالتهابات الرئوية والحساسيات وأمراض الجلد (القوب)، وهو ما يوجب تكاملا صحيا وغذائيا لن يستطيع المعلمون وحدهم وضع خطته وسياساته، وإنما هو جهد حكومي إداري أهلي مع سلك التعليم والمؤسسات التعليمية والصحية الدولية.



• نجا التلاميذ من تأثير الجائحة التي مرت على العالم كوفيد19 لأن تأثير الفايروس على الأطفال ضئيل، ولكن هذا الأمر يوجب التحسب لأي طاريء يمكن أن يستشري وسط التلاميذ لا قدر الله مستقبلا، وفي الأوضاع الصحية الحالية وانعدام الوحدات الطبية في المدارس والمرافق التعليمية يمكن أن يوصل البلاد إلى مستوى مريع ودرجة عالية من الخطورة الصحية، وقد رأينا ذلك في حوداث مختلفة كحادثة تلميذات الجنينة.




• ومثل غياب الميادين الرياضية والساحات المناسبة لممارسة الأنشطة الرياضة في المدارس أحد عوامل التراجع الصحي والذهني للتلاميذ، لأن العملية التعليمية تحتاج إلى شحذ العقول وتدريب الأجسام وتأهيلها للنمو والاتقاد، فالأنشطة الرياضية تحصن التلاميذ من الأنشطة الممنوعة التي يستعيض بها التلاميذ في أوقات فراغهم، فقد استشرت المخدرات وسط التلاميذ بنسب مخيفة ومريعة وبصورة سريعة لتزايد شبكات الترويج وعصابات الاتجار في المخدرات، وهو ما يهدد سلامة عقول جيل كامل، لذلك يرى المعلمون بضرورة تهيئة الساحات والميادين والمرافق الرياضية والمسابح وتوفير الأدوات والمعينات الرياضية والبرامج التنافسية لضمان سلامة الأطفال وحرصهم على صحتهم.



• كما أن الوضع البيئي في المدارس وما حولها من مرافق وشوارع وميادين ومؤسسات لها ارتباط مباشر بالمؤسسات التعليمية، ينعكس على الوضع الصحي، فغالبية الساحات والميادين حول المدارس عبارة عن مكب للنفايات، وهناك مدارس بنيتها التحتية ليس بها أنظمة بيئية ولا صرف صحي ولا محارق للنفايات، وتلوث كبير في مياه الشرب التي في الغالب تكون مواعينها مكشوفة أو عبارة عن مياه مستجلبة بخزانات ملوثة من موارد عطنة، أو تشارك التلاميذ في وسائل وأدوات الشرب، ما يقود لانتشار أوبئة مرتبطة بالتلوث البيئي، بل حتى أن جرعات التثقيف البيئي في المدارس والمنهج تكاد تكون معدومة، وما يؤسف له أن التوجه البيئي توجه عالمي ضمن أهداف الألفية التي تواضعت عليها الأمم المتحدة وسخرت لذلك أوجه صرف كبيرة تتلقى المؤسسات التعليمية قدرا كبيرا منه، ولكن لأن أولويات البلاد مختلقة قادت إلى إهمال هذا الجانب الذي يكلفنا حياة فلذات أكبادنا.



• ومن أكبر أسباب استشراء الأمراض بين التلاميذ طريقة التخزين والنقل للكتاب المدرسي في المطابع ومراكز التوزيع والوزارة والمخازن المدرسية، إذ تعج تلك المرافق بالحشرات والآفات وتراكم الأتربة لسنوات، وهو ما يزيد من نسبة احتمال انتشار الأوبئة وسط التلاميذ، وينطبق هذا الأمر على الأطعمة التي تنتشر وسط الأطفال والتي يتم استجلاب سوادها الأعظم من دول جارة وتتنقل إلى السودان عبر طرق مخالفة للمواصفات والمقاييس وبعضها يتم التلاعب بتواريخ صلاحيتها، ويتم نقلها وتخزينها في مواعين ملوثة توجب تعيين أجهزة رقابية وأطقم صحة وسلامة في كافة المدارس للحفاظ على سلامة التلاميذ.




• ختاما: إن الأوضاع الصحية في المدارس الحكومية أوجبت أن يعلي المعلمات والمعلمون أصواتهم ويرفعوا مذكراتهم ويطالبوا بتحسين الأوضاع، استنكارا للتردي الماثل والأخطار الداهمة ورفضا لها وطلبا لبيئة أفضل، ولن يكون ذلك كذلك إلا باستئصال العناصر الفاسدة التي تهيمن على المؤسسات والإدارات التعليمية الحكومية في المركز والولايات، وأن تجتهد المجالس التربوية من الآباء والأمهات في دعم تكامل التصورات التي ينادي بها المعلمون والمعلمات، وصولا للبيئة الأفضل صونا لكرامة أبنائهم وحماية لهم من الكوارث الصحية.


عروة الصادق
ORWAALSADIG@GMAIL.COM

إضراب المعلمات والمعلمين- بعد أخلاقي

إضراب المعلمات والمعلمين في السودان – بعد أخلاقي


• يعزي الجميع أسباب التردي في التعليم للأوضاع الاقتصادية التي تعيشها البلاد،وهو أمر مجاف للحقيقة ومناف للعقل، إذ أن العام 2022م وحده تم صرف ما يقارب الستة ترليونات بالجنيه السوداني على الصرف الأمني والاستعداد العسكري، وهو ما يعادل ميزانية التعليم لعام دراسي كامل بما فيها الإجلاس وطباعة الكتاب وإطعام التلاميذ، وهو ما يبين إختلال ميزان القيم والأخلاق عندنا كسودانين، فالتلاميذ بلغ بهم الجوع ما أوصلهم لفقر الدم والسل والأمراض المتخلفة، وجلسوا القرفصاء تحت ظل الأشجار وزمهرير البرد وهجير الشمس، يفترشون الأرض.




• أدخل هذا الأمر كثير من المعلمات والمعلمين في نزاع ذاتي، وبعضهم آثر السلامة والفرار بجلده، فلا مرتباتهم تكفي لشراء وجبات للتلاميذ الجوعى ولا يستطيعون شراء كسوة أو كتب للأيتام، ولا يستطيعون حتى تحفيز النوابغ في فصولهم بشراء هدايا، وبعضهم لا يستطيع حتى تجديد ثيابه وأحذيته للعام الجديد، هذا النزاع الأخلاقي دفع ببعض المعلمين إلى الجنون والفرار من فصول الدراسة إلى حفر التنقيب عن الذهب أو الهجرة وركوب البحار.




• العالم حولنا يتحدث عن فصول مهيئة للتلاميذ تؤهلهم لأن يكونوا بشر أسوياء لا يعانون من أزمات نفسية أو اجتماعية أو أخلاقية، ونحن تلاميذنا في الفصول، يفكر أحدهم طوال ساعات الدرس كيف يقضي حاجته إذا خرج في فترة الراحة، وأين يقضيها، والمعلمات والمعلمين بين نزاع أن يمنحوهم "مراحيضهم" أو يمنعوهم عنها لئلا تتسخ، وحتى تلك المراحيض الموصدة أمام التلاميذ عرضة للإنهيار، وقد حدثت عدة حوادث أودت بحياة معلمين وتلاميذ.




• وبعض المعلمين لا يستطيعون أن يأكلوا في المدارس، وبعضهم تتحجر اللقمة في حلقه وهو يرى أطفالا في بعض مدارسهم يجمعون فتات الطعام من المقاصف وبقايا أكل زملائهم، وهنا تثقل كواهل المعلمين والمعلمات بعبء أخلاقي ليس لهم فيه يد سوى أنهم إختاروا أن يكونوا رسلا، ولكن بلا رسالة، فكل عمليات الرسالة معطوبة ومعطلة ومثقلة بالعيوب.




• إن العوز الذي تشهده البلاد مصطنع بامتياز ومقصود، فذات المعلمين الذين يرون آلاف المعدمين في مدارسهم، يرون مؤسسات تصرف ملايين الدولارات في عمليات بذخية وأوجه صرف ترفية وحشود سياسية، ومؤتمرات تفاخرية، وتمويل لجماعات سياسية ومليشيات مسلحة، بل بعض الأنشطة التي لا علاقة لها بالتعليم تجد وزير التربية مشاركا ومباركا، وهو ما يؤكد أن لهذا الصراع في ملف التعليم أبعادا أخلاقية تتراص من أعلى سقوف الدولة وصولا أدنى مستوياتها في أقصى "كرنك" يستخدم كفصل دراسي نواحي "كُبم" في أقصى الغرب.



• ختاما: نحن من جيل تعلم في فصول الدراسة أقوال الأدباء والحكماء والشعراء وظللنا نردد ونكتب في جدران فصولنا ومدارسنا ما سطره أمير الشعراء أحمد شوقي:

    والصدقُ أرفع ما اهتز الرجالُ
          لهُوخيرُ ما عوّدَ ابناً في الحياةِ أبُ
    وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ
               فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا


• ونظل نردد على الدوام مقولة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعاليَ الأخلاقِ، و يَكرَهُ سَفْسافَها)،وهو ما يوجب الخروج من سفاسف التحشيد القبلي والتسليح ودعم خطابات الكراهية إلى دعم التعليم والمؤسسات التي تجمع أبناءنا بدون تمييز للجنس أو الدين أو العرق، ونتمثل قوله صلي الله عليه وسلم: (إنَّ أَحَبَّكُم إليَّ، وأَقرَبَكُم مِنِّي في الآخِرَةِ: أحاسِنُكُم أخلاقًا)، وهو ما يوجب نهوضا أخلاقيا وخلقيا في العملية التعليمية وأن يتسق الاحتجاج الماثل من معلمات ومعلمي بلادي وجليل الأخلاق، وأن يقابل أيضا بمسؤولية من الأهل والأسر وأهل الخير

عروة الصادق
ORWAALSADIG@GMAIL.COM